عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كريم عبد الله: وجهُكِ.. حين انتصرتِ على المرايا

في هذا الزمنِ الغريب، حيثُ صارتِ الوجوهُ تُصنعُ بلمسةِ زر، وحيثُ دخلَ الذكاءُ الاصطناعيُّ إلى مرايا البشر، فأعادَ تشكيلَ الملامح، ومزجَ الحقيقةَ بالوهم، حتى صارَ الوجهُ لا يعرفُ هل هو صورةُ صاحبهِ أم قناعٌ صاغتهُ خوارزمياتُ الخيال.

*

رأيتُ وجوهًا كثيرةً تخلّتْ عن دفئها، ارتدتْ جمالًا مصطنعًا، ونظراتٍ لم تعرفها العيون، وشفاهًا لم تنطقْ يومًا بالحبِّ أو الحزن.

*

كلُّ النساءِ تقريبًا أصبحنَ أسيراتِ المرايا الجديدة، يبحثنَ عن صورةٍ مثالية لا تشبهُ أرواحهنّ، ويطاردنَ وجهًا آخر صنعتهُ الآلاتُ وأضاعتهُ القلوب.

*

إلّا أنتِ… بقي وجهُكِ نقيًّا، كصفحةِ ماءٍ لم تلمسها يدُ العاصفة، كأنّكِ آخرُ إنسانةٍ تدافعُ عن جمالِ الحقيقة في زمنٍ انتصرَ فيهِ التزييف.

*

لم تحتاجي إلى خوارزميةٍ لتصبحي أجمل، ولا إلى مرآةٍ ذكية لتخبرَ العالمَ من أنتِ؛ ففي ملامحكِ كانت تسكنُ حكايةُ الروح، وكان الصدقُ أجملَ زينة. وجهُكِ ليسَ صورةً قابلةً للتعديل، بل قصيدةٌ كتبتها الحياةُ بيدها الأولى، ولم تجرؤْ عليها أصابعُ المصممين.

*

حينَ تداهمني المحن، وحينَ يصبحُ العالمُ معرضًا للوجوهِ المستعارة، أبحثُ عنكِ… لا لأرى جمالًا فقط، بل لأتأكدَ أنَّ الإنسانَ ما زالَ قادرًا أن يبقى إنسانًا.

*

أنتِ قبلتي حين تضيعُ الجهات، وفجري حين يطولُ الليل، والوجهُ الوحيدُ الذي لا يحتاجُ إلى تحديثٍ لأنه مكتملٌ بالنور.

*

فليصنعِ الذكاءُ الاصطناعيُّ آلافَ الوجوه، وليمنحِ المرايا ملايينَ الأقنعة… سيبقى وجهُكِ وحدهُ ذلكَ الوجهَ القديمَ الجميل، الذي حينَ أنظرُ إليهِ أعرفُ أنَّ الحقيقةَ ما زالتْ تمشي بيننا.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

في نصوص اليوم