عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

عماد خالد رحمة: أكبر مني بقهرٍ ونيف

أنا أكبر مني بقهرٍ ونيف،

أمشي أمام ظلي

كي لا يراني وهو يشيخ.

*

كلما وضعت يدي في جيبي

وجدتُ طفولةً مكسورة،

وبعض الحصى،

ومفتاحاً صدئاً لبابٍ

لم يعد يعرف الطريق إلى البيت.

*

أحلامي صارت حطباً

لموقدٍ خشبي

تحت خيمةٍ ممزقة،

كلما أشعلناها

احترقت السماء قليلاً،

ثم نزل الليل علينا

بجناحين من رماد.

*

كل صباح،

أتفقد أطرافي واحدةً واحدة:

هذه يدي...

هذا قلبي...

وهذه الذاكرة،

لكنني لا أجد اسمي.

*

أبحث عنه بين الأنقاض،

فأجد طفلاً يركض

وراء كرةٍ من خبز،

وعجوزاً يخبئ مفتاح الدار

تحت لسانه،

كي لا تسرقه الخرائط.

*

تعلمت الحساب

بعد الأشلاء المتناثرة

هنا وهناك؛

فصرت أعرف

أن الواحد قد يكون بيتاً،

وأن الصفر

قد يكون مقبرةً كاملة،

وأن بعض الأرقام

لا تُكتب بالأقلام،

بل بما تبقى من أصابع الأمهات.

وكان الغاشي

يمطر رؤوسنا كل حين

بمناشيره المجترّة،

حتى صار الكلام

أثقل من الحجارة،

وصارت الحقيقة

تحتاج إلى خوذة.

*

قالوا لنا:

«من يفقه التاريخ

تحرم عليه الجغرافيا».

*

فضحكنا،

ثم خبأنا الجغرافيا

في جيوب التاريخ،

وذهبنا نبحث عن بيتنا

في كتابٍ نسي مؤلفه

أن الأرض لا تُمحى

بممحاةٍ سياسية.

*

حفظنا حكايات الجدات

واحدةً واحدة،

وضعنا حكمتها

مسابح حول أعناقنا،

كل خرزةٍ منها

مدينة،

كل فاصلةٍ

قبرٌ مفتوح على نجمة،

وكل دعاء

نافذةٌ صغيرة

تطل على بحرٍ

لم يتعلم بعدُ كيف ينسى.

*

قالت جدتي ذات مساء:

لا تثق كثيراً بالخرائط،

فهي تنام على الطاولة،

بينما الأرض

تظل مستيقظةً تحت أقدامنا.

*

ومنذ ذلك اليوم

صرت أنام واقفاً،

وأضع حذائي قرب رأسي،

لعل الطريق

يدخل إليّ في المنام.

رأيتُ ذات ليلة

أنني ولدتُ من شجرة زيتون،

وكانت جذوري تمشي

نحو البحر،

بينما أغصاني

تحاول العودة إلى القرية.

*

استيقظتُ،

فوجدتُ الخيمة

تتنفس.

*

كان لها قلب.

وكان قلبي

معلّقاً على مسمارٍ في جدارها،

ينزف ببطء

كي لا يوقظ النائمين.

*

قلت له:

متى نعود؟

*

فأجابني بصوت أبي:

حين يصبح المفتاح

أثقل من البندقية،

وحين يفهم القاتل

أن للتراب ذاكرةً

لا تنام.

*

ومنذ ذلك الحين

وأنا أكبر مني

بقهرٍ ونيف،

لكنني كلما انحنيتُ

لألتقط حجراً

وجدتُ تحته

وطناً صغيراً

يقول لي:

*

لا تخف...

ما دام فيك قلبٌ

يتذكر،

فالأرض لم تنتهِ بعد.

***

عماد خالد رحمة - برلين

في نصوص اليوم