عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

هادية السالمي: ما من نافذة؟

فتحت عينيها الْمتورّمتين على صوت يهنّئها بالسّلامة وكفّ تلامس جبينها الْملتهب..

إنّها هي! - قالت بصوت متلعثم - ذات الرّائحة.

خانتها يداها حين حاولت أن تشدّ على صدغيها..

سالت من عينها دمعة ثمّ دمعة..

بيديه مسح دمعتها وهو يقول:

- نسرين! لا تجهدي نفسك. ستكونين بخير.

صرخت:

- في كفّك ذات الرّائحة الّتي كانت تحبس أنفاسي وأنا أجوب شوارع المدينة برفقة أبي..

حقنها بمهدّئ. ثقل جفنها. أغمضت عينيها

والدّمع ظلّ ينساب على وسادتها..

أرادت أنْ تتكلّم غير أنّ لسانها ما أنجدها

فاستسلمت كرها لشريط أحداث تتزاحم

في ذاكرتها..

كانت سياط الْهجيرة تلفّ الْأعناق حين سحبها

والدها من حضن أمّها وسار بها إلى خارج الدّار أملا في تغيير مزاجها بعد أنْ عجزت

أمّها عن تهدئتها لمّا هرولت من غرفتها

إلى الْمطبخ وهي تصيح:

- أمّي! احترق الطّعام. رائحة الْقدّيد الْمحروق

تخنقني.

ضمّتها أمّها إلى صدرها وهي تربّت على كتفيها قائلة:

ومن أين لنا بالْقدّيد يا نسرين؟ إنّنا لم نجتمع على مرق منذ زمن. ثمّ إنّنا لم نوقد نارا

في الْمطبخ منذ الْأمس.

- ولكنّني أختنق برائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي!

- كفى هلوسةً نسرين! اشربي ماء.

- وهل يطفئ الْماء رائحة الْقدّيد الْمحروق

 يا أمّي؟

- آه يا نسرين! كم أوجعنى كلام جارتنا قبل يومين وهي تخبرني أنّك طرقت بابها لتنبّهيها

إلى احتراق الْخبز في مطبخها وهي لا تملك

طحينا لتخبزه.

- ولكنّني شممت يومها رائحة الْخبز الْمحروق

وأنا أمرّ بجانب مطبخها و..

قاطعتها وهي تضمّها بشدّة إلى صدرها وتبلّل بفيض الدموع قميصها :

- كفّي نسرين عن الْهذيان. عودي

 إلى فراشك وخذي قسطا من الرّاحة.

- أيّ راحة يا أمّي وأنا أكاد ألفظ أنفاسي؟

رائحة الْقدّيد الْمحروق كَلاَليبُ تنغرس

في حنجرتي ..

سارا في شوارع الْمدينة زمنا.. كان يحدّثها

عن شدّة الْحرّ والْحاجة إلى الْبحر ولطف نسيمه، وكانت في كلّ مرّة تتوقّف عند منعطف وتسأله:

أبي! هل تشمّ رائحة الشواء؟ إنّه شواء متفحّم.

وفي كلّ مرّة يبتسم لها ويضمّها إلى صدره

ويخبرها أنّهما يقتربان من الْبحر وأنّها ستملأ

رئتيها بنسيمه وسيُبهجها صوت الْموج..

وفيما هو يحدّثها عن الْبحر والْموج ورفرفة

النّوارس يشتدّ عليها الصّداع، تثقل خطوتها

وتهوي من بين يديه..

فجأة، يرتجّ جسمها، تشخص عيناها،

تحملق في الْغرفة، تشدّ على صدغيها وتصرخ:

- أما منْ نافذة؟

تمتدّ إليها ذات الْكفّ، تربّتُ على صدرها.

والصّوت ذاته يطرق سمعها:

- اهدئي نسرين! ستكونين بخير. لقد ثبّتنا لك جِهازَ فَلْتَرةٍ للرّوائح في منطقة الْجيوب الْأنفية

ولن تزعجك الرّوائح بعد الْيوم.

ردّت وهي تشدّ على صدرها:

- ولكنّ رائحة اللّحم الْمتفحّم تملأ الْغرفة

 وتحبس أنفاسي. تخنقني كفّك الْممتدّة إليّ

ومنها تفوح رائحة اللّحم الْمتفحّم، حتّى أنّني

أرى دخانه يتسرّب من بين أصابعك

ومن تحت أظافرك، يملأ الْفضاء ويدمى

أعيني..

***

(قصّة قصيرة)

بقلمي: هادية السالمي دجبي

في نصوص اليوم