قراءة في كتاب
رشيد الخيّون: «الإسلام وأُصول الحكم».. مئة عام

مَرَّ قرنٌّ على صدور «الإسلام وأُصول الحكم»، للشّيخ علي عبد الرَّازق(ت: 1966)، (أبريل 1925). مع ذلك، مازالت المواجهة بين مَن يريدها «حاكمية إلهيَّة»، مفسراً «الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»(ثلاث مرات في القرآن) بالسّلطة السّياسيَّة، ومَن يراها مدنيَّة، فالآية قصدت القضاء الشّرعيّ، وقضاء الله وقدره(ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة)، وهنا لا حاكمية إلهيَّة سُنيَّة، ولا ولاية فقيه شيعيّة. أُعيد نشر الكتاب بكثافة، سنوات عنفوان الصّحوة الديّنية، من القرن المنصرم، للاحتجاج به عليها، لِما فيه مِن حِججٍ ضد مروجها الإسلام السّياسي، تجدد قرَّظ الكتاب، كما تكاثر نقَضه، مع أنَّ الردود عليه ليست قليلة، حال صدوره(1925). مِن الرّدود الحديثة، كتب محمَّد عمارة(ت: 2020)، بعد تحوله إلى نصرة الصَّحوة، مقالات في مجلة «الدَّوحة»(1986)، بعنوان «الإسلام وأُصول الحكم لعليّ عبد الرَّازق دراسة ووثائق»، ثم جمعها في كتاب صدر(2000)، صحيح أنه وثق لقضية الكتاب، لكنَّ جوهر ما ورد كان للنقض، ومحاولة لتسفية عِلم مؤلفه. ربّما كان آخر النَّقائض المعاصرة، ما أعده عبد المعبود إسماعيل «كتاب الإسلام وأُصول الحكم للشيخ عليّ عبد الرَّازق دراسة وصفية نقدية»، المنشور في مجلة جامعة الأزهر كلية أُصول الدِّين بالمنوفية(العدد 35/2016)، كتبه، على ما يبدو، لدعم الدَّعوة للخلافة، وكتاب الشّيخ أحبط حلم دعاتها.
جعل الكاتب، بعيداً عن الموضوعيّة، أسرة آل عبد الرّازق مِن أعوان الاستعمار، الذي «خطط لفصل المسلمين عن الإسلام»، وخدم به، حسب معد المقال، «أتاتورك اليهوديّ مِن فِرقة الدّونمة»، ولا يذكر مصدر هذا النّسب؟ أَما النّقائض التي زامنت صدور الكتاب، فلم تمض السَّنة(1926) إلا و«المكتبة السّلفية» بالقاهرة تنشر ثلاثة كتب، يرد فيها أصحابها على «الإسلام وأُصول الحكم»: «حقيقة الإسلام وأُصول الحُكم» لمفتي الدِّيار المصريَّة الشّيخ محمد بخيت المطيعيّ(ت: 1935)، و«نقض الإسلام وأُصول الحكم» للشيخ محمَّد الخضر حِسين التّونسي(ت: 1958)، - أصبح شيخ الأزهر بعدها- و«نقد علميّ لكتاب الإسلام وأُصول الحُكم» لمفتي الدّيار التُّونسيَّة، وصاحب التّفسير «التّحرير والتّنوير»، الشّيخ محمَّد الطّاهر ابن عاشور(ت:1973).
غير أنَّ أكثر مَن سَل السّيوف، على صاحب الكتاب، أبوالإسلام السياسيّ الشَّيخ محمد رشيد رضا(ت: 1935)، في مجلته «المنار»، فقد اعتبره هادماً للإسلام، ومفرق الجامعة الدِّينية، وهي الخلافة، مطالباً بتكفيره وتضليله. كتب في العدد الثّالث(21/6/1925)، بعد نشر الكتاب بشهرين، أنّ الشّيخ عبد الرّازق في كتابه نطق بـ «تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ومنع الحكم بما أنزل الله، وإباحة حُكم الطّاغوت». هذا، وبالمقابل، دافع عن مؤلف الكتاب وقرَّظه كُتابٌ وأدباءٌ كبار، مِن أهل التّنوير والمدنيَّة، مثل: طه حسين(ت: 1973)، ومحمد حسين هيكل(ت: 1956)، وغيرهما. لم يسمع الأزهر لتحريض صاحب «المنار»، تقيداً بالعقيدة الأشعريّة التي لا تُكفر، واكتفى بفصل عبد الرّازق من القضاء، وإخراجه مِن هيئة العلماء. بعدها أُعيد له الاعتبار في إمامة أخيه مصطفى عبد الرّازق(ت:1947) للأزهر(1946)، ثم توزر للأوقاف(1948)(الإسلام وأُصول الحكم طبعة 2012 المقدمة). على أيّ حال، حرك الكتاب المياه الرّاكدة، والرّجل يريده ديناً لا سياسة، مستنداً إلى نصوص مِن القرآن، والأحاديث وأقوال الخلفاء وأفعالهم، ولأنَّ فيه الحِجّة، فما زال يثير الجدل، خصوصاً ومؤلفه مِن داخل المؤسسة الدينيَّة.
مرَّت مئة عام والحديث فيه وعنه جديد متجدد، مَن اعتبره كتاب الضّلال، ومَن جعله فاتحة التّنوير. مع أنَّ أحمد شوقيّ(ت: 1932)، كان نصيراً للعثمانيين، لكنه لم يعصم السّياسة بالدّين ولا العكس، خلاف العاصمين الدّين بالسّياسة، قال: «مضت الخلافة والإمام، فهل مضى/ما كان بين الله والعبّادِ/ والله ما نسى الشَّهادة/حاضرٌ في المسلمين ولا تردّد بادي»(الدّيوان)، فمِن دعاية الحزب الدّيني في الكسب عامةً، عِصمة الدّين بالسّياسة، وهو ما نقضه، وفنده الشّيخ عبد الرّزاق قبل مئة عام.
***
رشيد الخيّون - كاتب عراقي