قضايا

غالب المسعودي: سردية البطل المظلوم

غالبًا ما تُستخدم هذه السردية لتشكيل الهوية الوطنية أو لتعزيز الروح الجماعية، حيث يُعتبر البطل المظلوم رمزًا للنضال من أجل الحرية والعدالة، نشأت سردية البطل المظلوم في سياقات تاريخية متعددة، حيث كانت تُستخدم لتبرير الصراعات والنضال ضد الاحتلال أو القمع. كان يُنظر إلى هؤلاء الأبطال كرموز للعدالة في مواجهة الظلم، تأثرت هذه السردية بالقصص الشعبية والأساطير التي تروى عن أبطال تاريخيين واقعيين او وهميين خاضوا تحديات في تاريخ الشرق الأوسط، واجهوا قوى متكبرة ونجوا من الظلم، استخدمت الحكومات والأحزاب السياسية هذه السردية لتعزيز الدعم الشعبي، من خلال تصوير أنفسهم معنيين و أنهم مظلومين، من خلال ذلك يمكن حشد التأييد وتعزيز الالتزام بالقضايا الأيديولوجية التي يحملها الطامحون بالسلطة كما ساهمت وسائل الإعلام، في تعزيز سرديات الأبطال المظلومين من خلال تقديمهم كرموز للمعاناة والبطولة، مما عزز مكانتهم في الذاكرة الجمعية. في السنوات الأخيرة استخدمت الحركات الاجتماعية هذه السردية لتسليط الضوء على قضايا معينة، مثل حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية، مما جعل من البطل المظلوم رمزًا للنضال ضد الظلم، سردية البطل المظلوم تمثل أداة قوية في تشكيل الهوية الجماعية وتجسيد القيم النضالية، على الرغم من فوائدها في حشد الدعم، إلا أنها تحمل أيضًا سلبيات، مثل تعزيز الانقسام أو تبرير العنف.

السلبيات المحتملة

استخدام سردية البطل المظلوم يمكن أن تحمل عدة سلبيات محتملة، منها يمكن أن تؤدي هذه السردية إلى تقسيم المجتمع إلى "أبطال" و"أعداء"، مما يعزز من المشاعر العداونية ويزيد من التوترات بين الفئات المختلفة، قد تُستخدم سردية البطل المظلوم لتبرير استخدام العنف، مما يؤدي إلى تصعيد النزاعات بدلاً من البحث عن حلول سلمية، يمكن أن تُستخدم هذه السردية لتفسير الفشل في تحقيق الأهداف الوطنية، حيث تُعتبر الهزائم نتيجة للظلم الخارجي بدلاً من الاعتراف بالأخطاء الداخلية، التركيز على مظلومية البطل قد يمنع النقاش حول المسؤوليات المشتركة أو الحلول الممكنة، مما يعرقل أي جهود للتوصل إلى توافق، قد تؤدي هذه السردية إلى تعزيز مشاعر الحقد والغضب، مما يؤثر سلبًا على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات، يمكن أن تُستخدم سرديات البطل المظلوم لتبرير تحريف التاريخ، مما يجعل الروايات التاريخية أحادية الجانب وتغفل الحقائق المعقدة، التركيز على دور البطل المظلوم يمكن أن يقلل من أهمية المسؤولية الفردية، حيث يمكن أن يُنظر إلى الأفراد على أنهم ضحايا فقط دون النظر إلى قدرتهم على التغيير، قد تؤدي هذه السردية إلى تغافل تجارب وآراء متنوعة داخل المجتمع، مما يُقلل من فرص التفاهم والتسامح، بينما تُعتبر سردية البطل المظلوم وسيلة فعّالة لتشكيل الهوية الجماعية، من المهم تحليل تأثيراتها السلبية على المجتمع والسياسة والسعي لتحقيق توازن في الخطاب الذي يشمل أصوات وتجارب متنوعة، وضع المعتنقين سردية البطل المظلوم يتسم بالتعقيد، حيث يمكن أن تكون لهم مشاعر قوية من الانتماء والولاء، ولكن أيضًا يواجهون تحديات مثل الإحباط والشعور بالتهميش.

الحاجة إلى سردية البطل المظلوم

سردية البطل المظلوم كانت تلبي احتياجات مهمة في تاريخ صراعات المنطقة، منها تعزيز الهوية والانتماء وتحفيز العمل الاجتماعي والسياسي. في السياق الحالي يجب استخدامها بحذر لتجنب تعزيز الانقسام أو تبرير العنف، تلجأ شعوب المنطقة إلى استخدام سردية البطل المظلوم في الأزمات الوجودية لعدة أسباب، قد تساعد هذه السردية في تفسير المعاناة والصراعات، مما يوفر إطارًا لفهم الأحداث الصعبة والتعامل معها، تسهم السردية في تعزيز الهوية الجماعية، حيث يشعر الأفراد بأنهم جزء من قصة أكبر تتعلق بالنضال والمقاومة، تمنح سردية البطل المظلوم الأمل في تحقيق العدالة والانتصار على الظلم، مما يساعد الأفراد على الصمود في وجه التحديات، لكنها تُستخدم أيضا في تفسير الفشل في تحقيق الأهداف، حيث يُنظر إلى الهزائم كنتيجة للظلم بدلاً من الأخطاء الداخلية، استخدام سردية البطل المظلوم في الأزمات الوجودية يرجع الى حاجة شعوب المنطقة، للفهم، والانتماء، مما يساعدها على التعامل مع التحديات والصراعات التي تواجهها لكنها أيضا تمثل الفشل في التصدي للتحديات الكبيرة.

السردية والسياقات التاريخية

تختلف سردية البطل المظلوم باختلاف السياقات التاريخية والثقافية. تتأثر السردية بالأحداث التاريخية التي تمر بها المجتمعات، على سبيل المثال، في فترات الاستعمار، تركز السردية على مقاومة الاحتلال، بينما في فترات الاستقرار يفترض انها تركز على التنمية والتقدم، في الثقافة الشرق اوسطية، تُستخدم الرموز الدينية والتاريخية بناءً على الانتماءات السياسية ويمكن أن تُستخدم السرديات لتعزيز الهوية الوطنية في سياقات معينة، بينما تُستغل في سياقات أخرى لتبرير الصراعات السياسية، تتغير السرديات مع التحولات الاجتماعية. تختلف تجارب الأفراد والجماعات، مما يؤدي إلى تنوع السرديات، يمكن أن تكون هناك سرديات متعددة لنفس الحدث بناءً على منظور الأفراد، تتأثر سردية البطل المظلوم بالسياقات التاريخية والثقافية المختلفة، مما يؤدي إلى تنوع في كيفية تشكيلها واستخدامها، تؤثر الاختلافات في سردية البطل المظلوم على فهمنا للتاريخ من خلال تشكيل الروايات، تفسير الأحداث، وتوجيه السياسات والقيم.

دور الدين

يلعب الدين دورًا محوريًا في تشكيل سردية البطل المظلوم في التاريخ الشرق اوسطي. من خلال توفير إطار أخلاقي، تعزيز الهوية الجماعية، وتحفيز المقاومة، مما يؤثر بشكل عميق على الوعي الجماعي والتاريخ الثقافي لشعوب المنطقة، يختلف دور الدين في تشكيل سردية البطل المظلوم عبر مختلف الطوائف الدينية في المنطقة بطرق متعددة، اذ تختلف الطوائف في تفسير القيم الدينية والنصوص المقدسة، مما يؤثر على كيفية فهمهم لسردية البطل المظلوم، في بعض الأحيان تُستخدم السرديات لتعزيز الانتماء الطائفي، مما يؤدي إلى انقسامات في المجتمعات، يتباين دور الدين في تشكيل سرديات البطل المظلوم عبر الطوائف الدينية المختلفة، مما يعكس تنوع الفهم والتفسير الثقافي والسياسي. هذه الاختلافات تؤثر على الهويات الجماعية وتوجهات الاحتجاج والنضال في المجتمعات. أثرت الاختلافات الطائفية على الصراعات السياسية في المنطقة بعدة طرق،  ساهمت في تأجيج الانقسامات داخل المجتمعات، مما أدى إلى تعزيز النزاعات المحلية والإقليمية، غالبًا ما تتشكل التحالفات السياسية على أساس طائفي، حيث تسعى كل طائفة إلى دعم مصالحها الخاصة، مما يعزز من الانقسام ويقلل من فرص الحوار، تأخذ بعض الصراعات شكلًا مسلحًا بسبب التوترات الطائفية، حيث تحول الاختلافات الطائفية إلى قتال بين الجماعات تستغلها قوى خارجية لتحقيق مصالحها، مما يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وزيادة التعقيد في الصراعات السياسية، يمكن أن تؤدي السياسات الطائفية إلى إقصاء بعض الجماعات من المشاركة السياسية، مما يزيد من مشاعر الإحباط والغضب، ويسهم في نشوء حركات احتجاجية تُستخدم السردية الدينية لتبرير السياسات أو الحروب، مما يعزز من حالة الاستقطاب ويؤثر على مسارات الصراع، تساهم الاختلافات الطائفية في تعزيز الهويات الجماعية، مما يؤدي إلى تصاعد النزعة الوطنية الطائفية على حساب الهوية الوطنية الشاملة، تؤثر النزاعات الطائفية على التحولات الاجتماعية، حيث تتعرض المجتمعات للتفكك، مما يؤدي إلى تراجع الثقة بين الأفراد والجماعات المختلفة، و يعزز الانقسامات ويزيد من تعقيد الأوضاع. تتطلب معالجة هذه الصراعات جهودًا شاملة لتعزيز الحوار والتفاهم بين الطوائف المختلفة وتجاوز السردية التاريخية الوهمية، في ظل الانقسامات الطائفية لم يتبق لسردية البطل المظلوم أي صلة، حيث لا تعكس التحديات الحالية ولاتساعد في تطوير فهم أعمق للتحديات الإنسانية والاجتماعية الكبرى.

***

غالب المسعودي

 

في المثقف اليوم