قضايا
هَانِي جِرْجِسْ: الْمَدْرَسَةُ وَالْجَرِيمَةُ

تَأْثِيرُ بِيئَةِ الْمَدْرَسَةِ عَلَى سُلُوكِ الْأَطْفَالِ وَمَيْلِهِمْ لِلْجَرِيمَةِ
الْمَدْرَسَةُ هِيَ مُؤَسَّسَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ يَتَعَلَّمُ فِيهَا الطُّلَّابُ مُخْتَلِفَ الْعُلُومِ. تَمُرُّ الدِّرَاسَةُ بِعِدَّةِ مَرَاحِلَ: الِابْتِدَائِيَّةِ، الْإِعْدَادِيَّةِ، وَالثَّانَوِيَّةِ. كَمَا تَنْقَسِمُ الْمَدَارِسُ إِلَى مَدَارِسَ خَاصَّةٍ وَحُكُومِيَّةٍ. يَبْدَأُ التَّعْلِيمُ الْإِجْبَارِيُّ عِنْدَ سِنِّ السَّادِسَةِ مِنْ الْعُمْرِ، بِهَدَفِ تَعْلِيمِ الطِّفْلِ أُسُسَ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْحِسَابِ. وَتُعَدُّ الْمَرْحَلَةُ الِابْتِدَائِيَّةُ مِنْ أَبْرَزِ الْمَرَاحِلِ فِي تَشْكِيلِ شَخْصِيَّةِ الطِّفْلِ وَتَوْجِيهِهِ.
تَتَمَثَّلُ أَهَمِّيَّةُ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَأُسْرَتِهِ فِي التَّعَاوُنِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا فِي تَرْبِيَةِ الطَّالِبِ، حَيْثُ يَقْضِي وَقْتًا طَوِيلًا يَوْمِيًّا دَاخِلَهَا. لِلْمَدْرَسَةِ دَوْرٌ فِي تَنْمِيَةِ شَخْصِيَّةِ الطَّالِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ لِلتَّعَلُّمِ، بَلْ بِيئَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ تُتِيحُ لَهُ التَّفَاعُلَ مَعَ زُمَلَائِهِ وَمُعَلِّمِيهِ. كَمَا تُسَاهِمُ الْمَدْرَسَةُ فِي مُسَاعَدَةِ الْأُسْرَةِ عَلَى اكْتِشَافِ مَوَاهِبِ الطِّفْلِ وَتَطْوِيرِهَا.
إِنَّ مُجْتَمَعَ الْمَدْرَسَةِ يُعَدُّ أَوَّلَ بِيئَةٍ خَارِجِيَّةٍ يَتَعَرَّضُ لَهَا الطِّفْلُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنْ الْعُمْرِ قَضَاهُ مَعَ أُسْرَتِهِ. هِيَ بِيئَةٌ مُؤَقَّتَةٌ لِلطِّفْلِ، حَيْثُ يَمُرُّ بِهَا حَتَّى نِهَايَةِ سَنَوَاتِ الدِّرَاسَةِ أَوْ فِي حَالِ فَشَلِهِ الْأَكَادِيمِيِّ، فَيَنْتَقِلُ إِلَى بِيئَةٍ أُخْرَى مِثْلِ مُجْتَمَعِ التَّدْرِيبِ الْمِهْنِيِّ. تَلْعَبُ الْمَدْرَسَةُ دَوْرًا تَهْذِيبِيًّا مُهِمًّا، فَهِيَ تَمْنَحُ الطِّفْلَ الْمَعْرِفَةَ، وَتُعَلِّمُهُ الْقِيَمَ الدِّينِيَّةَ وَالْأَخْلَاقِيَّةَ، وَتَعُدُّهُ لِلْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عِنْدَ انْدِمَاجِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَوْسَعِ. لَا يُعْتَبَرُ مُجْتَمَعُ الْمَدْرَسَةِ مِنْ عَوَامِلِ الْإِجْرَامِ، بَلْ هُوَ بِيئَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ وَتَرْبَوِيَّةٌ تُسَاهِمُ فِي تَهْذِيبِ الطِّفْلِ خِلَالَ السَّاعَاتِ الَّتِي يَقْضِيهَا بَعِيدًا عَنْ أُسْرَتِهِ. يَلْعَبُ دَوْرُ الْمَدْرَسَةِ التَّعْلِيمِيُّ أَهَمِّيَّةً كَبِيرَةً فِي تَحْدِيدِ مُسْتَقْبَلِ الطِّفْلِ، وَيَتَطَلَّبُ نَجَاحُهُ تَأْهِيلَ الْمُعَلِّمِينَ وَالتَّعَاوُنَ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ. أَمَّا الدَّوْرُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّهْذِيبِيُّ لِلْمَدْرَسَةِ، فَيَتَمَثَّلُ فِي تَعْلِيمِ الْقِيَمِ وَالْمُثُلِ الْعُلْيَا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْمُعَلِّمَ يُعَدُّ نَمُوذَجًا يُحْتَذَى بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِتَلَامِيذِهِ، مِمَّا يَزِيدُ الْمَسْؤُولِيَّةَ عَلَى عَاتِقِهِ، وَيَدْفَعُهُ لِلْعَمَلِ بِجِدٍّ لِيَكُونَ قُدْوَةً حَسَنَةً لِطُلَّابِهِ.
لِذَلِكَ، تُعَدُّ الْمَدْرَسَةُ عَامِلًا وِقَائِيًّا مِنْ الِانْحِرَافِ وَالْإِجْرَامِ إِذَا أَدَّتْ دَوْرَهَا التَّعْلِيمِيَّ وَالتَّرْبَوِيَّ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، بَيْنَمَا قَدْ يُسْهِمُ غِيَابُ هَذَا الدَّوْرِ فِي انْحِرَافِ الطِّفْلِ. وَيُؤَثِّرُ الْفَشَلُ الدِّرَاسِيُّ سَلْبًا عَلَى نَفْسِيَّةِ الطِّفْلِ وَسُلُوكِهِ، حَيْثُ يُؤَدِّي عَدَمُ التَّكَيُّفِ مَعَ بِيئَةِ الْمَدْرَسَةِ إِلَى مُحَاوَلَةِ الْهُرُوبِ مِنْهَا. وَيَعْنِي الْهُرُوبُ عَدَمَ الْتِزَامِ التِّلْمِيذِ بِوَقْتِهِ دَاخِلَ قَاعَاتِ الدِّرَاسَةِ، مِمَّا قَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ بَدَائِلَ، كَقَضَاءِ الْوَقْتِ فِي الشَّوَارِعِ، حَيْثُ يَكُونُ عُرْضَةً لِلتَّأَثُّرِ بِرِفَاقِ السُّوءِ وَاكْتِسَابِ سُلُوكِيَّاتٍ مُنْحَرِفَةٍ.
الْفَشَلُ الدِّرَاسِيُّ يَحْمِلُ دَلَالَةً اجْتِمَاعِيَّةً، إِذْ يَعْكِسُ ضَعْفَ شَخْصِيَّةِ الطِّفْلِ وَعَجْزَهُ عَنْ التَّكَيُّفِ مَعَ الضَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. كَمَا قَدْ يُشِيرُ إِلَى وُجُودِ مَشَاكِلَ دَاخِلِيَّةٍ قَدْ تُؤَدِّي، إِذَا لَمْ تُعَالَجْ سَرِيعًا، إِلَى الِانْحِرَافِ وَالْإِجْرَامِ مُسْتَقْبَلًا. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، يُمْكِنُ أَنْ يُوَلِّدَ الْفَشَلُ الدِّرَاسِيُّ لَدَى الطِّفْلِ عُقَدًا نَفْسِيَّةً خَطِيرَةً، حَيْثُ يَشْعُرُ بِالظُّلْمِ وَالْحِقْدِ تُجَاهَ الْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَعْتَبِرُهُ مَسْؤُولًا عَنْ فَشَلِهِ. هَذِهِ الْعُقَدُ تَتَطَوَّرُ إِلَى عَدَاءٍ لِلْمُجْتَمَعِ وَقَدْ تَقُودُ الطِّفْلَ إِلَى سُلُوكِيَّاتٍ لَا اجْتِمَاعِيَّةٍ.
إِذَا اقْتَرَنَ الْفَشَلُ الدِّرَاسِيُّ بِفَشَلِ الطِّفْلِ فِي تَعَلُّمِ حِرْفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهَذَا يَعْنِي انْغِلَاقَ فُرَصِ الْعَمَلِ أَمَامَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى شُعُورِهِ بِالْيَأْسِ وَالْإِحْبَاطِ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى النِّظَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ. كَمَا أَنَّ الْفَاشِلَ فِي الدِّرَاسَةِ وَفِي التَّدْرِيبِ الْمِهْنِيِّ يَكُونُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلْبِطَالَةِ وَالْعَوَامِلِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَدْفَعُهُ نَحْوَ الِانْحِرَافِ. وَبِالتَّالِي، يَتَعَلَّمُ التِّلْمِيذُ الْفَاشِلُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ الْعَيْشَ عَلَى هَامِشِ الْقَوَاعِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، مُحَاوِلًا التَّمَلُّصَ مِنْ السُّلُوكِ السَّوِيِّ. وَهَذَا يَعْكِسُ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ فَشَلَ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ يَتَرَافَقُ مَعَ تَدْرِيبٍ عَلَى السُّلُوكِيَّاتِ اللَّااجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي تُمَهِّدُ الطَّرِيقَ نَحْوَ الْإِجْرَامِ.
الْفَشَلُ الدِّرَاسِيُّ، كَمَا أَشَرْنَا، قَدْ يُؤَدِّي إِلَى انْتِقَالِ الْحَدَثِ إِلَى مَرْحَلَةِ الْإِعْدَادِ الْمِهْنِيِّ، أَوْ قَدْ يَلْتَحِقُ بِهَا بَعْدَ إِتْمَامِ الْمَرْحَلَةِ الْأَسَاسِيَّةِ مِنْ التَّعْلِيمِ لِلتَّدَرُّبِ عَلَى حِرْفَةٍ. وَيَخْتَلِفُ مُجْتَمَعُ الْإِعْدَادِ الْمِهْنِيِّ عَنْ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ، نَظَرًا لِضَعْفِ أَوْ غِيَابِ الدَّوْرِ التَّهْذِيبِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ، إِذْ تَقْتَصِرُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ عَلَى التَّدْرِيبِ الْعَمَلِيِّ. وَخِلَالَهَا، يَتَمَتَّعُ الْحَدَثُ بِقَدْرٍ مِنْ الْحُرِّيَّةِ قَدْ يُسِيءُ اسْتِغْلَالَهُ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى حُصُولِهِ عَلَى أَجْرٍ قَدْ يُسَهِّلُ بَعْضَ السُّلُوكِيَّاتِ غَيْرِ السَّوِيَّةِ. وَمَعَ اعْتِيَادِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِنْ دَخْلِهِ، قَدْ لَا يَكْفِيهِ لِسَدِّ احْتِيَاجَاتِهِ، مِمَّا قَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى السَّرِقَةِ، الَّتِي غَالِبًا مَا تَكُونُ مِنْ مَكَانِ التَّدْرِيبِ أَوْ الزُّمَلَاءِ. كَمَا قَدْ يَنْجَذِبُ، تَحْتَ إِغْرَاءِ الْمَالِ، إِلَى تَقْلِيدِ زُمَلَائِهِ الْمُدَخِّنِينَ، مِمَّا قَدْ يَقُودُهُ لَاحِقًا إِلَى تَعَاطِي الْمُخَدِّرَاتِ.
يُعَدُّ فَهْمُ أُسْلُوبِ الْحَيَاةِ الْمَدْرَسِيَّةِ شَرْطًا أَسَاسِيًّا لِكُلِّ مُرَبٍّ فَاضِلٍ يَسْعَى لِأَدَاءِ دَوْرِهِ بِفَاعِلِيَّةٍ دَاخِلَ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُهِمَّةِ، الَّتِي أَنْشَأَهَا الْمُجْتَمَعُ لِتَزْوِيدِ أَبْنَائِهِ بِالْمَهَارَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ، مِمَّا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ التَّفَاعُلِ الْإِيجَابِيِّ وَالْمُنْتِجِ مَعَ بِيئَتِهِمْ.
فِي هَذَا السِّيَاقِ، تُشِيرُ دِرَاسَةٌ حَدِيثَةٌ أَجْرَتْهَا مُؤَسَّسَةُ رَانِدْ الْأَمْرِيكِيَّةُ لِلْأَبْحَاثِ وَالتَّطْوِيرِ إِلَى أَنَّ تَأْثِيرَ الْمُعَلِّمِ عَلَى تَحْصِيلِ الطَّالِبِ يَتَفَوَّقُ عَلَى تَأْثِيرِ الْعَوَامِلِ الْمَدْرَسِيَّةِ الْأُخْرَى مِثْلِ الْمَرَافِقِ الْحَدِيثَةِ وَخِدْمَاتِ الدَّعْمِ الْمُخْتَلِفَةِ. فَالْمُعَلِّمُ الْمُمَيَّزُ يَمْتَلِكُ قُدْرَةً كَبِيرَةً عَلَى تَحْسِينِ مُخْرَجَاتِ الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَتَحْقِيقُ مَا يَفُوقُ الْأَدَاءَ الْمُتَوَقَّعَ لِلطَّالِبِ. حَيْثُ لَا يَقْتَصِرُ دَوْرُهُ عَلَى تَحْقِيقِ نَتَائِجَ جَيِّدَةٍ فِي الِاخْتِبَارَاتِ الْمُوَحَّدَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى تَحَدِّي الطُّلَّابِ وَمُكَافَأَتِهِمْ عَلَى مَهَارَاتِ التَّفْكِيرِ النَّقْدِيِّ.
يَقُومُ الْمُعَلِّمُ فِي نِهَايَةِ الْعَامِ الدِّرَاسِيِّ بِتَقْيِيمِ مَجْمُوعَةِ الْمَهَارَاتِ وَالْمَعَارِفِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا الطَّالِبُ خِلَالَ الْعَامِ، وَكَذَلِكَ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي وَاجَهَهَا وَكَيْفِيَّةُ تَجَاوُزِهَا فِي الْمَرْحَلَةِ الدِّرَاسِيَّةِ الْمُقْبِلَةِ. وَبِالتَّالِي، يَلْعَبُ الْمُعَلِّمُ دَوْرًا رَئِيسِيًّا فِي إِرْشَادِ الطُّلَّابِ وَتَشْجِيعِهِمْ عَلَى اسْتِكْمَالِ تَعْلِيمِهِمْ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْأَنْشِطَةِ وَالْفَعَالِيَّاتِ الَّتِي تُسْهِمُ فِي صَقْلِ شَخْصِيَّاتِهِمْ وَتَحْسِينِ أَدَائِهِمْ.
يَلْعَبُ الْمُعَلِّمُ دَوْرٌ هَامٌّ فِي التَّأْثِيرِ عَلَي شَخْصِيَّةِ طِفْلِكَ وَفِي تَشْكِيلِ مُسْتَقْبَلِهِ. حَيْثُ يُوَفِّرُ الْمُعَلِّمُ لِلْأَطْفَالِ أَسَاسًا تَعْلِيمِيًّا مَتِينًا وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ تَشْجِيعٍ وَدَعْمٍ لِلْمُثَابَرَةِ وَالنَّجَاحِ فِي مَسَاعِيهِمْ. فَدَوْرُ الْمُعَلِّمِ الْجَيِّدِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودٌ دَائِمًا لِتَوْجِيهِ طُلَّابِهِ إِلَي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ. وَيَدْفَعُهُمْ دَائِمًا أَنْ يُصْبِحُوا أَفْرَادٌ صَالِحِينَ وَمُنْتِجِينَ فِي الْمُجْتَمَعِ.
تُعَدُّ الْقُدْرَةُ عَلَى تَمْيِيزِ السُّلُوكِيَّاتِ دَاخِلَ الْمَدَارِسِ مِنْ أَهَمِّ خَصَائِصِ الْمُرَبِّي الْفَاضِلِ، الَّذِي يَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّ وُجُودَ بَعْضِ السُّلُوكِيَّاتِ لَدَى الطُّلَّابِ، مِثْلَ الْغِيَابِ الْمُتَكَرِّرِ، وَالتَّسَرُّبِ، وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِالْوَاجِبَاتِ الْمَنْزِلِيَّةِ، وَمُخَالَفَةِ الْأَنْظِمَةِ الْمَدْرَسِيَّةِ، قَدْ يَكُونُ مُؤَشِّرًا عَلَى انْحِرَافٍ مُحْتَمَلٍ. لِذَا يَجِبُ عَلَيْهِ دِرَاسَةُ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ وَالتَّعَاوُنُ الْبَنَّاءُ مَعَ الْأُسْرَةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدْ تَجْعَلُ الطَّالِبَ مُهَيَّأً لِلِانْحِرَافِ.
مِنْ هُنَا، يَأْتِي دَوْرُ الْمَدَارِسِ فِي دِرَاسَةِ السُّلُوكِيَّاتِ ذَاتِ الْمُؤَشِّرِ الِانْحِرَافِيِّ، مِنْ خِلَالِ تَحْلِيلِ هَذِهِ الْمَظَاهِرِ سَوَاءٌ عَلَى مُسْتَوَى الْفَرْدِ أَوْ الْمَجْمُوعَةِ، بِالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُرْشِدِ الطُّلَّابِيِّ. ثُمَّ يَتِمُّ التَّوَاصُلُ مَعَ الْأُسْرَةِ لِتَنْظِيمِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ وَالْبَيْتِ بِهَدَفِ مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ هَذِهِ السُّلُوكِيَّاتِ، وَاتِّخَاذِ الْإِجْرَاءَاتِ اللَّازِمَةِ لِعِلَاجِهَا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ سِمَةً ثَابِتَةً مِنْ سِمَاتِ الِانْحِرَافِ.
مِنْ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى الْحُبِّ وَالِاحْتِرَامِ وَالْإِخْلَاصِ، حَيْثُ كَانَ الْمُعَلِّمُ بِمَثَابَةِ الْوَالِدِ الَّذِي يُرْشِدُ أَبْنَاءَهُ وَيَسْعَى لِخَيْرِهِمْ، وَكَانَ التِّلْمِيذُ فِي مَقَامِ الِابْنِ الْمُطِيعِ، يُعَبِّرُ عَنْ بِرِّهِ وَإِجْلَالِهِ لِمُعَلِّمِهِ الَّذِي يَرَى فِيهِ سَبِيلَ صَلَاحِهِ وَنَجَاحِهِ. كَانَ اَلتِّلْمِيذُ يَخْضَعُ لِأُسْتَاذِهِ بِالْأَدَبِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْأَدَبِ الرَّفِيعِ، وَهَذَا مَا شَهِدَتْ بِهِ الْمَوَاقِفُ الْمُشْرِقَةُ فِي تَارِيخِنَا التَّرْبَوِيِّ.
لَكِنْ لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ، أَصْبَحَتْ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فِي عَصْرِنَا الْحَالِيِّ مَلِيئَةً بِالْجَفَاءِ وَالتَّوَتُّرِ، وَاتَّسَعَتْ الْهُوَّةُ بَيْنَهُمَا بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ. فَقَدْ غَابَ الْوَعْيُ لَدَى الطَّرَفَيْنِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى مَا نَرَاهُ مِنْ عُقُوقٍ وَعِصْيَانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَبَادِئِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. هَذَا الْوَضْعُ الْمُتَأَزِّمُ أَلْحَقَ بِالْعَمَلِيَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ ضَعْفًا كَبِيرًا، جَعَلَ التَّعْلِيمَ أَشْبَهَ بِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، بَعْدَ أَنْ غَابَتْ عَنْهُ الْمَبَادِئُ الْإِنْسَانِيَّةُ السَّامِيَةُ. وَمَعَ التَّحَوُّلَاتِ الَّتِي يَشْهَدُهَا الْمُجْتَمَعُ، أَصْبَحَ الْعُنْفُ اللَّفْظِيُّ يَتَّخِذُ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً، حَيْثُ بَاتَ بَعْضُ الْمُعَلِّمِينَ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ اسْتِخْدَامِ أَلْفَاظٍ نَابِيَةٍ مُسْتَوْحَاةٍ مِنْ قَامُوسٍ هَابِطٍ، فَيَشْتُمُّونَ التَّلَامِيذَ بِأَبْشَعِ الْعِبَارَاتِ.
كَمَا يَصِلُ الْأَمْرُ أَحْيَانًا إِلَى الْعُنْفِ الْجَسَدِيِّ، مِثْلَ الضَّرْبِ وَالصَّفْعِ وَالْقُرْصِ وَالدَّفْعِ وَشَدِّ الشَّعْرِ وَالطَّرْدِ. وَرَغْمَ مُرُورِ الزَّمَنِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسَالِيبَ الْبَالِيَةَ مَا زَالَتْ رَاسِخَةً فِي الْأَذْهَانِ، وَيَلْجَأُ إِلَيْهَا بَعْضُ الْمُرَبِّينَ لِفَرْضِ هَيْبَتِهِمْ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِنْتَاجِ أَجْيَالٍ مُنْحَرِفَةٍ وَمَرِيضَةٍ. وَالْكَارِثَةُ أَنَّ الْعَدِيدَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ يُشَجِّعُونَ عَلَى هَذِهِ الْأَسَالِيبِ تَحْتَ حُجَّةِ التَّرْبِيَةِ وَدَفْعِ الْأَبْنَاءِ لِلتَّفَوُّقِ الْعِلْمِيِّ. وَهَذَا مَا دَفَعَ بَعْضَ الْأَسَاتِذَةِ إِلَى اسْتِخْدَامِ سُلْطَةِ النِّقَاطِ، فَيُوَزِّعُونَهَا بِشَكْلٍ انْتِقَائِيٍّ عَلَى التَّلَامِيذِ وَفْقًا لِمَعَايِيرِ النُّفُوذِ وَالْمَظْهَرِ، دُونَ أَدْنَى اعْتِبَارٍ لِلْكَفَاءَةِ أَوْ الْقُدُرَاتِ.
يَزْدَادُ الْأَمْرُ خُطُورَةً مَعَ انْتِشَارِ ظَاهِرَةِ التَّحَرُّشِ الْجِنْسِيِّ، فَقَدْ أَصْبَحْنَا نَسْمَعُ يَوْمِيًّا عَنْ اتِّهَامَاتٍ بِالتَّحَرُّشِ الْجِنْسِيِّ ضِدَّ أَسَاتِذَةٍ أَوْ مُؤَطَّرِينَ مِنْ قِبَلِ التَّلَامِيذِ. كَمَا نُلَاحِظُ بَعْضَ الْأَسَاتِذَةِ الَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِرَبْطِهِمْ بِعَلَاقَاتٍ حَمِيمِيَّةٍ مَعَ التِّلْمِيذَاتِ، دُونَ أَيِّ اعْتِبَارٍ "لِلدَّوْرِ الرِّسَالِيِّ" اَلَّذِي مِنْ الْمُفْتَرَضِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ الْأُسْتَاذُ، بِاعْتِبَارِهِ حَامِلًا لِمَشْرُوعٍ تَرْبَوِيٍّ وَأَخْلَاقِيٍّ وَثَقَافِيٍّ.
قَدْ يَصِلُ الْأَمْرُ أَحْيَانًا بِبَعْضِ الْأَسَاتِذَةِ إِلَى الِانْشِغَالِ بِأُمُورِ التِّجَارَةِ وَمُرَاكَمَةِ الثَّرَوَاتِ، وَبِالْحَيَاةِ الْحِزْبِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ عَلَى حِسَابِ مَهَامِّهِمْ التَّرْبَوِيَّةِ، مِمَّا يُسَاهِمُ فِي تَدَهْوُرِ دَوْرِهِمْ فِي الْعَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ. نَاهِيكَ عَنْ غِيَابِ التَّوَاصُلِ الْفَعَّالِ بَيْنَ الْمُتَعَلِّمِ وَالْأُسْتَاذِ، اَلَّذِي يَتَعَدَّى إِلَى غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ وَمُحِيطِهَا السُّوسْيُو- اقْتِصَادِيٍّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، وَسِيَاقِهَا الْحَضَارِيِّ.
لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، تَرَاجَعَتْ الْقُدْسِيَّةُ الَّتِي كَانَ التِّلْمِيذُ يَنْظُرُ بِهَا إِلَى مُعَلِّمِهِ، وَأَصْبَحَ بَعْضُ التَّلَامِيذِ يَتَصَيَّدُونَ جَوَانِبَ ضَعْفِ الْأُسْتَاذِ لِيُعْرِضُوهُ لِلْمَقَالِبِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالتَّهَكُّمِ. وَصَلَتْ الْأُمُورُ إِلَى دَرَجَةِ التَّجْرِيحِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، فَمَا إِنْ تُكْتَبُ الْكَلِمَاتُ الْأُولَى فِي مُحَرِّكَاتِ الْبَحْثِ عَنْ الْبَيْتِ الشِّعْرِيِّ الشَّهِيرِ لِأَمِيرِ الشُّعَرَاءِ "كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ..." حَتَّى تَظْهَرَ عَشَرَاتُ الْأَلْقَابِ الَّتِي يُطْلِقُهَا التَّلَامِيذُ عَلَيْهِ وَيَصِفُونَهُ بِهَا. بِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، يُعَانُونَ مِنْ الْإِزْعَاجِ النَّاتِجِ عَنْ الشَّغَبِ الَّذِي يُمَارِسُونَهُ فِي الْفَصْلِ، وُصُولًا إِلَى الْعُنْفِ الْجَسَدِيِّ مِثْلِ الضَّرْبِ وَالْجَرْحِ، الَّذِي قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِعَاقَاتٍ بَدَنِيَّةٍ أَوْ حَتَّى اضْطِرَابَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ.
قَدْ تَطَوَّرَ الْأَمْرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْيَانِ إِلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ، مِمَّا يُعَدُّ مُؤَشِّرًا قَوِيًّا عَلَى انْقِطَاعِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالتِّلْمِيذِ، خَاصَّةً مَعَ اسْتِفْحَالِ ظَاهِرَةِ تَنَاوُلِ الْمُخَدِّرَاتِ وَالتَّدْخِينِ وَتَعَاطِي الْحَشِيشِ، وَغَيْرِهَا مِنْ السُّمُومِ الْمُهَلْوَسَةِ. كَمَا تَزَايَدَتْ ظَاهِرَةُ الْمُتَسَكِّعِينَ خَارِجَ الْمُؤَسَّسَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ، الَّذِينَ يَهْدِفُونَ إِلَى التَّحَرُّشِ بِالتِّلْمِيذَاتِ وَالْأُسْتَاذَاتِ أَوْ بَيْعِ الْمُخَدِّرَاتِ. هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادُ أَصْبَحُوا يُسَاهِمُونَ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ فِي اخْتِلَالِ الْمُعَادَلَةِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَفَسَادِ الْهَدَفِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ فُتِحَتْ الْمَدَارِسُ، لِيَتَحَوَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ لِتَعْلِيمِ الْإِجْرَامِ وَأَشْكَالِ الِانْحِرَافِ الْمُخْتَلِفَةِ، خَاصَّةً مَعَ انْتِشَارِ الْعَلَاقَاتِ الْعَاطِفِيَّةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ مُوضَةً، وَمَا يَنْتُجُ عَنْهَا مِنْ تَبِعَاتٍ سَلْبِيَّةٍ.
حَاصِلُ الْقَوْلِ، الْمَدْرَسَةُ هِيَ الْبِنَاءُ الْمُؤَسَّسِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ وَالِاجْتِمَاعِيُّ الَّذِي يَتَلَقَّى فِيهِ الطُّلَّابُ عِلْمَهُمْ، وَيَتِمُّ الْكَشْفُ عَنْ قُدُرَاتِهِمْ وَمَهَارَاتِهِمْ الَّتِي تَتَنَاسَبُ مَعَ مُيُولِهِمْ وَاحْتِيَاجَاتِهِمْ. إِذْ تَعْمَلُ الْمَدْرَسَةُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ الْأُسْرَةِ لِتَنْشِئَةِ الْأَجْيَالِ، وَزَرْعِ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ، وَتَنْمِيَةِ إِمْكَانِيَّاتِهِمْ وَصَقْلِ شَخْصِيَّاتِهِمْ. كَمَا تَعْمَلُ الْمَدْرَسَةُ عَلَى حَثِّ الطُّلَّابِ وَتَشْجِيعِهِمْ لِلْحِفَاظِ عَلَى قِيَمِ مُجْتَمَعِهِمْ وَعَادَاتِهِ، وَتَعْزِيزِ قِيَمِ الِانْتِمَاءِ وَالْمُوَاطَنَةِ. كَمَا تَلْعَبُ الْمَدْرَسَةُ دَوْرًا مُهِمًّا فِي تَطْوِيرِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَبْرَ رَفْدِهِ بِأَفْرَادٍ قَادِرِينَ وَذَوِي كَفَاءَةٍ لِتَحْقِيقِ تَقَدُّمِهِ وَازْدِهَارِهِ. وَرَغْمَ أَهَمِّيَّةِ دَوْرِ الْمَدْرَسَةِ فِي التَّنْشِئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ قُصُورًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فِي أَدَاءِ هَذَا الدَّوْرِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى نَتَائِجَ سَلْبِيَّةٍ عَلَى الطَّلَبَةِ. فَعَدَمُ تَوْفِيرِ بِيئَةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ مُلَائِمَةٍ أَوْ غِيَابُ الْمُتَابَعَةِ وَالتَّوْجِيهِ الْفَعَّالِ قَدْ يُسْهِمُ فِي تَفَشِّي مُشْكِلَاتٍ مِثْلِ التَّسَرُّبِ الدِّرَاسِيِّ أَوْ الْعُنْفِ الْمَدْرَسِيِّ. وَهَذَا الْقُصُورُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَأْثِيرَاتٍ سَلْبِيَّةٍ عَلَى سُلُوكِيَّاتِ الطُّلَّابِ، وَيَزِيدُ مِنْ احْتِمَالِيَّةِ انْحِرَافِهِمْ وَارْتِكَابِهِمْ لِلْجَرِيمَةِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَتْ الْمَدْرَسَةُ عَاجِزَةً عَنْ اكْتِشَافِ احْتِيَاجَاتِهِمْ النَّفْسِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَتَوْجِيهِهِمْ بِالطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ.
***
الْأُسْتَاذ الدُّكْتور هَانِي جِرْجِسْ يَكْتُبُ