عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

كريم عبد الله: لذكرى الأخيرة في المطار

كان آخرُ لقاءٍ لنا يشبهُ صلاةً بلا قبلة، ودعاءً يعرفُ قبلَ أن يُرفعَ أنَّ السماءَ لن تجيب.

*

التقينا خارجَ الزمن... هناكَ حيثُ لا ساعاتٍ تُطاردُ أعمارَنا، ولا قطاراتُ الغيابِ تجرُّ خلفها حقائبَ الراحلين.

*

كنا معًا فقط... كأنَّ العالمَ كلهُ نسيَ طريقهُ إلينا، وكأنَّ القدرَ، للحظةٍ عابرة، أغلقَ كتابهُ وتركنا بينَ السطور.

*

لكنَّ الواقعَ كان ينتظرنا عندَ بابِ المطار، واقفًا بوجهه البارد، يحملُ تذكرةَ الفراقِ ويبتسمُ بلا رحمة.

*

رأيتكِ يومها تجرّينَ خطواتكِ بصعوبة، كأنَّ الأرضَ تمسكُ قدميكِ وتقولُ لكِ: لا ترحلي...

*

كانت حقيبتكِ الصغيرةُ تختبئُ بينَ يديكِ لكنني كنتُ أعرفُ أنها كانت أثقلَ من الجبال. ففيها لم تضعي ثيابَ السفر، بل وضعتِ أعمارَنا الصغيرة، ضحكاتِ الصباحاتِ التي لن تعود، دفءَ الليالي التي نامَ فيها الحزنُ بعيدًا، ورسائلَ لم نكتبها لأنَّ عيونَنا كانت تعرفُ القراءة. كنتِ تحشرينَ ذكرياتِنا بينَ ثنايا الحقيبة، كأنكِ تخافينَ أن يسقطَ منها شيءٌ من قلبكِ.

*

أما أنا... فكنتُ أحملكِ بينَ ذراعيَّ كما يحملُ الغريقُ آخرَ خشبةٍ من سفينتهِ المحطمة. كنتُ أحتضنكِ بيأسٍ عظيم، بيأسِ رجلٍ يعرفُ أنَّ هذه الذراعينِ ستعودانِ بعد لحظاتٍ فارغتينِ من معجزةِ وجودكِ. كنتُ أريدُ أن أقولَ لكِ: ابقي... لكنَّ صوتي ماتَ في صدري، فبعضُ الأحزانِ أكبرُ من الكلمات، وبعضُ الرحيلِ لا يملكُ الإنسانُ أمامهُ إلا أن ينحني.

*

كانت حقيبتي بجانبي... تلك الحقيبةُ التي رتبتِها بيديكِ في الليلةِ الأخيرة، حين كنتِ تضعينَ أغراضي وأنتِ لا تعرفينَ أنكِ تضعينَ معها آخرَ نبضةٍ من طفولتي. بقي فيها عطرُ أصابعكِ، بقي دفءُ يديكِ، بقيتْ لمسةٌ صغيرةٌ منكِ تقاومُ السفرَ والغياب. حتى الملابسُ هناك كانت تعرفُ أنكِ رحلتِ.

**

ثم جاء النداء... ذلك الصوتُ الباردُ في المطار الذي لا يعرفُ شيئًا عن القلوب. نادى اسمكِ... فشعرتُ أنَّ نصفَ روحي غادرَ قبلَ أن تتحركَ الطائرة. ونادى اسمي... فشعرتُ أنني ذاهبٌ إلى مكانٍ لا يوجدُ فيه أنتِ.

*

مشيتِ نحوَ طريقكِ، ومشيتُ نحوَ طريقي. يا لقسوةِ الحياة... حتى الأقدامُ التي اعتادتْ أن تمشي معًا، تعلمتْ في لحظةٍ واحدة كيف تفترق. أنتِ ذهبتِ نحوَ الشرق، وأنا ذهبتُ نحوَ جهةٍ أخرى، وبيننا بقيَ المطارُ مثلَ جرحٍ مفتوحٍ لا ينام.

*

كانت طائرتانِ تنتظرانِنا... طائرتكِ أخذتْ صوتكِ، وضَحكتكِ، وظلَّكِ الذي كان يسكنُ عيني. وطائرتي حملتني بعيدًا عن المكانِ الوحيد الذي كنتُ أشعرُ فيه أنني حيّ.

**

حين ارتفعتْ طائرتكِ... لم أرَ جناحينِ يصعدانِ إلى السماء، بل رأيتُ قلبي معلّقًا في نافذةٍ صغيرة، ينظرُ إليَّ ولا يستطيعُ العودة.

**

ومنذُ ذلك اليوم... كلُّ مطارٍ أراهُ أبحثُ فيه عنكِ. كلُّ حقيبةٍ تمرُّ أمامي توقظُ رائحةَ أصابعكِ. كلُّ امرأةٍ ترتبُ شعرها تعيدُ إلى ذاكرتي يديكِ وهما ترتبانِ فوضى أيامي.

لقد غادرتِ... لكنَّ الغيابَ لم يأخذكِ مني. لقد ترككِ في داخلي جرحًا جميلاً، ينزفُ كلما تذكرتُ أنَّ بعضَ الذين نحبهم لا يرحلونَ بعيدًا... بل يسكنونَ المسافةَ بينَ نبضةٍ ونبضة.

*

وما زلتُ، إلى اليوم... أقفُ في ذلك المطارِ القديم، أحملُ حقيبتي، وأنتظرُ طائرةً لن تأتي، لأنني أعرفُ... أنَّ آخرَ رحلةٍ لنا لم تكنْ إلى مدينةٍ أخرى، كانتْ إلى الذكرى... وكان اسمُها: الذكرى الأخيرة في المطار.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

في نصوص اليوم