كتب واصدارات

كتب واصدارات

سلام إبراهيم أديب وروائي عراقي استثنائي، فهو لدى مجايليه من الأدباء والروائيين السيرويين، وعند متذوقي إبداعه الروائي من المهتمين والقراء قائمة أدبية باسقة، وروائي فذّ من طينة الأدباء الكبار، وهو غزير في إبداعه، يمتلك مشروعاً إبداعياً سيروياً ذاتياً وهاجاً، قوامه إنتاج أدبي رصين ومتميز، بكل اجناسه وألوانه وتخصيباته الأدبية، رفيع وسامق وشامخ في دلالاته وغاياته وآفاقه، لا يمكن الاحاطة بكل أغواره وسير كل أسراره ودرره دفعة واحدة، نكتشف فيه كل يوم اللآلئ، وسنظل بحاجة إلى المزيد من التبحر لأكتشاف اسراره وكنوزه من خلال متابعة رواياته وآخرها (دونت سبيط أسطب)، فهو صانع العطاء وكريم وصبور، نذر نفسه ومعظم وقته لخدمة الكلمة وإعلائها، ثم كرسها عبر ابداعه ومختاراته في الرواية، لإبراز وترسيخ المعاني، بعيداً عن كل انكفاء أو تشنج أو تعصب ايديولوجي أو مذهبي أو سياسي خدمتاً للقيم السامية كالحرية والحب والجمال والبهاء والصفاء والسلام، وسعياً منهُ لإفشاء سلوكيات وثقافة التقارب والإخاء. 

فسلام كان منذ طفولته المبكرة يتوق إلى الحرية والخلوة بخواطرها عالياً، وبعيداً عن كل قبح وسوء وحقد وظلم مصدره الإنسان. منذ ذلك الوقت وهو يشعر أنهُ في بداية الطريق، لأن فك رموز الحياة من حولنا وهو السفر الذي لا ينتهي، إلا كي يبدأ من جديد. وقد وجد في الغربة الدنماركية من الشروط والحوافز والأجواء مما ساعده ويسّر عليه بسط جناحيه والتحليق عالياً في العُلى، فصار بما قدم ويقدم حتى الآن من غزير وبديع الأعمال الروائية، وبما تحبل به هذه الأعمال من جمال وقيم ورسائل إنسانية، كرسول للمحبة والسلام، ليكتسب بها كل يوم عقول وقلوب القراء والأصدقاء وعشاق الأدب، فهو هدية اكرمتنا بها آلهة الحب والفرح والعطاء كهدية لمتذوقي الأدب والكلمة الصادقة، ليقدم لنا كل هذا الجمال الأدبي والروائي، فهو تلك الشجرة الوارفة الظلال لتفيء بأغصانها عشاق الأدب والكلمة.

من خلال هذا الموجز ومن خلال سابق الأيام كتبت على صفحتي في موقع التواصل الاجتماع، وتناقله موقع (مخيل عراقي) يوم 23/ 4/ 2023 ما يلي: (من خلال اطلاعي على اغلب روايات الروائي المغترب (سلام إبراهيم) أجده يسعى إلى توثيق سيرته الذاتية والأحداث التي حدثت خلالها، فضلاً عن توثيق الأحداث في مدينة الديوانية، مكان ولادته ونشأته، من خلال التفنن بعنصري الزمان والمكان، ومحاولة إعادة التشكيل وفق تقنيات متنوعة تنتظم في الترتيب والسرعة، ساعياً في القبض على اغلب المراحل الزمنية، متذكراً حوادثها من خلال النص الروائي الزمني في الدرجة الأساس، ومنحه ستراتيجية أوسع من المكان والانفعالات والأفكار والانطباعات من خلال منطق العلاقات وطبيعة الشخصيات.

كما أجد في روايته الأخيرة (دونت سبيط أسطب) قد لعب الروائي بالأزمنة داخل الرواية، وهو عمل جمالي بحت من حيث الصياغة والترتيب، مما منح الرواية صورة اوسع وبناءً ونسقاً ادق، وعلى صعيد النص والصورة فقد وثق الروائي حياة عائلته وخاصة والده فيها والأحداث التي حدثت في تلك الأزمنة والأماكن أبان حكم البعث، مثل في ص236: "في مساء صيفي ساكن كنا نلتف حول صينية العشاء، أنا وناهدة وكفاح ,واصغر أخواتي "سهاد" قرعت الباب بضجيج ودون انقطاع، نهبتُ السلالم المؤدية إلى السطح بينما كنت في طريقك لفتحها، من حافة السلالم المؤدية إلى السطح رأيت على ضوء مصباح الشارع أكثر من عشرين مسلحاً يتوزعون على جانبي الباب، وأنت تخوض حواراً مع شخص بدا أنه مسؤول المجموعة").

من خلا النص اعلاه كان الروائي يخاطب والده، وقد جسد الروائي زمنية توقف حركة السرد لحظة وصوله نقطة ما، وفي هذا النص تجلى الزمن النفسي وضغط الأحداث وتقنينها في فضاء نصيّ صغير، بعد وقوعها خلال زمن طويل نسبياً.

فسلام إبراهيم لا يملك إلا الكتابة الصادقة الشفافة، وعبر صفحاتها يفصح ويعبر عن ما يجول في دواخله من حديث الخواطر ونجوى النفس والذكريات الجميلة، يقضي وقته بين حروف حاسوبه، وبعض الأحيان بين الحبر والورق. فهو العاشق للحياة، والقلم أداة الوصال عنده، والورقة سريره، والحرف عروسته الفاتنة، والحب رحيق اللذة بينهما.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

حلة 13/5/2023

نجاة الزباير تتفاعل عبر المسافات والأحاسيس المضرجة بالمكان والزمان لتوقظ الريح من جهاتها العشرة.

ما زلنا ونحن في عمان، نسمع عن شاعرة استثنائية في المغرب تدعى نجاة الزباير، منذ سنوات وروحها تستحم بالورد ورحيقه، تنثره في الشوارع والميادين تستنشقه إلى حد الحكمة.

صدر لها مؤخرا عن دار "رنة" للنشر والتوزيع والطباعة بمصر ديوانها السابع " جدائل الليل" في طبعته الأولى 2023. يقع الديوان في مائة صفحة، ويشمل بين غلافيه على ثمانية عشر قصيدة تسافر بين " ثَرْثَرَة عَلى رصِيفِ اُلْهَوَى" و " رصاص أعْمَى".

تجربة نجاة الزباير الشعرية لا تتكرر، تجربة يتم ضبطها بضوابط معرفية دقيقة وجمالية أنيقة تقوم على الذوق، ورؤى وخبرات ترتبها بإيقاعات منتظمة، ومتفاوتة الشدة، بحيث تضم في قصائدها كل الوجود، وصولاً إلى الاتحاد التام مع الوجود بأسره ، فقصائدها تكشف عن رغبتها في بناء أسطورة إنسانية خاصة، تعيد تفكيك ملامح الوجود عبر الدهشة، والوهج والاحتراق. سيرة ممتدة بين أصقاع المدن والمشاعر والرغبات والقلق، تختبر الواقع بمهارتها المعهودة ، وتكسبه خصائصها الذاتية وفهمها الخاص للأحداث والأشياء، تعطي أهمية لبهجة الانفعال كقيمة جمالية تسهم في جذب اهتمام القارئ، تجعله يتلقى ويفسّر ويتذوّق تبعا للمنحنى والمنحى الذي تمضي فيه وتحدده هي، عمليات التلقي عندها مبنيّة على تفاعلات تشتقها من خبراتها الشعرية والجمالية. تلتقط بعناية فريدة ملامح الذي حولها، وهذا يأخذ حيزا من سرديتها ، تمتلك شكلا وأسلوبا خاصا بها، وكأنها تقتفي حركة الروح فيما حولها ، لتخفّف من الضغط الممتد في أعمدتها الخاصة. شغفها يدفعها إلى التوغل، مدركة أن ذلك رافدا للجنون يصبّ في محيطاتها الكثيرة والكبيرة.

روح الشاعرة تنبض فيها وتوقظها على امتداد قصائدها، حيث تتمرّد وتتفوق على نفسها، فكل حركة لقلمها تثير غرابة ، وكل توغل في أصقاعها يثير أسئلة قد تكون الإجابة عليها أبعد مما تتصوره كينونتها.

تتحدث بلغة تجعل من حضورها زاهيا ومشرقا، أشعارها محرّضة لمخيلتها، ولموهبتها، ومحرّرة لها من كل القيود. قصائدها وقائع جمالية، قائمة على التداخل والحركة في لحظة اندفاع، حين تخلق حالة من التصالح بينها و بين مفرداتها، تصالح قائم على التلامس بين صورها وتصوراتها المختلفة.

نجاة الزباير تعيد للمقياس الداخلي قيمته القصوى، و وظيفته ، وتقومه وفق خصوصية وخاصية أشعارها، وربطه بوعيها القابع بهدوء وثقة في نصوصها ، لتشكل بذلك علاقة مع القارئ ، محرضة له على إنجاز تفاعلاته الخاصة في الفهم والتأويل . تحرّر مجالات التعبير لديها، وتخلق نوعا من التضافر فيما بين تساؤلاتها ، تمضي في اتجاه قادر على أن يفجّر مكنوناتها، وقادر على أن يغرقها في بحر الشعر والشعور ، عائمة في أعماقه، متسلحة برصيد هائل من المفردات يجعلها صائدا ماهرا للآلئها.

نقرأ من الديوان :

كتب لزوجته عن اللهاث في زوابعه

أغلق الظرف بدمع ثورته

وأرسله مع بقايا فجيعته

"ـ تراها قرب الموقد القديم؟

تغزل ثوبا بلون الخريف

أم أن شظايا القنابل

قَبَّلت فمها الصغير؟

وهل قهوتها الحزينة

المندلقة فوق قسمات الغياب

ما زالت تبحث عني كي أعود

أنا الجندي القديم

الذي سافر مئة عام أو يزيد؟"

قال في سكون.

***

بقلم رائف الريماوي -عمان

منذ أكثر من ثلاثة عقود عوّل عالم الأديان التونسي عزالدين عناية على انتهاج نهج مغاير في تفهّم قضايا الدين والأديان، مستلهما منهج علم الأديان بتفرعاته التاريخية والسوسيولوجية والمقارنة التي تنأى عن المنهج اللاهوتي. يرى عناية أن جانبا كبيرا من ورطة العرب الدينية تعود إلى غياب الوعي العلمي بالدين وانحصارهم داخل منظور لاهوتي مغلَق. يدفعه في ذلك حافز قوي ألا وهو تطوير الدراسات العلمية للدين والأديان في الأوساط الثقافية العربية. وفي هذا العمل الجديد نجد مجموعة من الحوارات معه بشأن هوية الدراسة العلمية للأديان وخصائصها.

يقول عناية في مطلع كتابه شغلتني في هذه الحوارات، على العموم، قضايا الذات والآخر، وعلى وجه الخصوص، قضايا الدين والأديان. وفي سائر الإجابات التي أدليت بها، ربما كنت منساقا إلى انتقاء العبارة الأنسب والفكرة الأوضح، ولربما كنت أيضا جامحا في التطلّع إلى أفق بعيد في فهم الدين والإحاطة بأوضاعه، تقديرا مني أنّ الأمر لدينا قد أضحى عنوان أزمة اجتماعية وأزمة معرفية على حدّ سواء؛ ولكني كنت حريصا دائما على محاولة تشخيص الأوضاع، وعرض الإشكاليات، واستنباط الحلول بروية وتبصّر، وبشكل ينأى عن الإفراط في الجزم والحسم.

وقد آثرت جمعَ هذه الحوارات ونشرها، على أساس كونها مصارَحة ومصافَحة، لمن تستهويهم كتاباتي أو تروق لهم ترجماتي، ويجدون فيها ما يثير أشجانهم ويدفعهم إلى المضي قدما في سبيل ترسيخ منهج علمي في قراءة الظواهر الدينية، ذات الصلة بالواقع العربي أو الفضاء العالمي.

أتت مختلف الحوارات في أوضاع متباينة، وربما في أزمنة متابعدة نوعا ما، حيث تراوحَ الإدلاء بها بين سنتي 2008 و 2022، ولكنها كانت دائما بوحًا عفويًّا بما يختلج في صدر المحاوَر. وجاءت معنونة بـ "حوارات في الدين والأديان" من باب تسمية الكل بالجزء، أي بالغالب والمتكرّر، وإن كانت في واقع الأمر حوارات في قضايا الإنسان والاجتماع، وفي جدل الشرق مع الغرب بوجه عام. ولم يخضع ترتيب الحوارات في الكتاب إلى تسلسل زمني، بل توزّعت بحسب القضايا المعالجة. هذا وقد سبق أن نُشر جميعها في صحف ومجلات ومواقع على الشبكة، غير أن فكرة تجميعها راودتني على أمل أن يجد فيها القارئ رؤية أوضح عما أتطلّع إليه من خلال كتاباتي وترجماتي.

فقد تبيّن لي وأنا أدلي بتلك الإجابات أن لا مجال في الحوار للإسهاب. فما نريد أن ندرجه موسّعا في مؤلف أو دراسة، ونبحث له عن دعائم وسندات، نورده في الحوار خاطفا وموجزا، بحسب المساحة المتاحة في منبر الحوار. ونخاطب به أناسا تختلف مشاربهم ومقاصدهم، هكذا وُلدت جميع الحوارات بدون سابق تخطيط أو إعداد من جانبي.

كما أشير إلى أنّ هذه الحوارات ليست مجرّد شروحات أو تعليقات على ما كتبتُ، ولكنها بوح ومصارَحة. فمع كل حوار أَدليت به لم أزعم امتلاك القول الفصل عن السؤال المطروح، بل حاولت صياغة إجابة من عمق التجربة، واستنادا إلى ما ترسّخ لدي من قناعة ومعرفة بالوقائع والظواهر. ولذلك قد تتماثل بعض الأسئلة ولكن الإجابات عنها تتغاير من موضوع إلى آخر جراء كون الجواب لديّ هو محاولة ومقارَبة وليس مجرد استحضار لما هو جاهز.

نبذة عن المحاوَر: عالم أديان تونسي إيطالي، خرّيج الجامعة الزيتونية بتونس، يدرّس بجامعة روما إيطاليا. نشر ما يربو عن عشرين مؤلفا بين بحث وترجمة، تناولت الدراسات العلمية للأديان والمناهج العلمية في دراسة الظواهر الدينية، فضلا عن نشره ما يزيد عن ألفي مقالة، علمية وصحفية، في مجلات وصحف عربية وإيطالية لتطوير علم الأديان.

الكتاب: حوارات في الدين والأديان مع عزالدّين عناية

الناشر: مجمع الأطرش (GLD)

مكان النشر: تونس- 2023

عدد الصفحات: 184

***

صدر عن دار الفرات للثقافة والاعلام في بابل بالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع، كتابي الموسوم (غالب العميدي.. مسيرة حافلة بالابداع والعطاء). كُسِرَ الكتاب إلى سبعة فصول، وتضمن الفصل الأول السيرة الذاتية للفنان غالب العميدي، أما الفصل الثاني فبحث في بدايات العميدي في مجال المسرح، و الفصل الثالث دورهُ الريادي في نقابة الفنانين في بابل، والفصل الرابع دوره الريادي في النشاط المدرسي، والفصل الخامس تجربته في التأليف، أما الفصل السادس آراءَهُ حول المسرح العراقي، وتضمن الفصل السابع ما قالو في السيد العميدي من الأدباء والفنانين، وأخيراً ملحق الكتاب الذي شمل جدول يمثل الأعمال الفنية في التأليف والإعداد والإخراج في المسرح والإخراج في فن الأوبريت، والتمثيل في المسرح والأوبريت والسينما والتلفزيون والإذاعة.

اعتمدت في الكتاب على عدة مصادر من خلال اللقاءات وما زودني بها السيد العميدي من مؤلفاته في مجال المسرح والسيرة الذاتية. اتمنى أن يخرج الكتاب ليسد فراغاً في المدرسة العراقية والعربية في مجال المسرح. وأخيراً يطيب لي أن أقدم شكري الجزيل لكل الذين حاورتهم بشأن هذا الموضوع.

ونتأمل لكل ما يجري اليوم في العراق من تحسن وإعادة عجلة الحياة بجميع مفاصله إلى ما كان عليه، وما يصبوا إليه لمستقبل موهوم، وهو الشيء الذي يجعله من ألفه إلى يائه نفياً لتبرير الفساد المستشري الآن بمختلف الصيغ والأشكال. ومن ثم، فإننا نقرأ فيه مشاعرنا واحاسيسنا ونقمتنا ورؤيتنا ورغبتنا وأشياء أخرى نضمرها ونسعى إليها.

فالعراق ليس اسماً ومسمى، بل هو الأنا القابعة في كل فرد منا، وفي معرض تسليط الضوء على مسيرة الفنان المسرحي غالب العميدي الحافلة بالتأريخ الفني من خلال التمثيل والإخراج والتأليف، والعمل المهني في مجال نقابة الفنانين، نستعرض ملامح الأمل التي كثر فينا، والتفاؤل صوب إرساء أسس جديدة قادرة من حيث محتواها المعرفي واسلوبها الموضوعي والعلمي، على جذب الفنانين والأدباء والمثقفين من أجل تفجير الطاقات الفنية الكامنة والمكبوتة، بسبب العزلة الطويلة التي تعرض لها العراق بعد الإحتلال الأمريكي عام 2003م، وهي عزلة ما زالت تطبع بآثارها الحزينة أفئدة الجميع وهمومهم، وهو الحزن الكامن في الروح العراقي وفيما يسعى إليه.

إننا نسمع ذلك الحزن في شكوى القصيدة وغناء الأمهات وحنين الصبايا والتضرع المعجون بالرغبة الصادقة في تقديم نذر للأسماء التي ترتقي إلى مصاف المقدس الذائب في الذكرى بعد عقود مريرة، مما جعلت العراق مهمشاً، وجعلت الفنان والأديب والمثقف مهمشاً أيضاً.

كان الأمل في أن ينهمك الأغلبية بعد عام 2003م بما يسمى عام التغيير في إعادة بنائه بوصفه عراقنا نحنُ، دون أن تقع بحبائل التفاؤل المزيفة لأحزاب السلطة، أو اليأس المتباكي من تعاسة الواقع.

نلاحظ بمنهجية الصبيان في تفننها البليد بتخريب كل ما لا يستجيب لذوقها، وكان ما كان للفن المسرحي والتشكيلي والفن النحتي من إساءة وإهمال، وهي حالة يمكن تفهمها حالما ننظر إلى المراهقين والصبيان.

من يتأمل ولو عن بعد ما في تاريخ العراق من حقائق أدبية وفنية تاريخية، فإنه سيرى روحهُ تتبختر وعقلهُ يمتحن أمام مهمة البحث عن حكمة في كل ما جرى ويجري، من خلال استقراء مدارسه الفنية وأفراحه وأتراحه وصعوده وهبوطه للَضّم خيوطه الجميلة. فمن يقرأ تأريخنا، فإنه يقف بالضرورة أمام الحقيقة القائلة: بأن هوية العراق المدنية أعرق وأوسع من كل ما قيل فيه.

فقد أنجب العراق العديد من الأدباء والفنانين والمثقفين والسياسيين، وعدداً هائلاً من المفكرين والمؤرخين والأبطال على مدار السنين، فهم الكوكبة التي رسمت ملامح العراق الكونية وهويته الخاصة، وجعلت منهُ عالم القدرة الدائمة على العطاء والإبداع، كما جعلت منهُ مكان المأساة التاريخية الكبرى الحديثة، وهي مأساة لم تتحول بعد إلى موضوع العلم التاريخي والإبداع الروحي والأدبي والفني.

إن مأساة العراق الحالية لا يمكن تأملها بمعايير البكاء على الأطلال، لأن العراق ليس أطلالاً، بل كوناً وكنزاً ولُغزاً. إننا بحاجة إلى أقلام تاريخية جبارة تفهم دروس الماضي، وتتأمل المستقبل بروية دون عجالة.

فإننا بحاجة إلى مشروع واقعي وعقلاني، وهي مهمة ومسؤولية وواجب بقدرٍ واحد بالنسبة لنخبة الفكر الكبيرة. فالعراق ما زال أرض الممكنات الكبرى وميدان حل اشكاليات الوجود الخالدة، والعراق غائر في ذاتنا وروحنا شأن النخيل الغائر في أجسادنا، وعراقتهُ تقترب من اللغز في أرواحنا.

فحقيقة العراق ليست جغرافيا، بل أكبر وأوسع وأعمق وأعرق، كما أنها ليست زمناً، بل تاريخاً. ومن خلال تتبع تاريخ العراق الثقافي والأدبي والفني والسياسي، نجد أن هناك تعثر استئثار العقل والفكر لنتأمل ما جرى ويجري من انحطاط مختلف مظاهر ومعالم الفقر العلمي والمعرفي اليوم بسبب الطائفية والعرقية. لكننا لا يمكن أن نعيش بهذه الأفكار السوداوية إذ علينا استحضار أرواح وحياة كل أولئك الذين وطئوا هذه الأرض المعطاء، ورسموا صورة الحضارة بأبهى اشكالها من خلال السجال الفكري والحضاري والفني الذي أثرى مكونات الحضارة العالية.

ويبدو لنا من خلال قراءة التاريخ، أن كل المسارح العريقة قد تعرضت لضغوط الكنيسة التي تحكمت فترة من الزمن في القرار السياسي، فقد تعرض المهرجون في روسيا والذين يشكلون البداية الحقيقية للمسرح الروسي لمثل هذه الضغوط من قبل رجال الكنيسة. ولكن مؤلماً لنا جميعاً أن بلادنا العربية قد عرفت المسرح بشكله الحديث مؤخراً.

أما في العراق فقد تأسس المسرح الديني على يد المدارس المسيحية في مدينة الموصل. وللصلة التي كانت تربط المدارس المسيحية بكنائس روما وباريس، حيث كان الرهبان يرسلون للدراسة هناك. وذلك واضح من خلال المسرحيات التي كانوا يقدمونها وهي تمثيليات معربة عن الفرنسية والإنكليزية كما يقول الدكتور علي الزبيدي؛ وهي تحمل الأسماء ذاتها مثل آدم وحواء ويوسف الصديق، وهو النوع الديني الأخلاقي الذي انتشر في القرون الوسطى، ولكن وجود المسيحيين في بلد إسلامي وضمن أكثرية اجتماعية ودينية إسلامية في مدينة الموصل وحتى العاصمة بغداد لم يحقق الانتشار الذي حظي به المسرح في أوروبا، لأن التمثيليات الدينية التي كانت تقام في روما وباريس وغيرها كانت تقدم في الميادين العامة الكائنة أمام الكنائس، أما في العراق فانحصرت في الكنائس والمدارس الدينية الملحقة به.

ويبدو أن هذا النمط المسرحي الديني، والذي بقي حبيس الكنائس والمدارس العراقية، لم ينجح إلا حينما بادر المسرحيون إلى اختيار نصوص تاريخية تحاكي بها المشاعر القومية، ومثال على ذلك مسرحية بعنوان (الوطن) والتي قدمت عام 1908م، بينما عرضت على مسرح مدرسة الكلداني مسرحية بعنوان (نبوخذ نصر) عام 1889م لمؤلفها الخوري هرمز روسو المارديني، ومسرحية اجتماعية تربوية (لطيف وخوشابة) عام 1893م تأليف نعوم فتح الله سحار.

أما ولادة المسرح العراقي فقد: "ولد المسرح العراقي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، على مجموعة من الرهبان المسيحيين في محافظة الموصل، فكانت البداية مسرحيات وعظّية لها علاقة بالمسرحيات التي قدمتها الكنائس في العصور الوسطى، وذلك للعلاقة الوطيدة بين الكنائس في مدن الموصل وروما وباريس، حيث كان الرهبان يرسلون للدراسة ثم يعودون إلى العراق للعمل والتدريس في المدارس المسيحية العراقية.

وحين أسست الدولة العراقية عام 1921م وجد الفنانون العراقيون على قلتهم أن الاستعمار البريطاني يطوق عنق الوطن، فكان المسرح العراقي وطنياً. يقول الباحث والمخرج العراقي محمد سيف في حديثه عن وطنية المسرح العراقي "إن القدر العراقي قد خزن في أعماقه دراما لم تنجز، حتى أصبحت تراجيديا أسطورة قادرة على أن تنجز عملاً مسرحياً بمعناه الحقيقي، إن التراجيديا الأسطورية من وجهة نظري هي مكان أو بالأحرى عرض للعقيدة التي تتأرجح ما بين الواقع والخيال، فالمواجهة اختلاف يأخذ جذره من طقوس عاشوراء".

بعد اطلاعنا على ما أنجزه الفنان غالب العميدي الذي كان نموذج كتابنا هذا، استطيع القول إنه بحق يمكن أن يكون عينة المسرح العراقي بجدارة لما حققه خلال أربعة عقود أو أكثر من الزمن، من حضور وانجاز متواصل وإضافات نوعية سواء من خلال أعماله المسرحية التي وجدت طريقها للجمهور، أو عبر ما كتبه في مجال التأليف، أو ما شارك به من خلال الإخراج الذي كان بمثابة المختبر لتنضج داخلها تلك الأفكار، وتتطور مواهب الممثلين أو تتلاقح فيها خبرات الفنيين، وتتعمق العلاقة بين طرفي الأرسال والاستقبال, ومن خلال الأعمال الكثيرة والتي أصبحت اليوم تشكل رصيداً في مسيرة المسرح العراقي لا يمكن تجاهله.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي – الحلة

2022م

صدر حديثا عن وكالة الصحافة العربية (ناشرون) كتاب "التربية المعاصرة وتحديات التطوير" من تقديم وتحقيق الدكتور بليغ حمدي إسماعيل أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية بجامعة المنيا بجمهورية مصر العربية، وتضمن الكتاب مجموعة من المقالات التربوية المتخصصة في المناهج وطرق التدريس، وعلم النفس، والتربية اللغوية لمجموعة من رواد التربية الأوائل الذين رصدوا المشهد التربوي والتعليمي منذ منتصف القرن العشرين .

ويؤكد الدكتور بليغ حمدي على ثمة حقائق من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل. وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي، وهذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي قد تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير.

ويطرح الدكتور بليغ حمدي إسماعيل في تقدمته للكتاب مجموعة من التساؤلات التي تثير الذعن حيث يقول: " ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل" .

ويستطرد قائلا غي المقدمة: "وماذا أيضا؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر" .

ويشير الدكتور بليغ حمدي إسماعيل إلى نقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية ؛ أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته ؛ فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط . وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة ؛ لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

والكتاب بطرح مسألة التربية باعتبارها مهمة وأمانة وقضية وجود ضد الذين يتزاحمون على أمر التعليم ومشهد التعلم، فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشيء، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية؟. والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا.

كما يشير الدكتور بليغ حمدي إلى أن التربية ليست في عين الكثيرين علماً قائماً بذاته، بل إنها لا تزال تشق طريقها في سبيل الوصول إلى درجة اعتبارها علماً من العلوم. أو يكون مرد ذلك إلى أصل الكلمة التاريخي؟ إذ أنه قد ورد أن كلمة "مربي" تعني العبد الذي كان يقود ابن سيده إلى المدرسة. وإذا كان للتربية في أكثر بلدان العالم، من أهمية فهي إنما تكمن لدى مدرسي الصفوف الابتدائية، لأنهم يؤمنون بالتربية، أما المدرسون الثانويون فهم يعتقدون بأن إتقان الاختصاص هو خير سبيل للقيام بواجب التربية. كما يعتقد آخرون بأن التربية ما هي إلا فن من الفنون أو عملية بدهية أو موهبة طبيعية. وهكذا فإن بعض الجامعات لم تخصص إلا قبل سنوات قليلة فرعاً للتربية فيها. وحتى دار المعلمين فهي لا تخرج مربين نموذجيين بل إن تلامذتها غالباً ما يتهيأون لوظائف بعيدة كل البعد عن مهمة التربية.

ولكن ما هو المبرر الذي يحول دون إقبال الناس على فرع التربية؟ ولعل الجواب هو أن أجرة المربي ضئيلة جداً بالنسبة لأجرة الاختصاصي الفني. والسبب المادي، بلا ريب، هو العامل الفعال في عدم إقبال الناس على هذا العلم. ثم إن مسألة التربية أصبحت بالنسبة للبلدان المتقدمة غير ذات بال إذا صح القول، بمعنى أنها مسألة ميسورة ومفروغ منها.

أما في البلدان النامية فالاهتمام بالتربية يبدو أشد وأقوى برغم من أن نتائجها ليست بمستوى البلدان المتقدمة، أما سبب بروز هذا الاهتمام من الدول النامية بشكل واضح فلأن حكومات هذه الدول تعتبر، وهذا حق، أن مشكلة التربية هي في أساس بناء المجتمع الحديث. على أن هناك أمراً مهماً يخص التربية وهو أن هذا العلم أو هذا الفن إنما هو واحد عند الشعوب إن من جهة إثارته اهتمام جميع هؤلاء، أو من حيث أن مواضيعه متشابهة في كل زمان ومكان ولعل أبحاث مربين كبار هو خير دليل على هذا الرأي.

ومهما يكن من أمر فإن علينا واجباً ومسؤولية كبريين في تثقيف الأجيال الجديدة وتربيتها. فكل دولة من الدول ملزمة بالمساهمة في مهمة تعميم التربية ونشرها، بحيث أن تجربتها الخاصة يجب أن تتعدى حدودها للتفاعل مع تجاوب الغير، كل ذلك لخير الإنسانية.

ويتضمن الكتاب من مجموعة من الفصول منها:

الفصل الأول ــ مشكلات التربية المعاصرة: وتضمن الحديث عن التربية والتطور، والتربية التقنية، والتربية الديموقراطية، والمستجدات المباشرة لعلمي النفس والاجتماع، والمسائل التربوية الجديدة.

الفصل الثاني ـ اللغة العربية والغاية من تعليمها: وتناول الحديث عن التهجي والمطالعة.

الفصل الثالث ـ المحفوظات والنصوص الأدبية: وتضمن الحديث عن دراسة الشعر والأناشيد في رياض الأطفال والمدارس الأولية والابتدائية.

الفصل الرابع ـ الأساليب الجديدة: وتناول موضوعات التربية الحس- حركية، والقيمة التربوية للعب، والتربية الحسية، والأساليب الفعالة للتعلم.

الفصل الخامس ـ منجزات ومشاكل معلقة: وتضمن الحديث عن تربية المرحلة ما قبل التمهيدية المدرسية والابتدائية، والمسائل التربوية في المرحلة الابتدائية، والتربية في المرحلة الثانوية، والتربية التوجيهية، والثقافة العامة والتخصص، والثقافة العامة اللازمة لعصرنا، والتعليم العالي والتربية الدائمة، والتربية والتعليم الدائم.

الفصل السادس ـ إعداد المعلمين والبحوث التربوية: واشتمل على عدة موضوعات مثل أين هي تربية إعداد المعلمين؟، واختيار معلمي المستقبل 3- اتجاهات جديدة في إعداد المعلمين 4- تهيئة المعلمين بالتمارين، الإعداد التجريبي، والتربية العلمية، ومعاهد الأبحاث والإعداد التربوي.

كتاب: التربية المعاصرة وتحديات التطوير.

تقديم وتحقيق: الدكتور بليغ حمدي إسماعيل .

تاريخ النشر: أبريل 2023

الناشر: وكالة الصحافة العربية (ناشرون) ـ مكتبة جرير السعودية في 2023م.

https://bookapa.com/-9122.html

https://www.jarir.com/sa-en/arabic-books-jrb5000006151.html

أصدرت دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، عملا جديدا للباحث سعيد بوخليط. موضوعات عدّة، مفعمة بالثراء المفهومي والخيالي، التأمت بين دفتي العنوان التالي:

أفق الجمال، حياة المفهوم والخيال: نصوص في الفلسفة والأدب

موضوعات تباينت مقاربتها جدّة، متانة، وكذا قوة نزوعها الأكاديمي أو اكتفائها بالإيحاء الانطباعي، وفق طبيعة التيمة المركزية التي تأرجحت طيلة اشتغال متواليات هذه الشذرات ، بين محدِّدات خطابات تحيل على: العشق، التأبين أو الرثاء، النداء الإنساني الرؤيوي، التشكُّل المفهومي، المؤانسة الحوارية، اللوغوس الشعري.

نماذج تختزل فقط إجرائيا، مقاربات وتأملات؛ وإن اختلفت طبعا منطلقات أصحابها، لكنها تلتقي بعد كل شيء؛ كما الوضع مع جلِّ النصوص التأسيسية عند بوتقة واحدة دون غيرها، يستحيل التِّيه عن سبيلها الأوحد، وإلا أضحت حكاية الإنسانية المقدسة مجرد وهْمٍ عظيم.

نصوص توزعت بين حقول الفلسفة والأدب والشعر، تضعنا بالمطلق عند آفاق الجمال والسمو الفكري والحسي، حيث تجدر بنا الحياة الحقَّة. دون تخاذل، تأجيل، بل مجرد أدنى مواربة. لغة في غاية الشفافية والنعومة قدر عمقها، تدرك سبر أغوارها جيدا أسماء: سيمون دو بوفوار، سيلفي لي بون دو بوفوار (ابنتها المتبناة) ،جوليا كريستيفا، رولان بارت، فرانسوا ليوتار، فيليب سوليرز، غاستون باشلار،جيل دولوز، نيلسون أليغرين، أدونيس ، جبران خليل جبران .

استحضر هذا الكتاب بعض نصوص هؤلاء، وقد كشفت من باب التمثيل لا الحصر على الجوانب الآتية:

العلاقة العاطفية التي جمعت بين بوفوار وعشيقها الروائي الأمريكي نيلسون أليغرين، تشبه تلك التي جمعت بين جبران خليل جبران وماري هاسكال، ثم تصور مبدع كتاب النبي للشعر والشعراء، الانتقال إلى الحديث عن أدونيس عبر أناشيد أدونيادة، تصور رولان بارت للغة باعتبارها جسدا، وكذا استعادة تفاصيل موته جراء حادثة السير بداية سنوات الثمانينات، مفهوم الأدب حسب جيل دولوز، حلم التحليق كما تخيله غاستون باشلار، ماهية مؤسسة الزواج لدى ثنائي غير عادي؛ كما الشأن لدى فيليب سوليرز وجوليا كريستيفا، أيضا استعادت هذه النصوص روح النداء الذي خاطبت به كريستيفا إنسانية القرن الواحد والعشرين من خلال دستور عشرة مبادئ، وأخيرا العودة إلى محاولة تبسيط تيار مابعد الحداثة من طرف فرانسوا ليوتار وتقديم مضمون ذلك إلى الأطفال.

***

 

تواصل دار النشر لارماتان L’Harmattan – في باريس إصدار أعمال الكاتب العراقي علي القاسمي باللغة الفرنسية في سلسلتها الأدبية Les impliqés. وهكذا فبعد رواية “مرافئ الحب السبعة” التي صدرت ترجمتها قبل عام، تصدر الترجمة الفرنسية لثلاث من مجموعاته القصصية تم تجميعها في مؤلَّف جامع أطلق عليه عنوان "مشاعر قلب منفطر". وقد اضطلع بترجمتها، على غرار الرواية المذكورة، المترجم المغربي، مصطفى شقيب، وأشرفت على مراجعتها الأديبة الفرنسية أستاذة الترجمة بجامعة غرناطة الدكتورة ماري ايفلين لوبودير، التي كتبت في التقديم:

"وماذا لو كانت النهاية بشائر البداية ؟ علاقة متناقضة تتقاذفها الأمواج الصامتة، برغم كونها مضطربة، محمومة، عاصفة، مقدمة للشروق، شروق الشغف. يتحفنا القصصي البارع علي القاسمي في هذا المؤلّف الذي يتألف من ثلاث مجموعات قصصية رائعة : "أوان الرحيل" و "صمت البحر" و "الحب في أوسلو" التي تناولت مواضيع متباينة ظاهرا، غير أنّ كلماتها تنسج بينها روابط يستحيل الفصل بينها.

تتطاير حروفها مثل الفراشات، تتفادى الصفحات، لتملأ في الأخير حيزًا ملموسًا، متجولة على مرأى من المؤلف، لتجعله يشعر بوجوده. تزيل حروفها العوائق، تلغي الحدود، تعرض نفسها دون موانع أمام عينيه، وتجعله يلامس الصفحات. حروفها رجفة خالصة، تضفي المعنى، تعيد الفرح، تنتقم من الزمن الذي يمضي، ثم تنسى ذلك. يقدّم لنا القصصي الموهوب مشاعر قلبه المنفطر."

يفرق الناقد الدكتور سعيد يقطين بين مصطلحي " مجموعة قصص" و"مجموعة قصصية". فقصص المجموعة الأولى تكون موضوعاتها متفرقة؛ أما قصص المجموعة الثانية فتدور حول موضوعة واحدة. وإذا نظرنا إلى مجموعات القاسمي السبع، نجد كل مجموعة تدور حول موضوعة واحدة تقريباً، فهذه المجموعات هي:

1) ” رسالة إلى حبيبتي”، حول ذكريات الطفولة والصبا.

2) ” صمت البحر” حول قصص الحبِّ الخائب.

3) “دوائر الأحزان”، حول ما يثير الحزن في وجدان العربي.

4) ” أوان الرحيل”، حول الموت وتداعياته.

5) ”حياة سابقة” حول قضايا علم النفس الموازي.

6) “الحب في اوسلو” حول القيم المادية الغربية.

7) " الآنسة جميلة وقصص أخرى" حول المرأة واهتماماتها.

وقصصها ــ كما جاء في تقديم دار (مكتبة لبنان ناشرون) في بيروت التي نشرت كتاب القاسمي، " الأعمال القصصية الكاملة" ــ : " كُتبت من أجل مكاشفة الذات ومساءلة الكينونة، بأسلوبٍ ممتعٍ سهلٍ ممتنعٍ ؛ وهي نابضةٌ بالإثارة والتشويق؛ ومزدانةٌ بالمعرفة والثقافة ؛ ومضمَّخةٌ بلغةٍ راقية؛ ومشرعةٌ على رياح التأويل؛ ونابعةٌ من تجربةٍ حقيقية، ومعاناةٍ وجدانيةٍ عميقة، وموهبةٍ فذة، وخيالٍ مُجنَّحٍ جامحٍ أخّاذ. لقد كتبها القاسمي بدم القلب ودمع العين."

يقول القاسمي في مقدّمته لإحدى مجموعاته القصصية: ” إن مَن يقرأ هذه القصص لكي يستخلص منها جوانبَ من سيرتي، سيصابُ بخيبة أمل، ومَن يقرأها بوصفها من نسج الخيال، سيفوته الشيء الكثير من الحقيقة ؛ لأن الفنّ عموماً، والأدب على وجه الخصوص، ينطلق من أرض الواقع، ليحلّق في فضاء الخيال الواسع.”

وقد تم نشر أغلب هذه المجموعات القصصية بالعربية في عدّة طبعات في القاهرة والدار البيضاء وبيروت وحظيت بعنايةٍ خاصةٍ من لدن النقّاد في المغرب العربي وفي المشرق العربي على السواء، والآن تضطلع دار نشر لارمتان في باريس بنشر جميع مجموعاته القصصية في مجلدين، صدر المجلد الأول هذا الشهر، ويتوقع صدور المجلد الثاني في أقل من عام..

لقد حظيت سرديات القاسمي بعناية الأكاديميين والنقاد في المشرق والمغرب فصدر عنها حوالي خمسين رسالة جامعية وكتاباً ، فمثلا مجموعته القصصية " أوان الرحيل" ، وهي أحدى مجموعات المجلد الأول بالفرنسية، صدرت عنها حتى الآن أربغة كتب لإعلام الأدب والنقد في العالم العربي، وهم:

1) الشاعر الناقد العراقي الدكتور محمد صابر عبيد، أستاذ النقد الأدبي في جامعة الموصل سابقاً، وأستاذ الأدب العربي في جامعة أنقرة حالياً، في كتابه " التجربة والعلامة القصصية: رؤية جمالية في قصص ( أوان الرحيل) لعلي القاسمي"

2) الطبيب النفسي الأديب القاص الروائي الناقد الدكتور حسين سرمك حسن، مؤسس موقع (النقد العراقي)، في كتابه " الظمأ أو قارب الموت: تحليل طبنفسي لقصص مجموعة " أوان الرحيل".

3) الأديب الناقد المهندس المغربي الأستاذ الحسين بوخرطة في كتابه " سراديب الموت: قراءات تاؤيلية في قصص مجموعة اوان الرحيل لعلي القاسمي"

والقاسمي كاتبٌ متعدِّد الاهتمامات له أكثر من خمسين كتاباً في القصة والرواية والترجمة والنقد، وباحث في اللسانيات وعلم المصطلح وصناعة المعجم والتربية والتنمية البشرية وحقوق الإنسان.

***

بقلم: مصطفى شقيب

...............

1 محمد صابر عبيد . التجربة والعلامة القصصية في قصص أوان الرحيل لعلي القاسمي (أربد: عالم الكتب الحديث، 2010).

2 حسين سرمك حسن. الظمأ أو قارب الموت: تحليل طبنفسي لقصص " أوان الرحيل" . منشور في مواقع أبية كثيرة منها: الناقد العراقي ، صحيفة المثقف ، وغيرهما.

3 نُشرت فصول الكتاب في مواقع أدبية كثيرة مثل صحيفة المثقف، وسيصدر قريباً عن دار الثقافة الجديدة في الدار البيضاء.

 

ترجمة وتحقيق: صالح بوعذار

توطئة المترجم

أشرف الخمايسي كاتبٌ مصري بارز، ولد عام (1967) في مدينة الأقصر. ويسعنا الإشارة من بين رواياته ذائعة الصيت والشهيرة إلى؛ "منافي الرب" و"الصنم" و"ضارب الطبل" و"انحراف حاد" و"صوفيا هارون".

صدرت رواية "منافي الرب" عام (2013) وفي عام (2014) وصلت إلى القائمة الأخيرة لجائرة البوكر العربية.

رواية " منافي الرب" هي روايةٌ تجعل الموت والخلود مرآة لإظهار انجذاب الانسان واندفاعه في هذا المسار. فهذه الرواية مرقومة لتمجيد الحياة، وهي محاولة لجعل الحياة تتغلب على الموت!

يبحث "حجيزي" بطل الحكاية، عن الخلود، إذ يجتاز مراحل عديدة بغية الوصول إلى الانعتاق والخلاص. بيد أنه يُنشد الخلود والبقاء في هذه الدينا، وليس في الجنة والمدن الفاضلة. حيث اجتاز طريقاً وعرة متوخياً الحصول على الخلود، وينزعُ لمدة من دين الإسلام إلى المسيحية، علهُ يظفر بينبوع خلود الجسد في هذه الدينا. أجل فهذه الرواية تمجدُ الحياة وتمتدحها، إذ يجهد البطل ليتخطى الكليشات والمسلمات ليبلغ تلك الحياة الخالدة.

تجلت في عموم الرواية الاستعارة الرئيسة "غير مدفون". وتمثل هاجس البطل في الاحتفاظ بجسده وسط الأحياء، وألا يُحرم من إنسهم ومسامرتهم. فشخصية "حجيزي" مبتكرة وتضج بالحياة، إذ يمكن وضعها في مصاف الشخصيات الأدبية العالمية الأخرى مثل "هاملت" و"جان فالجان" و"دون كيخوته" و"أبلوموف" و" آنَا كارينينا" وغيرها.

وحياة حجيزي برمتها مشوبة بالموت وفكرة الموت، لأن والده كان منخرطاً في مهنة تحنيط الموتى أيضاً، ولاحقاً سار على نهج والده أيضاً. يشكلُ الموت بالنسبة لحجيزي، تحدٍ ومعضلة جسيمة، لأنه لا يفرق بين الصغير والكبير، ويجندل الجميع بحد سنانه، فيتعين على الناس مرغمين أن يدفنوا أحبائهم.

لا يدور هاجس حجيزي الأبدي والعميق حول "الموت" بحد ذاته؛ فقد تجاوز هذا الأمر قبل سنوات خلت، بل كان يخاف الوحدة والفناء بعد الموت، وكان يجهد على الدوام ليجد سبيلاً كي لا يدفنوه بعد موته، ويحتفظوا بجثمانه صحيحاً سليماً بين الأحياء.

فكرة الموت هذه وهاجس عدم الدفن، تسببت في ألا يستمتع حجيزي طوال عمره بحياته مثل الآخرين وألا يشعر بالسعادة ويعتاد الروتين. إذ يتنبه خلال أيامه الثلاثة الأخيرة إلى هذه السعادة والحب الضائع وحسب. "السعادة هي جماع الُمتع المنثورة في کل تفاصیل حیاتنا، حتی أسوأ تفصیلة تحمل متعة ما، لکننا في بحثنا المحموم عن السَّعادة، کُتلة واحدة مکتملة وواضحة، ندهش هذه المتع، و لا نجد السَّعادة أبدا.

السعادة لن‌ تأتي‌ أبدا کّتلة واحدة مکتملة و واضحة". بناءً عليه "فالحب" يعد عنصراً قوياً وعميقاً في هذه الرواية، ويسعه ضمان وحدة سعادة الإنسان وتكاملها نسبياً، ويجعله متفوقاً على "الحزن" الذي يُعد مثالاً عن منافي الرب.

في سير وسلوك حجيزي، البقاء والفناء، أرفعُ من قضية "الحياة" و"الموت". لأن هذه قضية الانسان الوجودية التي تحدثُ في مستوى العرض والجوهر. فالعرض من هذا المرأى ماضٍ إلى العدم، فيما يشيرُ الجوهر من هذا المرأى إلى أنه موجودٌ حيٌ وخالد، بيد أنه في كلّ أسفار عمره كان يتحرى الخلود من خلال منطلق الحفاظ على جسده، وهذا مستوعب في مستوى عرض الحياة وليس في جوهر العمر. لكن في نهاية المآل، يجدُ الخلود في الاستئناس بالجماعة وصحبة الآخرين: " الإنسان لا یموت، لأن الموت اختفاء، و الانسان‌ ظاهر في الأرض یشیًد خلوده، لا یموت الإنسان ولا‌ یُدفن". وعليه، فرواية "منافي الرب" تشكل نوعاً ما بحثاً عن الحياة بعد الموت ودليل على انتصار "الانسان" في قضية الخلود. بحق يمكن تسمية هذا الأثر "بملحمة الموت"، لأن البطل في كل اتجاهاتها وطوال سفره الطويل يتغلب على الموت.

لذلك في نهاية المطاف يجد السعادة في هذا الأمر: "السعادة امرأة تحبُّك وتحبّها. لو وجد أحدنا امرأة تحبُّه ما ألقی‌ بنفسه في منافي‌ الرب!"

وثمة استعارات ورموز عديدة مطروحة في هذه الرواية، على سبيل المثال: المسجد، والقطار، والعصفور، الصحراء، والواحة، وشجرة البرتقال والبئر و...

ومن خلال هذا المشهد، فقد كان مسجد قرية "الوعرة" الذي كان يحظى بقداسة خاصة من قبلهم، واتضح لاحقاً لهم أنه في الحقيقة كان عبارة عن سجن شيده العثمانيين، كانوا يسجنون فيه المماليك. بناءً عليه يريد الكاتب أن يقول إن الدين بوسعه أن يغدو أداة من أجل العبودية والأسر، ويفرغُ الانسان من الداخل، في حين إن الدين في الأساس ينشدُ خلاص الانسان وتنویره. لهذا السبب تُقحم الرواية الخطاب الديني الخشن والمتصلب في سجال، وتدعونا من منطلق نهج التهكم إلى استقصاء المفاهيم والكليشات الدينية والمناسك. في كل هذه الرواية، ثمة مفاهيم تُطرح مثل الموت والدين والحب، ثنائية الجسد والروح والزواج والحرب والثروة و...

كما ينبغي معرفة أن وصف المشاهد الجنسية في هذه الرواية، يهدف إلى تأكيد واستعراض عظمة الحياة. لأنه من هذا المشهد، ومن منطلق الجنس والحب يمكن هزيمة الموت بقوة والانتقام منه.

ومن الناحية التقنية، هذه الرواية ممتازة للغاية، فوصف الشخصيات لم يتربع على ذروة الجمال وحسب، بل كانت كل الأوصاف وخلق الفضاءات عظيمة وحية ومبتكرة. إذ يمكن لمس ومعاينة مشهد التحليق الجماعي للطيور البيضاء المهاجرة ورائحة الرمال ورغاء الجِمال بشكل حي. كما وُظف عنصر الصحراء في هذه الرواية بذكاء ولطافة كبيرة، لأنه يشكل تداعياً للعدم والموت، وكذلك شكل عنصر "الواحة" في هذا الكتاب، دلالة على الحياة والعمران، وكانت الصحراء أيضاً في طول التاريخ وعرضه، مهد الأنبياء والرسل. تأسيساً على ذلك، تقع كلّ الأحداث القصصية في الصحراء وجاءت متناسبة مع مضمون الرواية وموضوعها، مسلطةً الضوء على مصير الانسان ووجوده، إذ انحصر أمله الوحيد في الحياة بوجود هذه الواحات والقرى المتناثرة.

ومن جهة أخرى، هذه الرواية، تتجاوز الزمان والمكان، إذ يجعل الكاتب مخاطبه مستخدماً الزمان والمكان المتلفت، يعومُ في الماضي والحاضر والمستقبل، ويقذفه في جو أثيري نابع من ومضات الواقعية السحرية. وجاء سرد قصص الجماع نابعاً من الواقعية والخيال والحلم والأسطورة والتاريخ، فأفضى هذا الانزياح إلى مضاعفة المتعة وحظه الفني.

المكان في رواية "منافي الرب" شاسع برحابة الصحراء، يبحث الانسان في ميدان العدم لإيجاد نفسه، والزمن في هذه الرواية العجيبة ليس خطاً بل هو دائرة. بمعنى أنه من أي نقطة ندخل فيها إلى هذه الرواية، نصل إلى نقطة البداية ومن ثم نُقذف إلى أول حركات الحكاية. أحداث وحكايات هذه الرواية تقع خلال ثلاثة أيام وحسب؛ بيد أنها ثلاثة أيام بطول الأبدية، والبطل في هذه الأيام الثلاثة يستقصي نفسه ويغسلُ غبار النسيان عنها.

***

 

 

(قراءة موجزة جدًا في مصارع العُشّاق)

يرى عديدٌ مِن الكتاب، منهم صادق جلال العظم، في كتابه "في الحب والحب العذري"، أن معظم قصص الحب تنتهي بالفراق أو الموت، وأن الحبّ الحقيقي عادة ما يعيش حالة اشتداد.. قلّما تعرف الاسترخاء. ويقدّم مثلًا على ما يذهب إليه فيقول ما مفاده، تصوّر أن دانتي صاحب "الكوميدية الالهية"، تزوّج من محبوبته بياتريس، فاضحت مدام دانتي، تُعِد له ثلاث وجبات يوميًا وتنشغل طوالَ وقتِها بتربية أبنائهما... ونتساءل والحالةُ هذه.. لو تزوّج دانتي من بياتريس هل كانت قصته معها تخلد أم تنضمّ إلى ملايين قصص الحب التي عادة ما تُتوّج بالزواج.. والحياة الروتينية.. بما فيها التكاثر وإنجاب الابناء.

كتاب "مصارع العشاق"، للشيخ أبي محمد بن أحمد بن الحسين السراج القارئ، ( 1026-1106)، المولود في بغداد والمتوفى فيها، هو واحدٌ مِن كتب التراث العربي القديم التي تقدّم العشرات وأكاد أقول المئات من القصص التي تُثبت ما يذهب إليه الكثيرون وهو أن قصص الحب الحقيقية عادة ما تنتهي بالفراق او الموت.

يقع هذا الكتاب في مُجلّدين، وقد صدرت طبعته مدار حديثنا عام 1980 ضمن منشورات "دار بيروت للطباعة والنشر".

يورد مؤلف الكتاب في صفحاته الاولى بعضَ تعريفات الحب المرتبطة بالفراق والموت، منها قول الفيلسوف اليوناني القديم سقراط وهو أن العشق جنون والوان، كما أن الجنون الوان، وينقل عن النبي العربي محمد( ص)، قوله: "مَن عشق فظفر فعف فمات.. مات شهيدًا". ومن تعريفات الحب الطريفة التي يوردها المؤلف أن "العشق أوله لعب وآخره عطب"، وهذا القول يذكر بما قاله الامام ابن حزم الاندلسي في كتابه الشهير عن الحب "طوق الحمامة في الالفة والالاف"، وأقصد بهذا القول "إن الحب أوله هزل وآخره جد".

يضم كتاب مصارع العشّاق قصصًا ونوادرَ عن العشق وضحاياه من فترات تاريخية مختلفة منها ما هو جاهلي وإسلامي واموي وعباسي، وتهيّمن على ما يضمّه الكتاب روح دينية ذات نزعة صوفية، تقف قصص الحب المشهورة مثل قصة جميل وبثينة. وقصة عروة ابن حزام، في مقدمة القصص التي يضمّنها المؤلفُ كتابَه، غير أننا فضّلنا أن نقدّم

من أجواء هذا الكتاب الطريف.. القصة التالية:

"كان العلاء بن عبد الرحمن التغلبي من أهل الادب والظرف، فواصلته جارية مِن جواري القيان، فكان يُظهر لها ما ليس في قلبه، وكانت الجارية على غاية العشق له والميل إليه، فلم يزالا على ذلك حتى ماتت الجارية عشقًا ووجدًا به، فذكرها بعد ذلك وأسف على ما كان من جفائه لها وإعراضه عنها. فرآها ليلة في منامه، وهي تقول له:

أتبكي بعد قتلك لي عليا

فهلّا كان ذا إذ كنت حيا

سكبت دموع عينك في انهلال

ومِن قبل الممات تسي اليا

فيا قمرًا برى جسمي وروحي

ويقتلني وما أبقى عليّا

أقل مِن النياحة والمراثي

فإني ما أراك صنعت شيّا

قال. فزاد ما كان عليه الاسف، والغمّ والبكا، حتى فاضت نفسه.. فمات.

***

كتب: ناجي ظاهر

 

المقال التالي يطرح خلاصة لمنهجية كتابي الجديد "القانون الدستوري والنظام السياسي في ايران" وموضوعاته وأفكاره، والذي صدر في ستة فصول و(305) صفحات، عن دار روافد ومركز دراسات المشرق العربي في بيروت، في آذار/ مارس 2023.

يعد القانون الدستوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي أفرز دستورها الحالي؛ النموذج التطبيقي، الوحيد ربما، للقانون الدستوري الإسلامي الحديث، ولذلك يمكن اعتماده عيِّنة علمية للبحث في موضوع القانون الدستوري الإسلامـي، ونشـوء قواعـده وأحكامه، والمقاربة بينه والقانون الدستوري الوضعي من ناحية الأشكال والمضامين. والسبب في ذلك يعود إلى أن القانون الدستوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية ونظامها السياسي يمثلان تجربة متفردة وعميقة على المستويات الفقهية والقانونية والسياسية، وقد تبلورا عبر سنين طويلة وبجهود مئات الفقهاء وعلماء القانون والسياسة.3016 القانون الدستوري

وبالقدر الذي يتميز فيه القانون الدستوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية عن القوانين الدستورية الوضعية في المداليل الفكرية والآيديولوجية، وخاصة في جانب الرؤية الكونية والأهداف والمصادر، فإنه يتساوق معها في القيمة العلمية والعملية، بالنظر لنوعية صياغاته الفنية ومداليله السياسية.

وحين استهل الإيرانيون عملية تقنين الفقه السياسي الإسلامي بكتابة دستور دولتهم الجديدة؛ لم يكن بين أيديهم من قواعد تقنين ومبادىء قانونية دستورية ونصوص دستورية؛ سوى المحاولات التي رافقت تدوين دستور المشروطة في إيران في العام 1906، ثم مرحلة دستور الدولة العثمانية الذي أعيد إقراره في العام 1908، وجهود فردية وجماعية محدودة لبعض الشخصيات والحركات الإسلامية (سنية وشيعية)؛ في مقابل كم هائل من تجارب القانون الدستوري المتكاملة في أوروبا، والتي تعبِّر عن خبرة تراكمية بدأت قبل عصر النهضة الأوروبية بقرنين تقريباً. ولذلك كان لابد من المرور بالمراحل المنهجية الثمانية التي تحدثنا عنها في كتابنا "الفقه والدستور"؛ لكي يخرج دستور الجمهورية الإسلامية إلى النور.

لقد استندت نظرية القانون الدستوري في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى جملة من المباديء الأساسية؛ أهمها:

1- أن الدولة الإسلامية هي دولة القانون والمؤسسات القانونية

2- يتساوى الجميع أمام القانون، بدءاً برئيس الدولة (القائد) وانتهاء بأي مواطن عادي

3- هذه الدولة وسلطاتها تستند في شرعيتها الدينية إلى الأصول الإسلامية وتفاصيلها الاجتهادية، وفي مشروعيتها القانونية الى إرادة الشعب

4- إنها دولة دينية - مدنية، أي أن الإنتماء إليها هو انتماء سياسي- قانوني وضعي من جهة، بصفتها دولة المواطنة التي تراعي خصوصيات البلد وتنوعه الديني والمذهبي والفكري والقومي، وكذلك الإنتماء العقدي الخاص بالايديولوجية الإسلامية الشيعية من جهة أخرى.

5- إنها دولة الشورى، التي لايستبد فيها الحكّام بقراراتهم، بل يستندون إلى الشعب في ذلك، عبر المؤسسات الشورية المنتخبة، التي تبدأ من قمة الدولة وحتى أدنى مستويات عملها، وأن دستورها يعبر عن إرادة الشعب وإجماعه.

6- إن جميع قوانين الدولة هي قوانين تستند إلى الشريعة الإسلامية، بالشروط التي وضعها الدستور على سلطة التقنين (التشريع) وجميع سلطات الدولة.

وتتنوع مصادر القانون الدستوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تبعاً لخصوصيات الدولة في بعديها الإسلامي والوطني؛ فمصدراه الأساسيان هما: القرآن الكريم وسنة الرسول وآل بيته، ثم المصدران الكاشفان: الإجماع والعقل، بما يتيح استمرار عملية الاجتهاد، من أجل الإستجابة لمتطلبات الدولة والحكم والحياة السياسية. ثم تأتي المصادر الأخرى المتفق عليها تقريباً في القوانين الدستورية العالمية، وفي مقدمها وثيقة الدستور، ثم أحكام رئيس الدولة (القائد) وقراراته. وتعد أحكام رئيس الدولة الإسلامية ذات خصوصية في القانون الدستوري للجمهورية الإسلامية، تبعاً لطبيعة المنصب الذي يجمع بين البعد الزمني بصفته رئيساً للدولة، والبعد الديني بصفته الولي الفقيه الحاكم، ومايترتب على مبدأ ولاية الفقيه العامة (النظرية الفقهية السياسية الحاكمة في الدولة) من حقوق وواجبات مناطة بالولي الفقيه.

***

د. علي المؤمن

بعد طول اِنتظار، بسبب الكورونا. صدرت أخيرًا، الكتب الأربعة التالية، وهي تحمل على عاتقها إعادة بناء التساؤلات الأساسية حول المسائل العلمية الحديثة في بلداننا العربية بعامة، وفي العراق ولبنان بخاصة. كما صرّح مؤلف الكتب الاستاذ الدكتور محمد حسين الرفاعي، وأضاف:

كان الكتاب الأول4911 محمد حسين الرفاعي

"بنية البحث العلمي في الفلسفة، وعلوم المجتمع والإنسان"

وقام على تساؤل أصليّ شغلني لفترة طويلة، منذ كنت طالبًا في الجامعة اللبنانية إلى أن أصبحت أستاذَا جامعيَّاً. هذا الكتاب هو سرُّ المهنة، ونتاجُ صوت كان يرن في أذني دائمًا: علينا في الجامعات والآكاديميات العربية والعالمية أن نتجرَّأ على التَّساؤل الآتي: وفقًا لأية أسس ومعايير، واِنطلاقًا من أي وعي علمي حديث وما بعد حديث، يتوفَّر على إمكان تجاوز العقبات الآيديولوجية في وجه العلم، والمعرفة العلمية، يمكن أن يُعلَّم ويُتعلَّم البحث العلميّ في علوم المجتمع والإنسان، في العالَم الذي نعرفه؟ ولماذا علينا أن نقف بقوة في وجه المعارف العادية والعامية والخرافية، وحديثًا المعارف التافهة؛ من أجل تبيان إمكاناتنا المجتمعيَّة الأصيلة في بناء معرفة عالَميَّة؟ روح هذا الكتاب تتغذى من المستقبل. إنَّه يُقدِّمُ نفسه بخاصَّة إلى العالَم، في المعنى العميق للكلمة.

الكتاب الثَّاني:4912 محمد حسين الرفاعي

"المنهج والمَنْهَجيَّة (الميثود والميثودولوجيا)"

كتاب ينتمي إليَّ في معنى جذري. كنتُ أسمع دائمًا من زملاء وأساتذة أثق بعقولهم، عن صعوبة المنهج والمَنْهَجيَّة وبنائهما، وفهمهما، وتعليمهما. هذا اللغز الخفي، والذي تبذل الغالبية الساحقة من العلماء والفلاسفة والأساتذة الجامعيين كل جهدها في سبيل إخفائه، وحجب مجهوليَّتِهِ لها، كان بالنسبة لي بمثابة تحدٍّ حقيقيّ... وضعت في الكتاب هذا الأرضيَّة الإبستيمولوجيَّة- والميثودولوجية لتقويم عمليَّة بناء المنهج، وتعليمه، وتعلُّمه، في الأبحاث والدراسات التي تأخذ على عاتقها فهم الموضوعات المجتمعيَّة والإنسانية الأكثر أهمية في العالَم، عالَمنا نحن بوصفنا كائنات عالَميَّة، على الرَّغم مِن أنوفنا.

الكتاب الثَّالث:4914 محمد حسين الرفاعي

"المواطنية والديموقراطية في مجتمعات مــأزومة.. دراسة في سوسيولوجيا الــدولــة"

هو الكتاب الأول في "مشروع المفاهيم" الذي تكلمت عنه في مواضع عديدة من قبل. إنَّه نمطٌ من أنماط الوجود الفكري مع هموم مجتمعاتنا العربيَّة بعامَّةٍ، ومشاكلها وأزماتها، والمجتمع في #العراق و #لبنان  بخاصَّةٍ. أستطيع أن أقول أنَّه كتابٌ موجع، مأخوذًا بتهيئةِ الطريق الوعرة نحو بناء تساؤلات أكثر جذرية عمَّا نعانيه من رجال الصدفة الذين أخذوا بتدمير الـ.ـدولـ.ـة والمجتمع... إنَّ الوجع فيه يأتي من نداءات أولئك الذين مـ.ـاتـ.ـوا بدلاً عنَّا، ولم نعش بعد، بدلاً عنهم. 

الكتاب الرَّابع:4913 محمد حسين الرفاعي

"أزمة الهَويَّة والأخلاق في الفعل المجتمعيّ الجديد.. دراسة في الإثيقا المجتمعيَّة"

أعتبره كتابًا مؤجَّلاً إلى التتمة. إنَّه الكتاب الثَّاني في "مشروع المفاهيم". إذ يمكنه أن يمشي على رجليه ضمن التَّساؤل عن ماهيَّة الإنسان الإنساني الحديث. لقد تساءَلت فيه عن كل ضروب تفكيك الهُويَّة، وتغييب الأخلاق، أو التلاعب بها، وتوظيفها في مشاريع لا- أخلاقية. يمكنني أن أعترف إنَّه كتابٌ ناتج عن تجربة مجتمعيَّة مُعاشة مع علاقات مجتمعيَّة- علميَّة- سيـ.ـاسـ.ـية- ثقافية جديرة بالتساؤل والبحث. إنَّه كتابٌ فينومينولوجيٌّ بإمتياز... ولكنَّهُ كتابٌ في تعلُّمِ توجيه الألم الأخص الذي من شأننا، نحن البشر، على نحو أخلاقي.  

في كل مدينة وفي كل قرية هنالك رجال تركوا بصمتهم عليها اجتماعياً او اقتصادياً او سياسياً. ففي قرية الحصين التي تغفو على الضفة اليسرى لشط الحلة جنوب مدينة الحلة، برزت شخصية مؤثرة اجتماعياً واقتصادياً، و قدم خدمات كبيرة لقريته، وكان مزارع من الطراز الرفيع استطاع ان يبتكر عدة طرق لتطوير الزراعة وأدخل اصنافاً من الفواكه النادرة، إنه الشهيد سيد ضايع كريم آل مجدي الذي اعدم على اثر انتفاضة آذار 1991م .

صدر عن مؤسسة دار الصادق الثقافية للأستاذ عدنان محمد الحسيني كتابه الموسوم (السيد ضايع كريم آل مجدي) يحوي 301 صفحة من الحجم الوزيري . تضمن الكتاب توطئة ومقدمة، ونبذة عن نسب السيد ضايع كريم وعن عائلته امه وابيه  وزوجاته وابناءه .

تطرق المؤلف الى قرية الحصين الذي كان السيد ضايع شيخاً ومختاراً لها، موقعها واصل تسميتها واحوال سكانها كونهم مزارعين، وكانت الامية متفشية بين سكانها الا ما ندر . كما تطرق المؤلف الى بدايات السيد ضايع الزراعية بقطعة الارض الصغيرة التي ورثها عن والده، والى نبعيات الماء التي حفرها عند شحة الماء في شط الحلة، وكان لمضيف السيد دور كبير في ادارة امور القرية في حل المنازعات بين الافراد والجماعات، وبإصداره قرارات بفرض غرامات على المخالفين من أهل القرية ووضعها في صندوق خاص لمساعدة  المحتاجين من أهلها، وكانت تطبق من قبل اشخاص موالين للسيد ضايع، وفي حالة عدم دفع الغرامة يقاطع ذلك الشخص من قبل اهل القرية. كما منع السيد ضايع اطلاق العيارات النارية وجلب الغجريات في المناسبات الخاصة .

استعرض المؤلف أهم الانجازات التي حققها السيد ضايع ومنها:

1- عمل عبارة (طبكة) لعبور الاشخاص والسيارات والدواب لشط الحلة لربط قرية الحصين بقرية الابراهمية ( الدبلة) للوصول الى الطريق العام المعبد الذي يربط بين الحلة والديوانية .

2- جلب مطحنة حجرية لطحن الحبوب (الحنطة والشعير) لأهل القرية والقرى المجاورة .

3- نصب مولدة كهرباء في القرية لإنارة بيوت القرية وشوارعها ليلاً .

4- جلب واسطة نقل نهرية بمحرك ديزل (فلكة) لنقل الاشخاص والبضائع الى مركز مدينة الحلة، والى القرى المجاورة .

5- انشاء بحيرة اسماك على الطريق الرابط بين الحلة والديوانية، تحوي على مطعم وكازينو مزودة بألعاب الاطفال، والتي اصبحت معلماً سياحياً هاماً استقطبت السفرات المدرسية والجامعية والعوائل في الجمع والعطل الرسمية والاعياد من بغداد والمحافظات المجاورة، وكان قد هيأ زوارق لقيام الزوار بجولة مائية  في البحيرة الكبيرة .

6- انشاء مزرعة نموذجية للفواكه النادرة والمتميزة  في منطقة العمادية التي تقع على الطريق بين الحلة والديوانية، والتي اصبحت مكاناً لاستقبال الضيوف والوفود العربية والاجنبية .

7- انشاء حديقة بين حافة شط الحلة اليسرى وسدة الري، تسقى بواسطة ناعور على غرار نواعير هيت، زرعها بأنواع مختلفة من الورود والاشجار واصناف من العنب النادر، فأصبحت جنة صغيرة تبهر من يدخلها .

8- انشأ السيد ضايع مفخرة (كورة) لصناعة الطابوق لاستخدامه في تشييد المساكن في قرية الحصين والقرى المجاورة بعد ما كانت تبنى من الطين .

وثق المؤلف مشاركة السيد ضايع بالمعارض الزراعية التي تقيمها وزارة الزراعة في المحافظات سنوياً، ونال منها على جوائز تقديرية، كما شارك بالمؤتمرات الزراعية وقدم دراسات عن الواقع الزراعي، وتقديم مقترحات لتطوير البستنة وتربية الحيوانات، والدواجن، وقدم مقترحات لحماية المنتج المحلي ودعم الفلاح .

استعرض المؤلف التحقيق الذي نشر في مجلة الالف باء عن منجزات السيد ضايع في مجال الزراعة في العدد 360 السنة الثامنة 13 آب عام 1975م، والتي حملت في صفحتها الاولى صورة للسيد ضايع وهو يستخدم المكرسكوب، وكان التحقيق يحمل عنواناً (لكل انسان ما يملك، وهذا الرجل يملك جنة) .

استعرض المؤلف اهتمامات السيد ضايع الثقافية، فكان تواقاً للعلم والمعرفة والعلوم الحديثة بالرغم من عدم تعلمه في المدارس الرسمية وانما تعلم بالكتاتيب القراءة والكتابة، فكان يتابع الصحف والمجلات العراقية والعربية مثل مجلة الهلال المصرية وروز اليوسف ومجلة الكاتب، وكان متذوقاً للشعر، فكان يدون في دفتر الجيب الخاص به ابيات من الشعر الفصيح والشعبي وبعض الأبوذيات .

دون المؤلف ما جاء في دفتر الجيب للسيد ضايع تجاربه الزراعية، وطرق تطعيم الاشجار للحصول على انواع مبتكرة منها وخاصة الاعناب، وعملية التحليق للأشجار، وذلك بأحداث شق حلقي على جذع الشجرة للحد من تساقط الازهار وزيادة حبات العناقيد . كما دون طرق مكافحة الآفات الزراعية المبتكرة .

كان للسيد ضايع مواقف ازاء العادات والتقاليد الاجتماعية منها انتقاده مشاركة اعداد كبيرة من الرجال في تشيع جنائز الموتى الى النجف، وطبق ذلك عند وفاة والدته . كما افتتح صفاً لمحو الامية في مضيفه مطلع خمسينيات القرن الماضي . وكان له دور بارز في فتح اول مدرسة ابتدائية مختلطة في قرية الحصين (مدرسة التقدم)، والتي اتخذت مضيف السيد مقراً لها عند افتتاحها، ثم انتقلت الى بنايتها بعد بنائها بعد مرور سنتين.

كان للسيد ضايع دور متميز في فتح شارع يربط مدينة الحلة بالقرى على ضفة شط الحلة اليسرى، وصولاً لناحية المدحتية . وكان يعد اول من ادخل جهاز الراديو الذي يعمل بالبطارية الى قرية الحصين، واول من ادخل جهاز التلفزيون الى احدى المقاهي في القرية .

اوضح المؤلف ان السيد ضايع كان بعيد عن السياسة، ولكنه ايد ثورة 14تموز عام 1958م، وترأس المظاهرات والتجمعات الفلاحية المؤيدة لها، واصبح على رأس الجمعيات الفلاحية في قرية الحصين . وبعد مجيء البعث الى السلطة عام 1968م تم استدعاءه الى دائرة امن المدحتية، تبعها اغلاق مضيفة، وكانوا يصرون على دعوة السيد مع اخرين من وجوه القرية لحضور الاحتفالات التي كانوا يقيمونها في المناسبات التي تخص الحزب وفي الاحتفالات لدعم الحرب مع ايران والتبرع بمبالغ مالية لها .

بين المؤلف ظروف استشهاد السيد ضايع بعد احداث الانتفاضة الشعبانية عام 1991م . فذكر بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت، اندلعت انتفاضة شعبية في آذار عام 1991م، وكانت قرية الحصين مركزا قيادياً في الانتفاضة، وبعد اسقاط مروحية تابعة للجيش العراقي وقتل طياراها، قامت القوات الحكومية بقصف مدفعي شديد واطلاق صواريخ من الطائرات المروحية على قرية الحصين، وبعد دخول الجيش العراقي وسيطرته على قرية الحصين . وعند رجوع السيد ضايع من مزرعته القت مفارز اجهزت الامن القبض علية وارساله الى معسكر المحاويل، وتم اعدامه فور وصوله، فعثر على رفاته بعد سقوط النظام السابق عام 2003م في احدى المقابر الجماعية .

استعرض المؤلف آراء بعض الاشخاص ممن عاصروا السيد ضايع، وقد اشادوا بالإنجازات التي قام بها السيد لقرية الحصين، ودوره في تطوير الزراعة على مستوى العراق، وذكروا بعض المواقف والطرائف التي حصلت معه .

في نهاية الكتاب تم اضافة عدد من الصور التي توثق الحياة الشخصية للسيد ضايع . وبعض الوثائق التي تخصه سواء ما نشر عنه في الصحف والمجلات، او صور مشاركاته بالمعارض والمؤتمرات الزراعية .

لقد وثق مؤلف الكتاب شخصية السيد ضايع بكونه الشخصية الابرز في قرية الحصين، وما قدمه لها من خدمات انفردت بها القرية عن القرى الأخرى المجاورة، كما وثق دور السيد ضايع بتطوير الزراعة وادخال اصناف جديدة من العنب اشتهرت به المنطقة .

***          

صباح شاكر العكام                

 

بمناسبة صدور الطبعة الأولى من كتابي الجديد " فوائد لغوية وتراثية.. ثلاثمائة فائدة في اللغة العربية والتراث" عن دار "فضاءات" الأردنية، أنشر أدناه مقدمة هذه الطبعة ومسرد الكتاب:

فوائد لغوية وتراثية.. ثلاثمائة فائدة في اللغة العربية والتراث

* الطبعة الأولى

الإهداء: لذكرى الصديق نصير المهدي الياسري

وفاءً بعهدٍ قديمٍ يتجددُ كلما شعرتُ بالفراغ الذي خلَّفه رحيلك الفاجع المباغت.

على سبيل المقدمة

كتابة الفوائد والمنتخبات في باب من أبواب العلم أو الأدب نمط معروف في الثقافة العربية القديمة، ونجدها مبثوثة في كتب التاريخ واللغة والفقه والفلسفة ...إلخ، ويعتبر ابن قيم الجوزية الدمشقي، وهو من أهل القرن الثامن الهجري - الثالث عشر الميلادي، أول من وضع كتاباً بهذا العنوان "الفوائد"، ويعتبر من أشهر وأهم كتبه، ثم ثنَّى عليه بكتاب "فوائد الفوائد". وقبله، في القرن السابع الهجري ألَّفَ ابن مالك في النحو كتابا سماه "شرح تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد" وكتاب "نظم الفرائد وجمع الفوائد". وهناك نوع آخر من التآليف قريب من كتب الفوائد، ويتمثل بكتب المستطرفات. وهذه الكتب ليست تخصصية كسابقتها، وهي تستهدف بالدرجة الأولى التسلية والإفادة والاستمتاع. ومن هذا القبيل كتاب شهاب الدين الأبشيهي "المستطرف في كل فن مستظرف"؛ وحديثاً، يمكن التذكير بكتابيْ هادي العلوي "المستطرف الصيني"، وهو أكثر تخصصية لتعلقه بالشؤون الصينية، و"المستطرف الجديد". ولكاتب هذه السطور كتاب بعنوان "المستطرف الممتع"، صدر عن داري "الكنوز الأدبية ببيروت، ودار التيار للدراسات والنشر ببغداد 2004، وهو كتاب جيب يصلح رفيقاً للمسافر والمصطاف...إلخ. وقريب من كتب الفوائد والمستطرفات تجد الكثير من الكتب في التراث العربي ككتاب "البخلاء" للجاحظ و"الامتاع والمؤانسة" بلياليه السبع وثلاثين للتوحيدي وكتاب "الأغاني" الشهير للأصفهاني وما إلى ذلك. أما في باب الفوائد اللغوية، فقد سبقنا إليه أستاذنا الراحل مصطفى جواد في سلسلة مقالات له بعنوان "فوائد لغوية" التي كان ينشرها في مجلة "لغة العرب" - كما في ص 594 الجزء الثامن - السنة السادسة.

كنت قد بدأتُ تحرير هذه الفوائد القصيرة في اللغة العربية والتراث العربي الإسلامي ونشرها على صفحتي الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بضع سنوات، وقد أضفت إليها ما تجمع بحوزتي من ملاحظات وخلاصات ومقتبسات خلال تجربتي في تدريس اللغة والأدب العربيين طَوال ربع قرن تقريباً ومن قراءاتي الشخصية.

وقد لمست تفاعلاً إيجابياً وواعداً من قِبَلِ المدوِّنين والمدوِّنات على تلك المواقع والمنصات الاجتماعية، كما أن بعضهم ساهم مساهمة مُثرية عبر العديد من الأسئلة والاستفسارات والتعليقات التي كان القراء يوجهونها لي مباشرة فأجيب عليها في هيئة فوائد مكتوبة بلغة واضحة وسلسة، تنحو محنى التسهيل على الناطقين باللغة الغربية، في ضوء قناعاتي بهذا الشأن، والتي عبرت عنها في مناسبات أخرى منها كتابي "المبسط في النحو والإملاء" الصادر ببيروت سنة 2009. تلك القناعات التي تسترشد بمبادئ معينة وتتوسل أهدافاً منها: التسهيل على الناطقين باللغة الغربية من عرب وأجانب في أمور النحو والصرف والإملاء عبر تبسيط تلك القواعد وإهمال المعقد ونادر الاستعمال أو المنقرض. وإلغاء المسافة التي تفصل بين اللغة العربية المكتوبة "الفصيحة" والأخرى المنطوقة "العامية" والتقريب بينهما دون المساس بما هو ضروري من قواعد النحو والصرف الضرورية في ما يخشى اللبس فيه.

وكان الهدف الأشمل في هذا الجهد المتواضع، كما كتبتُ في مقدمة كتابي سالف الذكر هو: "تقديم رؤية جديدة للغة العربية المعاصرة تختلف عن تلك التي قدمها ونافح من أجل استمرارها "الإكليروس اللغوي المحافظ"، والذي جعل اللغة العربية صنماً أو طوطماً مُحَرَّماً لا روح فيه. ومن الطبيعي أنْ أهمل خلال تأليفي لهذا الكتاب، وبموجب هذه الرؤية المنفتحة على العصر والحياة، جميعَ المواضيع والقواعد النحوية العقيمة وغير المستعملة أو تلك المعقدة والنادرة الاستعمال للتسهيل على الدارسين وعموم الناطقين والكاتبين بلغة الضاد، والتخفيف عليهم وعلى لغتهم التي نطمح بأن تكون رشيقة، معاصرة، حيوية، جزلة، وثرية".

لتسهيل الاستفادة من هذا الكتاب جعلت الفوائد في بابين حسب موضوعها: الأول للفوائد اللغوية في النحو والصرف والبلاغة والإملاء والنوادر، والثاني للفوائد والنوادر التراثية. كما عمدتُ إلى ترقيمها وترتيبها حسب تاريخ كتابتها ووضعت لها عناوين فرعية، لتكون بمثابة إضاءات على مواضيعها.

أما من حيث الطول فبعض هذه الفوائد قصير يقع في سطرين أو أكثر قليلا، وبعضها الآخر - وخصوصا الفوائد التراثية- طويل يقع في صفحة أو أكثر. إنَّ هذا الكتاب أقرب إلى موسوعة طريفة صغيرة، غنية بالمعلومات النادرة والموثقة غالباً من مصادر رصينة. آملُ أنْ تكون بمثابة استراحة منعشة ومفيدة للقارئ في خضم صخب الحياة المعاصرة اللاهثة سريعة الإيقاع، كثيرة المنعطفات والتعقيدات، عسى أنْ يجد فيها القارئ العادي المعلومات التي تمتعه وتغني ثقافته العامة، مثلما يمكن أن يجد فيها القارئ المتخصص كالصحافي والطالب الثانوي والجامعي ومدرس اللغة وغيرهم مادة منوَّعة ودقيقة، وإجابات عما قد يواجهه من أسئلة وتساؤلات في أبواب لغتنا الجميلة كالنحو والصرف والبلاغة والإملاء، وفي ميادين تراثنا العربي والإسلامي القديم، وتحديدا في جانبه المضيء والجدير بالتنويه والاعتبار، مما يدخل في باب المسكوت عنه أحيانا.

وسأكون ممتناً لكلِّ مَن يتكرم بالتعليق والتصويب والإضافة لهذه الفوائد عبر الكتابة المباشرة إليَّ على عنواني الإلكتروني على الصفحة 271 من الكتاب.

***

علاء اللامي

شتاء 2022

..........................

مسرد الكتاب

باب الفوائد اللغوية

1- الفرق بين الفصحى والفصيحة

2- الفرق بين الصمت والسكوت

3- الفرق بين السؤال والتساؤل

4- الفرق بين الكلام والتكلم

5- جواز تأنيث المذكر نحو "عضوة البرلمان"

6- القمر الاصطناعي والقمر الصناعي

7- "حتى" التي حَتْحَتَتْ قلوب النحاة

8- المُتَوَفِّي الله والمُتَوَفَّى الإنسان

9- خريطة وخارطة

10- ما بعد كِلا وكِلْتا

11- الفرق بين "أم" و "أو"

12- الثُّلة والشِّلة

13- مَصوغَة لا مُصاغَة

14- الفعل أطاحَ

15- الفرق بين العام والسنة

16- الفرق بين أمس والأمس

17- الفرق بين خَطِر وخطير

18- الترجمة والتعريب

19- الفرق بين وسيم وجميل

20- لِقاح ولُقاح

21- "حرض على" عكس "حرض ضد"

22- ما الفرق بين الكيمياوي والكيميائي؟

23- الفرق بين بسم وباسم

24- المُحتضَر والمُحْتَضِر

25- معنى "تقاطع" في العراق والشام

26- ما الفرق بين نيف وبضع وبضعة؟

27- مبارك لا مبروك

28- ما الزائدة الكافة والمكفوفة

29- الفرق بين أَكِفَّاء وأَكْفَاء

30- كلمة "يُسْتَشْهَدُ" ويُحْتَضَر

31- الفرق بين "إلى" و "لـ"

32- الوثن والصنم

33- الفرق بين وَفَيَات ووَفِيِّات

34- الفرق بين المصادِر والمراجِع

35- الإخصائي والمتخصص

36- رُفات لا رفاة

37- نصب ما بعد "باعتباره، بصفته، لكونه"

38- الفرق بين المدة والفترة

39- الفرق بين يحيى ويحيا

40- الفرق بين الإشاعة والشائعة

41- هيئة وهيأة

42- الفرق بين نَفَذَ ونَفِدَ

43- حذف الواو من بعض الكلمات

44- الفرق بين الكوع والبوع وباطن المرفق

45- المعطلون لا العاطلون عن العمل

46- شكرا جزيلا

47- "الغانية" من الصفات الإيجابية للمرأة

48- خصخصة أم خوصصة؟

49- دكتوراة ودكتوراه

50- كلمة شهيد، كيف ومتى ولدت؟

51- الفرق بين شفوي وشفهي

52- إني وإنني، لكني ولكنني

53- النصب على الاختصاص

54- التفريق بين الضاد والظاء

55- قائمتان بالكلمات الضادية والظائية

56- كلمات تكتب بالضاد مرة وبالظاء أخرى

57- فيديو حول لفظ الضاد والظاء

58- الفرق بين الطالب والتلميذ

59- الفرق بين التاريخ والتأريخ

60- فَعَلَ وانْفَعَلَ

61- كيف نرتب الاسم والكنية واللقب؟

62- الفرق بين صحفي وصحافي

63- الخَلق والخُلق والتخليق والاختلاق

64- الفرق بين البدن والجسد والجسم

65- الفرق بين الرؤية والرؤيا

66- الفرق بين العقل والذهن

67- الفرق بين الفطنة والذكاء

68- راجعوا مفردة "تسامح" لطفا

69- تعقيب حول التسامح

70- الفرق بين الحُلم والحِلم والحَلَم

71- الفرق بين الرحمن والرحيم

72- المسلمون والإسلاميون والإسلامياتيون

73- حَيْثُ وحيثما وحَيَّثَ والحيثية والحيث

74- علامات الترقيم "التنقيط"

75- الفرق بين النقد والانتقاد

76- الحول والحولي

77- لا توجد سنوات طويلة

78- "مناعة مجتمعية" لا "مناعة القطيع"

79- التطعيم والتلقيح

80- إذا وإذاً وإذن

81- لطيفة عن النحوي المبرِّد البصري

82- الهمزة نوعان

83- همزة القطع

84- الهمزة الابتدائية

85- فتح همزة ان

86- مواضع همزتي الوصل والقطع في الأفعال

87- همزتا الوصل والقطع في الأسماء والحروف

88- همزة القطع في الأسماء

89- همزة القطع في الحروف

90- الهمزة الوسطى

91- الفرق بين ربما وقد

92- الهمزة على النبرة "الياء"

93- الهمزة الوسطى على الألف والواو

94- رؤف، رؤوف، رءوف

95- همزة "ان" بعد بل، أي، إذ، حيث، إلا وغير

96- الهمزة النهائية "المتطرفة" وتعريفها

97- عن الهمزة الختامية أي في نهاية الكلمات

98- الهمزة الختامية في كلمة امرئ

99- التفريق بين همزة الوصل وهمزة القطع

100- ما هي التوابع؟

101- طالما، قلما، كثرما، شدَّما، كأنما ولكنما

102- الفرق بين مازال ولا زال

103- تصحيحات لغوية

104- بالرغم ورغم أنَّ

105- يرتكز على ويرتكز في

106- سوف للاستقبال والتسويف

107- أخطاء صغيرة

108- الأكثر مقروئية

109- لاسيما ولله دره وطوبى

110- الهمزة المتبوعة بياء "أبنائي"

111- الألف الفارقة للإطلاق

112- لا فُضَّ فوك

113- وظائف الإعراب

114- ما المقصود بالنحو الساكن؟

115- الغرض من النحو الساكن

116- شواهد تراثية تبيح النحو الساكن

117- تجميد الأسماء الخمسة

118- سلسلة "الصحيح والخطأ"- أ

119- سلسلة "الصحيح والخطأ" - ب

120- الفردوس الأكدية والخُلد العربية

121- تَفَعَّلَت وفُعِّلت

122- تصويبات مفيدة

123- "نفس" التوكيدية

124- مشاكل ومشكلات

125- زوج واثنان

126- أسماء الحروف ومعانيها

127- أسماء أصوات الحيوانات

128- ذكور الحيوانات

129- عين الأفعال

130- تصحيحات عين الفعل

131- السخل ابن النعجة

132- أسماء بيوت الحيوانات

133- القُوام والقَوام

134- أوائل الأشياء

135- ترجمات طريفة

136- وادللالي المغربية

137- فوائد سريعة

138- طموح وطموحة

139- تذكير أعضاء الجسم

140- ظروف الزمان والمكان

141- أصل الألف في نهاية الفعل المعتل

142- مابعد اسم التفضيل

143- كلمة يداهر ومشتقاتها

144- المضارع الواقع بعد الأمر

145- اسم الفعل العامل

146- ثمانية، ثمان، ثماني وثمانيا

147- شرق، وشرقي الـ

148- المضاف والشبيه بالمضاف

149- كلمات عامية فصيحة - أ

150- كلمات عامية فصيحة - ج

151- كلمات عامية فصيحة - ب

152- حروف رقمية على الانترنيت

153: الفرق بين "أنَّ / إنَّ" و "أنْ وإن"

154- أنَّ، لا تُجر بالباء

155- الفرق بين ثَمة، ثَمت، ثَـمَّ، ثُـَّم وثُـمت

156- مواضع وجوب كسر انَّ وفتحها

157ـ ما معنى كلمة عتيد؟

158- حين يعمل اسم الفاعل عمل فعله

159- همزة الأفعال المتصلة بواو الجماعة

160- حالات خاصة في كتابة الهمزة

161- تنوين الفتح على الألف (اً)

162- الممنوع من الصرف المنتهي بألف وهمزة

163- الهمزة المتطرفة وتنوين الفتحة

164- خصوصاً وبخاصةٍ وخاصةً

165- متى ندغم أنْ ولا في "ألا"

166- "عسى" من أخوات كان، ومن أخوات إنَّ

167- لا يصح إنهاء الكلام بالتنوين

168- كيف يعمل حرف "بل"

169- عمل وإهمال "ما

170- متى تكتب ابن وابنة بهمزة الوصل" ا "؟

171- لتسهيل فهم الفرق بين "في ما" و "فيما"

172- الحزن والكرب والكآبة والغم والهم والحسرة والأسف

173- إعمال أن وإهمالها

174- القطع في موضع الوصل خطأ

175- استعمالات (قدْ)

176- أعضاء الجسم المؤنثة وجوبا

177- بعد هذه الكلمات كل اسم يكون مجرورا

178- جواز تذكير وتأنيث بعض أعضاء الجسم

179- استثناءات في تذكير وتأنيث أعضاء الجسم

180- أنواع الحروف العربية من حيث الشكل

181- كُلْيَة بضم الكاف وليس كِلْيَة بكسرها

182- الحادي والعشرون والواحد والعشرون

183- القوة البلاغية للجملة الاسمية

184- الهمزة المفتوحة وبعدها ياء

185- ما الفرق بين متفيهق ومتفيقه؟

186- النوايا والنيّات

187- تحريك حروف بعض الكلمات:

188- لفظ الكلمات الفصيحة بنبرة العامية

189- ما الفرق بين أي وأية

190- الفرق بين أمّا وإمّا

191- تخفيف أنَّ الناسخة

192- مرحى، بالكاد، وريثما

193- تذكير وتأنيث الأعداد والمعدودات

194- الفرق بين العقل والذهن

195- ما الفرق بين مَسَّ ولَمَسَ وتلَمَّسَ؟

196- "كي لا" و"كيلا" و "لكيلا"

197- الأعداد المركبة والمضافة

198- همزة القطع في الفعل المضارع

199- الفرق بين أخيراً ومؤخرا

200- الأفعال الخمسة

201- هل نكتب اهدئي أم اهدأي

202- حكم همزة "ان" بعد بعض الحروف:

203- معنى "لاسيما" وكيف تعرب

204- حكم الهمزة المتطرفة

205- تنوين الهمزة المتطرفة

206- ممنوعات من الصرف "خاصة"

207- هل يجوز تكرار "بين" في الجملة ذاتها؟

208- الخمط والنتف والنتش والملخ

209- هذه الكلمات ليست فارسية

210- الكمامة في اللغة والشعر العربي القديم

211- التاء المربوطة والتاء المفتوحة

212- المضاف والمضاف إليه

213- إعراب الاسم المنقوص

214- الفرق بين الوباء والجائحة

215- همزة فعل الأمر

216- معنى وإعراب "وهَلُمَّ جَرّاً" و"وهكذا دَوالَيْكَ"

217- النصب بنزع الخافض

218- خرج عن القانون لا خرج عليه

219- من أخطاء المدونين على مواقع التواصل

220- مصطلحات لهجوية عربية

221- سيّئ، شيء أم شيئ، خاطئ أم خاطيء؟

222- ما الفرق بين البحراني والبحريني

223- ألّا وألا وإلا

224- لا النافية للجنس ولا النافية للفعل

225- هؤلاء مديرون وهذه رحم

226- - الفرق بين عَمرو وعُمر

227- العدد المركب

228- ما الفرق بين العربي والأعرابي؟

229- المنحوتات اللغوية

230- هذا ما أنطى

231- المصدر "تَغْيير" والفعل "تَغَيَّرَ"

232- الفرق بين همزة الوصل والقطع

233- التفريق بين ما ومما

باب الفوائد التراثية

234- أول خليفة يستقيل من الخلافة طوعا

235- مولوتوف عباسي

236- "النظام الداخلي" لحركة العيارين والشطار

237- كأس أم حكيم

238- من المعري إلى الشيخ محمد الغزالي

239- التطرف العراقي في الخير

240- موقف ابن رشد النقدي من التراث

241- في بابل يصفعون الملك قبل تتويجه!

242- مومسٌ سقتْ كلباً فاستحقت المغفرة

243- كأننا والماء من حولنا

244- المرأة المتصوفة

245- دموية أهل الحكم

246- الخمور في الحضارات الرافدانية القديمة

247- القطب الصوفي بشر الحافي

248- خطبة واصل بن عطاء

249- إعدام الشاعر بشار بن برد

250- القطب الصوفي بشر الحافي

251- أمثال شعبية بغداد العباسية

252- اسم العراق في العهد الآشوري والشعر الجاهلي

253- أمثال سومرية مقارنة بمثيلاتها المعاصرة

254- الوعي الطبقي قديما

255- يزيد الناقص الخليفة الأموي الثائر

256- الحارث بن سريج نصير الوثنيين المظلومين

257- شبيب الخارجي مبتكر حرب العصابات

258- غزالة وابنها شبيب الخارجي

259- الإمام النعمان نقيض الفكر التكفيري

260- القطب الصوفي عامر العنبري

261- هل أنقذت سُجاح والد النبي محمد من الذبح؟

262- اللغة العربية في الأندلس من وجهة نظر خصومها

263- - ملكات عربيات قبل الإسلام

264- الدولة الأموية من الفرع السفياني إلى المرواني

265- أيُّ امرئ القيس نقصد فهم كثر؟

266- ما الفرق بين الحرفة والمهنة؟

267- الصراع العنيف بين العرب القيسية واليمنية

268- المدرستان البصرية والكوفية في النحو العربي

269- أبو العلاء المعري والدين

270- كربلاء أخرى شبه مجهولة قرب مكة

271- برنامج ثورة زيد سنة 122 هـ - 740م

272- شاعرة بغدادية تتغزل بجمالها قبل ألف عام

273- سودة الهمدانية العراقية تحاجج معاوية

274- الطباخ الذي صار وزيراً عباسيا

275- الزندقة النبيلة والأخرى المنحطة

276- الشاعر ماني الموسوَس من العصر العباسي

277- حرفيون كادحون ولكن علماء!

278- نفاق بعض المتدينين كما يصفه الغزالي

279- نفاق الحكام الفاسدين

280- آية المنافق كما شخصها الإمام علي

281- حديث المساواة

281- فطنة وذكاء

283- ما مصير المشركين إذا كانوا مصلحين؟

284- المال والجاه يُنبتان النفاقَ في القلب

285- حديث "إياك ومجالسة الأغنياء"

286- هاتان بهاتين

287- التدرج في العقاب من نزع العمامة إلى نزع الرأس

288- تشريع الاستبداد

289- من علي إلى ابن عباس

290- القطب الجيلاني ضد المتاجرة بالدين

291- بين سمنون المحب وفالنتاين

292- زرياب الطائر الأسود الجميل

293- من هم الروافض والنواصب؟

294- تمنى أن يكون كلبا

295- بغداد في عصرها الفاطمي القصير

296- دمشق تستنجد بالقرامطة ضد الغزو الفاطمي:

297- الكوفة عاصمة الثورات

298- من أجمل أشعار الحب والوجد الصوفي

299- الحب بين اللغتين العربية والإنكليزية

300- خبز يابس مع الكرامة أفضل!

 

ضمن ما يشغل عالم الأديان التونسي عزالدين عناية، المدرس بجامعة روما (إيطاليا)، صدر كتاب جديد بعنوان: "الأديان الإبراهيمية.. قضايا الراهن"، وهو كتاب يعيد النظر في مفهوم الأديان الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام، في ظل تحديات العالم الراهن. إذ يعيش التراث الإبراهيمي أزمة بين الورثة، وتتوه الدعوة الإبراهيمية في وعثاء السياسة، وليس من الهين لمّ شمل الورثة، وهو ما يضعنا أمام سؤال ما الذي تبقى من الإبراهيمية الحنيفية؟ إذ لم يتسنّ للأديان الإبراهيمية، حتى عصرنا الراهن، رسم خطّة مشتركة في التعايش والاحتضان بين بعضها البعض. خطّة تتواضع بمقتضاها على حضور أتباع الدين الآخر بين ظهرانيها، دون أن يلحقهم أذى أو ترهقهم ذلّة. وإن كانت حصلت معالجات منفردة لهذه المسألة، اختلفت تفاصيلها من دين إلى آخر، دون بلوغ أسس جامعة. فمن الأديان الثلاثة من يملك تشريعات في الشأن، غير أنها تقادمت، أو هُجرت، أو داهمتها التبدلات الاجتماعية الهائلة، دون أن يتعهدها أهلها بالتهذيب والتنقيح، على غرار مؤسسة أهل الذمة، أو مفهوم أهل الكتاب في الإسلام؛ ومن تلك الأديان من لا يزال في طور تخليق منظومة لاستيعاب الآخر، لم يحصل في شأنها إجماع داخل المواقع النافذة في المؤسسة الدينية، على غرار "لاهوت الأديان" في المسيحية.

ذلك أن مفهوم الأديان الإبراهيمية حمّال أوجُه، كلّ له دلالته وكلّ له تأويله؛ وما نشهده من إيلاف في الراهن داخل المجتمعات، يأتي بفعل الإطار التشريعي للدولة المدنية الحديثة لا بموجب تحريض تلك الأديان، رغم ما يلوح جليا من قواسم مشتركة، ومن تقارب عقائدي بين اليهودية والمسيحية والإسلام. وبالتالي يظلّ التحدي الذي يواجه الجميع، وهو كيف تعيش تلك الأديان شراكة الأوطان؟ وكيف تغدو حاضنة لبعضها البعض ولا تكون طاردة؟ إذْ ما برحت اليهودية والمسيحية والإسلام دون مفهوم "أهل الكتاب" الضامن للعيش المشترك، ودون مفهوم "الأديان الإبراهيمية" الجامع للتنوع المفترق، وينطبق عليها مفهوم "الأديان الثلاثة" المتجاورة والمتباعدة في الآن نفسه.

لا يرنو هذا المؤلَّف إلى صياغة مفاضَلة بين تلك الديانات، على غرار، أيها أرحب صدرا في احتضان الآخر؟ ولا ينظر إلى المسألة ضمن معادلة "نحن النعيم والآخرون هم الجحيم"، فالحدود بين الأنا والآخر باتت متحولة متداخلة. إنّ المفاضلة في عصرنا أمست منهجا متقادما فاقد الصلاحية، وأن كل عملية احتضان، مفاهيمي أو مؤسساتي، هي وليدة جدل اجتماعي مركب.

وقد شئتُ أن تكون فصول هذا المؤلّف دانية من المعيش اليومي، ومُتابِعة للواقع الراهن بين أتباع الأديان الثلاثة، في هواجسهم وفي تعايشهم، في تآلفهم وفي تنافرهم، داخل الوطن الواحد وفي ظلّ الحضارة الواحدة؛ لذلك تشغل محاور هذا الكتاب أوضاع ذلك الآخر، الذي يمثله دين القلّة، وبالمثل تمثله الذات، حين تتبدل المواقع وتتغير الحواضن، فتغدو الذات -ضمن انزلاق دلالي- هي الآخر. يأتي هذا الكتاب تأمّلا في أوضاع الأديان في الراهن، وإن أمْلت الضرورة العودة إلى الأصول، أو إلى سالف التجارب، لفهم مجريات الواقع المستنفر، فأحيانا تكون أُطر استيعاب الآخر المؤسساتية أو المفاهيمية مضلّلة، لا تفصح عما يتخلّلها من تناقضات، ولا يتسنى رصد مظاهر الدونية والحيف من خلالها، فتضيع مكابدات العيش المشترك في طياتها.

وليس غرض هذا العمل أن يكون دعوة أخلاقية، يحضّ على فضائل تعايش الأديان والحوار بينها -وإن كان صاحبه يجلّ ذلك الدور-، ولكنه حديث عن الأديان حين تنزل معترك الاجتماع، وحين يتحكم بعضها بمصائر بعض. لذلك ينأى المؤلَّف عن المطارحات الشائعة في حوارات المجاملة، التي طالما تتناول المنشود وتغفل عما هو موجود، ليقف على نقيض تلك المقاربة، واضعا القارئ أمام واقع التدافع الديني، بشكليه، المحمود والمذموم.

إن الأديان الثلاثة تبدو مقبلة على مواسم تفوق قدراتها الهرمنوطيقية التقليدية، ما عادت المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية كفيلة بحلها. كما أن هناك قضايا تواجه تلك الأديان تتخطى إمكانيات دين بعينه، وتتطلب تضافر الجهود، مثل إشكاليات البيئة والمناخ والفاقة والأمية، وغيرها من المشاكل العويصة. فالعالم اليوم يتغير من تحت أقدام الأديان الثلاثة -إن صح التعبير- بوتيرة متسارعة، غالبا ما توفّق التشريعات المدنية في التأقلم معها، وتتعثر الديانات الإبراهيمية عن مواكبتها، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأقدر والأجدر لما بينها من رؤى أنطولوجية جامعة.

كان علماء الاجتماع الديني الأمريكان، أمثال رودناي ستارك ولورانس إياناكوني وروبار توليسون، من أوائل الذين نبهوا إلى أن الفضاء الديني الغربي، أو كما يطلقون عليه "السوق الدينية"، محكوم بالاحتكار من طرف متعهّد قوي يمسك بمقدّرات الفضاء، يضيّق على غيره الحضور، ويحدّد مقاييس الحضور وفق مراده. ومن المفارقات الكبرى في عصرنا، أن الدين المستضعَف المهاجر، بات يستجير بالعلمانية وبالدولة المدنية طلبا للمقام الآمن، ولا يجد ذلك المأمن وتلك النُّصرة عند رفيقه في رحلة الإيمان، وهو حال الإسلام الأوروبي. فهو ليس في استضافة الكاثوليكية "التقليدية" ولا البروتستانتية "التقدمية"، ولكنه في كنف العلمانية. فقد وفقت المجتمعات الحديثة في ما خابت فيه الأديان الثلاثة، من حيث إتاحة فرص الحضور للآخر. في وقت يُفترض فيه أن يكون المؤمن "الإبراهيمي"، بين أهله وملّته، حين يكون في الحاضنة الحضارية لدين من الأديان الثلاثة، لكنه في الحقيقة لا يجد تلك السكينة، وغالبا ما يلقى حرجا، ويأخذ صورة الخصم والمنازع والمهدّد القادم من وراء البحار، ولذلك أمام دعاة الحوار اليهودي المسيحي الإسلامي، ثمة ضرورة ملحة لطرح سؤال: هل هناك فعلا أمة إبراهيمية أو تراث إبراهيمي جامع؟

نبذة عن المؤلّف

عزالدين عناية، أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما/ إيطاليا، متخصّص في دراسات الأديان. صدرت له مجموعة من الأبحاث منها: "الدين في الغرب"، "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، "الاستهواد العربي"؛ فضلا عن عدد هام من الترجمات منها: "المنمنمات الإسلامية" لماريا فيتوريا فونتانا، "علم الاجتماع الديني.. الإشكالات والسياقات" لسابينو أكوافيفا وإنزو باتشي، "علم الأديان" لميشال مسلان.

الكتاب: الأديان الإبراهيمية.. قضايا الراهن

المؤلف: عزالدين عناية

الناشر: مجمّع الأطرش- تونس

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 160 ص

 

صدر مؤخرا عن "منشورات أفروديت" في عددها (35) بمدينة مراكش، كتاب جديد للشاعرة المغربية نجاة الزباير يحمل عنوانا شاعريا جذابا هو: " قناص ببندقية من ورق " / إطلالة على طرائد الشاعر عبد الرحيم الخصار"، وذلك في حلة أنيقة جميلة.

ويضم الكتاب تقديما بقلم الشاعرة، وإضاءات وافية ألقت الضوء على الشاعر عبد الرحيم الخصار ونشاطه الإبداعي، وبعض مشاركاته في المهرجانات والملتقيات الشعرية في المغرب وخارجه، ورحلاته الأدبية إلى أمريكا، كما عرَّفت بالجوائز الأدبية التي أحرز عليها خلال مسيره الإبداعي، وأشارت إلى الاهتمام النقدي الذي يتمثل في دراسات عديدة من لدن كتاب ونقاد من المغرب وغيره من بعض الأقطار العربية. وقد صدر للشاعر عدد من الدواوين والمختارات الشعرية، وغيرها من الإنتاجات في أجناس أخرى كالرواية والرحلة. وقد ترجمت العديد من نصوصه إلى بعض اللغات: الإسبانية - الفرنسية - الإنجليزية الألمانية وغيرها. وقد أشارت الباحثة الشاعرة نجاة الزباير في تقديمها المركز إلى غنى الشعر المغربي بأسماء استطاعت أن تكسب تفردا في المشهد الشعري المغربي، وذلك بفضل تلاقحها مع ثقافات ولغات مختلفة، كما لاحظت أن النص الشعري المغربي، أصبح نصا يعرف تغيرا مستمرا، ولم يعد نصا واحدا ثابتا متشابها مع ما يصدر من نصوص الشعراء الآخرين . لقد " أصبح نصا مفتوحا ومغايرا لسابقيه " (عن عبد الحق وفاق، آليات الكتابة والتعبير في القصيدة المغربية المعاصرة ". وقد تناولت الشاعرة الباحثة في كتابها بالدراسة والتحليل دواوين الشاعر التالية: - عودة آدم - نيران صديقة - أنظر وأكتفي بالنظر - بيت بعيد" .

***

بقلم د. عبد الجبار العلمي

ها أنذا لا زلتُ في محراب السّيْر

أبتسمُ لي أحيانًا أتلقّفُ دمْعتي حينًا آخر

لا زلتُ أسير بعقيدتي

أعتنقُ الصّمْتَ حين يلفّني الوجعُ

صدر هذه الأيام عن دار متون للنشر والترجمة والطباعة والتوزيع بالجزائر ديوانٌ شعريٌّ بعنوان (أكتفي بِعضِّ أطراف شفتيّ) للأديبة فوزية شنّة، وهو الإنتاج الإبداعيّ الثالث لها بعد ديوان شعريٍّ بعنوان (أخاديد عمر)، ومجموعة قصصية بعنوان (سراديب الحياة).

الديوان الجديد من الحجم المتوسط، تتضمّن صفحاتُه 68، بعد الإهداء والتقديم 24 نصًّا شعريًّا.

الشاعرة فوزية كانت مُحِبّة لوالدتها كثيرا، ومتعلّقة بها، وازداد هذا التعلّق بمرور الأيّام بعد وفاتها منذ سنوات، فجاء الإهداء لها:

« إلى مَنْ سافرتْ في رحلةٍ أبدية

إلى منْ تركتْ ريحَها وعبْق عطرها فيَّ

إلى منْ تدفعُني ذكراها بقوّة نحْو الحياة فأُشْعِلُ شموع دربي وأسير

إلى منْ قلبي عامرٌ بنبضها وبه أستنيرُ

إلى روح أُمّي التي استلمتْ مشْعلَ الكادحين بعد وفاة أبي رحمه الله..

إلى روحيْكما (أمّي وأبي) أُهْدي هذا العمل .

وممّا جاء في التقديم الرائع الذي خطّتْه الشاعرة الإعلامية نادية نواصر:

«...مثقّفة (فوزية شنة) تمثّل زبدة المجتمع، هي لا تكتب ولكنها ترسم باللغة الرومنسية الشّفّافة السّهل الممتنع، هي لا تبوح للغة الشّهيّة، ولكنها تهمس همس الأنثى المُجلّلة بعبق الورد والحياة في أسلوبٍ شيّقٍ، إنجازٌ ساحرٌ وبلاغة مغرية وصور شعرية جذّابة. ص: 07»

من التقديم:

«...حين تكتب فوزية شنة تشعر وكأنها فيروز تغنّي، تتسلّل بلغة دافئة إلى القارئ فتعتقله برُقيّ همْسها، هي التي قالت الفصيح، والهايكو، والقصة، والقصيدة النثرية. ص: 08 »

الشاعرة فوزية شنة في ديوانها عديد النصوص الحاملة لانكسارات في مسار حياتها مع الآخرين مثلما لها انشراحات:

من نصّ: {حسرة قلْبٍ}

وكمْ من خِلٍّ أهديناه عمرا مديدًا

سرق العمرَ وصار للعدوّ صديقًا

في غفْلة كنّا حين جاور شريانه الوريدا

كم حلمنا وانتظرنا

صار الضّباب مَعْلَمَ طريق ص: 17

ومن نصّ {لا زلْتُ أنتظرُ}:

عُدْتُ أدراجي أقتفي أثر خيْبتي

أُزيحُ بعْض الحيْرة بابتسامةٍ

أُقاومُ كلَّ شيء يغيّر من ملامحي

تأوّهْتُ..

أيُعْقلُ أن أكون أنا بكلّ زينتي

أيجرأُ على نقْض الموعد

عُدْتُ إليَّ ألُفُّ رأْسي في حُزْمة حريرٍ

أطلُّ على المرآة لعلّي أستيقظ من غفوتي ص: 19

تنهض الشاعرة ثائرة على انكساراتها، مستجمعة قواها، مستمدّة عزيمتها من نخوة المرأة العربية الشرقية، وإبائها، من نصّ {لا تترقّبوا سقوطي}:

أنا امرأةٌ شرقية تخْشى أن تسقط أشياؤها إنْ هي استغْنتْ عن رباط خصْرها

أحمل زادي تحت ردائي تحسُّبًا لأيّ طارئٍ

أنا امرأة حين يغادرها النوم تغزل الحياة وتنسجها

أقول للّيل ها قد حوّلْتُكَ نهارًا في خلوتي ص: 23

ويعود الانشراح مكلّلًا بالعزيمة، عزيمة إنارة الدروب المعتمة، من نصّ {امرأةٌ وأنا}:

أنا شمعة تُنير درْبها ودرْب الآخرين دون كلامٍ

أنا قطعة عِشْقٍ لا ينتهي في قلب الإنسانية

أنا وصْفةٌ للتائهين في دروب الحياة..للعالقين في مسالك متاهاتها

أنا بلْسمٌ مُعطّرٌ خفيف الملْمس أسكن كل مسامات الدنيا

أنا ربيعٌ مُزْهرٌ يحلّ دون أوانه بين أهله وجيرانه

أنا كلّ ما تراه العين من جمال مختبئ في ثنايا العمر

أنا الواقفة المُتدلّية حبًّا، أقطر شَهْدًا يُعيد الضالّين إلى الصّواب. ص: 59

الشاعر(ة) ذاك المبدع (ة) الذي بمقدوره أن يبدع الجمال، والسمو بالحياة، كما يمتلك فنّ صيانة الذات، ومواجهة الظلم، والمهانة، فالشاعر الأصيل كمنْ يصوغ عقد لؤلؤ ويهديه لمحبوبته، هذا هو سرّ المتعة المنشودة في الشعر: ترنيمةٌ غنائيةٌ صادقةٌ تولّدت من شعور المبدع، ونفسيته الشّفّافة.

الشاعرة المبدعة فوزية شنّة واحدة من هذه الفئة التي تمتلك أسرار الشعر، ومفاتيحه، وفنّياته، وهو ما عشْتُه في نصوص ديوانها الجديد" أكتفي بعضّ أطرافي شفتيّ" الذي يمكن اعتباره ثمرة مكابدة وجـَلد استطاعت بواسطته أن تعزّز تواجدها في درب الإبداع الشعري فهي لا تكتب الشعر؛ بل ترسم لوحات  شعرية جميلة، ورائعة وتعزف ألحان أنوثتها وعفويتها بكلمات رقيقة وشفافة، وعبارات سلسة، رقراقة.

***

كتب: بشير خلف

تعيش المفاهيمُ حياةً جديدة عندما تتكلمُ لغةً أخرى. الترجمةُ ولادةٌ جديدة للمفاهيم يتسعُ من خلالها أُفق المعنى باتساع أُفق اللغة المترجَم إليها الكتاب، وتبوحُ فيها اللغةُ بقيم العيش المشترَك في كلِّ الأديان والثقافات البشرية، وترتسم بالترجمة خارطةُ طريق العيش معًا.كأن الترجمةَ بمثابة استئنافٍ لحياة نبات ينتمي إلى أرض تمتاز ببيئة ومناخ خاص، ثم يعاد غرسُه في أرض وبيئة ومناخ آخر، يجعله أكثر قدرة وفاعلية على بعث الإمكانات الكامنة فيه للعيش في مختلف الظروف والأحوال.

الترجمةُ في الوقت الذي تخترق فيه الحدودَ تعمل بموازاة ذلك على محوِ الحدود وبناءِ جسور بديلة عنها، بالغوص بعيدًا في الأعماق لاكتشافِ الصوت الذي تنطقه كلُّ لغات العالم، وينكشف فيه ما هو مشترَكٌ في الكينونةِ الوجودية للإنسان، وما تعكسه من احتياجاتٍ أبدية لا تكفُّ عن طلب إشباعِها في كلِّ زمانٍ ومكان، وما تنشده من قيمٍ كونية أساسية لإنتاج معنىً لوجودِ الإنسان وحياته.

كان نقلُ كتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد" للغة الفارسية محصلةَ جهود اثنين من المترجمين، بدأ الترجمةَ الدكتور علي زاهد بور، وهو يتحدث العربيةَ كأهلها، ومتمرّس بمطالعة أدبها، ويمتلك ثقافةً تراثية وحديثة واسعة، وبعد أن نقل ثلثي الكتاب تقريبًا للفارسية، باغتته ظروفٌ شخصية أعاقت إتمامَه العمل، فبادر الدكتور حميد رضا تمدن مشكورًا بإكمال ما تبقى من الترجمة، وتمدن أستاذ جامعي للفكر العربي الحديث، ويتكلم العربية بلغة صافية، وهو مؤلف ومترجم لعدد من الكتب والمقالات. وأخيرًا تولى الدكتور محمد سوري مقابلةَ النسخة الفارسية على الأصل، وتحرير الترجمة وتنقيحها وتدقيقها. ومحمد سوري يتكلم العربيةَ الفصحى، وله دراية بالفكر العربي الحديث، وهو متخصّصٌ بالتصوف وخبيرٌ بمسالكه، رحّالةٌ سائحٌ لا يقيم بموطن، يسقي عقلَه وقلبَه وروحَه التخّلُق والتأملُ والصمت.

بهذه الترجمة يولد كتابُ "مقدمة في علم الكلام الجديد" ولادةً أخرى بالفارسية، وحين يهاجر هذا الكتابُ أو غيرُه من لغتِه الأم ويتكلم لغةً جديدة، تمنحه هذه اللغةُ إمكاناتِ وجود، ودلالاتٍ إضافية، وتبعث فيه حياةً جديدة، وتطبع النصوصَ المترجَمة إليها بصمتُها الخاصة، وتتكلم معجمَها الاصطلاحي. اللغة الفارسية تغتني بثقافةٍ عرفانية خصبة تختزن ميراثًا غزيرًا. هذا الكتاب لم يهاجر إلى فضاءٍ غريب عنه، إنه يتحدث إلى لغةٍ يتوطن فيها علم الكلام الجديد منذ عشرات السنين، إذ يحضر بكثافةٍ في كلماتها ومعجمها الحديث ومفاهيمها ورؤى العرفان الغنية فيها. عندما يتخذ هذا الكتابُ موضعَه في نسيج النصوص الفارسية، ويكتسي أساليبَ بيانها وتضيؤه آدابُها، تجعل هذه اللغةُ مفاهيمَه تتغذى في فضائها، وتتحدث كلماتِها وتتداول مصطلحاتِها، وينخرط شيءٌ منه في أفقِ رؤيتها للعالم، ويحقّق حضورَه متناغمًا مع إيقاعِ موسيقاها الداخلية، إنه يولد ولادةً جديدةً في سياق هذه اللغة.

اللغة الفارسية واحدةٌ من لغات العالم المشبَع قاموسُها بميراث العرفاء، وهي من أثرى اللغات بهذا الميراث، وأغناها بآدابِه، وأكثرها شغفًا بشعرِ العرفاء الرؤيوي الذي أبدعته قريحةُ شعراء عظام كجلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، وسعدي الشيرازي، وسنائي الغزنوي، وعين القضاة الهمداني، وفريد الدين العَطّار، وعُمَر الخَيّام، وأمثالهم. لم أقرأ شعرًا يرسم صورَ الحُبّ بألوانٍ فاتنة وينشد أغاني العشق الإلهي البهيجة كما في مثنوي جلال الدين الرومي ودواوين العرفاء. استطاع الشعرُ العرفاني أن يتوغل بعيدًا في أعماق الروح، ويصنع لها ما تتطهر به، فجعل الروحَ تعانق عوالمَ الملكوت وهي تتذوق أغاني العشق الإلهي، وكأنها استفاقت بعد أن اغتسلت بالأنوار الإلهية.

الخبير بآثارِ العرفاء وشعرِ جلال الدين الرومي واستبصاراته يعرف التأثيرَ الاستثنائي لها في إيقاظِ الحياة الروحية في الإسلام وتنميتِها وتكريسِها، وبناءِ الرؤية الجمالية للعالَم، والكشفِ عن تجليات جمال الأسماء الإلهية في الوجود. في ضوءِ ذلك نعرف كيف أصبح العرفانُ رافدًا غزيرًا يستقي منه علمُ الكلام الجديد شيئًا من مقولاته، ويستلهم من عناصره بعضَ مكونات رؤيته ومواقفه، واهتمامه ببناء صلةٍ بالله تتأسّس على المحبةِ المتبادلة، والدعوةِ لتدين أخلاقي يرسي أسسَ العيش المشترك في إطارِ التنوع والاختلاف. في المثنوي لجلال الدين الرومي وآثارِ العرفاء نقرأ بوضوحٍ أن التنوعَ يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهذا التنوع يفرض الحقَّ في الاختلاف بطرائق الفهم والتفسير والرؤية للعالَم والمعتقدات، وهو ما يكشف عنه تعدّدُ اللغات والثقافات والأديان في حياة الإنسان أمس واليوم.

صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب "مقدمة في علم الكلام الجديد" ببيروت سنة 2021، فاشتدّ الطلبُ عليه حين اعتُمد مقررًا دراسيًا في أقسامِ الفلسفة والإلهيات والمعارف الإسلامية في جامعاتٍ عربية متعدّدة. وفي السنة ذاتها أصدرتْ طبعتَه الثانية دائرةُ الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد، وكانت هذه الطبعةُ مزيدةً أكثر من خمسين صفحة، وصدرت الطبعةُ الثالثة ببيروت نهاية السنة الماضية 2022، وهي مزيدة فصلًا إضافيًا، والترجمة الفارسية هي للطبعة الأخيرة المزيدة والمنقحة.

نتطلعُ أن نتعرّفَ في كتابٍ قادم على آراء المتكلمين الجدد في إيران، ثم العالَم العربي، فقد ظهرت الدعوةُ لتجديد علم الكلام في الإسلام الهندي منذ القرن التاسع عشر كما دللنا على ذلك في هذا الكتاب، وانعكست أصداؤها في إيران بوقت مبكر، وسرعان ما تبلورت بوضوح في آثار مجموعة من المفكرين الإيرانيين، ممَنْ بلغ الكلامُ الجديد بجهودهم مرحلةً متقدمة، وكانوا الأكثرَ درايةً بتوظيف رؤى العرفاء ومقولاتهم في بنائه، والأسبقَ في الانتباه إلى ولادة الكلام الجديد في آثارِ مفكري الإسلام في الهند.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

...................

* تقديم الترجمة الفارسية لكتابنا: "مقدمة في علم الكلام الجديد"، يصدر قريبا.

 

عمل جديد صدر لعالم الأديان التونسي د. عزالدين عناية بعنوان "المسيحيّة والإسلام في ظلّ العولمة". وهو كتاب يتركز بالأساس على متابعة آثار العولمة على الدين، وتحديدا على المسيحية والإسلام. فما كانت قضايا التجاور والتضايف والتعايش مطروحةً على الأديان بهذا الإلحاح، كما هو عليه الحال اليوم. فالذات المؤمِنة أمام تساؤلاتٍ تمليها التبدّلات الجارية في العالم الراهن، تحثُّ أتباع الأديان على إعادة النظر في تمثُّلِهم للعالم وفي حضورهم فيه، بعد أن عصفت بالحدود التاريخية تبدلات عميقة. تَراجَع التباعد إلى مستوى، غدت فيه الحدود وطيئةً ورخوةً بين التقاليد الدينيّة.

وبالمثل ما عاد يفيد الأديان التحصّن وراء حواجز "منيعة"، بعد أن صار الوافد حاضرًا بالداخل، فعلًا وقولًا وقيمًا، يسائل عيشَ الذات ورؤيتَها، ويشاركها واقعَها ومصيرَها. إذ ساهمت العولمة في زعزعة الحدود الجغرافية والمادية، التي جعلت من ذلك الإيمان الديني أو غيره لغة الخلاص لشعوب وحضارات إنسانية بأسرها، وليتماهى ذلك الإيمان مع أرض ومع أمّة بعينها.

فلا مراء أنّ العولمةَ اليوم قد أضحت واقعًا معيشًا، يؤثّر على نمط سيْر حياة شعوب كثيرة، سواء رضيت تلك الشعوب بذلك التحوّل أم أنكرته. حيث تنعكس الأوضاع المستجدَّة والسائرة نحو التطوّر المتسارِع على الأديان وعلى أتباعِ الأديان أيضا. فالعولمة تُؤثّر على الأديانِ بفعلِ ما تُخلّفه من أثرٍ على تقلّص الانغلاق الإيماني وانعزاله في حيز جغرافي، بما جعلَ بعض الأديان بمثابة الهويات المميّزة لجماعاتٍ عرقيّة وإثنيّة دون غيرها؛ وهي تؤثّر كذلك على المؤمنين بتلك الأديان، بما تخلّفه من تغيّر في شكل الاعتقاد، من حيث البسط والقبض، والشدّة واللّيونة. وكذلك في معاني الاعتقاد، من حيث الانحصار والاستيعاب، والضيق والاتساع. وربّما إلى حدّ مضامين الاعتقاد المستجدّة، جرّاء الاحتكاك بتجارب روحيّة ومعيشيّة أخرى، ما عادت نائية في ظلّ حركة التواصل المتسارِعة.

ذلك أنّ تأثير العوْلمة حاصل على الأديان وعلى أتباع الأديان، ولا يقتصر على الأديان الإبراهيمية أو أديان الهند والصين واليابان، بل نعاين تأثّر الأشكال الجديدة من أنماط الاعتقاد التوليفية أيضا، بما يعني أنّ التأثير يطالُ الأديان المهيكَلة عقديّا ومؤسّساتيّا، وغيرها ممّن تفتقر إلى تلك البنى الصلبة والصارمة.

والمسلمون من جانبهم لم يَبقوا نشازا في ما يجري من تحوّلٍ دينيّ في العالم، وما عاد بوِسعهم أن يظلوا بمنأى عن تأثيرات تعولم العالم، الدافع باتجاه التكتّل والقبول بالانتظام وفق قواعد جامعة، الأمر الذي انعكست آثاره على الرؤية الإسلامية لذاتها وللآخر. صحيح أنّ الاستعدادات بين الأديان وبين المؤمنين، متفاوِتة من تقليد ديني إلى آخر، ومن وسط اجتماعي إلى غيره، من حيث القدرة على التعايش مع المعطيات الجديدة المتّصلة بالعوْلمة الدينية، أو من حيث توظيف الإمكانات المتاحة، أو استغلال محاسن هذا الواقع الجديد أو درْءِ مساوئه؛ ولكن برغم هذا التفاوت تبقى سائر التقاليد الدينية معنيّةً بما يجري من تحوّل هائل في الساحة العالمية، بما يمسّ بنى الأديان وضروب أنشطة أتباعها ذات الطابع الدينيّ.

وبعد تعوْلم قضايا الإسلام تردّدَ في الأوساط الغربية سؤال: هل يُشكّل الدين الإسلاميّ عقبة للاندماج في العالم؟ وهو سؤال طُرِح في العديد من المنابر ضمن طروحات الاستشراق الجديد ذات المنزع السياسيّ، أتى ذلك ضمن تتبّعِ، إلى أيّ مدى يمكن للمنظور الإسلامي تقبّل الديمقراطية؟ ومن حيث تفهّم مدى تلاؤم مضامين المكوّن التشريعي الإسلامي مع الدولة المدنية. وهي طروحات تدَاخَل فيها المنصِف بالمغرِض، لكن السّمة الغالبة على مجمل التساؤلات يظلّ ورودها ضمن سياق التوتّرات الأمنية، التي عاشتها الأوساط الغربية مع تشظّيات الإرهاب في العالم.

لم تكن التساؤلات ولا الأحكام صادرة عن دراية عميقة بالمخزون الحضاري، جرّاء التراجع الذي شهده الاستشراق الغربي في العقود الأخيرة، بل عن رصد ظواهري متسرّعٍ وإقرار حصريٍّ بفشل "الإسلام الصِّدامي" في التعايش مع العالم. ومن هذا الباب جاء الحكمُ بعدم قدرة الإسلام على التعايش مع الدولة المدنية، ومع القِيم الكونية التي باتت سائدة في عالمنا، ومن ثَمّ مع الحداثة بوجه عامّ، نابعًا من إسقاطات إيديولوجية.

الملاحظ بشكل عام، في ظل مناخات العولمة المستجدة، أن الأوضاع في العالميْن الإسلامي والغربي، في الراهن المعاصر، لا تسير سيرًا متوازيًا على جميع الأصعدة، مع ذلك ثمّة ارتباطات مصيرية بين العالمين، تفوق ما كانت عليه الأمور في وقت مضى، قبل استفحال ظاهرة العوْلَمة. ورغم الاختلاف البيّن لِمسار انبناء الدولة الحديثة ضمن السِّياق الغربي عن نظيره في السِّياق الإسلامي، فإنّ قضية علاقة الدين بالسياسة وبالمجال العمومي، هي من الإشكاليات المطروحة على الجانبين وإن تفاوتت الأشكال والمضامين.

فمنذ نصف قرن أو يزيد، طرأ تبدّلٌ هائلٌ على الأوضاع في العالميْن الغربي والإسلامي في ما يخصّ قضايا الدين. وفي الحقبة التي نعيشها ثمّة نمطٌ للدولة الحديثة مشبَع بالنزْعة الحداثيّة وبالأبعاد العلمانيّة، فَرضَ نفسه أو فُرض قسرًا، لمّا نتحدّث عن الدولة الغربيّة والدولة المغرَّبة، بات هو السائد؛ وبالمقابل ثمّة فَوران للدّين يتّخذ أشكالا عدّة وتمظهرات شتّى، بات قادرا على التأثير على الخيارات الكبرى، كما حصل في أوروبا مع حدثيْن بارزين، عند طرح موضوع تضمين التراث المسيحيّ اليهوديّ من عدمه ضمن مسودة الدستور الأوروبيّ، وكذلك مع التلكُّؤ في ضمّ تركيا إلى المجموعة الأوروبية؛ وهو كذلك قادر على التأثير الفاعل في مسارات حراكات الشعوب، كما حصل مع موجة الربيع العربي.

وفي ظلّ واقع معولَم ما عاد قبول المعرفة الدينية مستمَدًّا من سياق إيماني وحده، يفي بالغرض. وهو ما يضع تلك التحولات وغيرها أمام تساؤلات مصيرية في شأن حضور الدين خارج فضائه الإيماني المعهود؟ فهل التعليلات التي يعلّل بها مقولاته هي بحقّ تعليلات كونية؟ وهل خطابه تجاه المغاير هو خطاب عقلاني وواقعي؟ تلك بعض القضايا التي أراد الكاتب معالجتها في هذا الكتاب.

نبذة عن المؤلّف

عزالدين عناية، أستاذ تونسي يدرّس في جامعة روما/ إيطاليا، متخصّص في دراسات الأديان. صدرت له مجموعة من الأبحاث منها: "الدين في الغرب"، "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، "الاستهواد العربي"؛ فضلا عن عدد هام من الترجمات منها: "المنمنمات الإسلامية" لماريا فيتوريا فونتانا، "علم الاجتماع الديني.. الإشكالات والسياقات" لسابينو أكوافيفا وإنزو باتشي، "علم الأديان" لميشال مسلان.

الكتاب: المسيحيّة والإسلام في ظلّ العولمة

المؤلف: عزالدين عناية

الناشر: مجمّع الأطرش- تونس

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 240 ص

بمناسبة صدور أعماله الكاملة

من بين الكتب التي قرأتها العام الماضي باستمتاع كتاب "المشي فلسفة" للفيلسوف الفرنسي المعاصر "فريدريك غرو" المولود عام 1965 والمتخصص في ميشيل فوكو، ويعمل حاليا استاذ الفكر السياسي في معهد الدراسات السياسية في باريس. وقد صدر لغرو بالعربية ثلاثة كتب هي "ميشال فوكو " – ترجمة محمد وطفة وكتاب "العصيان " – ترجمة جمال شحيذ " وكتاب " المشي فلسفة " – ترجمة سيعيد بوكرامي –

يقال دائما ان الفلسفة ولدت مع المشي، وان فعل التفلسف يتوافق مع التأمل، وكان الراحل مدني صالح يحب ثلاثة اشياء " المشي مسافات طويلة.. والصمت الطويل.. والصيام بلا انقطاع عن الطعام مدة أيام طويلة "

في تاريخ الفلسفة اليونانية نجد ان الفلسفة ارتبطت بجولات المشي التي كان يقوم بها طاليس المولود عام " 624 ق.م، حيث كان من عادته ان يسير في طريقه لا يلتفت إلى أحد، لم يكن يسير كما يفعل معظم الناس ممن يعرفون هدفهم ويتأكدون من مواضع أقدامهم. فقد كان رافعاً رأسه الى السماء ومشغولاً بتأمل النجوم. ويخبرنا ديوجينيس اللانرتي في كتابه حياة مشاهير الفلسفة – ترجمة امام عبد الفتاح امام – ان طاليس كان يخرج كل يوم من بيته يسير وهو يتأمل النجوم، وذات يوم وقع في حفرة واخذ يصرخ طلبا للعون، فشاهدته امراة عجوز، فردت عليه بقولها " أي طاليس، كيف تزعم ان بوسعك ان تعرف كل شيء في السماء، وانت عاجز عن رؤية ما هو تحت قدميك". سؤال المراة الساخر كما يقول ارسطو هو الذي دفع المفكرين الاوائل إلى التأملات الفلسفية.

من السعادات التي عشتها في الايام الماضية هي قراءة الاعمال الكاملة للفيلسوف العراقي "المشاء" مدني صالح والتي صدرت عن دار الشؤون الثقافية بجهود الاساتذة الدكتور فيصل غازي مجهول والدكتور محمد فاضل عباس وباشراف الصديق الدكتور عارف الساعدي. ولعلني اعتبر نفسي سعيد الحظ بتعرفي على بعض الاساتذة الاعلام وكان مدني صالح واحدا منهم، وكانت علاقتي بهم تتباين بتباين اهتماماتي في القراءة، فعندما كنت انغمس في قراءة الفلسفة وتدور اسئلتها في رأسي، اجد الحل في اجابة مدني صالحة الممزوجة بالدقة العلمية والسخرية المحببة، كنت آنذاك اقرأ مقالاته المنشورة في صحيفة الجمهورية، واسأل نفسي: هل سأتمكن يوما ان اكتب بمثل هذه الطريقة الفذة، واصحوا من هذياناتي على صوت مدني صالح يردد:" مدني صالح احسن ناثر فني في الادب العربي المعاصر ".

من الصعب تخيل مدني صالح انسانا مجاملا، او مترددا في قول كلمة الحق، ينطبق عليه بيت الشعر الذي كتبه ابراهيم ناجي  " واثق الخطوة يمشي ملكاً "، نرجسي من طراز خاص، كريم في العطاء:" اتباهى بالذي اعرفه، فاعرضه على الناس كي اكسب حسن ظنهم بي ". ساخر على طريقة الساخطين، يتخذ من الصدق سبيلا، يعترف ان حرفته في الحياة هي الثقافة التي يعتبرها هواية وغاية.في معظم كتاباته اراد أن يؤكد ان المعرفة تسخر من المعرفة ذاتها، حين تتحول المعرفة الى أداة بيد من لا يعرفون قيمتها الحقة. يؤمن بأن الفلسفة ليست نقاشا بيزنطينيا، ولا جمهورية للعاطلين، ولا كتب ونظريات وإنما هي ممارسة تضيء جوانب الحياة المظلمة وتؤسس لإرادة القول التي يمكن لها أن تمهد الطريق لإرادة الفعل.

في المرات التي كنت التقي فيها مدني صالح سواء في المكتبة التي اعمل فيها او في كلية الفنون حيث كان الراحل يٌلقي محاضرات لطلبة الدراسات العليا عن فلسفة الجمال، احاول ان اشاكسه، واحسب ان الراحل الكبير كان ينتصر على مشاكستي بقدرته على الجدل النافع، والمثير، فقد كان يتقبل المشاكسه بروح علمية حيث يرى فيها وسيلة من وسائل التعبير عن حماستي " الزائدة " احيانا، ومدني صالح كان بطبيعته يميل الى المشاكسة التي ينظر اليها بوصفها محاولات لادامة حرية النقاش ونقد الآخرين فهو القائل عن نفسه:" اتباهى وابهر الجميع بقدرتي على تبسيط مسائل الثقافة باسلوب لا اجمل منه، وبروح استاذية عالية، عالية في الخوف من الخطأ ".

في مرات كثيرة اسأل نفسي: ماذا لو ان مدني صالح بيننا الآن، يقرأ ما نكتب  في الفلسفة ؟ بالتاكيد سنسمع منه كلاما غير محايد، فقد عاش طوال حياته صريحا، لكنه  دائم الحنو حتى مع الذين يختلفون معه:" لم ار نفسي قط إلا ما يضاعف احساسي بالازدهار، فإني دائم الخضرة، دائم الاازدهار "، وربما سينشغل عنا في كيفية أن يظل فكره حاضرا في دائرة الحوار. يتحفظ على ما يسمع ويعطي لنفسه فرصة ثم يسأل ثم يظهر اهتمامه وبعدها يتجلى استعداده للالفة بعدها يفكر بما آلت اليه حياته وهل كانت لهذه الحياة من مغزى وسط الاضطراب العام الذي عاش فيه وهل اقترب حلمه من مدينة فاضلة على غرار مدينة فيلسوفه الاثير " الفارابي، وان يحقق امنيته التي اختصرها بالقول:" ان يكتب جملة واحدة تحدث تحولاُ يعتز به وينفع الناس ". كانت الكلمات هي اداة الحياة والابداع في عالم مدني صالح، ومن خلال الكلمات كان يبدو كأنه  مشعل حرائق يسعى لتدمير الابنية البالية للفكر الفلسفي، ويشعل الشك في الموروث الادبي، ويزعزع الاوهام التقليدية حول فهم الثقافة.

في مسرحيته الشعرية " بقايا التجربة " نجده يتأمل حياته:

انت بعد اليوم سلوى

وحيال في كتاب

اسفا صليت في حضنك واشتمت

عيوني قدميك

انت يامن انت من صيرتني فصل كتاب

اسفاً ابتاعني الناس كتابا في يديك

وانا اقرا المجلدات الستة التي ضمت مؤلفات مدني صالح تساءلت مع نفسي، هل سيتحول مدني صالح الانسان المفكر الى مجرد كتاب تتناقله ايدي محبيه وتلامذته. بالتاكيد انه اكثر من ذلك ألم يخبرنا ذات يوم انه لا يحب الجرائد والمجلات إلا كونها جامعات للتعليم والتثقيف، وكان يبهجه أن يجد نفسه استاذا نافعا في الكتاب وفي الصحيفة وفي الجامعة، وفي محاورة الآخرين. فهذا المعلم الذي هبط علينا من هيت، والذي عاش حياته كما يهوى في عزلته وايامه البسيطة التي اختارها لنفسه غير عابئ للشهرة والمجد، وقد كان يرى في الانعزال " طريق في الانفتاح على العالم كله، والناس اجمعين ".سنظل ندين له جميعا بالفضل لأنه انزل الفلسفة من عرشها ليفترشها الباعة على ارضفة الشوارغ في صحف ومجلات لا زالت تحمل نكهات حروفه البديعة والعجيبة والمدهشة وروحه السمحة ووصاياه بان نتثقف جيدا، وأن نقرأ في امهات الكتب:" اقرأ لافلاطون وارسطو وللفارابي وابن سينا وللغزالي وديكارت، اقرأ في ديوان المتنبي والمعري ولطه حسين وادم سميث وماركس، اقرأ كتبا في النسبية، وقّلب في كوميديا دانتي وفي فاوست جوته وفي دون كيشوت سيرفانتيس.. لكن تذكر ان الثقافة لياقة وتألق ونقاء قبل أن تكون قراءة وكتابة وتقليباً في المجلدات " – مدني صالح الاعمال الكاملة الجزء السادس

القراءة تانقا وتالقا ونقاء..فمن يعيد قراءة مدني صالح من جديد بعد ان صدرت اعماله الكاملة..  يعيده الى الواجهة بمزيد من الفهم، والدراية، والاكتشاف، والادراك الى اهميته انسانا ومثقفا واستاذا في حياتنا الثقافية كان يقول ان ما يبهره في نفسه: " الخروج على المألوف السائد "

***

علي حسين

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

عن مؤسسة أهوار للنشر والتوزيع، دار ومكتبة أهوار، تم إصدار كتاب جديد بعنوان المناضل الصغير للكاتب والمؤرخ الموسوعي الأستاذ محمد حسين النجفي، قدم له الأستاذ الدكتور محمد عبد الرضا شياع، والكتاب ب ١٢٥ صفحة من القطع المتوسط، بضمنها كلمة أخيرة للأستاذ النجفي، وهي أشبه بمقدمة يستشهد بها صاحب الكتاب عن الغاية من تأليف الكتاب كشاهد عيان لمسيرة قوافل من الشهداء رحلت خلف قضبان السجون، ودهاليزها المظلمة.

هنالك مع حقبة من السنين لم تزل تداعياتها، فقد العراق خيرة أبنائه، ثمنا لعقول لم يتسن لها الطريق لأن تحمل مشعل الحرية.

غادر المناضلون، مع أفكارهم دون أن يعلم بهم أحد، وتلك إشكالية ما زالت تحكمها قبضة الطغاة.

فقد العراق عشرات الآلاف من أبنائه، ولم يحق لعوائلهم حتى إقامة مراسيم الفاتحة على أرواحهم.

فهرست الكتاب تندرج تحته العناوين الرئيسية التالية: الطفولة السعيدة، المناضل الصغير، الانتكاسة الكبرى، مقالات وآراء، مع المحاور الفرعية، والتي هي عبارة عن مقتطفات قصيرة معززة بالصور تحكي حياة المؤلف، وتجربته السياسية والاجتماعية.

النجفي استطاع أن يرسم للقارئ سيناريوهات، ومشاهد سينمائية مضافا إليها إنشاءات خبرية، تم صياغتها بطريقة التقطيع الصوري، وفيها من تجارب الحياة ما يجعلها قابلة لأن تتزين بنصوص أدبية كتبت بطريقة فنان أدرك حقيقة السياسة منذ بداية حياته، حاملا معه نعش التجربة، ومرارة السجن، والنضال السلبي ضد طغمة، وسياسات حكمت العراق لأكثر من ربع قرن.

الكتاب يلخص ملامح حقبة مظلمة من تاريخ العراق الحديث، ليكون شاهد عيان عن تجارب الحرس القومي، ووجهه المخيف، إعدام سلام عادل، تحول النوادي الرياضية إلى معتقلات، مع أحداث كتبت بنكهة التحليل البارع الذي تم إيجازه عبر التقييم الخاص بثورة عبد الكريم قاسم.

تنتهي الخاتمة بجملة أسئلة تحتاج إلى بحث من ضمنها (هل كانت هنالك ضرورة ملحة لثورة ١٤ تموز ١٩٥٨)، أما خاتمة الكتاب، فتنتهي بخلاصة التجربة السياسية للكاتب إبان حقبة من الزمان تحتاج إلى أن يشتغل الباحثون في مساحاتها التاريخية، أملا باكتشاف مسميات وحقائق جديدة.

***

عقيل العبود

 

(كان الإشراق في ذلك الوقت أمراً  سيئاً و"شدة الحزن" أمراً سيئاً و "المرح الزائد" أمراً سيئاً، بمعنى أنه كان ينبغي لك أن تحيا دون أن تكون شيئاً، ودون أن تفكر، فإن فكرت ينبغي أن لا يبدو تفكيرك على المستوى السطحي الظاهر، ولذلك كان الجميع يغلقون على اأفكارهم ويحفظونها في تجاويف أعماقهم).. آنا بيرنز من روايتها " مِلكمَن " منشورات دار أثر

كانت اول كاتبة من شمال ايرلندا بجائزة مان بوكر التي تعود على صاحبها بالشهرة وارتفاع المبيعات.

"مِلكمَن" او "بائع الحليب" هي الرواية الثالثة  للروائية آنا بيرنز التي ولدت عام 1962 في مدينة بلفاست بايرلندا الشمالية، قالت بعد اعلان فوزها بالجائزة عام 2018: انها " سعيدة جدا، ليس من اجل الرواية، وانما من اجل قيمة الجائزة التي ستساعدني على تسديد ديوني".

تعترف بفضل الأدب الانكليزي عليها، وتخص الشاعر ت.س. اليوت بتحية لانها تعلمت منه  إنه لا يمكن أن تصبح عالميا دون أن تكون محليا خالصا. كانت قد صرحت للغارديان اثناء وصول روايتها الى القائمة القصيرة انها لم تستطع إخفاء دهشتها عندما سمعت اسمها بين الروايات الست المرشحة لأكبر الجوائز البريطانية.

رئيس لجنة تحكيم الجائزة قال عن فوزها: "لم يقرأ أحد منّا شيئا كهذا من قبل. إن صوت آنا بيرنز المميز تماما يتحدى الشكل والتفكير التقليديين بنثر مدهش وطاغٍ. "إنها قصة عن الوحشية والاعتداء الجنسي والمقاومة مطعمة بدعابة لاذعة. إن الرواية التي تدور أحداثها في مجتمع منقسم على نفسه تستكشف الأشكال الخفية التي يمكن أن يتخذها القهر في الحياة اليومية".

تدور أحداث "مِلكمَن"، في مدينة لا تذكرها الرواية بالاسم خلال الاضطرابات الدامية في أيرلندا الشمالية، وتروي حكاية فتاة تبلغ من العمر 18 عاما تعرف بأسم "الأخت الوسطى"، تتعرض للتحرش  الجنسي من قبل شخص  يطلق عليه اسم  بائع  الحليب رغم انه لا يمارس هذه المهنة، كان في السابق  عسكريا شديد القسوة.

مثل ابن بلدها جيميس جويس، ارادت ان تقدم حياة الناس في بلدتها:" "لقد نشأت في مكان مليء بالعنف وانعدام الثقة والارتياب والشعور بالاكتئاب من قبل أشخاص يحاولون التنقل في هذا العالم والبقاء فيه بأفضل ما يمكن".

استمدت بيرنز، التي ولدت في بلفاست وتعيش الآن في شرق بريطانيا، خبراتها الخاصة التي نشأت في ما وصفته "بالمكان الذي ينتشر فيه العنف وانعدام الثقة والبارانويا". بينما يضغط رجل الحليب على التقدم الذي أحرزه على أخته الوسطى المترددة، تبدأ الشائعات بأنها تواجه علاقة غرامية معه. "لكنني لم أكن على علاقة مع رجل الحليب. لم يعجبني رجل الحليب وكان خائفاً ومربكاً بسبب سعيه وراء علاقة غرامية معي"

قالت للغارديان عن شخصية بائع الحليب:" لا اعتقد انه يمثل شخص محدد، انه مجتمع باكمله تدور حياته حول القسوة والعنف.. في الرواية لم يعمل في مهنة بائع الحليب، لم يكن هناك حليب عنده."

تعمدت الكاتبة عدم إطلاق أسماء على شخصياتها في الرواية، حتى من تقوم بالسرد فيها تشير إلى نفسها بأنها "الأخت الوسطى".

وفي حديثها بعد فوزها، قال آنا بيرنز لبي بي سي: "الكتاب لا يحقق المطلوب من خلال الأسماء فقط".

وأضافت:"أعتقد أن الأمر له علاقة بالعمل، هناك افتقار إلى الأمان في أن تكون صريحا في الكتاب وتعلن من أنت، ولكن في الحقيقة، إذا ذكرت الأسماء فقد فقدت قوتها، وفقد أيضا الجو العام".

وعن تأثير تجربتها الحقيقة على كتاباتها، قالت "لقد نشأت في بلفاست، وكان لها تأثير كبير على الكتاب، حيث كتبت عن مجتمع بأكمله تأثر بالعنف والحياة تحت ضغط شديد ".

في نفس العالم 2018 حازت رواية " "بائع الحليب" على جائزة النقاد البريطانيين وفي عام 2019 تحصد جائزة جورج أورويل لروايات الخيال السياسي".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

كتاب فلسفي صادر عن دار غيداء الاردن 2022 معروض مع ما يزيد على 15 عنوان مطبوع بالفلسفة على معرض بغداد الدولي للكتاب.

الاهداء

الى ابنتي الغالية بان اليوسف

المحتويات

المقدمة

الفصل الاول: نظرية السلوك اللفظي وتوليدية جومسكي

الفصل الثاني: الادراك الصوري الواقع وتعبير اللغة

الفصل الثالث: العقل واللغة في تخليق الوجود

الفصل الرابع: العقل في الفلسفة المعاصرة

الفصل الخامس: الفكر واللغة في تعبيرهما عن الوجود

الفصل السادس: المثالية النقدية الاميريكية.. الطبيعة والعقل والاخلاق

الفصل السابع: طبيعة العقل الجدلي وهم هيجلي

الفصل الثامن: غياب ادراك الزمن في وهم الدلالة

الفصل التاسع: ادراك الوجود بدلالة الجوهر

الفصل العاشر: المعرفة الفلسفية والتقاطع البرجماتي

الفصل الحادي عشر: الوعي القصدي في الفلسفة المعاصرة

الفصل الثاني عشر: صوت اللغة خاصية التعبير عن المعنى

الفصل الثالث عشر: انطولوجيا الادراك وحقيقة الكينونة

الفصل الرابع عشر: بروتاغوراس اسقاط السفسطائية على الفلسفة البرجماتية والحداثة

الفصل الخامس عشر: الان تورين.. الذات ومسؤولية الحرية

الفصل السادس عشر: الطبيعة والجوهر

الفصل السابع عشر: اشكاليات فلسفية

الفصل الثامن عشر: ماهية العقل التجريدية في بيولوجيا الجسم

الفصل التاسع عشر: هيدجر وتشتيت الكينونة

الفصل العشرون:  الطبيعة والفلسفة النقدية الامريكية

الفصل الواحد والعشرون: فائض المعنى في الوعي واللغة

الفصل الثاني والعشرون:  المادة والنفس وازلية الجوهر

الفصل الثالث والعشرون: تخارج العقل المعرفي والجدلي في المادة والتاريخ

الفصل الرابع والعشرون: الوعي القصدي سلوك ادراكي لغوي

الفصل الخامس والعشرون: مصداقية تعبير اللغة وقصور الفكر

الفصل السادس والعشرون: وعي الذات الخالص

الفصل السابع والعشرون: مغالطات  حوارية في الفلسفة المثالية

الفصل الثامن والعشرون: الوجود ادراك لغوي

المقدمة:

يبدو لدى غالبية الفلاسفة الغربيين والعرب مثل هذه العنونة غريبة على الفلسفة الغربية المعاصرة مفتعلة على احسن الفروض، فالفلسفة تجريد إفصاحي لغوي نوعي إجناسي يختلف عن التجربة العلمية والعملية والادبية والفنية وتطبيق الايديولوجيا في الوصاية على تاريخ الانسان والحياة.

الفلسفة ليست نوعا ثقافيا ادبيا تجنيسيا يتقبل (ثيمة) الالتزام علما ان الفيلسوف الفرنسي الشهيرسارتر طرح مثل هذا التساؤل في كتابه ما الادب؟ اذ أوصل صدى ما طرحه سارتر في نهاية الستينيات من القرن العشرين إبان إزدهار الفلسفة الوجودية الفرنسية ان بادر الكاتب الروائي الكبير سهيل ادريس صاحب مجلة الاداب اللبنانية بداية السبعينيات دعوة عميد الادب العربي طه حسين تلبيته رغبة اتحاد ادباء لبنان القائه محاضرة حوارية نقاشية امام بعض  الحضور من ادباء ومثقفي لبنان يناقشون فيها معه مسالة الالتزام بالادب من وجهة نظر فلسفة سارتر. في محاولة رفض الادباء والفنانين والشعراء تحديدا اتخاذهم موقف المعاداة الزام الاجناس الادبية والفنون من غير الفلسفة تبني ثيمة الالتزام بالانسان والحياة علما ان مناقشة الالتزام بالفلسفة ليس واردا اطلاقا والى يومنا هذا. خاصة بعد هيمنة فلسفة اللغة المشهد الفلسفي عالميا.

تجريد الفلسفة اللغوي وإن كانت تلتقي معه بلغة التعبير التجريدي الاجناس الادبية  من شعر وقص ورواية ونقد الا ان ذلك يبقي على انفصال تجريد تعبير لغة الفلسفة لا يلتقي تجريد لغة الاجناس الادبية في ثيمة الالتزام بمعناه الانساني السيسيولوجي قائما حضوريا عبر احقاب تاريخية من عصور الفلسفة. المفارقة كانت في محاولة بعض الفلاسفة ربط الفلسفة بالعلوم الطبيعية تارة والرياضيات والفيزياء تحديدا ولم يفكروا ربط الفلسفة بالادب عبر ثيمة الالتزام او ثيمة الجمال في الفن كموضوع فلسفي وليس اندغاما تكوينيا بالسرد الفلسفي..

لذا تكون تهمة الفلسفة انها ترف الطبقات النخبوية المتعالي بضمنهم بعض المثقفين والفنانين الذين نعيش تطرفهم اللغوي وتعبيرهم التجريدي بالادب والفن بما يلغي حضور الفهم والاستيعاب الجماهيري لما يعبّرون عنه في محاولتهم الالتقاء مع ماتقوله الفلسفة من ابهام تجريدي لغوي عصي على المتلقي. امرا واردا واقعا نعيشه..

ربما يبدو غريبا ان يشغل طرح قضية الالتزام بالادب اليوم سابقة لم يشهدها تاريخ الفلسفة لعقود تاريخية طويلة ماضية لاسباب تجعل من الاجناس الادبية قبل الفلسفة فعاليات يتوزعها الاهتمام الشعبي الاستقبالي الواسع كون الاجناس الادبية بعد منعطفها الحداثي في النصف الثاني من اربعينيات القرن العشرين عندنا بالوطن العربي ما جعل ايديولوجيا الاحزاب العربية السائدة عصرذاك تتقاطع مع ثقافة الادب والاجناس الثقافية الاخرى وتقف مختلفة معها بفواصل عقائدية دوجماطيقية  بين مستويين احدهما رفض الالتزام بالادب عموما كون الاستجابة لهذه الدعوة هو اعطاء مشروعية الايديولوجيا السياسية للاحزاب السياسية تطويع مجمل الثقافة العربية في حقها الوصاية على الشعر والاجناس الادبية الاخرى مثل القصة والرواية وبعض الفنون التشكيلية التي فقدت ملامح الهوية العربية بالانغماس غير المتحفظ الواعي بالصرعات الفنتازية الاجنبية كما وردت في السريالية والبرناسية والدادائية وفي الحداثة التجريدية مؤخرا.

اصبح الخروج التام على كل بنية شعرية وغير شعرية تكتب لجمهور وليس لنخبة كما هو الحال بالفلسفة وهو ما حصل في شعرية التجديد العربي منذ بداية الخروج العربي على عمود الشعر كونه حداثة ملزمة لمواكبة العصر منتصف اربعينيات القرن العشرين..

ولا يعني هذا التعميم انه لم يجر التزام ادبي خاصة بالشعر الجديد والرواية العربية في تمرد جريء مناوئ الايديولوجيات العربية بكافة اشكالها التضليلية واستغفالها الجماهير في التسلط ونهب خيرات تلك البدان العربية في تواطئها مع الانحرافات الحزبية المتتالية التي جعلت من فقر وجهل وقطيعية الاذعان في المجتمعات العربية ظاهرة لم يسبقها مثيل.

وفي ضروب الثقافة الغربية الاجنبية عموما جاءت ردة الفعل المتطرفة على صعيد المروق على فنون عصر النهضة في البداية التي غادرت اعمال عمالقتها ليوناردوا دافنشي ومايكل انجلو، رافاييل، غويا، وفان كوخ وماتيس ومانيه وغيرهم من الذين استهوتهم رغبة كسر جميع انواع المحددات المحذورة التي تجعل من اللوحات الفنية استنساخا فوتغرافيا للواقع الذي يماليء التوجه الديني في خدمة الطبقات الارستقراطية التي كانت تتطير من مفهوم ان يكون الادب والفن للعامة من الناس وتحاربها بضراوة في رشوة الطبقة الارستقراطية غالبية الادباء والفنانين في العصور الوسطى والنهضة.. كي يكون جل اهتمامهم تنفيذ رغائب الطبقات الارستقراطية والغنية.

فكان ان ظهر تبشير كاندنسكي في التجريد الفني التجديدي إيغالا غير مسوّغ في دفن رغبة ان يكون الفن بخدمة العامة فظهرت السريالية الفنية في الرسم لدى بيكاسو وسفادور دالي وآخرين غيرهما متماهية مع تجريدية الشعر من خلال تحطيم النسق اللغوي الدارج التي كان تزعمها ريتشارد بيرتون في مقولته الشهيرة القصيدة الشعرية يجب ان تكون حطاما للعقل..

الاتجاه الثاني المناويء لمنهج الالتزام الادبي عندنا فقد ابتلعها الموروث العربي المستمد من مرجعية وصاية الاحزاب السياسية وهيمنة رجال الدين الرافض لكل تجديد يطال اي منحى بالحياة ونكاد نقول اليوم انه لازال الموروث ذي الخصائص الهوياتية العربية الراضخ تحت الهيمنة المتدينة سياسيا يعيش قابعا في جوف الحوت  الذي أعقبه قيء  يونس حيّا من جوفها بعد ثلاثة ايام.

السؤال طالما كانت الفلسفة تجريديا يماثل الالتقاء مع تجريدية الشعر والتي ايد هذا التكامل كلا من هيدجر ومن بعده فوكو فماذا اضاف هذا التلاقي على صعيد البنية المضمونية بالنسبة لثيمة الالتزام بالفلسفة؟ ولماذا فشل هذا المسعى الذي عبّر عنه هيدجر وفوكو ان عوالم الشعر التجريدية وضعت بصمتها الجوهرية في تداعيات لغة اللاشعور في كل من لغة الشعر وتكاملها الوجودي الفلسفي مع لغة الجنون واعتبرا هذا التعبير الخارج على نظامية تحقيق المعنى اللغوي في التواصل هو اصدق تعبير عن عالمنا الزائف بكل شيء منها تعبير لغة الفلسفة في تضليلها العقل. واعتبرا حقيقة الوجود هو ما يمثله الجنون والشعر في تعبيرهما عن لغة تداعيات اللاشعور. وهذه الثنائية بين لغة الشعر السائبة بلا معنى تحت راية تقليد الحداثة الغربية، وهذاءات وغطرفة لغة المجانين في اصوات ايضا لامعنى لها في التزام نيتشة وهيججر وفوكو والشاعر الالماني هولدرين. ان هذه النماذج من القول الفارغ بلا معنى معناه هو الذي يمثل الوجود الحقيقي بما نطمح تحقيقه في ازاحة وجودنا الزائف الذي نعيشه بنفاق كاذب.

الى هذا الحد يمكن تمرير هذا الهوس باسم التجديد على الصعيد الفلسفي في نظرية المعنى والتحول اللغوي وعلوم اللسانيات، لكنما كيف يمكننا تمرير وجوب ربط الفلسفة بالعلم او ربط الفلسفة بالرياضيات او ربط الفلسفة بالمنطق وعلوم الطبيعة والفيزياء التي ترى في حضور العقل هو ان نجعل من تجريد الفلسفة بلا معنى لغوي يعني امتلاكها مقبولية فكرية تداولية تلقى الاستقبالية الشعبية؟

وإن كانت هذه الطروحات الطوباوية فاشله وأن افتراض نجاحها الفلسفي لم يكن ليلغي حقيقة ثيمة الالتزام بالنسبة للفلسفة ليست اكثر من مطالبة تعجيزية لا تقبلها الفلسفة نفسها فهي رازحة تحت وطأة أن الفلسفة للنخبة الاكاديمية وتلامذة الجامعات من النوابغ وبعض الفلاسفة الفرنسيين والاوربيين قاطبة..

بعد منتصف القرن العشرين تسّيدت فلسفة اللغة وتلتها عشرات الاتجاهات الفلسفية التي قامت على اهمية مراجعة تصحيح تاريخ الفلسفة بضوء تصحيح تاريخ اللغة التضليلي معرفيا في نظرية المعنى وفي علوم اللسانيات ما نتج عنه تشعب تيارات فلسفية جعلت من التفكير في مسالة الالتزام بالفلسفة سذاجة لا يقبلها عصر ما بعد الحداثة الذي كفر بكل ايقونة ثابتة وردت بتاريخ الفلسفة الملازم للحداثة مثل اللغة، الذات ، السرديات الموروثة في الدين والماركسية والتاريخ. حتى وصل الحال انكار وجود العقل عند فيلسوف العقل واللغة جلبرت رايل الذي كان سبقه التبشير به ديفيد هيوم. في مقولته لا يوجد شيء يسمى عقلا يمتلكه الانسان أبدا.

كما برزت لنا فلسفات عديدة قامت بتعميق الشرخ الفاصل بين الفلسفة والالتزام في ابسط معانيه ابرزها الفلسفات الفرنسية فقط مثل تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا وعدمية فانتيمو. اعقبهم العشرات من الفلاسفة الاميركان امثال ريتشارد رورتي ،جون سيرل، سيلارز، سانتيانا، نعوم جومسكي ، سكينر، وكارناب ، وفينجشتين المحسوب على فلسفة بيرتراند راسل الانجليزي قبل احترابهما الابيض بينهما بعد نيل فينجشتين شهادة الدكتوراه في فلسفة اللغة تحت اشراف راسل واصرار راسل الحفاظ على وصيّة فريجة وجوب عدم تضييع فرصة دمج الايقونات الثلاث الفلسفة واللغة والرياضيات في توليفة واحدة رأى كلا من فينجشتين وجورج مور وفلاسفة امريكان لا حصر لهم ان راسل يهذي بهذا التعجيز الفلسفي ليقابلهم هو بالرد ان الفلسفة الاميريكية البراجماتية نذلة وخسيسة..

الفلاسفة الذين رأوا بعد خلاص الفلسفة من هيمنة الابستمولوجيا (المعرفة) السيدة الاولى بالفلسفة على امتداد تاريخ ثلاثة قرون فلسفية تحت تأثير من ديكارت في القرن السابع عشر. ودخول العالم بعدها في سلسلة من التطورات التاريخية التي بدأت في ايطاليا القرن السادس عشر لتنتشر باشكال علمية ودينية ومعرفية لا سابق لها اوربيا سميت بعصر النهضة الحداثية.

بمجيء عصر ما بعد الحداثة التي تبنت بداياتها الاولى الفلسفة البنيوية التي كانت ثورة هوجاء على كل ما جاءت به الحداثة وعصر الانوار من اعلاء قيمة الذات الانسانية ونيل كرامتها وتنحية تدخلات رجال الدين بالعلم وضرورة افلاس سرديات التاريخ الكبرى في مقدمتها الماركسية وكتاب راس المال.. فكان موت التزام الفلسفة سريريا حقيقة فكرية مجتمعية صادمة لا تقبل المعالجة خاصة في طغيان طروحات فلسفة بنية اللغة هي نسق ذاتي مستقل يوازي الواقع والحياة ولا يقاطعهما ولا يعمد الاسهام بصنعهما ابدا. حتى ذهب بعض الفلاسفة أبعد من ذلك التطرف حين ارادوا اثبات كليّة النسق اللغوي المستقل خارجا عن فهمه الخاص أن اللغة جوهر انساني يمتلك خاصية الانسان التواصلية والحوارية بنوعه في اعتماد  خاصية متفردة أن اللغة  صوت ذو دلالة يحمل معنى.

في عبارة اخرى حين يصار الى تجريد اللغة من معناها الفكري القصدي والمعرفي والتواصلي فماذا يبقى للفلسفة ما تتاجر به أن اللغة فائض معنى نبحث عنه في قراءات متعددة بامكانها تصحيح مسار تاريخ الفلسفة الوهمي التضليلي للعقل وقضاياها الزائفة المتوارثة عبر العصور.

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن السابع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة واللغة والحياة .، والمرتكز الثاني هو تطرف فلسفة علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة وصناعة التاريخ الحضاري للانسان. البنية اللغوية نسق تنظيمي مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات التاريخية الكبرى من ضمنها سردية الدين وايديووجيات السياسة والفلسفات التي انجبتها الحداثة....

كلا المفهومين الانسان كوجود ومنظومة اللغة بنية مستقلة في إنفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على إزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في إستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة وغادمير في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرفا أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح يعود نحته لأول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي الذي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الإحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون ارادة الانسان كجوهرفاعل في الطبيعة والحياة.

من الجدير الاشارة الى أن آراء فينجشتين وفريجة في نظرية المعنى وفلسفة اللغة انما جاءتا متأخرتين على بدايات دوسوسير وليفي شتراوس. فريجة اعتبر عدم ربط الفلسفة بالرياضيات وصمة عار مخجلة بحق تاريخ الفلسفة وضعها امانة في عنق بيرتراند راسل ووايتهيد اللذين اقتنعا بالفكرة واشتغلوا على ما اطلقوا عليه الوضعية التجريبية التحليلية قوامها تزاوج اللغة والرياضيات وخالفهما هذا المسعى جورج مور.. وشتراوس استغرق بحثه الفلسفي دراسة اقوام ما قبل التاريخ الذين لا تاريخ لهم كونهم لم يعرفوا معنى التدوين(الرسومات اللغوية والكتابة) وما يطلقونه من اصوات تواصلية دالة اكتشفها شتراوس من دراسة اركيولوجيا الحفريات الاثارية.

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن إعتماد إيديولوجيا السياسة التي إستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض إذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو منها فأستأثرت الفلسفتان البنيوية - التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض اللغوي دونما البناء في إعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذهما المطلوب بانقلاب ابيض،وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض إنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا(اثنولوجيا الاقوام البدائية) تاريخا وكلاما على اعتبار لا اللغة الصوتية الابجدية ولا مدوناتها الاشارية كانت مخترعة قصديا من انسان ذلك العصر السحيق للوصول الى لغة تواصلية تقوم على الصوت بذلك الوقت، وهي حقيقة لا يمكن دحضها.

والتوسير في إستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال.. ومثله فعل ليفي شتراوس وبفهم سارتر في هجومه على الماركسية في عمودها الفقري كتاب راس المال أيضا. لكنهم جميعا توصلّوا الى اختلاق ماركسية بلا ماركس وبلا راس المال في هالة من التنظير الفارغ المحتوى.

وبارت على صعيد الادب في مقولته موت المؤلف، ولاكان في نقده علم النفس الفرويدي ، وفوكو في أستهدافه كل شيء يطاله بدءا من إلغائه الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

إذا ما سمحنا لأنفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لأقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز إمتداد فلسفي لتطويرمفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور في فلسفة التاويل الهورمنطيقا الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطوير منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه حين وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا، البنيوية،الوجودية،التاويلية،الماركسية ، العدمية ،ونظرية الثقافة، والتفكيك، والتحليل اللغوي ونظريات علم اللغة، وأخيرا انثروبولوجيا الدين.. يعتبر الآن كلا من ريكور وجاك دريدا رائدا العبث في فلسفة اللغة بتطرف لا معنى له زاد في تجريد الفلسفة تجريدا اضافيا زاد في انغماس الفلسفة باللغة بما هي لغة نحو وصرف وقواعد وليس كما هو المعلن تصحيح تاريخ الفلسفة بوسيلة تصحيح معنى اللغة .

وقد أفاد بول ريكور في منهجه البنيوي التأويلي أيضا من ميراث فلاسفة التاويل غادمير، وشلاير ماخر، وأخيرا دلتاي.. كانت التاويلية لعبة ارادت تاصيل فائض المعنى المدخّر في ايجاد نسق كلي خاص في مجانسة لغوية قائمة لوحدها فقط بعيدا عن التكامل المعرفي مع الواقع بل في التوازي مع كل الموجودات والمفاهيم التي ترافق بنية اللغة ولا تقاطعها بشيء يخدم الحياة.

تاولية بول ريكور في البحث عن فائض المعنى المدّخر في متوالية قرائية مستقلة لا غبار عليها يدينها. اما ان اللغة تجريد يوازي الحياة ولا يقاطعها فهي بذلك حفرت فلسفة اللغة قبرها بيديها. وتفكيكية جاك دريدا التي ارادت بناء امجاد فلسفية لا يمكن تحقيقيها في ابتداعه ان التقويض والهدم استراتيجية تحكم النص اللغوي بما لا نهاية له في الوصول الى معنى يرتبط بمرجعية (ميتافيزيقية) مرفوض سلفا الاحتكام بها.

الإنفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الإحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمّة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضرالانسان كوجود مركزي بالحياة بمصل الموت الرحيم الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة، نقول عمدت البنيوية  تشييئها الانسان الإلغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمّي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل وصل الى اليوم في تحميلهم عبء العقل القاصر وخيانة المعنى اللغوي... وكلا الافتراضين لا اساس لهما من الصحة.

هذا الإنفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان إعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من إحتكار علاقتها بالواقع وإستئثارها التعبير عنه وحدها.. ..

ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة..وهذا الإنفصام جعل من الأنظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور وتفكيكية دريدا أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له.

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عّبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها ،وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح الاسهامي لمعنى الحياة.. وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري إنسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة المكتوبة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بناها اللغوية وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان الذي أصبح لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني والتي عمدت فلسفة اللغة ونظرية المعنى والتحول اللغوي مصادرة عائديتها الخصائصية بالانسان كوجود نوعي تنتظمه اللغة..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل السيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي مستقل له احكام وضوابط خاصة يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة...

هذا النمط النسقي اللغوي ( يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية، حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) على حد تعبير ريكور. فقد تم إغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة عليه وركنه جانبا خارج إهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل إشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها، واللغة هي الوسيط التعريفي بين العقل والاشياء في تعالقهما إدراكا معرفيا.. هذا الفهم إعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في إعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والإحالة والإرجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها لا معرفيا ولا فلسفيا.. هذا التوجه في أخراج الانسان من الحياة والتاريخ قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه ، فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي، فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الإنفصال التام التعبير عن الواقع الانساني والحياة؟ انفصال اللغة عن الحياة كما هو متداول اصبحت نسقا لغويا ادخلت تاريخ الفلسفة في نظرية فائض المعنى وقصور اللغة في متاهة البحث عن معنى كل شيء في وضعه امام علامة استفهام لا تجد اجابة لها.

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد إخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية المستقلة كنسق يسير في توازيه مع الواقع المعيش هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الإهتمام به... وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل عن تفسير العالم الخارجي ومركزية الانسان فيه الذي بشّرت به الحداثة لأكثر من قرن...ولا أهمية يمتلكها إنسان ما بعد الحداثة ليحتكر محورية التفكير بالحياة والوجود والتاريخ فلسفيا وعلميا وسياسيا ايضا....لذا نجد الفلسفة التي انتزع الاميركان سيادتها من الفرنسيين طرقوا ابوابا غريبة على تاريخ الفلسفة في محاولة تعويض الضياع الزمني في عقم وعجز التجديد. ونجد هذا في اقتراب الفلسفة من قضايا علم الاجتماع بمثابة النجاة من الغرق.

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي التهميشي الذي زرع بذرته الاولى فينجشتين في كتيبّه (رسالة منطقية فلسفية) عن قصور فهم وليس عن خطأ متعمّد مقصود حاول تصحيحه لاحقا لكن تلك الأخطاء التي تضمنتها المخطوطة مهدّت لبروز ظاهرة التطرف اللغوي في البنيوية والتفكيكية من بعده، وأستثمرته البنيوية والتفكيكية والعدمية بعد وفاة فينجشتين إستثمارا سلبيا بشعا حتى بعد طرح فينجشتين في كتيبه الاخير(تحقيقات فلسفية) الذي حاول فيه تصحيح أخطائه في رسالته المنطقية... ويبدو بفضل نقودات عديدة وجهت لمخطوطته الفلسفية الاولى في الرسالة المنطقية تراجع فينجشتين عن بعض طروحاته التي وجدها لم تكن ناضجة وأراد التصحيح في كتابه التالي تحقيقات فلسفية قائلا ما معناه أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة - حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتأثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..

وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى في التشبث بنحو وشكلانية اللغة من حيث هي لغة فقط على حساب إلغاء المضمون الفلسفي المرجو تحقيقه في حل إشكاليات مفاهيم الفلسفة العالقة بوسيلية تعبير اللغة الإلتباسي المعقد وليس حل مشاكل نحو اللغة بما هي تجنيس في الادب على حساب تنحية مفاهيم الفلسفة عن طريق ماسمّي التحول اللغوي كتجديد فلسفي تاريخي .هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى إلا في صيرورة الحياة وجريانها المجتمعي المتدفق والانسان جزء هام من هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبررفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكورالذي هو أمتداد وتطوير منطلقات البنيوية في اللغة قوله ( لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين ، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به) . وكان سبق لأقطاب البنيوية أن أخرجوا اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبّر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض، واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام).

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل المتحاور مع الواقع الحياتي، في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا في تصنيعه عوالمه اللغوية، ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا، أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي ، تسمه بصمة فردية المتكلم، والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر، وهو أي الكلام أخيرا عارض مؤقت زائل لإنتهاء دوره الإستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع إنتهاء وتفرّق المتحادثين المشاركين في إنتاجية وإستهلاك الكلام الجماعي في التحاوربينهم.

فالكلام يختلف عن اللغة الصوتية أنه لا يصلح لتدوين مكتوب يلازمه ملازمة تدوين الكتابة اللغوية.بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا لغويا تعبيريا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

نعود الآن الى مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو أنها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمّنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي سلفا،وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا، وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة .).

هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها إنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت فلسفيا حقيقتها مكفولة في إنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر ويفضّل (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – كونه يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة). لنا شرح مفصل في مبحث منفصل لوحده من هذا الخطاب يحتويه الكتاب على هذا االطرح السطحي الغافل..

هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة خاصيّة لغة الشاعر التعبير عن (اللاوجود)، أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل على المعنى تماما في رقابة اللغة الشاعرية، فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل إنما هو تداعيات الخيال في اللاشعور الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي تعبير اللغة.

***

علي محمد اليوسف /الموصل

حزيران 2022

تحتل الموضوعات الفكرية والثقافية الحيز الأكبر من نتاج العلّامة الشيخ محمد علي التسخيري؛ إذ أثرى المكتبة الإسلامية بعدد كبير من المؤلفات والبحوث والمقالات التي تقارب شتى مجالات الفكر والثقافة والشأن الإسلامي الحركي والدولي، وكان كثير منها إضافات نوعية، عالجت قضايا إشكالية أساسية، وخاصة تلك التي ظهرت بالتزامن مع تجربة التطبيق الإسلامي المعاصرة.

ومما ظل يميز المسيرة الفكرية للعلّامة التسخيري، طوال خمسة عقود، هو إفساحه المجال لزملائه ومساعديه وتلاميذه، بإنتاج بحوث مشتركة معه، أو تحت إشرافه، في إطار تعاون علمي غير متعارف كثيراً في الساحة العلمية، ومن يطّلع على بعض نتاجاته المنشورة؛ سيجد اسم آية الله التسخيري مقرونة بأسماء أُخر، وهو ما كان يعدّه كسباً للساحة الفكرية؛ لأنّ النتاجات المشتركة، كما كان يقول: «تمثل ثمرة تعاون علمي وفكري وثقافي جماعي، يثري البحث ويوسع آفاق المعالجات».

ومما صدر له في هذا المجال: مشروع «تفسير القرآن الكريم» الذي بدأه بمباركة أُستاذه الإمام السيد محمد باقر الصدر، ومشروع «الأحاديث المشتركة بين السنة والشيعة»، و«دراسات فقهية مهمة»، قدم أغلبها إلى مجمع الفقه الإسلامي، وكذا بحوث فكرية وثقافية صدرت في كتب أو في الدوريات العلمية والبحثية. ولعلّي أكثر مستشاريه وتلاميذه استفادة من هذا المبدأ، أي مبدأ كتابة البحوث المشتركة معه؛ بسبب العلاقة القريبة والطويلة زمنياً، وتفرغي للعمل الفكري إلى جانبه فترة من الزمن.4683 مقاربات

وهذا الكتاب الذي يحمل عنوان: «مقاربات في الفكر والثقافة والأدب»، هو جزء من ثمرة علاقتي الفكرية والعملية بالعلّامة التسخيري، وتتلمذي المنهجي والعلمي عنده، خلال ثلاثة عقود. وأقول جزء؛ لأنّ الدراسات والمقالات التي ضمّها الكتاب هي جزء مما كتبناه بشكل مشترك، وليس كل ما كتبناه، وربما سأنشر جزءاً آخر منها مستقبلاً. وقد نُشرت بعض دراسات هذا الكتاب باسم الشيخ التسخيري، وأُخر باسمي، وثالثة باسم بعض المؤسسات، كما أنّ بعضه غير منشور.

والحقيقة أنّ فكرة إصدار هذا الكتاب المشترك هي فكرة قديمة، ربما تعود إلى عشر سنوات سبقت رحيله، وقد فاتحت بها سماحته حينها، لكنّ عامل الوقت كان سبب التأخير والتجميد؛ لأنّ عملية الإعداد تحتاج إلى تفرغ ووقت ليس بالقليل. بيد أنّ رحيل شيخي وأُستاذي التسخيري (في 18 آب/ أغسطس 2020م)؛ حفّزني على الوفاء له بجملة من الأعمال، منها إعداد هذا الكتاب، وكتابين آخرين، الأوّل بعنوان: «التسخيري المواطن الإسلامي العالمي»، والثاني: «ذاكرة التسخيري».

وربما تحتاج مسيرة علاقتي بالعلّامة الشيخ محمد علي التسخيري إلى كتاب لوحدها؛ فهي علاقة لها خصوصية معنوية وعملية. ففي العام 1979، حين سمعت باسمه للمرة الأُولى من مسؤولي الحركي، وأنا في النجف، بات حلمي أن أراه وحسب، وكذا آخرين من روّاد الحركة الإسلامية العراقية، وهو ما حصل بالفعل في العام 1980، حين رأيته للمرة الأُولى، وحتى بداية العلاقة عبر مجلة «التوحيد» في العام 1984، ثم ترؤسي تحرير المجلة، خلفاً له وتحت مسؤوليته المباشرة في العام 1991، وحتى أصبحتُ مستشاره وضمن فريق عمله ومرافقاً إيّاه إلى كثير من دول العالم، بدءاً من العام 1998. وتتوّجت مسيرة تتلمذي له وتعاوني معه خلال مرحلة إشرافه على أُطروحتي الماجستير بعد العام 1999، ثم الدكتوراه بعد العام 2003.

وكنت ولا أزال أقول: إنّ أغلب ما لديّ في حياتي؛ يعود فضله إلى الله (تعالى) أوّلاً، ثم إلى شيخي التسخيري؛ ليس في الجانب العلمي والفكري والثقافي وحسب، بل في الجانب العملي والوظيفي والاجتماعي والعائلي أيضاً؛ لأنّ الشيخ لم ينظر إليَّ يوماً نظرة أُحادية ترتبط بالجانب الوظيفي أو الأُسري أو الفكري؛ بل كنت أحظى بتبنّيه وعنايته الشاملة. ولطالما عبّرت له عن خجلي وشعوري العالي بالمسؤولية تجاه هذه الرعاية، وكان يجيب بأنّ هذا هو منهج أُستاذه الإمام السيد محمد باقر الصدر. ويشهد الله أنّ شيخي التسخيري لم يحسسني لحظةً بالمنِّ أو بأنّي تلميذه أو موظفاً عنده، أو أنّ هناك فارق عشرين عاماً من العمر بيننا، وفارق سنين أكبر في المستوى العلمي والفكري، أو يتشدق بأنّه تلميذ الإمام الصدر والإمام الخميني؛ بل كان يردّد دائماً كلمة (تعاون) و(نتعاون). ويكفيه عظمةً أنّه بذلك يزرع الثقة في نفوس تلاميذه ومقرّبيه، ويعطيهم فرصة النمو الروحي والنفسي والعلمي. وكان جوابه لمن كان يستفهم منه: «كيف تضع علي المؤمن رئيساً لتحرير مجلة التوحيد، أهم مجلة فكرية بحثية، خلفاً لك، وأنت من أنت، وهو لم يبلغ 27 عاماً من عمره؟». فكان جوابه يخجلني كثيراً؛ لأنّه يصفني بما لا أستحقه، تعبيراً عن ثقته ودعمه وتحفيزه. وكنت أدعو الله دائماً أن أكون عند حسن ظنّه، وأن لا أتسبب في إحراجه يوماً، وأحمد الله أنّه ظل يفتخر بثمار هذه الثقة حتى قبل وفاته بأيام معدودات.

وبالنظر لكون مسيرة التبنّي هذه، هي تجربة إنسانية وعلمية مميزة ومفيدة؛ فقد أفردت لها جزءاً من كتاب: «ذاكرة التسخيري»؛ علّها تكون أُنموذجاً يحتذي به رموز العلم والفكر مع المحيطين بهم من الشباب.

لقد تم تقسيم دراسات هذا الكتاب ومقالاته تقسيماً موضوعياً، ثم توزيعها على ستة فصول، وخمسة ملاحق.

حمل الفصل الأول عنوان: (قواعد تجديد الفكر الإسلامي)، واحتوى على مقاربتين، الأُولى: (التجديد في الفكر الإسلامي ومعالم المرونة في التشريع)، تناولت موضوعات مظاهر التجديد والمرونة في الشريعة، ومنافذ الفكر البشري إلى المساحة المشروعة، وقواعد ضبط التجديد، والطريق إلى التجديد للحاضر والمستقبل. أمّا المقاربة الثانية: (تجديد الشريعة الإسلامية واستدعاءات المستقبل)، فهي حوار تداولي مشترك تناول علاقة التراث بالمستقبل، وضرورات تجديد علم الكلام، ومنهجية فلسفة الفقه، وقراءة الشريعة بذهنية المستقبل وتطوير فقه المقاصد.

فيما حمل الفصل الثاني عنوان: (مرجعية أهل البيت الإسلامية)، وضمّ مقاربتين، الأُولى: (المرجعية العلمية والتفسيرية لأهل البيت)، وبحثت في المرجعية العلمية للمسلمين في القرآن والسنّة، والمكانة العلمية لأهل البيت في الواقع الإسلامي، وأُسلوب المناظرة والحوار في حياة أهل البيت العلمية، والإنتاج العلمي لأهل البيت، وتكريس أهل البيت علمهم في خدمة مصالح الأُمّة. وتناولت المقاربة الثانية: (مرجعية رسالة الإمام السجاد في الحقوق)، ولا سيّما الحقوق الإلهیة وحقوق النفس والحقوق العامة.

وتناول الفصل الثالث (الواقع الإسلامي وتحدّيات التنمية المستدامة)، وتم إدراج ثلاث مقاربات، الأُولى: (الإسلام في الألفية الثالثة)، درستُ فيها موقع الإسلام في الثقافة العالمیة ومفهوم الثورة الثقافية الإسلامية. في حين حملت المقاربة الثانية عنوان: (الإسلام وتنمیة المجتمع المعاصر)، والثالثة: (مفهوم العلم من منظار الإسلام)، وتناولت مفهوم العلم بین الفكر الوضعي والفكر الإسلامي، والترابط بین العلوم الشرعیة والعلوم الطبیعیة، ونظرة القرآن الكریم إلى العلم الطبیعي، والعلم الطبیعي في الحدیث الشریف، وموقع العلم في مسیرة الحضارة الإسلامیة.

أمّا الفصل الرابع الذي خصّصناه لموضوعات: (الأقلیات المسلمة في الغرب)؛ فقد احتوى على ثلاث مقاربات، الأُولى: (الأقلیات المسلمة في الغرب وتحدّيات الاغتیال الثقافي)، وعالجت المظاهر المتفرعة عنه، وخاصة التربوية والتعليمية والاجتماعية والحقوقية والثقافية والإعلامية، ثم طرحت معالجات وافية في أغلب المجالات الحياتية. بينما تخصصت المقاربة الثانية في معالجة حقوق الأقليات المسلمة في الغرب في ضوء التشريعات الغربية، والثالثة في واقع ومشاكل الأقليات المسلمة في أُوروبا الشرقية بين العهدين الشيوعي والديمقراطي.

بينما تناول الفصل الخامس (حوار الحضارات والأديان والمذاهب)، وعالجت المقاربة الأُولى منه: (قيم الحوار والتعايش في الرؤية الإسلامية)، وتناولت قيم الحوار ومبادئه وأنواعه وأطرافه وآدابه وأخلاه من وجهة نظر اسلامية، إضافة إلى نماذج من حوارات الرسول والأئمة^. وحملت المقاربة الثانية عنوان: (المسلمون والعلاقة المتوازنة بين الحضارات)، وعالجت موضوعات الحاجة الإنسانية للحوار، وكونه مبدأً إسلامياً، وقدرته على تحقيق هدف الأمن والسلام، وخيارات البشـرية لتحقيق الأمن والسلام، وعالمية الإسلام، ومسؤولية الأُمّة الإسلامية تجاه السلام العالمي والتمهيد لحكومة السلام العالمية. في حين تناولت المقاربة الثالثة: (مستقبل الحوار الإسلامي ـ المسيحي)، ودوافع الحوار بين الأديان والإرهاب، وبيئة ظهور الإرهاب وعوامل اجتثاثه.

وكان الفصل السادس محطة ثقافية أدبية، عنوانها: (أدب أبي فراس الحمداني وسعدي الشيرازي)، ومقاربته الأُولى حول: ( تصالح المتعارضات في شعر الأمير العربي أبي فراس الحمداني)، وتحديداً ثنائيات: الفخر بالعشيرة والشكوى منها، والغرور والتذلل، والعفة والتحلل، وكبرياء الأمير وبكاء الأسير، والتدين والجبروت. أمّا المقاربة الثانية فكانت حول: (التفاعل بين الأدبين العربي والفارسي)، والتي أخذت أدب الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي أُنموذجاً؛ فقد درست التكامل الثقافي بين العرب والإيرانيين والتفاعل بين الأدبين العربي والفارسي، وشعر سعدي ونثره المعبرين عن هذا التفاعل.

وفي الختام، أتقدم بهذا الجهد إلى روح شيخي وأُستاذي المفكر والفقيه والقائد العلّامة محمد علي التسخيري، عرفاناً مني بفضله الأكبر في حياتي بعد الله (تعالى)، وإحياءً لذكرى رحيله الأُولى. إذ لا يزال الشعور بالألم والغصة برحيله تملآن الروح والعقل، الأمر الذي يدعونا إلى مواصلة منهجه ومسيرته الفكرية والثقافية.

***

علي المؤمن

 

 

رغم تمتع الكثير من مصممي الأغلفة بطاقات ابتكارية مبهرة ورائعة، أنتجت الكثير من الجمال الأخاذ الذي يتوافق عادة مع مضمون الكتاب، وهو ما وجدته لدى أكثر من مصمم تعاملت معهم في عملي على إصدار مؤلفاتي التي فاق عددها السبعين في عدة بلدان عربية فضلا عن العراق، إلا أن القلق يساور روحي كلما نويت أن أصدر كتابا جديدا ولاسيما إذا ما كان الكتاب أدبيا، خوفا من أن لا نوفق في تصميم غلاف يتوافق كليا مع مضمون الكتاب ويدل عليه لنطبق المقولة الدارجة: "الكتاب يقرا من عنوانه" حرفيا.4674 صالح الطائي

من هنا تجدني حينما نويت إصدار مجموعتي الشعرية الجديدة "تنهدات على عتبة السبعين"، كنت في غاية القلق بشأن موضوع تصميم غلاف يتوافق مع المضمون بشكل انسيابي لا أبهام فيه، ولاسيما العثور على لوحة فنية يطابق مضمونها مضمون المجموعة، وبعد جهد جهيد، وبحث شديد، لم أوفق بالعثور على شيء مناسب، وصادف أن اتصل بي أحد أصدقائي؛ الذي لمس عدم تجاوبي معه مثلما أفعل في كل مرة، فسألني عن سبب اضطرابي وقلقي، وحينما أوضحت له الأسباب، بادر بالقول: والله لا أبسط منها، وهناك قامة فنية باسقة بإمكانها أن تترجم كل مضمون المجموعة بلوحة واحدة، قلت: من هذا العملاق الذي لا أعرفه؟ قال: إنه الفنان التشكيلي العراقي الكبير ستار كاووش، وهو فنان من الطراز الأول إبداعا وخلقا وكرما وسخاء، وبالنسبة لي أنا واقعا لم أكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل، ربما تقصيرا مني لأني لا أتابع النشاطات الفنية بسبب كثرة انشغالي بالكتابة التي تأخذ جل وقتي، واعترافا مني بهذا التقصير بادرت فورا إلى مراسلة الفنانن مبينا له رغبتي في الحصول على واحدة من لوحاته تحمل نفس رؤى مجموعتي التي تتحدث أغلبها عن مرحلة عمر ما بعد السبعين.

وبيني وبينكم أنا لم أكن واثقا من نوع ردة فعله على طلبي الوقح هذا، ولاسيما وأنه لا يعرفني، وقد يكون لم يسمع بي من قبل، ولا يعرف شيئا عني أصلا، ولذا توقعت أن يهمل رسالتي، ولا يلتفت إليها، وفي أفضل الأحوال أن يعتذر تأدبا، وهذا وذاك من حقه. لكن المفاجأة لم تكن بسرعة رده على رسالتي وحدها فحسب، بل وبالموافقة على اعطائي واحدة من لوحاته بلا مقابل، وأرسل لي فعلا لوحتين جميلتين، ثم أردفهما بثالثة، هذه اللوحات الثلاث لم تجد طريقها إلى قلبي رغم جمالها، ربما لأني لم أفهم مضمونها، أو لأن فيها بعدا عن مضمون المجموعة، فأخبرته بمشاعري، وشرحت له فكرة المجموعة الشعرية، وحينها بادر وأرسل لي لوحة مغرقة بالحركة وكأنها تنبض بالحياة، وجدتها قد دخلت قلبي ما إن رأيتها، بل وجدتها تعج بمضامين المجموعة، ولاسيما وأنه أرفق معها شرحا مبسطا، قال فيه:  "بالنسبة لما يمكن أن أقوله عن هذا العمل إنه يمثل  رجلا وامرأة يحتضنان بعضهما، ويستعيدان ذكريات وتفاصيل ومحبة من أيامهما التي مرت، ولم يتبق منها سوى كم الذكريات الحلوة والمرة. في هذه اللوحة يتداخل الجسدان ببعضهما، وتتحول المرأة الى ملكة؛ وهي في حضن الرجل الذي يشرد بنظراته بعيداً، وكأنه يستعيد في ذاكرته كل تلك الأيام الجميلة التي قضاها مع محبوبته، فيما التمعت نقطة ضوء في العتمة التي على اليسار لتعطي للتكوين بعض التوازن. استخدمت هنا تقنية تقترب من تقنية الحفر على الخشب، لأمنح العمل تعبيرا ووضوحا وتأثيرا أكبر".

هكذا فهم الفنان كاووش مضمون المجموعة ومحتواها، وعبر عنه بلوحة تكوينية فريدة فيها الكثير من الرمزية، تمكنت من الإمساك بكل خيوط المجموعة دفعة واحدة، فتحولت المجموعة بفضلها إلى لوحة فنية، واللوحة بمحتواها تحولت إلى مجموعة شعرية؛ في تجانس لم أعهده من قبل، حيث تتداخل الأبعاد، بعد المجموعة وبعد اللوحة لتتحول إلى بعدٍ يضج بالمعنى، يستنهض الذكريات، يستفزها، يثيرها، يحثها على التفاعل مع الحاضر لتمنحه بعض ألق الأمس الذي مضى مأسوفا عليه. 

إن لوحة الفنان الكبير ستار كاووش أضافت بعدا آخر جديدا للمجموعة، وحفزت موضوعا جماليا أعلن عن ولادة نهج جديد في عملية تصميم الأغلفة التوافقية؛ أي توافق الصورة من خلال أسلوبها الرمزي مع المعنى، لأنها جاءت مفتوحة على عمق اندهاشي يثير التساؤل ويدعو إلى التفكر والبحث عن العلاقة السيميائية التي تذكر بسلفنا الإنسان الأول القديم؛ الذي اعتاد استنطاق العلامات واصطناع الدلالات منذ فجر التاريخ في محاولته للبحث عن المعنى، حيث تترادف العلامة الرمزية مع العلامة اللسانية، وبتقاربهما المدهش تتضح معاني المقاصد الجذرية بين الريشة والقلم، فالريشة والقلم كلاهما كانا من أقدس الأدوات التي رسمت للإنسان طريقه، وفتحت مداركه، ودلته على جذور المعنى، وخلدت مبادراته، وهي بعملها هذا لا تقل عن جميع أساليب التدريب على القتال من أجل الدفاع عن النفس، فالإنسان ما كان ليخلد كل هذه السنين لو لم يوظف السيف والقلم والريشة لتتولى مهمة ترتيب حياته ورسم خطوات مستقبله.

وبرأيي أن رمزية اللوحة المغرقة بالسريالية؛ التي تنماز بفوق واقعيتها؛ والتي تسعى إلى التعبير عن العقل الباطن ومضمراته بصورة يعوزها النظام والمنطق من أجل رسم نظام ومنطق جديدين، هي الخيار الأمثل لترجمة معنى التلقائية النفسية الخالصة، التي يمكن من خلالها التعبير بصدق عن واقع اشتغال الفكر، وهي بهذا المعنى العميق إنما جاءت لتفصح عن رمزية نص لا تتوافق معه الواقعية والطبعانية، لأن الرمزية تعبر عن التجارب الأدبية والفلسفية المختلفة تلميحا وإيحاءً تعبيرا غير المباشر، ولكن فيه من العمق ما يوصلك إلى المعنى المباشر دونما عناء

إذن فالأمر يتعلق حقيقة بقواعد فهم الجمال دون حاجة إلى تحكم خارجي، ولا إلى مراقبة تمارس من طرف العقل وخارجه في محاولة استنطاق المعنى تأويليا، لأنها تعمل على الارتقاء بالشكل الطبيعي للنص إلى ما فوق الواقع المرئي من خلال منهج توافقي بين الرقابتين الداخلية والخارجية، وفي ذلك اعلى مراحل تحفيز العقل لإدراك المعنى.

يذكر أن مجموعة تنهدات على عتبة السبعين ستصدر في الأيام الأولى من عام 2023 عن دار المتن البغدادية.

***

الدكتور صالح الطائي

مع بداية عام 2023، تصدر الشاعرة هيام مصطفى قبلان مجموعتها القصصية  "بَعْدَ أَنْ كَبُرَ الْمَوْجُ"، عن دار الوسط للنشر في رام الله، لتتوّج عامها الجديد بأحد إبداعاتها المميّزة، وقد استهلّت مجموعتها بقصّة تحت عنوان "أفقد نفسي":

"كيف بي لا أهوى السّفر، وأنت من علّمتني أنّ الأسفار تريح الفكر، وتُعلّقنا من أهدابنا كالنّجوم، بعيدًا عن الأرض".

جاءت المجموعة في 120 صفحة من القطع الأقلّ من المتوسّط، وضمّت بين دفتيها 22 نصًّا قصصيًّا، وبلغة شاعريّة مميّزة، حملت عناوين القصص التّالية:

"أفقد نفسي، شغف، ثرثرة، أشتهيك يا موت، العار، جمرٌ وأمرٌ، ضوءٌ متكسّر، سربُ ضجيج، بعد أن كبر الموج، لوم، ذاكرة العسل المُرّ، نقراتُ الكعب العالي، منفضة، رهان، طائرُ النفايات، دون خيار، فوق سرير أبيض، وفاء، مغفرة، هودج الأحزان، خطيئة، وهناء".

واختتمت الشاعرة هيام  مجموعتها القصصيّة بما ورد على الغلاف الأخير:

" الشّوارع مزدحمة، والباعة يتجوّلون ساعات الفجر في الحارات ككُتّاب القصيدة، يُعبّرون عن وجودهم بالهزيمة، تسقط كلّ الأقنعة، وما الشّاعر سوى بائعٍ مُتجوّل يحمل الكشكول، ويركل الحمار برجله. فيما شكلت لوحة الغلاف: لينا صقر مصطفى .

يا للدّنيا الغرورة!

اللّحظات فيها عابرة هاربة، الموجة تتملّص من بين يديّ كلّما عانقت أوراق الرّحيل، عطشي ينبح، وجسدي ينبح دون اكتراث بالمطاردة.

أُقاوم الطُّعم، أرنو من صخرة شهدتْ قراءاتي الأولى وامتصّت نهدَ الرّمال، وأُقرّر ألّا أتبعك، وأن أدخل غرفتي الصّغيرة المتعمشقة على جدرانها أحلامي الورديّة، ويسكنني ليلي وحدي..

أشرب قهوتي، أطالع أخبار الصّباح وحدي، أتسكّع على الأرصفة، تثيرني كلماتُ وأشعار (كافكا)، أعاشر روحًا شهقتني،  وأعود لتلك الطفلة الشّقيّة الّتي تسكنني، لحقيبتي المدرسيّة، لأوراقي، لقصصٍ مثيرة لامست أهدابي، واعتصرها الدّمع"..

هيام قبلان والسّيرة الذّاتيّة

الاسم: هيام مصطفى قبلان، أديبة وشاعرة

السّكن: قرية عسفيا / جبل الكرمل /فلسطين

رقم الهاتف: 00972523765121

ايميل: [email protected]

مراحل دراستي:

أنهيت المرحلة الابتدائيّة والإعداديّة في عسفيا، والمرحلة الثّانويّة في مدرسة راهبات الفرنسيسكان الطليان في النّاصرة، والتّعليم الأكاديميّ للّقب الأوّل في التّاريخ العامّ، في جامعة حيفا 1978، وللّقب الأوّل في اللّغة العربيّة وأدابها في الكلّيّة العربيّة حيفا 1985.

دورات استكمالي بموضوع التربية الخاصّة والعامّة في الكلّيّة العربيّة حيفا 1980، وموضوع ترابيا (العلاج عن طريق الفنون) في كلّيّة أورانيم 1995.

إصدارات:

1. آمال على الدّروب 1975  شعر، مطبعة العتقي - حيفا.

2. همسات صارخة 1981 شعر، دار المشرق - شفاعمرو.

3. وجوه وسفر 1992 شعر، دار المشرق - شفاعمرو.

4. انزع قيدك واتبعني 2002 شعر، مطبعة البلد سمير أبو رحمون- جديدة المكر، الجليل.

5. لا أرى غير ظلي 2008 شعر، بيت الشعر الفلسطيني - رام الله.

الأعمال النّثريّة:

6. بين أصابع البحر/  نصوص أدبية 6 199، دار المشرق- شفاعمرو

7. طفل خارج من معطفه/ قصّة قصيرة 1998 دار اسيا - القدس

8. رواية رائحة الزمن العاري ط1، 2010 دار التلاقي، القاهرة ط2، 2012، دار الريشة، نابلس

إنجازات أدبيّة أخرى:

1. مشاركة بأنطولوجيا مترجمة من اللغة العربية للفرنسية، طبعت في باريس، تضمّ 50 كاتبة وشاعرة من العالم العربيّ، ونماذج إبداعيّة من إعداد وإشراف الشّاعرة السّوريّة مرام المصريّ.

2. مشاركة في كتاب (المرأة وتطوير السّرد العربيّ) نماذج لروائيّات وقاصّات من العالم العربيّ - إعداد النّاقد والباحث المغربيّ محمد معتصم .

شاركت في مهرجانات: شاركت في مهرجانات:

1. مهرجان الدّبلوماسيّة في المغرب .

2. مهرجان أيّام القصيدة الذّهبيّة في تونس.

3. مهرجان تراثيّ هُويّتي في تونس.

4. معرض الكتاب في القاهرة منصّات شعريّة.

5. معرض الكتاب في الإسكندريّة منصّات الشّعر والقصّة والنّقد.

6. ملتقى زرهون للشّعر مولاي إدريس، ملتقى مريرت المغرب، ملتقى تيفلت المغرب.

7. مهرجان الشّعر تطوان في المضيق المغرب وغيرها ..!

شاركت في مهرجانات دولية غربية:

1. مهرجان الشعر الدولي في مدريد أسبانيا

2. مهرجان الشعر والسياسة في نيو كاسل ألمانيا.

شاركت في أمسيات عديدة  داخل البلاد وخارج البلاد:

الأردن، مصر، باريس، المغرب، تونس ودول أخرى!

***

كُتِبت المقالات الواردة في هذا المؤلَّف على فترات متقارِبة نسبيّا، ونُشرت على أعمدة الصحف المغاربيّة والمشرقيّة، وبالمثل في جملة من الصحف الخليجيّة والصحف العربيّة اللندنيّة. كما أنّ المقالات كافة نُشرت في أكثر من بلد وتوزّعت على أكثر من صحيفة، مثل "اليوم" و"الخبر" و"البصائر" (الجزائر)، و"الصباح" و"الصحوة" (تونس)، و"فبراير" (ليبيا)، و"الأسبوع" و"الشروق" (مصر)، و"النهار" و"السفير" و"المستقبل" و"اللواء" (لبنان)، و"العراق اليوم" و"العالم" (العراق)، و"السياسة" (الكويت)، و"الاتحاد" (الإمارات العربية)، و"الشرق" (قطر)، و"عُمان" (عمان)، و"القدس العربيّ" و"الزمان" (إنجلترا). ليس الغرض من إشاعتها توسيع دائرة قرّائها فحسب، بل ما حرص عليه صاحبها أيضا وهو التعريف بدراسات الأديان، التي يُقدِّر أنها لا تَجد العناية اللائقة بها في الثقافة العربيّة.

وفي المجمل تتوجّه هذه المقالات إلى القارئ العربيّ عامة دون حصر. وقد حاولتُ فيها أن أرصد بعضًا من الإشكاليات التي تواجه المسيحيّة العربيّة ونظيرتها غير العربيّة. كما أشرتُ في العديد من المواضع إلى ضرورة تصويب الرؤية في شأن مسيحيّة الداخل ومسيحيّة الخارج. فلديّ حرصٌ على التفريق بينهما، لما لمسته في المسيحيّة الغربية من نزوع للهيْمنة. فتلك المسيحيّة تتعامل مع "الهامش" المسيحيّ غير الغربي، والمسيحيّة العربيّة مصنَّفة في عداده، بمثابة المسيحيّة القاصرة وغير الراشدة. لذلك برغم ما يجمع المسيحيّة في الغرب والمسيحيّة في بلاد العرب من صلات قربى فإنّ بينهما فروقا شتّى.

تحويل الحدث المسيحيّ - وفق مراد المؤلِّف - إلى مقالٍ هادفٍ، وإخراجه من التناول المحصور بالمنابر الدينيّة أو الأوساط الأكاديمية، كان من الأهداف التي تبنّاها المؤلِّف لتقليص الفجوة بين مجاليْ "تاريخ الأديان" و"حاضر الأديان". فبموجب اِشتغال صاحب الكتاب في مجال دراسات الأديان، يدرك ما لهذا التمايز من نفاذٍ وسطوةٍ. فتتبّع الشأن المسيحيّ العربيّ والعالميّ، لا يحوز المكانة اللائقة به في الأوساط الثقافية العربيّة. حيث تفتقر الساحة إلى تقليد "الفاتيكانيست" (الخبير بالشأن الفاتيكانيّ)، أو ما شابهه. كما أن الإعلام الدينيّ العربيّ يبدو شديد التمازج والتداخل بالشأن الدعوي، ما جعله مقصِّرا في أداء دوره المعرفيّ، الحياديّ والرصين.

ومن جانب آخر، لا يمكن أن ندّعيَ المحافظة على كيان المسيحيّة العربيّة، وننشد أداءها رسالتها، وأساليب وعينا بمخزوننا الحضاريّ بالية. فالمسيحيّة إرثٌ جمعيٌّ، وقضاياها ليست حكرًا على شريحة بعينها، بل تتخطّى من يَدِينون بها. كما أنّ هناك خطابًا كارثيّا رائجًا، مشبعٌ بالنحيب عن مصائر هذه المسيحيّة، لا يذهب بعيدا في تلمّس الحلول وتخطّي الصعاب. لا أودُّ المكوث تحت حائط مبكاه، إيمانًا بضرورة تطوير أدواتنا الفكرية في التعاطي مع واقعنا الدينيّ، كسبيل للحيلولة دون حصول الأسوأ. فهذا الظرف الصعب نقدّر أنّه عائد، في جانب واسع منه، إلى افتقاد رؤية حديثة للمسيحيّة في الثقافة العربيّة. ذلك أنّ هذه الديانةَ، سواء كان أتباعها في الاجتماع العربيّ أم خارجه، لا يزال التعامل معهم بمنظور عقديّ، يستوجب تطعيمه برؤى حديثة، بقصد الخروج من ضيقه وأسْره.

نبذة عن المؤلف

عزالدين عناية، أستاذ من تونس يدرّس في جامعة روما (إيطاليا). نشر مجموعة من الأعمال تتناول دراسات الأديان منها: "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم"، توبقال، المغرب؛ "الأديان الإبراهيمية: قضايا الراهن"، توبقال، المغرب؛ الإمام والكردينال، منشورات المتوسط، إيطاليا. ومن ترجماته: "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان، المركز الثقافي العربي، لبنان؛ "علم الاجتماع الديني" للإيطالي إنزو باتشي، مشروع كلمة، الإمارات العربية.

فتنة المسيحيّة المعاصرة

تأليف: عزالدّين عناية

دار النشر: مجمع الأطرش، تونس 2022

عدد الصفحات: 146 ص

***

د. عزالدّين عناية

أصدرت دار الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة ببغداد سلسلة كتب تذكارية لتكريم الشخصيات الثقافية العراقية، يساهم في كل كتاب مجموعة من الباحثين يقدمون شهادات ومقالات ودراسات عن أعمال وحياة هذه الشخصية. عنوان هذا الكتاب: "الدين حياة في أُفق المعنى"، وهو التعريف الذي اقترحه عبد الجبار الرفاعي للدين: "الدين حياة في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان لانتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية". وفي ضوء هذا التعريف تبتني الأركان والمفاهيم الأساسية لتجديد الفكر الديني لدى الدكتور الرفاعي.

  جاء على الغلاف الأخير للكتاب نص للدكتور عبد الله إبراهيم، وهو مفكر وناقد عراقي حائز على جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة الشيخ زايد: "ندرَ أن التقيتُ مثقّفاً يحمل بين جنباته صفات النبل، والنقاء، والتواضع، والطيبة التي لمستها في شخص الدكتور عبد الجبار الرفاعي، صفات تضاءلت، مع الأسف، وانحسرت، وكأنها لم تكن في يوم ما من أخصّ ما يحرص عليه المثقفون في حياتهم، وفي علاقاتهم بالآخرين. في بداية الأمر خلتُ أننا مختلفان الاختلاف كلّه، لاختلاف منابع المعرفة، ومسالكها، وغاياتها، فقد تلقّى الرفاعي تعليماً دينياً رفيعاً، ونال درجة عالية في الفكر الإسلامي، وتوسّع في ذلك، إلى درجة انخرط فيها بتطوير منظور جديد لفلسفة الدين أراد به نزع الغطاء الثخين الذي أطبق على الظاهرة الدينية في القرون المتأخرة. علاوة على صلاته الوثيقة بعشرات المفكرين والمثقفين من دينيين ودنيويين، فإن مجلته "قضايا إسلامية معاصرة" خير سفير لثقافة التسامح والتفاهم بين الأديان والمذاهب. وأثمرت جهوده عن تأسيس "مركز دراسات فلسفة الدين"، وهو من أكثر المواظبين الذين عرفتهم على النهل من العلوم الإنسانية، وشغله الشاغل إسباغ نِعَم الدين على الدنيا، وتغذية الدين بمكاسب الدنيا. أي أنه يريد أن يغمر الدنيا بفيض الدين، ويغمر الدين بفيض الدنيا، وهو رهان شاقّ كما تعلمون. قلبَ الرفاعي الصورة الشائعة عن رجل الدين المنكبّ على المتون العتيقة شرحاً، وتعليقاً، وتفسيراً، وتصنيفاً، وغاية ما يرجوه اختصار شرح، أو الإسهاب في آخر، وأحلّ بمكانها صورة أخرى مغايرة، أحسب أنها الصحيحة التي ورثها من الأسلاف العظام الذين عالجوا الظاهرة الدينية بعدّة دنيوية متماسكة من دون أن تتقطّع صلتهم بها، وما برحت أفكارهم محلّ تقدير ونفع. وهذا مرمى بعيد المنال لغير المتبصّرين بشؤون الدين والدنيا، فغاية ما يرجوه المرء من المعرفة، أيّا كان شكلها، هو انتفاع الناس بها في حلّهم وترحالهم عبر الأزمان من دون إرغام وإلزام، ومن غير قَسْر وقَهْر".

يتوفر الكتاب في معرض بغداد للكتاب في جناح دار الشؤون الثقافية. 

4646 عبد الجبار الرفاعي

                                                      4647 عبد الجبار الرفاعي

              4648 عبد الجبار الرفاعي

 4651 عبد الجبار الرفاعي

4650 عبد الجبار الرفاعي

الاهداء

لابنتي الغالية بان اليوسف

المحتويات

المقدمة

الفصل الاول: صوت اللغة وخاصية التعبير عن المعنى

الفصل الثاني: الصفات والجوهرفي كينونة الانسان وموجودات الطبيعة

الفصل الثالث: ادراك المكان بدلالة الفراغ والامتلاء

الفصل الرابع: الزمن الفلسفي والادراك العقلي

الفصل الخامس: اللغة والفطرة التوليدية النحوية

الفصل السادس: اللغة الوراثة الفطرية والمكتسبة

الفصل السابع: المكان والزمان ادراك المادة والفراغ

الفصل الثامن: التحول اللغوي ونظرية المعنى

الفصل التاسع: مداخلات فلسفية متناقضة

الفصل العاشر: موضوعات فلسفية اشكالية قراءة تحليلية

الفصل الحادي عشر: الزمن: توليفة الذات والنفس

الفصل الثاني عشر: الزمن في تعالق الذاكرة والخيال

الفصل الثالث عشر: الزمان الفلسفي وتحقيبه التاريخي

الفصل الرابع عشر: الزمان الفلسفي والادراك العقلي

الفصل الخامس عشر: العقل والجسد في الفلسفة المعاصرة

الفصل السادس عشر: الفكر واللغة تكامل معرفي وليس منهجا جدليا في التعبير عن الاشياء.

الفصل السابع عشر: كانط والبراجماتية الامريكية

الفصل الثامن عشر: ادراك الوجود بدلالة الجوهر

الفصل التاسع عشر: اللغة فلسفة معنى الحياة

الفصل العشرون: الوعي: الادراك المادي والخيال

الفصل الواحد والعشرون: هيجل وطبيعة العقل في تخليق وهم الجدل فلسفيا.

الفصل الثاني والعشرون: وعي الذات الخالص

الفصل الثالث والعشرون: جاستون باشلار:المعرفة واستذكار المكان رومانسيا

الفصل الرابع والعشرون: مذهب وحدة الوجود في الدين والفلسفة

الفصل الخامس والعشرون: الصوفية الذات والطبيعة

الفصل السادس والعشرون: سارتر وزيف الوجود

الفصل السابع والعشرون: فائض المعنى اللغوي

الفصل الثامن والعشرون: النفس وازلية الجوهر الالهي

الفصل التاسع والعشرون: وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية

الفصل الثلاثون: الفلسفة:الادب والجنون

الفصل الحادي والثلاثون: الفلسفة الواقعية الامريكية الجديدة

الفصل الثاني والثلاثون: شذرات فلسفية في كلمات

المقدمة:

مارست النشر في الصحف العراقية والعربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقالتي الثقافية النوعية كانت نحو الفلسفة تحديدا في عام 2004 حين اصدرت كتابي الاول سيسيولوجيا الاغتراب قراءة نقدية منهجية طبعة محدودة على نطاق مدينة الموصل ونشر بعدها بطبعتين الاولى عام 2011، عن دار الشؤون الثقافية ببغداد والطبعة الثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013، وصدر طبعة ثالثة عن دار غيداء بالاردن وعرض مع مؤلفات فلسفية اخرى لي في معرض بغداد الدولي للكتاب 2022..

إنتقالاتي الثقافية هذه نحو منهج النقد التاريخي الفلسفي المادي، لم تأت حصيلة دراسة اكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرة ثقافية متنوعة مارستها كتابة ونشر لما يزيد على اربعين عاما، اذ كتبت مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) وكتبت في متنوعات الاجناس الادبية في القصة القصيرة والنقد وفي الثقافة عموما فكانت الحصيلة صدور كتابي (جهات اربع .. مقاربة في وحدة النص) صدر عن دار دجلة في عمان عام 2010 واعترف الان انه مجموعة خواطر اردت دمجها في نص اجناسي ادبي غير فلسفي فكانت تنويعات في الادب موزّعة بين القصة القصيرة والشعر والنقد الادبي والخاطرة.

استطيع اختصر لماذا تحوّلت حصيلة مجهوداتي في النشر والتاليف الادبي والثقافي عموما لتستقر في الفلسفة:

الاولى أصبح عندي ميلا ثقافيا فكريا شديدا نحو الفلسفة يؤمن لي هاجسي المدفون في اعماق تجربتي الادبية والصحفية المتواضعة التي وجدتها لا تلبي ما يعتمل في دواخلي النفسية الفكرية من ميل كبير نحو الفلسفة. حيث نضجت تماما عندي في منشوراتي ومؤلفاتي الفلسفية بعد عام 2015 تحديدا.إذ كانت قبلها كتاباتي ومؤلفاتي مزيجا من الادب والفكر والنقد الثقافي تتخللها مطارحات فلسفية عابرة.

الثاني اني لم اكتب مقالا واحدا بالفلسفة متاثرا بالنمط التقليدي الاكاديمي والمترجم في نسخ اجتزاءات من تاريخ الفلسفة تعنى بفيلسوف معيّن بشكل حرفي اكاديمي استعراضي يعتمد مرجعية ومصادر تاريخ الفلسفة في متراكمه الاستنساخي الثابت المعاد والمكرر، كما وردنا في قناعة خاطئة على أن تاريخ الفلسفة لا يحتمل النقد النوعي في التصحيح أو الاضافة بل إعتماد النسخ الاستعراضي التكراري المشبع بالتمجيد المجاني بلا اضافة تجديدية . اقولها بكل صراحة ان هذا التوجه الفلسفي المحصور بين مزدوجتين في اروقة الجامعات قادنا ان نكون شراح وطلبة استنساخ لافكار غيرنا بما يعتاش عليه اكاديمي تدريس الفلسفة.

راجعوا تاريخ الفلسفة في مقارنة مع اصدارات الفلسفة عربيا الكتب المترجمة كلها. والمؤلف الذي لا يترجم عملا فلسفيا الى العربية نجده يلوك النسخ عن النص الاجنبي الفلسفي.

وكان السائد قبل ظهور فلسفة اللغة والعقل ونظرية المعنى منذ بداية 1905 على يد رائد الفلسفة البنيوية ليفي شتراوس ومجموعة فلاسفة ما بعد الحداثة، أن تاريخ الفلسفة هو من القدسية التي مرتكزها الثابت إعادات وتكرارات لسير ذاتية تخص حياة ومنجزات فلاسفة قدامى ومحدثين منسوخة اعمالهم في الترجمة الحرفية العربية اشبعت تناولا فلسفيا عند عشرات من الاكاديمين العرب العاملين على ترجمة قضايا الفلسفة الغربية في غياب منهج النقد من جهة والشعور بعدم الندّية المتكافئة مع آراء اولئك الفلاسفة بالحوار الموضوعي فلسفيا. وغالبا ما تخون الترجمة الى العربية اصالة النص الاجنبي الفلسفي المترجم وتلقى مسؤولية تهمة الخيانىة في تعبير اللغة القاصر وليس تفكير فلسفة المؤلف القاصر..

 بخلاف هذا المعنى والتوجه مارست الكتابة الفلسفية (نقدا) منهجيا عن يقين ثابت لافكار كبار فلاسفة غربيين وجدت في ثنايا مقالاتهم وكتبهم الفلسفية المترجمة الى العربية ثغرات خاطئة لا يمكن التسليم والاخذ بها وتمريرها كمسلمات دون مراجعة نقدية صارمة لعيوبها المستترة خلف اسم وفخامة و سمعة الفيلسوف الاجنبي فقط في غض النظر عن مناقشة افكاره بل الانبهار بمنزلته في الاوساط الاعلامية كنجم هوليودي. واترك مسالة التوفيق والنجاح في مسعاي النقدي الفلسفي في كتاباتي ومؤلفاتي للقراء والمتخصصين في الفلسفة.

من الجدير الذي اود التنويه عنه اني كنت في مسعى المنهج النقدي الفلسفي وهو مشروع مارس الكتابة فيع عدد محدود من المفكرين العرب متواضع صائب في تقديري سبقني به غيري بنهايات مفتوحة تتقبل النقد الاضافي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر،

إن تاريخ الفلسفة الغربية قديمها وحديثها مليء بالمغالطات والاخطاء القاتلة وميتافيزيقا الافكار ومقولات فلسفية وهمية سفسطائية لا قيمة حقيقية لها تقوم على مرتكز مخادعة التفكير الفلسفي ذاته وليس مغالطة معنى اللغة في التعبير عنه كما هو الحال حين اصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولا زالت الى اليوم حائزة السيادة مزيحة عن طريقها فلسفة الابستمولوجيا التي وصلت عصرها المبتدئي الذهبي الذي تسيّد الفلسفة قرونا على يد ديكارت في القرن السايع عشر..

اذ كانت البداية الحقيقية في نظرية التحول اللغوي ومتابعة فائض المعنى اللغوي علي يد فيلسوف البنيوية دي سوسير عام 1905بعد توصية جاتلوب فريجة عالم الرياضيات بوجوب ان تكون الرياضيات قرين اللغة في تحقيق انتقالة تصحيح معنى اللغة مفتاح تصحيح ومراجعة مسار تاريخ الفلسفة.

ليعقبها بعد ذلك عدد كبير من الفلاسفة الفرنسيين بعدهم جاء ظهور فينجشتين كطالب فلسفة ومن بعده اصبح فيلسوف لغة بهوية انجليزية وليس فيلسوفا نمساويا مستقلا نشأ في رعاية بيرتراندراسل ونال شهادة الدكتوراه بالفلسفة تحت اشراف راسل ومور ووايتهيد اقطاب الفلسفة التحليلية الانجليزية قبل ان يصبحا الاخوة الاعداء في تعليلهما الاختلافي حول دور اللغة في تجديد تاريخ الفلسفة الخاطيء بمجمله.

 اول من ابتدع نظرية التحول اللغوي هم فلاسفة البنيوية وعلماء اللغة تلتها الوضعية المنطقية حلقة فينا اعقبتها تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا ليستقر مقام فلسفة اللغة التي اصبحت الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة الحديث منتصف القرن العشرين بعد تنحية ابستمولوجية فلسفة ديكارت كفلسفة اولى جانبا والتي استمرت قرونا طويلة الى جانب تشكيلة فلسفية لمجموعة فلاسفة جميع افكارهم كانت تدور حول نظرية المعنى وفلسفة اللغة.

وبعد استلام فلاسفة وعلماء اللغة الاميركان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين والالمان والانكليز حلقة اكسفورد في فلسسفة اللغة التحليلية الوضعية بزعامة براتراند رسل ، جورج مور ، كارناب. فينجشتين، وايتهيد وغيرهم.

خلاصة كل هذا التطور في تاريخ الفلسفة كان هاجسه تاكيد حقيقة أن تاريخ الفلسفة معظمه كان افكارا وهمية ومطارحات فلسفية تجريدية سببها المباشر الاول عدم دقة فهم تعبير معنى اللغة الدقيق في تناول قضايا فلسفية مفتعلة لا قيمة حقيقية واقعية لها، ولم يتم التنبيه الى معالجة اخطائها الفادحة الا في وقت متأخر مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي في نظرية المعنى.

ولي عدة مقالات منشورة وموزعة في ثنايا مؤلفاتي ومواقع الكترونية عربية رأيا توضيحيا في معنى التحول اللغوي وفلسفة اللغة والى ماذا اوصلت تاريخ الفلسفة في نهايات سائبة ربما يتاح لي عرضه تفصيلا لاحقا.

فلسفة العقل واللغة لدى الفرنسيين والاميريكان جعلت منذ نهايات القرن العشرين فلسفة اللغة هي النسق البنيوي الكلي الذي يوازي الواقع الحياتي ولا يقاطع مسيرة الحياة وصنع التجديد في الوعي الجمعي كما فعلت الاجناس الادبية من شعر وقص ورواية ونقد وخير من توّج هذا الانحراف الاهوج كلا من جاك دريدا ليقتفي اثره بول ريكور وعدد من فلاسفة الانجليز بزعامة بيرتراند راسل في التحليلية الوضعية التجريبية المنطقية. مثل رورتي، وايتهيد ، جورج مور، كارناب، فينجشتين قبل انشقاقه عنهم، وسيلارز ، وسيريل، واخرين. فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات اصبحت هي الفلسفة الاولى بعد النصف الثاني من القرن العشرين.

انا ومنهج النقد الفلسفي

أقولها بأمانة وصراحة أني في كل كتاباتي المنشورة ومؤلفاتي لم اكن سوى طالب معرفة فلسفية لا زلت امارس رغبتي هذه من منطلق استزادة الاطلاع على مباحث فلسفية اجنبية غربية تحديدا، ولم أبلغ مستوى التبّحر العميق في أغوار التراث الفلسفي الغربي الذي لا يسعني استيعاب النزر اليسير منه بما يحتويه من متراكم خبراتي فلسفي تاريخي لا يمتلك رغم ضخامته تزكية الصواب المليء بالحشو الزائد.

كما ان الغبن الزمني الذي وقع عليّ حيث اتجهت نحو الفلسفة عام 2004 جعلني متاخرا كباحث فلسفي وسط امواج متلاطمة من تمجيد اعلامي كاذب وشراء شهادات وغيرها من الاعيب خبيثة جعلت من الفارغين فلسفيا هم رواد الفلسفة العربية المعاصرة بما حملوه من امجاد اعلامية زائفة وليست فلسفية حقيقية هيمنت على وظائف التدريس الجامعي والى يومنا هذا.. ولم يتمكنوا وضع لبنات فلسفة عربية مستقلة لها ميزتها العصرية. هذا التهويم الخبيث لا يقتصر على قضية الفلسفة وحدها بل نجدها في جذور غائرة في الاوساط الثقافية عموما في تلميعها الدعي الكاذب الفارغ ومحاربتهم المستميتة لكل بادرة ابداعية اصيلة وحقيقية.

أستطيع القول في نقاط:

* أن انتقالاتي في الكتابة الفلسفية التي لا تتمحور في غالبية مؤلفاتي في منحى فلسفي واحد تعطي إنطباعا لا أنكره على نفسي وبعض الاساتذة الباحثين في المجال الفلسفي اني استطعت تجاوز حاجز الكتابة التخصصية في موضوع فلسفي معين واحد يتمركز حول اجترار معاد ممل لا يفتح آفاقا فلسفيا جديدة يمكنها التطور الى فلسفات مجددة ناضجة ذات هوية عربية مائزة..

*  منهجي الفلسفي الذي إعتمدته بكتاباتي هو التفكير المادي المعرفي كمنهج وليس عقيدة ولا نظرية الجدل المتداول ماركسيا الذي تحكمه الضوابط المنهجية التالية:

عدم التزامي المنهج الاكاديمي الذي يعتوره إستنزاف مجهود الباحث في تغطية سطحية التناول الإستعراضي (مرجعية ثبت هوامش المصادر والمراجع) باللغات الاجنبية في التناول الفلسفي الذي يعتمد الترجمة الحرفية بتقديس مسرف لما يقوله الفلاسفة الغربيون على أنه يمّثل حقائق الامور. الفلسفة أكاديميا في التدريس والتلقي عند الطلبة في الجامعات العربية من أسوأ أخطائها أنها غيّبت الحس النقدي الممنهج على حساب ترسيخ إعتياد الحفظ والاستظهاراليقيني الساذج بعيدا عن الرؤية المنهجية النقدية في ممارسة نقد الفلسفة بما يخدم تغيير الوعي الجمعي المتخلف والمضلل وفتح باب الاجتهاد الفلسفي عربيا.

كذلك اعرف العديد من حملة الشهادات العليا في بغداد والجامعات العراقية لا يعرفون ولا اهلية ولا كفاءة اكاديمية لهم سوى استنساخ ملازم محاضرات يلقونها على الطلبة ويكون فيها لا الاستاذ يفهم ما يقول ولا الطلبة تفهم ما يريد.

عمدت الابتعاد التام الكامل عن كتابة العروض الهامشية لافكار فلسفية وردتنا بهالة من المكابرة الفارغة التي أسبغناها عليها، في إهمالنا أهمية ممارسة النقد الفلسفي وبذر نواته لدى طلبة الفلسفة واساتذتها اننا لا يجب ان نتهيب اسم الفيلسوف في اعدام حقنا المكتسب ضرورة ممارسة منهجية النقد في دراساتنا الفلسفية. نحن مسبوقون باحقاب زمنية طويلة عن تاريخ الفلسفة الغربية وتطوراتها المعاصرة حقيقة لا يمكننا نكرانها.

واستطيع القول بكل ثقة وامانة اني لم اكتب مقالة فلسفية واحدة لم امارس فيها منهج النقد الفلسفي المادي في مقارعة الحجة بالحجة من منطلق التكافؤ الفكري لا من منطلق مشاعرالاحساس بالدونية الفلسفية التراتيبية كما يروج له البعض ويمارسه من عتبة الادنى بالنسبة لفلاسفة غربيين.

ولم أقرأ لفيلسوف غربي أجنبي لم يلازمني هاجس النقد لافكاره في بعضها وليس مجملها رغم كل إعجابي به كفيلسوف صاحب نظرية فلسفية خاصة به فيها جوانب ليست نتيجة بهرجة وتسويق وتلميع اعلامي وصل حد التسليع.. لا بد لي في نهاية هذه المقدمة الاشارة لماذا لم اكتب في الفلسفة العربية الاسلامية واقول بعد ظهور بوادر خلاص اوربا من عصور تخلف القرون الوسطى وبداية اكتشاف القارة الامريكية الذي زامن سقوط غرناطة 1492. اضافة الى بروز خلاف مستحكم اشار له الفيلسوفين محمد عابد الجابري ومحمد اركون وبعض مفكري وفلاسفة المغرب العربي المعاصرين بين العقل المشرقي المستقيل الذي كان حجر عثرة في ترسيخه الجمود ومحاربة الاجتهاد الفكري الثقافي عموما خلاف ما إمتاز به العقل المغربي العربي الخلاق القائم على موروث حضارة الاندلس اكثر من اعتماده الموروث الفلسفي المشرقي الذي غلبت عليه نزعة التصوف الديني والاشتغال الفقهي الاسلامي في النقل وليس العقل.. وتغييب الوعي الجمعي ومنع الاجتهاد الفلسفي.

لعلي لا اكون متجنّيا متنكرا لميراثنا التاريخي بمجمله هو اننا لم نجد على مدى عصورنا أن قام بعض مفكرينا وفلاسفتنا باكثر من محاولة تطويع الفكر الفلسفي اليوناني المترجم المنقول الى سجنه خلف قضبان المنع والتحريم وتحاشي عدم التقاطع مع مفردة فقهية اسلامية واحدة باسم تغليب مفردة الفلسفة على فقه الدين. وكذا الحال مع ترجمات الفلسفة الهندية والصينية والفارسية للعربية .

فكان ما نطلق عليه فلسفة عربية اسلامية لا يستطيع المفكر امتلاك حرية الاجتهاد الفلسفي من جهة كما ولا يمتلك امكانية الخروج على نوع من توفيقية مخاتلة تلفيقية في مهادنتها الفكر الديني في مرجعية تسييس الدين لخدمة الحاكم المستبد الجائرلا تستطيع فيه النخبة الفلسفية تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فبقيت اسيرة شروحات غير خلاقة ولا مبدعة في مجال تحقيق ملامح هوية فلسفية عربية اسلامية خاصة. عديدة هي اسماء الفلاسفة المشرقيين شراح الفلسفات الاجنبية وكتابه الهوامش لها. مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابو حيان التوحيدي وغيرهم. ولنقارن هذه الاسماء مع فلاسفة من المغرب العربي مثل ابن رشد وابن طفيل وابن باجة وابن خلدون وغيرهم من فلاسفة الاندلس والمغرب العربي ممن اعتمدوا فلسفة العقل في مؤلفاتهم.

واذا سمحنا لانفسنا المقارنة بين الفلاسفة المسلمين المحافظين وبين فلاسفة الصوفية المنكوبين الذين تمت تصفيتهم ببشاعة رهيبة لادركنا جيدا لماذا تسّيد منطق الجمود الفكري والفلسفي وحتى الادبي وغلبته منطق وفلسفة التجديد والانفتاح عند الفلاسفة العرب الذين حاولوا التوفيقية التلفيقية بمداهنة سطوة الفقه الاسلامي الوضعي مدعومة من الحاكم السياسي المتنفذ بسطوة السيف في محاربته العروض الفلسفية خارج تطويع الفلسفة بما يخدم رغبات الحاكم الاستبداية الظالمة وليس خدمة الدين في اصالته.

وغالبا ما كان الاجتهاد الفلسفي العربي الاسلامي يحتجب خلف مرويات من القص الذي تتسيده لغة الالغاز والايهام في إعتماد اللغة على لسان الحيوانات وقصاصات الشعر الملغز. الذي كان جنسا ادبيا- فلسفيا كان اسهام العرب المسلمين لا يستهان به مشرقيا حتى وإن كان الاقرار ان بعضه كان مستفادا من ترجمة الفلسفات والاداب الفارسية والصينية والهندية والبيزنطينية.

ما نعيشه اليوم في التطاحن المذهبي على لبوس الانتفاع المالي باسم الدين في وقت نجده راسخا في مجتمعات العالم قاطبة ان التعايش السلمي بين الاديان هو العلمانية التي توازي الدين كذهنية لا قبل للانسان المشرقي اليوم التخلي عنها. وقد تبلور هذا النهج الذي بدأته فرنسا منذ عام 1905 في وثيقة ترسيخ المنهج العلماني الذي يتعايش فيه الدين مع العلمانية ولا يقاطعها. لافي الحرية ولا في حقوق الانسان ولا مقاطعة منجزات العلوم فكانت هذه الارهاصات التي بدات بالنهضة الانسانية التي انبثقت اولا في ايطاليا في القرن السادس عشر الميلادي.

ولا يزال هذا المنهج المتوازي بين العلمانية والدين ساريا في جميع دول العالم عدا المتخلفة منها التي تسفك الدماء من اجل ان يتسيّد مذهب على آخر في الدين الواحد. هل توجد دولة واحدة بالعالم اغلقت الكنائس والاديرة والمساجد واماكن العبادة لانها تعارض فصل سلطة الدين ووصايتها على مؤسسات الدولة؟ الجواب عندنا في العجائب والغرائب في محاربة تغيير الوعي الجمعي الضال تحت مسمى حرمة كل شيء بالحياة لا يمرعبر فلترة رجال الدين له غالبيتهم من الفاسدين.

عن تجربة ثقافية مررت بها ربما لا تصلح ضمن مقدمة هذا الكتاب الفلسفي اقول الفكر لا يفتش لا عن الاصدقاء الذين يمتدحونه ولا عن الاعداء الذين يكرهونه. فكلاهما يحضران مأدبة تقاسم القدح والمدح ربما بلا روّية يحكمها الضمير والعقل.

مصداقا لبيت الشاعر العظيم المتنبي:

انام ملء جفوني عن شواردها........ ويسهر الخلق جرّاها ويختصم

على مر تاريخ التراث العربي بمجمله كتاريخ الذي تركه لنا اجدادنا العرب كثيمة هوية حضارية كلفت الامة نزفا طويلا من الدماء وهدرا كبيرا من الثروات ومشاكل لاحصر لها من العداوات الكارثية. نجده اليوم في اسقاطنا هذا الموروث الذي ازداد ترهله في متراكم يقوم على تكرار شرح المشروح للمرة الالف على مشهدنا الثقافي العربي اليوم لنجد غرائب وعجائب الزمان المتداولة كعرف ناشز ثابت عندنا في رفع وتلميع سلعة مفكر او اديب او فنان هابط فكريا لا اهلية ولا قدرات ثقافية يمتلكها واقصاء عطاء ذاك الآخر والتعتيم على منجزه الذي يستحق الوقوف عنده والاهتمام بما هو أهل له. في تجربتي الكتابة الفلسفية لم اجد نزاهة التعامل المبدئي الذي سبقتنا فيه دول العالم كافة. حين اجد مثل كانط هذا الفيلسوف العظيم يقول (لقد ايقظني ديفيد هيوم من سباتي الدوجماطيقي) وعندما يقول نيوتن (كل منجزاتي في الفيزياء العلمية ادين بها لكبار سابقين تعلمت منهم واخذت عنهم الكثير). وهكذا في استشهادات عمالقة الفكر الغربي يحملون نظافة الضمير الاخلاقي، ونحن حين يتحاور مفكرينا بينهما نجد كل منهما حاملا سيفه لقطع عنق غريمه.

اعرف جيدا ان العطاء الذي لا يأخذ حقه في عصره حتما يكون السبب فيه عاملين اولهما التناطح والاحتراب حتى في اعتماد ادنى واحط الوسائل في النيل من الاخر على صعيد تعامل المثقفين في البلد الواحد. والسبب الثاني هو في تدني الوعي الجمعي الثقافي الذي تنخره اللامبالاة تجاه الاهتمام الثقافي امام الحصول على لقمة العيش. والثاني من تغييب الوعي الجمعي هو في المشهد الثقافي هو القتال فيه لمن يكون اللامع بقوة منطق العشيرة ووسائل تعاملها المتخلفة.

في القرن العشرين والى يومنا هذا وجدت ان اختلاف الراي لدى المثقفين العرب يتم حسمه بوسائل الاحتراب وتصفية الحساب على لاشيء الذي يجعل من مؤلف او كتاب فلان افحم فلان الاخر على مستوى المفكرين وكانما التضاد المعرفي من اجل سيادة مثقف على اخر وليس من اجل نقل الوعي الجمعي الى مرتبة متقدمة من فهمها الاسلوب العصري بالحياة. لا يمكننا التقدم الى امام في مجتمعات يرى مثقفيها الانتصار في الاحتراب على صعيد النخبة في بناء امجاد زائفة لا تخدم تقدم الوعي الجمعي بشيء. جرى معي ان القائمين على بعض وسائل الاعلام والصحف والمواقع الالكترونية يريدون ان يشتروني في حصر ما اكتبه لهم وبلا مقابل. وغالبية المفكرين العرب في المهجر هم من يمتلكون تسليط الاضاءة عليهم ولهم مريديهم من الذين يمتلكون ويجيدون وسائل تلميع الفاشلين وتقديمهم انهم مفكري الامة ومثقفيها الذين تنهال عليهم بلا روية الاحتفاءات والمهرجانات والتكريمات ومنح الجوائز والدعوات الحاتمية لالقاء المحاضرات البائسة تحت عناوين لا قيمة حقيقية لها مجتمعيا ولا حتى على مستوى النخبة.

اجد من اهم الاسباب التي كرست تخلف الوعي الجمعي السائد في مجتمعاتنا العربية هو في الاحترابات الفارغة بين المتناحرين المفكرين في تمجيد انتصار ممثلي هذا التيار او هذا المذهب الديني تاركين شعوبهم يفتك بها الفقر والجوع والمرض والجهل.

في تجارب عالمية لدى شعوب العالم الثالث كان الازدهار الثقافي ينبت ويطلع للنور من تحت انقاض الخراب ومن حاضنة التخلف المجتمعي يتنامى تدريجيا ويرى النور والحضانة والامان في رموز ثقافته انهم قادة السياسة وقادة الازدهار الثقافي. عندنا استطيع القول ان المفكرلا يكون ازدهاره الثقافي لانه سابق عصره وزمانه في هيمنة سلطة المثقفين الفاشلين وفي تغييب الوعي الجمعي الحضاري الذي ينشد الحرية وحقوقه الانسانية بحياة كريمة افضل.. امثلة ذلك نجدها في الاوساط العربية الثقافية االيوم في سجن التعامل الثقافي النظيف في غياهب دهاليز التعتيم وفي ممارسة ابشع انواع التسويق التسليعي المبتذل للفاشلين من المثقفين ومن دعاة الفكر الفلسفي شأنهم شأن تسويق الجسد جنسيا.

في بلادنا العربية وفي بلدان العالم اجمع رحل عباقرة افذاذ وفي صدرهم تئن حسرة وألم غمط حقوقهم بالحياة انهم الاكفأ من غيرهم ثقافيا. يتساؤلون لماذا لم ياخذوا حقهم المشروع المؤهل بالحياة في حين اخذ حقهم الثقافي من لا حق له في الهيمنة على مزادات وأد الابداع الاصيل في اساليب نفاق ودجل المرابين من القائمين على سوق الكتابة والثقافة التي اصبحت اليوم باجناسها المتنوعة شغل من لا شغل ولا موهبة ولا قدرة له تسعفه.اليوم اقولها بصراحة العقل الحق ان الهبوط والانحدار الثقافي بلغ في بعض الاقطار العربية اسوأ مما بلغته ومارسته بعض الانظمة العربية الاستبدادية الدكتاتورية التي حكمتهم سياسيا.

كلمة لا بد لي من قولها ان الافساد الاعلامي والثقافي العربي فاق بما لا يقاس دكتاتوريات الساسة العرب وفسادهم وبيع بلدانهم لاجنبي يحتقرهم وهم يدينون له بالطاعة والولاء. اعرف اسماء بالعشرات يطلقون مريدوهم عليهم لقب فيلسوف او مفكر او باحث فلسفي او استاذ اكاديمي بالفلسفة ويعامل في الاوساط الحكومية العربية وفي المرافق العلمية والثقافية وتخصص له الدعوات الاحتفائية به بكل التبجيل وتسليط اضاءات وسائل الاعلام المنافقة عليه وعلى امثاله التي باعت ضميرها لمن يدفع اكثر. الذي لا يعرف صاحب هذه الحفاوة من امتلاكه الاستحقاق الفكري ان لا يزيد في معرفته الفلسفية اكثر من طالب ثانوية عامة.

لقد وجدت نفسي بالكتابة طيلة اربعين عاما ذهبت سدى في مئات من المقالات واكثر من 15 كتابا مطبوعا في حينها يتوزعها الشعر والقص والنقد الادبي ومقالات السياسة. واليوم عبرت حاجز 25 كتابا فيها مايزيد على 15 مؤلفا بالفلسفة فقط.. بعد ان تجاوزت السؤال السطحي لماذا تكتب بالفلسفة الصعبة الفهم وتترك الكتابة بالسياسة سهلة الفهم.

ان كفاءتي وقدراتي الثقافية وحبي الكتابة بالفلسفة تحديدا جعلتني اهجر كل الاجناس في الكتابة الادبية عن قناعة وتجربة عشتها لاختص بالكتابة الفلسفية وكان اول كتاب طبعته لي دار الشؤون الثقافية في بغداد عام 2011 بعنوان (سيسيولوجيا الاغتراب.. قراءة منهجية نقدية في فلسفة الاغتراب).

بعدها توالت اصداراتي الفلسفية وانا محارب في مدينتي مسقط راسي الموصل ومنعزل عن اصحاب عاهات النقص والغيرة في التشهير بغيرهم من اصحاب المواهب الثقافية الجديرة بالاهتمام. وعدم مجاراتي الكتابة الفلسفية حتى على مستوى اساتذة اكاديميين اختصاصهم تدريس الفلسفة بالجامعات العراقية والعربية مع كل احترامي للاكفاء منهم وهم قلة قليلة يعرفون جيدا قيمتهم الفكرية.

بهذا الكتاب نضج عندي منهج النقد الفلسفي في تناولي مواضيع مختلفة من تاريخ الفلسفة حيث وجدت نفسي ملزما مراجعة اخطائي وتصحيحها اينما وجدت في مقالاتي ومؤلفاتي الفلسفية. لكن الاهم من ذلك لم اجد باحثا في مجال الفلسفة تعاطف معي محكوما بدوافع الغيرة وعدم الاهلية بالتكافؤ الفلسفي مع كتاباتي الفلسفية.

لهذا اعتمت طاقتي الذاتية في مراجعة نقدية صارمة لكتاباتي. مفارقة مؤسية كنت ضحيتها اني دخلت النصف الثاني من السبعينيات وانجزت طباعة ما يربو على 25 مؤلفا لم يكتب احدا عن تجربتي لا من المفكرين الفارغين ولا من المثقفين التافهين الذين يجدون في قامة فكرية تقزيم لحجمهم القزم المنافق وتفكيرهم السطحي في الابتعاد جدا عن مهمة الثقافة في انتشال الشعوب من وضعها الماساوي انها تعيش القرون الوسطى الاوربية بتفكيرها المتخلف.

اثناء كتابة مقالاتي ومؤلفاتي التي لاقت اقبالا قرائيا لعدد كبير من المتابعين على اكثر من خمسة مواقع الكترونية عربية بلغت بالمئات بل الالاف كما هو على موقع الحوار المتمدن وموقع المثقف وموقع كوة المغربي حيث قرائي بالمئات واكثر.

هذا الانجاز الفلسفي الذي اعتز به اجبرني على عدم تكرار نفسي بما اكتبه من ناحية وعدم نسخ افكار وآراء غيري من فلاسفة غربيين واميركان واكتب هوامش على سيرتهم الذاتية بما لا قرابة تجمعها مع اراء ذلك الفيلسوف.

لذا عمدت مبدأ ان يبقى ما اكتبه بالفلسفة مميزا من ناحية استقبال المتلقي القاريء . في الكتابة التي لها وقع حسن في ممارستي نقدا مكافئا رأي فلسفة المنقود الاجنبي. اذ ان تخصصي في الكتابة الفلسفية قادتني الى مناقشة فلاسفة معاصرين فرنسيين والمان وامريكيين ومن جنسيات عالمية مختلفة. لذا لم اكتب شيئا عن الفلسفة العربية الاسلامية التي هو موروث كتب تحت وصاية الحاكم وتجريم الاجتهاد خارج تطويع كل الفكر الفلسفي المترجم والمؤلف عربيا تحت وصاية فقه التدين الزائف.

ثبت لي واستفدت منه كثيرا ان كل تجديد بالفكر الفلسفي وفي ضروب الاجناس الادبية المنوعة يصطدم لا محالة بجدار اخطاء لم يدركها الباحث او الكاتب الا بعد وقت لاحق على نشرها. لذا كنت حريصا على مراجعة قاسية في نقد ما اكتبه بصرامة منهجية وكانما العمل المنقود لست صاحبه.

اود الاشارة الى مقولة فيلسوف اللغة فينجشتين ان تاريخ الفلسفة هو تاريخ تصحيح اخطاء معنى اللغة. وبدوري اقول ان تاريخ الانسان انثروبولوجيا – معرفيا انما هو تاريخ تصحيح اخطاء ذلك التاريخ اذ وصل الوعي الجمعي اليوم من النضج الاستقبالي في عدم تمرير ما لا يقبله العقل والمنطق في العلوم وفي جميع السرديات النظرية الكبرى. كل هذا واكثر منه جعل المفكرين العرب لا يترددون بكتابة ماهو نسخ استعراضي منقول بنفس وقت عدم تجنبهم كتابات هوامش لشرح افكار فيلسوف اجنبي في نوع من اسراف التبجيل ومعصومية الافكار.

بقيت الاشارة الى ان كتابي الفلسفي هذا انما هو حصيلة تفكير فلسفي بلغ نضجه المقبول لدي غير الكامل بالقياس الى ما اطمح له مستقبلا. اترك للقاريء 36 مبحثا فلسفيا جديرا بالقراءة لمحبي الفلسفة من المتخصصين وطلبة الجامعات والمثقفين عموما. كتاباتي الفلسفية النقدية المنهجية لفلاسفة عالميين كبار تعتمد مسارا فلسفيا بملامح عربية بما انشده في خلق مشروع فلسفي جاد وكفوء في مجارات غيرنا في دول العالم. اترك كما قلت استعراض عناوين فصول الكتاب ليجد القاريء اهمية وجدارة ما يصرف لها من وقت لقراءة مجدية في الفلسفة والمعرفة والثقافة عامة.

***

الباحث الفلسفي المفكر علي محمد اليوسف /الموصل

اب 2022

نقل لي أحدُ الأصدقاء العراقيين المتوطنين في القاهرة سنوات طويلة، يقول: زرتُ أحدَ المؤلفين المصريين المشهورين في بيته، وفي سياقِ حديثنا عن الكتابةِ والتأليف، سألتُه عن كيفية مراجعته وتنقيحه لمؤلفاته المطبوعة عندما يريد إعادةَ نشرها، فقال لي: لا أعودُ للكتاب الذي أنشره بعد صدوره أبدًا، لأن العودةَ إليه تضطرُني لإعادة تحريره، بالشكل الذي يدعوني لتغييره جذريًّا، عند مراجعته أشعر كأني أقومُ بتأليف كتابٍ غيره، وذلك لا يشجعني على النظر في مؤلفاتي الصادرة مجددًا.

يقول الجاحظ: "ينبغي لمن كتبَ كتابًا ألّا يكتبُه إلا على أنَّ الناسَ كلَّهم له أعداء، وكلَّهم عالمٌ بالأمور، وكلَّهم متفرغٌ له، ثم لا يَرْضَى بذلك حتى يَدَعَ كتابَه غُفْلًا، فإذا سكنتِ الطبيعةُ وهَدَأتِ الحركةُ، وتَرَاجَعَتِ الأخلاطُ، وعادتِ النّفسُ وافرةً، أعاد النظرَ فيه، فيتوقّف عند فصوله تَوَقُّفَ مَنْ يكون وَزْنُ طَمَعِهِ في السلامةِ أنقصَ من وزن خوفِه من العَيْب". حين أقرأ ما كتبتُه بعد سنوات، أحيانًا أكتئب، وأبتهج أحيانًا أخرى. أكتئبُ لشعوري بوهن شيء من كلماتي، وثغراتِ شيء من أفكاري، ولشعوري بما يفكر فيه القارئُ الذكيُّ، وكيف يتأمل ويدقق ما تقوله الكلماتُ وما لا تقوله وتحجبه. أبتهجُ حين يبادرُ قراءٌ أذكياء في الحديث عن الوثبة الروحية التي عاشوها بعد قراءة هذه الكتابات، وما شاهدوه من ألوان مضيئة لصورة الله في شيء من كلماتها، وانبعاث الثقة بداخلهم في أن الدينَ يمكنُ أن يحيي كلَّ معنى جميل في الحياة، ويمكن أن يوقظَ الضميرَ الأخلاقي، ويُكرِّس التكافلَ العائلي، والتضامنَ المجتمعي، ويخفض طاقةَ الشر التدميرية، ويبعث منابعَ الخير في الأرض، ويجعل صناعةَ السلام والعيشَ المشترَك والتراحم هي المشروع الأبدي للتديّن.

الكتبُ كالأبناء يصعبُ على الإنسان العاطفي الانفصالُ عنهم، مهما كانوا، ومهما تقدّمَ به وبهم العمر. أحيانًا تصير الكتبُ أشدَّ صلة بذلك الكاتب الذي نذرَ عمرَه للكتابة وتفرغَ لها، وأعطاها كلَّ ما يملكُ من وقت وطاقة وجهد وصحة، وتنازل لأجلها عن مباهج الحياة ومتعها المتنوعة، وسجن نفسَه في منفى اختياري، بعيدًا عن الأقرباء والأصدقاء، وتجاهلَ ايقاعَ الحياة اليومية وتفاصيلها، وانسحبَ من الواقع بكلِّ ما يحفلُ به من أحزان وأفراح.

كثيرٌ مما ينشرُ لا تنطبقُ عليه شروطُ الكتابة الحقيقية. الكاتبُ الجاد الذي يهمُه حمايةُ صورته أمامَ نفسه أولًا وأمامَ القراء ثانيًا، لا ينفك من تهيب الكتابة مادام منهمكًا بهذه المهمة الشاقة. يقول همنغواي: "إنّ الكتابةَ تبدو سهلة، غير أنّها في الواقع أشقّ الأعمال في العالم". أحيانًا أكون محرجًا أمام القراء بما أحدثه من تنقيح وتهذيب متواصل في كتاباتي، ومحاولات تصفية متكررة لتنقية العبارات، لئلا تشوبها أكدار. ما يتعبني في الكتابة هو انتقاء الكلمات الحساسة، وبناء العبارات الصافية. حين أكتب أمارس عملية كالمهندس المعماري الذي يهمه الوجه الجمالي للبناء. المعاني حاضرة أحيانًا، ‏ما يرهقني هو استيراد الكلمات العذبة ‏مما هو مختزن في الذاكرة، وأحيانًا أعود إلى قواميس اللغة ومعاجمها عسى أن أجد الكلمات الملائمة لسياق النص. يقول الجاحظ: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير".

‏ حاولتُ الخلاصَ من عادة استئناف النظر في كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" وغيره في الطبعات الجديدة إلا أني فشلت. ما يدعوني لاستئناف قراءة ما أنشرُه وأعملُ على إعادة تحريره وغربلته وتنقيحه وإثرائه كلّ مرة، هو شعوري بأني دائمًا في حالة امتحان أمام القراء الأذكياء. القارئُ الذكي بالقدر الذي يجعلُ الكاتب حذرًا، وخائفًا إلى حدّ الذعر لدى بعض الكتاب، لهذا القارئ بالقدر نفسه منّةٌ وفضلٌ على كلِّ كاتب يريد لكتابته أن تظلَّ قيد التداول، إذ يجعله متيقظًا مسؤولًا عن كلِّ كلمة يكتبُها وفكرة يبوحُ بها. يثيرُ القارئُ الذكيُّ الكاتبَ فيضطره لإعطاء الكتابةِ كلَّ طاقته ووقته، ويستفزُ مواهبَه ومهاراتِه وخبراتِه لحظةَ يكتب. يجعلُ هذا القارئُ عقلَ الكاتب دائم الهمّ بما يعتزمُ كتابته، متى لاحت في ذهنه فكرةٌ تزامنت بمعيتها الكلماتُ المعبرة عنها، وأردفها مخزونُه اللغوي بخيارات لصيغ متناوبة متبادلة للكلمات والعبارات الأقرب لذوقه في بيان تلك الفكرة والكشف عن مضمونها للمتلقي.

ما يشعرني بالرضا وأنا أعمل على إعادة النظر في كتاباتي هو الإدراكُ بأن هذا تقليدٌ تفرضه عليّ مسؤوليتي الأخلاقية تجاه القراء، ويلزمني به ضميري الذي يدعوني لأن أتعاملَ مع كتابتي مثلما أتعاملُ مع ما يكتبُه غيري، الذي أقرأ ما يقولُ على مَهَل، أتفحصُ كلماتِه وأفتشُ عن ثغراتِ أفكاره. عندما أقرأ ما يكتبُه كاتبٌ بعيون الناقد، أبادر لنقد أفكاري وغربلتها بعيون الناقد أيضًا، ولا أترددُ بتمحيصها وتهذيبِ كلماتِها. أعرفُ جيدًا أن الكلماتِ التي تمكث طويلًا في ذاكرة الكتابة تتطلب الكثير من الغربلة والتمحيص والصقل.كلُّ كتابةٍ يتسع عمرُها بمقدار ما تستجيب لعملية التكثيف بالتمحيص والحذف والاختزال.

أحاول كتابةَ تجاربي الذاتية، مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ الإنسان بدءًا من ذاتي. هذه رحلةٌ لا تنتهي، ولن تقف عند نهايات مغلقة.كلُّ يوم يتكشفُ لي في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله في نفسي وغيري، وما لا أعرفه عن العالَم من حولي.

أعرفُ أن كلَّ مَنْ يفكر يخطئ، لا يخطئ إلا مَنْ لا يفكر. لا يتحرر الإنسان من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه. مَنْ يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرة على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.كلُّ مرة أريد تجديد طباعة أحد أعمالي الذي مضت على صدوره سنوات أتحمس لإعادة بنائه، حين أبدأ بالمراجعة أقع في مغامرة لم أكن أحتسبها، وكأني أكتب كتابًا جديدًا، إذ أقومُ بعمليات تحرير وتنقيح وشطب وإضافات متنوعة. أظن هذه عادة مؤذية يعاني منها كلُّ كاتب يدركُ أن عقلَ الإنسان مهما فكّر وتأمل وراجع تظلُّ النتائجُ التي ينتهي إليها اجتهاداتٍ بشريةً ناقصة وليست نهائية. طبيعةُ البشر النقص، وهو ما يدعو الإنسانَ لطلب الكمال والكدح لبلوغه. الحكيمُ يدركُ أن بلوغَ الكمال متعذر؛ وذلك ما تشي به الآيةُ القرآنية: "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ". يوسف، 76.

موضوعاتُ هذا الكتاب تنشدُ التدليلَ على الحاجة الأبدية للدين، بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية، وتشتركُ في بيان هذه الفكرة المحورية الواحدة بمداخل وتنويعات وبيانات متنوعة، إلا أن فصولَه يمكنُ أن تُقرأ خارجَ تسلسلها في الكتاب، بلا أن يخلَّ ذلك كثيرًا بفهم واستيعاب فصل سابق أو لاحق. وإن كنت أقترح على القارئ أن يصبر على القراءة المتوالية، لأن ترتيب الفصول ومواضعها يعكس سياقها المنطقي وليس عشوائيًّا.

في طبعته الرابعة خضعَ كتابُ "الدين والظمأ الأنطولوجي" لبناءِ شيءٍ من أفكاره، وتهذيبِ شيءٍ من عباراته، وأُعيد ترتيبُ فصوله، واغتنت فقراتُه بإضافات رأيتها ضرورية.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.........................

* مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: "الدين والظمأ الأنطولوجي". يصدر قريبًا عن دار الرافدين في بيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

مثّلَ الانشغال بقضايا اللّاهوت المسيحيّ، وبأشكال حضور الدين في المجتمعات الغربيّة محورَ اهتمامي، على مدى العقديْن السالفيْن. فقد كان لِعامل العيش في مجتمع كاثوليكي الدور البارز في تيسير الوعي من الداخل بالواقع الدينيّ الغربي، وفي التنبّه إلى قوّة نفاذ المؤسّسات الكَنَسيّة فيه، بعد أن كنتُ أحسبها وهنت، بفعل الغشاوة المضلِّلة لمقولة تَعلْمُن المجتمعات الغربيّة. وجدت نفسي، في مستهلّ مجيئي إلى روما، آوي إلى ديرٍ للرهبان، وما يقتضيه العيش في الدير من حرصٍ على التكوين العلميّ في مجمل تفرّعات اللاهوت المسيحيّ وانشغال بالبحث، بدءًا في جامعة القدّيس توما الأكويني ثم لاحقا في الجامعة الغريغورية وكلتاهما من الجامعات البابوية.

أبقى مدينًا في تلك المغامَرة المعرفية إلى الكردينال مايكل فيتزجيرالد، السكرتير الأسبق للمجلس البابوي للحوار بين الأديان في روما، الذي يَسّر لي ظروف خوض تلك التجربة. فالرجل يطبعه عمقٌ روحيٌّ وسعة نظر، فضلا عن انفتاح على المغاير الدينيّ قلَّ نظيره. جعلتني تلك التجربة أغوصُ في الأحوال المسيحيّة بشتّى تفاصيلها، وأرصد تمثّلات وعيِ الدين عند شرائح اجتماعية متنوّعة، من كهنة مكرَّسين إلى عامة الناس، مرورا بسائر أصناف الغنوصيين واللادينيين. فمنذ ذلك العهد وأنا أنام وأصحو على قرع نواقيس الكنائس، وأعيش على إيقاع مجتمع يستبطن عوائد وعقائد، غير ما ألفته في سابق عهدي. ملمحٌ آخر فارقٌ لتجربة العيش في مجتمع كاثوليكيّ غربيّ، أن أجدَ نفسي ضمن أقليّة عربية، تعيش تغريبة الهجرة بكافة تداعياتها، داخل مجتمع محكوم بسياسات متحوّلة، وما تنطوي عليه تلك الأوضاع من تعايُش وتغايُر وتثاقُف وتنافُر. وهو ما كشف لي عن وجه آخر لمعنى عيش الدين، وما يُمثِّله معنى التعدّدية الدينيّة ضمن سياق التحولات الحديثة.

لكن في غمرة هذا الانشغال بأوضاع الدين في الغرب، كانت قضايا الفكر الإسلامي، وأوضاع العالم العربي، تلاحقني في مقامي الثاني، فقد أضحت المجتمعات العربية تتمثّل لي أدنى قربا ممّا مضى، لِفيْض المعلومات ووَفْرة الأبحاث المتاحة عنها. ناهيك عمّا لازمني من حرصٍ على الإسهام في تطوير الدراسات العلميّة للأديان في البلاد العربية، سواء بما أُترجمه من أعمال عن مناهج دراسة الظواهر الدينية أو بما أكتبه عن أوضاع الدين في الغرب، وتساؤلي عمّا يمكن أن تشكّله المقارَبات الحديثة من أُطر للوعي بظاهرة الدين وبواقع التديّن بشكل عامّ.4581 الامام والكاردنال

فلا شكّ أنّ مطالب الإصلاح، والتجديد، والعقْلنة، والأنْسنة للفكر الديني، قد طُرِحت بإلحاح في البلاد العربية وعلى مؤسّساته العلميّة، منذ تنبيه العلّامة محمد الطاهر ابن عاشور في "أليس الصبح بقريب؟" (يعود الانتهاء من تأليف الكتاب إلى العام 1906) لِما يعتري مؤسّسات التعليم من علل واهتراء. وقد مرَّ على حديث الرجل قرنٌ ونيف، دون قدرة على الانعتاق من الأسر التاريخي الذي تردّت فيه مناهجها. لم تحدث نقلة في الوعي بظواهر الدين، وبتحوّلات "الكائن المتديّن"، وبسُبل الاندماج في العالم، وبالمثل لم يتهيّأْ حرصٌ على مواكبة النّسق العلميّ في الوعي بالرأسمال القداسيّ أكان النابع منه من موروثنا والماثل في مجتمعاتنا، أم الوافد علينا بفعل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. وكأنّ الأمر عائد إلى وهن بنيويّ جرّاء تقادم المعارف، ومكر التاريخ، وانغلاق البارديغمات. فهناك اِستنزاف للعقل في متاهة العلوم التقليدية، دون قدرة على الخروج من هذا الدوران الثابت، أو إدراك للتبدّلات التي هزّت المعارف، بما يُفضي إلى تلبية مغايرة لحاجات الاجتماع ووعي مستجدّ.

ضمن تلك السياقات تطرّقت جملة من مباحث الكتاب، وبأوجه عدّة وبمقاربات متنوّعة، إلى موضوع حضور الإسلام في العالم، وأيّ السبل يسلك لتجنّب كلّ ما يعكّر إسهامه الإيجابيّ فيه؟ فأحيانا تعوز الوعيُ الإسلاميّ الواقعيةَ اللازمة وأخرى تعوزه الشروط المعرفية، وكلّها عقبات عويصة مدعاة لإخراج المؤمن من التاريخ. فعلى سبيل المثال، لا تسعف القدرات العلميّة المتقادمة دارس العلوم الدينية المسلم للإحاطة العميقة بالمؤسسات الدينية المسيحية وبالتحولات اللاهوتية وبالوقائع المسيحية. وبرغم الحوار بين الطرفين المسيحيّ والإسلامي، يغيب التعويل من جانب هذا الأخير على المقارَبات المعرفية والأبحاث العلميّة. وهو ما يملي إعادة نظر معمَّقة وجادة في أُطر النظر الكلاسيكية لدى الدارس المسلم لنظيره المسيحي بعيدا عن الاستعادة الجامدة للقوالب القديمة. إذ ثمة طريق شبه مهجورة في الدراسات الإسلامية، وهي طريق الأنْسَنة والعلْموة للخطاب، في الدين وحول الدين، كي لا يبقى تواصله مع العالم قاصرا ومحدودا.

أردنا كذلك التطرّق إلى واقع التواصل بين الأديان، ولا سيما بين المسيحيّة والإسلام. فممّا يُلاحَظ في واقع الأديان الراهن، أنّها لا تملك خطّة واضحة مستقلّة عن التوجّهات الإيديولوجية. فالأديان اليوم تشكو من فقدان رابطة روحية أو أساسات خُلقية جامعة بينها. وهو ما يُملي ضرورة العمل على استعادة ذلك الرصيد القِيَميّ وعدم الانجرار وراء الأيديولوجيات، التي أفرغت المؤتلف الإنساني من دلالته الحقيقية وحوّلته إلى خطاب مفتقِر للمعنى. فما من شكّ أنّ قضايا السياسة والديمقراطية والتغيير والتنمية تشغل فئات واسعة في البلدان الإسلامية، وقسمًا هامّا من مجتمعات العالم المسيحيّ، لاسيما في إفريقيا وآسيا والشطر الجنوبي من القارة الأمريكية. أردنا تناول هذا الموضوع ضمن الكتاب لإبراز ما يشكّله الدين من إسهامٍ إيجابي حين يرافق مسار تحرّر الشعوب، ومن دورٍ إشكاليّ أيضا حين يتمّ توظيفه بشكل فجّ. فلا يفوتنا أنّ ثمة تنازعات داخل الدين الواحد، منها ما هو متفجّر ومنها ما هو خامد، تُؤثّر سلبًا في الانحراف بمسارات التحولات الاجتماعية.

نشير إلى أنّ الكتاب لا يسلك مسلك المقارَنة التقليدية في الحديث عن المسيحية والإسلام، بالتطرّق إلى عقائد الدينين وتشريعاتهما، أو عرْض موقف من مسألة معيّنة وما يقابلها في الدين الآخر, كما قد يتبادر للوهلة الأولى، وإنّما يعمل على تتبّع كيف يجابه كِلا الدينين المأزق الراهن في شأن قضايا كبرى مثل التحرّر والفقر، أو كيف يتعايش مع الحداثة والتعددية والمسكونية. لذلك يأتي الكتاب، بتنوّع مباحثه، محاولة لتقصّي حضور الدين في العالم الراهن، بما يمثّله هذا الحضور من تجابه مع قضايا وأسئلة مستجدّة. فما يجمع الدينان اليوم هو الحضور في عالم يطفح بالمتغيرات المتسارعة، تفرض إكراهاتها تجاوُزَ المعالَجة المعهودة للقضايا الدينيّة والدنيويّة. صحيح لا يتعاطى الدينان بالأسلوب نفسه مع قضايا الدين والدنيا، ولكن الحيز المتصاغر للعالم المعوْلَم أضحى يلزم بالتفكير الجماعيّ، لتذليل المصاعب التي تواجه الجميع.

الإمام والكردينال ومعارج الإيلاف

المؤلف: عزالدين عناية

منشورات المتوسط، ميلانو (إيطاليا) 2021

عدد الصفحات: 280

نبذة عن المؤلّف

عزالدين عناية، أستاذ تونسي إيطالي يدرّس في جامعة روما متخصّص في دراسات الحضارات والأديان. صدرت له مجموعة من الأبحاث منها: "الدين في الغرب" 2017، "الأديان الإبراهيمية" 2013، "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" 2010، "الاستهواد العربي" 2006؛ فضلا عن عدد هام من الترجمات منها: "المنمنمات الإسلامية" لماريا فيتوريا فونتانا 2015، "علم الاجتماع الديني" لإنزو باتشي 2011، "علم الأديان" لميشال مسلان 2009.

***

د. عزالدين عناية

 

ناقش الدكتور وميض جمال عمر نظمي هذا الموضوع بإسهاب في كتابه: ثورة العشرين / الجذور السياسية والفكرية والإجتماعية للحركة القومية العربية "الإستقلالية" في العراق، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط4 2020 وهو في الأصل أطروحة تقدّم بها نظمي لنيل الدكتوراه في إنكلترا عام 1974.

أول ما يقفز لذهن القارىء المُطَلّع: ما هي الإضافة التي سيُدلي بها الباحث في هذا المجال؟ فقد أُشبعت "ثورة العشرين" بحثاً من عدد كبير من الكُتّاب كما هو معلوم؟

يُقرّ الباحث ب"خصوصية" حالته:

1- فالعيب الأساسي في أكثر الكتابات عن الثورة أنها كانت "أُحادية النظرة"، تميل لتضخيم دور هذا الفريق أو ذاك من أطراف الحركة الوطنية على حساب باقي العناصر، أو بالأحرى على حساب الحقيقة ص16، وهذا ما يأمل الباحث تجنبه.

2- وبشأن المصادر فهي غزيرة ومتوفرة بالعربية والإنكليزية، لكن ـ كما يبدو للباحث ـ إن أغلب الباحثين العرب لم يتمكّنوا من الإطلاع على المصادر الإنكليزية. في حين إن أغلب الباحثين الإنكليز لم يتيسر لهم الإطلاع على المصادر العربية ص20 .

لن نبالغ إن وصفنا د. نظمي ب"الباحث الألمعي"، فالجدّية والدقة في العرض وإستخدام المصادر، سمة بارزة في عمله. فعندما يُقر ب"قومية" الثورة، فهذا لا يعني الإطلاق أبداً (إن هذا البحث "سيزعم" بأن الثورة كانت قومية حقاً، ولكنها كانت "جنينية" وليست متطورة أو ناضجة بشكل كافٍ) ص18 .

ما هي الأدلة التي قَدّمها الباحث على مُدّعاه "قومية الثورة؟

1- كانت شعارات فصائلها كافة الإستقلال التام والحُكم العربي لكيان عراقي موَحّد مع تَطَلّع الى الوحدة العربية. 2- وحّدَت فصائل كبيرة من الشعب العراقي من طوائف وعناصر مختلفة ضد الإحتلال.

3- كانت إتحاداً بين عشائر مختلفة وتحت شعارات وأهداف جلية.

4- مارست تأثيراً لا يُستهان به في تكوين الكيان العراقي الحديث.

5- أصدرت صُحفاً قومية تُعَبّر عن فكر وطني وقومي واضح.

6- شَكّلت نوعاً من الإدارة الوطنية في المناطق المُحرّرة حيث عُهد إليها بالإدارة وسُلّم إليها أسرى جيش الإحتلال ورُفع فوقها العلم العربي.

7- تفاعلت مع الحركة القومية في الحجاز وسوريا وأحياناً مع مصر.

8- طالبت بملك عربي ورفضت كل المرشحين الأجانب من سواه، ص18 .

الإستنتاج المتوازن سمة بارزة أخرى عند نظمي (لا يجب المبالغة بالقول بأن الثورة كانت قومية محضة، كذلك فإنه من قُبيل التبسيط المفرط الإدعاء المقابل بأنها كانت مجرد إنفجار عشائري فوضوي وعشوائي، أو الزعم بأنها كانت مجرد إستجابة دينية لبعض الفتاوى) ص15 .

يؤمن نظمي ب"المنهج القومي ـ الإجتماعي" أو "القومي ـ الطبقي" في تحليل أحداث التاريخ، وهذا ما يجعل البحث مختلفاً عن كتابات من سبقوه. فالسيدان محمد مهدي البصير وعبد الرزاق الحسني، كانا في تقدير الباحث، أفضل من كتب عن ثورة العشرين ضمن إتجاه قومي عربي. (ولكنهما لم يريا في الثورة سوى العامل القومي والوطني، العامل المثالي والروحي فقط. ولم يتمكنا من أن يريا خلف هذا الشعور القومي، السياسة الإدارية "الوظيفية" والإجتماعية والمالية والضرائبية للإدارة الإنكليزية) ص 23 .

أما "النمط المعرفي" الذي ينهجه الباحث فهو "النسبية والشمولية". فليس هناك ما هو مطلق أو فوق التاريخ في المعرفة الإنسانية، وبشأن الشمولية فهي ليست نقيضاً للنسبية بل مُكملة لها ص25 .

***

بقلم: معاذ محمد رمضان

الصفحة 3 من 3

في المثقف اليوم