عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

إن الكاتب المبدع بعد سنوات من السفر الشاق عبر عوالم الكتابة المتفردة الفاعلة العابرة للقارات ، الكتابة الكونية المنفتحة على الإنسانية، يقوده هذا السفر إلى خوض غمار التجريب فينفتح نصه خاصة الروائي باعتبار الرواية الجنس المنتشر بكثرة على أجناس أدبية أخرى فيتماهى عمله السردي الإبداعي معها فنجد القصيدة والمسرحية وفي الشعر نجد القصة والمسرحية فلم يعد هناك حدود بين هذه الأجناس الأدبية بل هناك كتاب يكتبون نصا مفتوحا لا نسنطيع أن نعطيه هوية إبداعية معينة فهو قصيدة نثرية وخاطرة وقصة يحتار قارئه أين يصنفه؟

وهذا النوع الكتابي " تداخل الأجناس " هو نوع كتابي داخل النص الواحد يقول الكاتب مصطفى عطية جمعة:

"يعبر مفهوم «الكتابة عبر النوعية Interdisciplinary Writing « عن فكرة تداخل الأجناس والأشكال الأدبية، أو دمج أكثر من شكل/ نوع كتابي داخل النص الواحد، بما يعني تضفير الكتابة، من خلال توظيف أجناس أدبية عديدة، بأن نجد النص ـ مثلا – حاويا للقصة والقصيدة، أو القصة والمسرح أو المسرح والشعر، أو الشعر والدراما، إلخ.

وهو أمر يشير في جوهــــره إلى حاجة الأديب إلى تخطي جنس أدبي ما، بتقاليده المعروفة والمستقرة، في سبيل الكتابة من خلال أجناس أدبية أخرى، بدمجها معا، والاستفادة من المعطيات الجمالية والشكلية والرؤيوية، التي تتوافر في الأشكال الأدبية الأخرى، وكذلك في الفنون المرئية والمسموعة .

فمن الخطأ حصر المسألة في قضية الشكل وحده، لأن الرؤية جزء لا يتجزأ من الشكل، فالإلهام يأتي إلى المبدع عبر دربين: درب الرؤية التي تحمل فكرا وطرحا، ودرب الشكل الذي سيحتوي هذه الرؤية، فالمبدع يفكر من خلال الوعاء الذي يمكن أن يصوغ فيه رؤاه ومشاعره وطروحاته، مثلما أن الرؤية تحتاج لشكل يشملها".

نستطيع أن نقول أن تداخل الأجناس في الأدب صار واقعا أدبيا لكن ينبغي على الكاتب أن لا يهتم بالشكل فقط بل عليه أن يملك رؤية إبداعية جمالية يضيف إلى نصه لمسات فنيه تجعله نصا خالدا أما الكاتب الذي يفتقد للثقافة ولا يعرف الفروق بين الأجناس الأدبية ثم يدعي أنه يكتب نصا مفتوحا يكسر الحواجز ويتجاوز ما هو متعارف عليه هو كاتب واهم يجري وراء الوهم ويعيش الوهم وينشر الوهم.

***

الكاتب: شدري معمر علي

...................

1- مصطفى عطية جمعة، تداخل الأنواع والنصوص: فض الإشكالية وتعميق المفهوم.

 

ليست أخطر القيود على حرية الرأي تلك التي تفرضها السلطة بالقانون أو المنع أو الرقابة؛ فهذه، مهما اشتدّت، تظلّ قيودًا ظاهرة يمكن مقاومتها وفضحها.

الأخطر منها تلك التي يصنعها الإنسان داخل عقله، حين يتحوّل الانتماء الإيديولوجي أو الحزبي من اختيار فكري قابل للنقد والمراجعة إلى ولاء مغلق لا يسمح لصاحبه بأن يرى في جماعته إلاّ الصواب، وفي خصومها إلاّ الخطأ.

عندها لا يعود السؤال: ماذا قيل؟ وهل هو صحيح؟

بل يصبح السؤال: من قاله؟ وإلى أيّ جهة ينتمي؟ ومن المستفيد منه؟

وهنا تبدأ مأساة الفكر.

فبدل أن يُناقش الرأي بالحجّة، يُحاكم صاحبه بالانتماء، وبدل تفكيك الفكرة ونقد مقدّماتها ونتائجها، يجري البحث عن "خلفيّاتها" و"أجنداتها" و"الجهة التي تقف وراءها".

وكلما عجز الخطاب عن مواجهة النقد بالحجّة، استدعى شبح المؤامرة ليعفي نفسه من عناء التفكير.

عقليّة المؤامرة مريحة جدًّا للعقل المغلق.

فهي تمنحه تفسيرًا جاهزًا لكلّ ما لا يوافقه: الناقد مأجور، والمخالف متآمر، والمختلف يبحث عن مصلحة خفيّة، ومن يطرح سؤالًا محرِجًا لا يريد الحقيقة وإنّما يريد خدمة خصوم الجماعة.

وبهذه الطريقة يتحوّل النقد من حقّ طبيعيّ إلى تهمة، ويصبح السؤال استفزازًا، والمراجعة خيانة، والاستقلاليّة خروجًا عن الصفّ.

المشكلة هنا ليست في وجود الأحزاب أو الإيديولوجيّات؛ فالاختلاف في التصوّرات والمشاريع والمواقف جزء طبيعي من الحياة العامة.

المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانتماء إلى معيار للحقيقة، فيصبح ما يصدر عن "الجماعة" صحيحًا لمجرّد صدوره عنها، وما يأتي من خارجها مشبوهًا لمجرّد أنّه صادر عن خارجها.

والأخطر أنّ بعض الولاءات لا تكتفي بحماية أفكارها، بل تحاول حماية تاريخها أيضًا.

فإذا ظهرت واقعة تناقض الرواية المريحة، جرى تأويلها أو تبريرها أو تحميل المسؤوليّة للآخرين. وإذا أخطأت القيادة، بحث الأتباع عن الأعذار، وإذا فشلت التجربة، استُدعيت المؤامرة، وإذا انتقد أحدٌ المسار من داخله، وُضع سريعًا في خانة "الخارجين" أو "المندسّين".

وهكذا يتحوّل التنظيم من فضاء يفترض أن ينتج الأفكار إلى بيئة تعاقب التفكير المستقل.

إنّ حريّة الرأي لا تُختبر عندما نسمع رأيًا يشبه رأينا؛ بل عندما نواجه رأيًا يزعجنا، ويهزّ يقيننا، ويضع أمامنا أسئلة لا نملك لها إجابات جاهزة.

والفكر النقدي لا يعني التشهير بالآخر، ولا يعني رفض كلّ ما تقوله الجماعة، ولا يعني البحث المرضي عن الأخطاء. معناه ببساطة أن تكون الفكرة أكبر من صاحبها، والحقيقة أكبر من الجماعة، والضمير أكبر من التنظيم.

يمكن للإنسان أن ينتمي إلى حزب، وأن يحمل مشروعًا فكريًّا، وأن يدافع عن قضيّة يؤمن بها، دون أن يتنازل عن حقّه في أن يقول: أخطأنا.

ودون أن يخشى أن يسأل: لماذا؟

ودون أن يضطرّ كلّما انتقد موقفًا إلى تقديم شهادة ولاء قبل أن يُسمح له بالكلام.

إنّ الجماعة التي لا تحتمل النقد لا تحمي نفسها من خصومها؛ بل تحرم نفسها من أهمّ وسيلة لتصحيح أخطائها.

أمّا تحويل كلّ نقد إلى مؤامرة، فليس دفاعًا عن الحقيقة، وإنّما هروب من امتحانها.

ولذلك فإنّ المعركة الحقيقيّة ليست بين هذا الحزب وذاك، ولا بين هذه الإيديولوجيا وتلك؛ بل بين عقليّتين:

عقليّة تقول: ناقش فكرتي، فنحن نبحث عن الحقيقة.

وعقليّة تقول: أثبت أوّلًا أنّك معنا، ثمّ يحقّ لك أن تنتقدنا.

الأولى تصنع مواطنًا حرًّا.

والثانية تصنع تابعًا بارعًا في الدفاع عن شيء قد لا يعود يعرف لماذا يدافع عنه.

وفي النهاية، لا تُقاس حريّة الفكر بعدد الآراء التي نسمح لأنفسنا بسماعها، بل بقدرتنا على احتمال الرأي الذي قد يكون صحيحًا رغم أنّنا لا نحبّه.

فحين يصبح الولاء شرطًا للحقيقة، يموت النقد.

وحين يصبح النقد خيانة، يموت الحوار.

وحين تصبح المؤامرة جوابًا جاهزًا عن كلّ سؤال صعب، يتوقّف العقل عن البحث ويبدأ في تبرير نفسه.

***

بقلم:️ سليمان بن تملّيست

جربة في 2026/09/24

الجمهوريّة التونسيّة

 

إنَّ بناء الأسرة والحفاظ على الروابط التي بينها من أهم المواضيع التربوية التي أعلنها بها النظام الإسلامي في منهجه التشريعي والتربوي. والروايات الواردة في الحفاظ على الرابطة الأخوية كثيرة تنبثق من الإيمان أنَّ لها أثرًا معنويًّا كبيرًا في إيجاد جو من المحبة والإيثار والعطاء بينهم داخل المنزل وخارجه، بل تمتد في مساحات مهمة أخرى، وهذا الإخوة مسألة عظيمة فطرية يؤمن العقل بأهميتها، وحاجة الإنسان إليها، وعلينا أنْ نراعي العقل والفطرة في صيانتها ,, ضرورة أنْ يعلم الابن الأكبر أنه كبير في التفكير والمحبة والعاطفة والتحارب على إخوته، وليس بالعمر فقط فهو لا يغني شيئًا في بعض الأحايين، وهذا يحتاج إلى مزيد من المعرفة والأخلاق بالإيثار في كل بيتٍ، ثمة إنسان يكبر قبل أوانه، وتحمل سنواته المبكرة شيئًا من وقار الكبار، حيث يقف قريبًا من الأب، ويظل قلبه معلقًا بإخوته، حتى تصبح المسؤولية جزءًا من ملامحه ومن طريقته في الحياة. ذلك هو الأخ الأكبر؛ أول من يتعلم تأجيل رغباته، وأول من يفهم أن المحبة مواقف تُعاش، ويدٌ تمتد في الوقت المناسب، وصدرٌ يتسع حين تضيق الأيام. مع ميلاد الأخ الأكبر يولد في البيت عزوةٌ وسندٌ جديد، ويبدأ فصل كامل من تاريخ الأسرة. تكبر الأسرة معه قبل أن يكبر فيها. تمر الأيام، فتستقر على كتفيه أدوار لم يطلبها، وهموم جاءت إليه بحكم موقعه وقربه من الجميع، فيعرف متاعب البدايات، ويجرب الطريق قبل إخوته، ثم يعود إليهم بخبرةٍ تخفف عنهم عثراته! واستقرت للأخ الأكبر مكانة رفيعة في الوجدان العربي، لتمتد صورته إلى معنى السند، وقربت منزلته من منزلة الأب؛ فكان ملاذًا عند الشدائد، وصاحب الكلمة التي تهدأ بها القلوب حين تضطرب الأحوال. وتختصر الآية الكريمة هذا المعنى بأبلغ صورة: "سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ"، فالعضد يحمل معنى القوة، ويحمل معه الطمأنينة والثبات ورفقة الطريق وأكثر. علم الاجتماع يفسر هذه المكانة بطريقة لافتة، فقد أشار عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر إلى أن ترتيب الميلاد يسهم في تشكيل أنماط الشخصية، وأن الابن الأكبر يميل إلى تحمل المسؤولية والقيادة والمحافظة على استقرار الأسرة أكثر من غيره. ورغم اختلاف الباحثين حول مدى تأثير ترتيب الميلاد، فإن دراسات حديثة تؤكد أن الأبناء الأكبر سنًا غالبًا ما يتحملون أدوارًا أسرية إضافية، خاصة في البيئات التي تقوم على الترابط العائلي، فيتحولون إلى مصدر للدعم النفسي والاجتماعي لإخوتهم. ثم اتسع ميدان البحث إلى ما بعد ترتيب الميلاد، حيث تشير دراسات علم نفس النمو إلى أن الأخ الأكبر يؤدي دور "النموذج الأول" داخل الأسرة؛ يراقب الإخوة طريقته في الحديث، وأسلوبه في التعامل، واستجابته للمواقف اليومية، فتتشكل كثير من السلوكيات بالتقليد قبل التوجيه. وتزداد هذه المكانة وضوحًا في المجتمعات التي تقوم على قوة الروابط الأسرية، حيث يشارك الأخ الأكبر الوالدين جزءًا من التربية والاحتواء وصناعة القرار. وتفتح دراسات العلاقات الأسرية بابًا آخر للتأمل؛ فالعلاقة بين الأشقاء تمتد عبر معظم مراحل حياة الإنسان، حيث يمضي الوالدان، وتتبدل الصداقات، وتتغير المدن والوظائف، ويبقى الأخ شاهدًا على الطفولة، وذاكرةً تحفظ تفاصيل السنوات الأولى التي يعرفها هو وحده. ويصف علماء النفس فقد الأخ بأنه فقد لجزء من الهوية الشخصية؛ فبرحيله تغيب ذاكرة مشتركة يصعب تعويضها. وعندما يرحل الأخ الأكبر، يتغير إيقاع البيت كله، تكبر المقاعد، ويطول الصمت في المناسبات، وتستيقظ الذكريات من أماكن بعيدة، فيلتفت الإخوة إلى تفاصيل عبرت أمامهم سنوات طويلة، ثم تظهر قيمتها كاملة بعد الغياب: مكالمة عابرة، سؤال متكرر، عتاب دافئ، يد سبقت الحاجة، وموقف حفظ للبيت تماسكه. تمضي الأعوام هادئة، ثم تأتي لحظة تعيد ترتيب العمر كله، ليعود الإنسان إلى طفولته من طريق غريب، ويجد أخاه الأكبر واقفًا في أول المشهد؛ يحمل عنه شيئًا من الخوف، ويطمئنه عند ارتباك البدايات، ويفرح لنجاحه كأن النجاح يخصه. كان يسبق الجميع إلى التجربة، ويستقبل كثيرًا من صدمات الحياة، ثم يعود بخبرتها هديّةً لإخوته.

***

نهاد الحديثي

الصورة في لحظة التقاطها الأولى، هي توثيق لحدث عابر، لكنها بمرور الزمن، تتحول إلى شيء آخر، حيث تصبح عندئذ، ذاكرة معلقة على جدار القلب، لتحفظ ما أخذه الزمن معه، وتمنحنا فرصة للعودة، ولو للحظات، إلى أيام مضت، ولم تعد قابلة للتكرار.

 في تلك الصور، وجوه غاب أصحابها، وأصدقاء أخذتهم المسافات، وأماكن تبدلت ملامحها، وأيام مضت، دون أن نشعر، لتبقى وحدها الصورة، صامتة، تقول لنا، إن اللحظات الجميلة، وهي تعيش بين أيدينا، ستكون ذات يوم، من أجمل ذكرياتنا.

الأماكن تتغير، والوجوه تكبر، والطرقات تتباعد، ومن كانوا بالأمس جزءا من يومنا، قد يصبحون اليوم، جزءا من ذاكرتنا فقط.ومع ذلك، لا يكون الغياب اعداما للحضور، فبعض الناس يرحلون عن أعيننا، لكنهم يسكنون في وجداننا، وبمجرد أن تقع العين على صورة قديمة، يعود حضورهم فجأة، بكل ما يحملونه من ألفة، ومودة، وحنين.

وهكذا فالصور ليست مجرد أوراق، أو ملفات، معلقة على الجدران، أو محفوظة في الهاتف، والملفات، إنها خزائن صغيرة للزمن. فكل صورة تختزن لحظة، وكل لحظة تحمل حكاية، وكل حكاية تختبئ خلفها مشاعر، قد لا تستطيع الكلمات أن تستعيدها.

ولذلك، نجد ان الصورة، وأن كانت تمنحنا لحظة فرح، باستعادة من نحب، لكنها في الوقت نفسه، تذكرنا بأن الزمن، لا يعيد لنا ما أخذه.

ولأن أجمل ما في الحياة، ليس ما نحتفظ به من صور شتى، بل ما نعيشه بصدق، قبل أن يصبح صورة، الأمر الذي يتطلب الاستمتاع بقيمة اللحظات التي نعيشها، قبل أن تتحول إلى ذكريات. فقد يغيب الإنسان عن المكان، لكن أثره يظل عالقا في الذاكرة، وقد يتحول الحضور إلى صورة، لكن بعض الصور لا تغيب أبدا، لأنها لا تحفظ ملامح أصحابها وحسب، وانما تحفظ جزءا من احساساتنا، التي عاشت معهم ذات يوم.

***

نايف عبوش

حكاية الهدية في المجتمع العراقي

كان العراقيون، وما زالوا، يتبادلون الهدايا في مناسباتهم الاجتماعية: في الأفراح والأحزان، وفي الزيارات والعودة من السفر والحج، وعند الزواج والختان والمرض، وسائر المناسبات التي تجمع الناس على المحبة والمجاملة. وكانت الهدية، في أصلها، على نوعين: هدية رمزية تعبّر عن المودة، وتشارك الآخر فرحته أو تخفف عنه حزنه؛ وأخرى مادية يكون المقصود منها تقديم العون والمساندة.

وما سأرويه هنا بعضٌ مما بقي في الذاكرة من الماضي القريب، قبل أن تتغير وظيفة الهدية في بعض الأوساط، فتتحول من تعبير عن المحبة والوفاء إلى وسيلة لتحقيق مصلحة، أو إلى ما يشبه الرشوة حين تُقدَّم إلى مسؤول أو صاحب نفوذ لقاء خدمة أو امتياز. أما ساعات «رولكس» و«باتيك فيليب»، والسيارات الفارهة والعقارات، وما هو أغلى وأبعد من ذلك، فهي قصة أخرى من قصص زمننا الذي اختلطت فيه الهدية بالمصلحة والفساد.

أثار في ذاكرتي تعليقُ الأخ الدكتور فلاح ناجي على مقالتي السابقة عن «الصوغة»، عندما ذكر ما كنا نسميه «الفضل»، أي الهدية التي ينبغي أن تُرد في مناسبة مماثلة. وكان «الفضل» في كثير من الأحيان يتكون من «كَلّات من القند».

ولعل الجيل الجديد لا يعرف ما هي «كَلّة القند». وهي قالبٌ من السكر الصلب، مخروطي الشكل تقريبًا، يبلغ طوله نحو عشرين سنتيمترًا، ومغلف بورق أزرق داكن، وكانت من الهدايا المعروفة في العراق. وتذكر مصادر عن العادات العراقية أن كَلّة القند كانت تُرسل هدية في الأعراس، كما ارتبط القند بطقوس الزواج القديمة.

وكانت كَلّة القند تأتي أحيانًا مع قناني الشربت، ومن أشهر من ارتبط اسمه في الذاكرة البغدادية بصناعة الشربت والمرطبات والحلويات «جواد الشكرجي». وكانت الهدية تُرتب في صينية، وتُغطّى بقطعة قماش، وتُحمل إلى بيت أصحاب المناسبة أو إلى المستشفى عند زيارة المريض. وكان عدد الكَلّات وقناني الشربت يتناسب مع مكانة الشخص الذي تُقدَّم إليه الهدية، ومع قدرة مقدمها. كما كانت الفاكهة للمريض، وبخاصة البرتقال والنومي الحلو، من الهدايا المحببة لدى الكثير من العراقيين. لم تكن قيمة الهدية هي الأساس، وإنما كان حضورها ومناسبتها هما الأهم.

ومع تحسُّن مستوى المعيشة وتوسع الأسواق العراقية، أخذت طبيعة الهدايا تتغير تدريجيًا، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، عندما بدأت السلع الاستهلاكية والمنزلية تدخل البيوت العراقية بصورة أوسع.

وكان لأوروزدي باك، الذي ظهر في بغداد في عشرينيات القرن العشرين، دورٌ مهم في تغيير علاقة العراقيين بالسلع الحديثة؛ فقد كان يعرض طيفًا واسعًا من البضائع، من الملابس والأقمشة إلى الأدوات المنزلية والأجهزة، والمواد الغذائية، والعطور، وغيرها. ثم شهدت هذه المؤسسة تحولات في الملكية والإدارة خلال الستينيات والسبعينيات، إلى أن أصبحت الأسواق المركزية مؤسسة حكومية تابعة لوزارة التجارة.

وهنا دخلت الهدية مرحلة جديدة. فبعد أن كانت «كَلّة القند» وقناني الشربت من الهدايا المألوفة، أخذت الهدايا تتحول تدريجيًا إلى أشياء يمكن أن تبقى في البيت وتُستعمل لفترة طويلة. فأصبح طقم فناجين القهوة واحدًا من أشهر الهدايا، ثم تبعته فناجين الشاي والصحون والأقداح وأطقم المائدة، ومنها أقداح الكريستال التي كانت تُعدّ في ذلك الوقت هدية ثمينة وجميلة.

ومن طرائف فناجين القهوة أن كثرتها في البيوت كانت تدفع البعض إلى إعادة إهدائها إلى الآخرين. وربما تستلم طقم فناجين قهوة كنت قد أهديته قبل سنتين أو ثلاث، بعد أن دار خلال تلك السنوات بين أكثر من بيت، وتداولته الأيدي، قبل أن يعود إليك، معزّزًا مكرّمًا، ملفوفًا بورق هدايا وكأنه هدية جديدة لم ترها من قبل.

ومن الطريف أن البيت العراقي كان يجمع، مع مرور السنوات، أعدادًا كبيرة من هذه الهدايا. ففي كل زواج أو ختان أو مناسبة اجتماعية يدخل إلى البيت طقم جديد، حتى تصبح الخزانة أشبه بسجل صامت للمناسبات التي مرت على الأسرة. لم تكن تلك الهدايا فاخرة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لكنها كانت ثمينة في نظر أصحابها؛ لأنها تحمل ذكرى الشخص والمناسبة التي جاءت منها.

ولم تكن الهدية تُفتح أمام من قدّمها، وهي عادة كانت شائعة عندنا، وربما كان فيها قدر من الحياء واحترام الخصوصية؛ فلا يريد من تلقاها أن يضع مقدم الهدية في موقف قد يكشف رضاه أو عدم رضاه عنها. أما اليوم فقد تغيرت هذه العادة في كثير من البيئات، وأصبح فتح الهدايا أمام مقدمها أمرًا مألوفًا، كما هو معروف في المجتمعات الغربية.

ثم أخذت مظاهر الحياة الاجتماعية العراقية تتأثر بصورة أكبر بالثقافة الغربية وأنماط الاستهلاك الحديثة، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين. فدخلت الورود وسلال الزهور إلى عالم الهدايا بصورة أوسع، وأصبحت علب الشوكولاتة من الهدايا المحببة في الزيارات والمناسبات.

وتغيّر شكل الهدية مرة أخرى. فبعد أن كانت الشوكولاتة تُقدَّم في علب كرتونية بسيطة، مثل علب «بسكولاته»، أو في علب «ماكنتوش» المعدنية الأنيقة، أصبح الوعاء الذي تُقدَّم فيه الهدية جزءًا من الهدية نفسها؛ فأصبحت الشوكولاتة تُقدَّم في أوانٍ من الكريستال، أو في صناديق خشبية فاخرة مطعّمة، وأحيانًا كان ثمن الوعاء أو الصندوق أعلى من قيمة ما يحتويه من حلوى. وهكذا بدأ الاهتمام ينتقل تدريجيًا من محتوى الهدية إلى شكلها، ومن فائدتها إلى مظهرها.

ومع مرور الزمن، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، دخل المال نفسه بقوة إلى منظومة المناسبات الاجتماعية. فأصبح تقديم النقود في بعض المناسبات، وخصوصًا الأعراس، وسيلة عملية لمساعدة أصحاب المناسبة على تحمّل تكاليفها. وكان هذا النوع من الهدايا مختلفًا عن «الفضل» القديم؛ فالهدية لم تعد شيئًا يشتريه الشخص ويحمله معه، بل أصبحت مبلغًا من المال يوضع في ظرف، وقد ارتبط مقدار المبلغ بدرجة القرب والمكانة والقدرة المالية. ومع ذلك بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: أن ترد الجميل، وأن تقف مع قريبك أو صديقك في يوم فرحه أو محنته.

ولم تكن الهدايا دائمًا أشياء تُقتنى أو تُحفظ للذكرى، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلةً للمشاركة في تحمّل أعباء المناسبة ومصاريفها. فقد اعتاد العراقيون إقامة الولائم في مختلف المناسبات، في الأفراح والأحزان على حدّ سواء؛ في الأعراس والختان، وفي العودة من الحج، وكذلك في مجالس العزاء. لذلك كان من المألوف أن يحمل الأقارب والأصدقاء معهم أكياس الأرز والسكر وعبوات الزيت وغيرها من المواد الغذائية، لتكون هديةً ومساهمةً في إعداد الطعام وتخفيف ما تتحمله الأسرة من نفقات. وحتى الخراف التي كانت تُهدى في بعض المناسبات كانت مشاركةً مباشرةً في توفير ما تحتاجه الوليمة من لحم. وهكذا اصبح للهدية معنى أعمق من مجرد التبادل؛ فقد كانت تعبيرًا عن المودة والتكافل، وعن الوقوف إلى جانب الأسرة في أفراحها وأحزانها.

لكن، ومع الأسف، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا أكثر خطورة. فمع اتساع مظاهر الثراء غير المشروع، وانتشار الفساد والسرقات والامتيازات، بدأت تظهر هدايا لا تشبه هدايا الماضي. لم تعد «كَلّة القند» هي التي تعبّر عن الكرم، ولا سلة الورد هي التي تختصر المودة، ولا حتى طقم فناجين القهوة هو الهدية الثمينة.

ظهرت هدايا يصعب على العقل أن يتصورها أو يستوعبها؛ هدايا من قبيل الساعات باهظة الثمن، والسيارات الفارهة، والمبالغ المالية الكبيرة، وأحيانًا الشقق، والفلل، والعقارات. ولم تعد هذه الهدايا مرتبطة بمناسبة اجتماعية محددة، كالزواج، أو الختان، أو زيارة المريض، أو العودة من الحج، بل أصبح بعضها يُقدَّم بلا مناسبة، ومن دون ارتباط بحدث أو تقليد اجتماعي بعينه.

وهنا تغير السؤال: هل ما زالت هذه هدية؟

فالهدية في معناها الجميل لا تنتظر مقابلًا، ولا تفتح بابًا لمصلحة، ولا تشتري قرارًا، ولا تمنح صاحبها حقًا على من تلقاها. أما عندما تصبح الهدية وسيلة للحصول على خدمة، أو عقد، أو منصب، أو امتياز، فإن اسمها قد يبقى «هدية»، لكن معناها الاجتماعي والأخلاقي يكون قد تغير.

ولعل أجمل ما في تاريخ الهدايا العراقية أنها تكشف لنا، من دون قصد، شيئًا من تاريخ المجتمع نفسه. في زمن «كَلّة القند» كانت قيمة الهدية في معناها: مشاركة وفرح وردّ للفضل. وفي زمن أطقم فناجين القهوة والأقداح كانت الهدية تجمع بين الذوق والمنفعة، وتبقى في البيت لتذكّر أصحابها بمن قدمها. وفي زمن الورود والشوكولاتة أصبحت الهدية أقرب إلى التعبير عن الذوق والمجاملة. ثم جاء زمن المال والهدايا الفاخرة، فأصبحت في بعض المناسبات وسيلة للمساعدة، أو لإظهار المكانة الاجتماعية.

أما حين تدخل الساعة الثمينة والسيارة والعقار إلى دائرة الهدية، وتكون وراءها مصلحة أو نفوذ، فإننا لا نكون أمام تطور طبيعي للهدية، وإنما أمام تحول في القيم التي تقف وراءها. وربما لهذا السبب تستحق «كَلّة القند» أن تبقى في ذاكرتنا؛ لأنها تذكرنا بزمن كانت فيه الهدية صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها.

فقد تتغير الهدية مع الزمن، وتتغير قيمتها وشكلها وطريقة تقديمها، لكن أجمل الهدايا تبقى تلك التي لا يُنتظر منها شيء سوى أن تعبر عن مشاعرك الصادقة لمن تحب وعن مشاركتك لأفراحه وأحزانه.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

بعد رحيل نصير كامل الجادرجي (1933-2026) طوت عائلة آل الجادرجي تاريخها في السياسة والمجتمع العراقيّ. الأسرة التي عُرفت بعميدها الأول كامل رفعت الجادرجي، أو الخيام، مثلما ذكره أستاذه الشاعر معروف الرُّصافيّ، فالجادر يعني الخيمة، والأسرة كانت صاحبة خيام. عاش الجادرجي الأب في كنف والده رفعت الخيام، في العهد العثمانيّ، وكان أمين بغداد.

تبنى آل الجادرجي الديمقراطية، التي لا يراها الأب مطبقة في العهد الملكي، ومنها الديمقراطية المجتمعية وسلطة القانون، وهذا ما تأثر به من البلاد الغربية وفلاسفتها في هذا الشأن، وما عُرف بالفلسفة «الفابية»، وكان قريباً إلى الماركسية ولم يكن ماركسياً، وخصماً للنازية والفاشية، وجرت بينه وبين قريبه المتأثر بالنازية حوارات على صفحات الجرائد، وعندما أراد البعض نقل الكتابة أو الأبجدية من العربية إلى الإنجليزية، تأثراً بتركيا أتاتورك، تصدى كامل الجادرجي برد استغرق صفحات من جريدته «الأهالي».

غيّر كامل الجادرجي الديمقراطيّ، الذي عمل طوال الحكم الملكي، وأيد الانقلاب عليه (المعروف بانقلاب بكر صدقي 1936)، أملاً في النظام الذي يريده، انتهى نفسه بعد ثورة 14 تموز 1958، وكان كامل الجادرجي معوّلاً أيضاً على النظام الجديد في تحقيق حلمه السياسي، وقد أصبح في حكومة الانقلاب (1936) وزيراً للاقتصاد والمواصلات، لكن بانتهاء الملكية انتهى معارضيها أيضاً، فلم يسمح للمعارضة السياسية أو الفكرية بالعمل أو تشكيل أحزابها، وإن تشكّلت أحزاب فليس على ما يطمح له الجادرجي الأب. ظل حزب كامل الجادرجي «الوطني الديمقراطي» قائماً لكن مختصراً على النخبة، وقد خرج منه البعض بسبب قرب الجادرجي من الشيوعيين، ولم يكن شيوعياً.

لهذا لم يجد نجله نصير الجادرجي مانعاً أسرياً بالانتماء للحزب الشيوعي، واعتقل بعد الانقلاب على عبد الكريم قاسم، من قِبل ما عُرف بالحرس القومي (1963)، وظل نصير شيوعياً ثم ماركسياً وديمقراطياً. ظهر بعد (2003) كأحد الوجوه السياسية، وأظهر ذخيرة والده «الحزب الوطني الديمقراطي»، لكن في زمن لم يجد فيه الجماهير، التي التفت حول الأحزاب الدينية.

وبسبب التوزيع الطائفي جعلت (سُنية) الجادرجي الرجل عضواً في مجلس الحكم، وهو شخصياً لم يعتبر نفسه ممثلاً لطائفة، إنما ظل يعتقد أنه دخل بنهج حزبه «الوطني الديمقراطي»، لكن هذا لم يؤخذ بنظر الاعتبار مِن قبل الآخرين، فأمين الحزب الشيوعي العراقي صُنف في مجلس الحكم على (شيعيته) وهو شخصياً وحزبياً شأنه شأن الجادرجي، لم يُقر هذا التنسيب، بعد مجلس الحكم لم يحصل نصير الجادرجي، والأفراد الذين كانوا يمثلون الأفكار لا الطوائف، على مناصب في النظام (الجديد).

ظل الجادرجي يعمل مع التجمعات الديمقراطية، مثل التجمع الديمقراطي، القريب من اليسار العراقي بشكل عام، فعناصره، على قلة حيلتها، قامت بنشاط معارض لنهج المحاصصة، لكن من خارج البرلمان، فالوضع الجديد الذي تركته الحروب والحصار لم يترك للعقل السياسيّ باباً مفتوحاً إلى البرلمان، فالأغلبية العظمى اتجهت للأحزاب حسب الطوائف، مما لم يجد نصير وحزبه مكاناً بينها، وهم الذي يمثلون التحضر الاجتماعي من العهد الملكي، العهد الذي أيد حزبه سقوطه أملاً في نظام ديمقراطي جذري، لكن الجادرجي صار غريباً في الأنظمة التي أعقبته، وفي بغداده نفسها، وقد تعرض شقيقه المعمار رفعت الجادرجي إلى الاعتقال، وهو الذي شيد نصب الثورة (1958) وكان النحات جواد سليم، وما زال قائماً.

كتب الكثير عن تجربة أسرة الجادرجي السياسية والاجتماعيَّة، والحزب الوطني الديمقراطيَّ، لكن الحيوي الذي قرأته في تاريخ الأسرة هو كتاب «ومرت الأيام» للكاتبة بلقيس شرارة زوجة المعمار رفعت، وكتابهما المشترك «بين ظلمتين»، وكتاب رفعت عن والده «صورة أب».

أقول: إذا ذكر تاريخ العراق السياسي ليس لأحد يتجاهل تاريخ هذه الأسرة، التي تركت أرضية للفكر الديمقراطي، وهو تاريخ كامل الجادرجي وآخرين، وحزبه «الوطني الديمقراطي»، وجريدته «الأهالي»، التي زهت بالجدل والحوار، لكنها توقفت بتوقف المعارضة الديمقراطية، عندما سقط النظام الملكي وسقطت معارضته، التي مثلتها «الأهاليّ». على العموم، كان لآل الجادرجي حلم ٌسعوا إليه، لكنه حلم يقظة، ظل مطوياً في تاريخ الحزب «الوطني الديمقراطيّ»، وليس لأحد التنظير بالديمقراطية عراقياً دون الارتكاز علي تجربة هذا الحزب وصاحبه.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

وقال لي:

أن يعملَ المرءُ كي يبقى حيًّا فحسب، لا ليحيا... هنا قمّةُ المأساة؛ حيث تُختزل الحياةُ إلى مجرّد استمرارٍ بيولوجيّ. كأنّنا خُلقنا لنسدَّ ثغرةَ الجوع، لا لنُشبعَ عطشَ النجوم.

نبضُ القلبِ دون نبضِ الروح مجرّدُ ميكانيكا للجسد، وساعةٌ رمليّةٌ تُحصي الانهيارَ لا البقاء. فالفرقُ بين أن تبقى وأن تحيا، هو الفرقُ بين أن تكونَ ضحيّةً للزمن، وأن تكونَ صانعًا للمعنى.

وفي هذا المشهدِ الكالح، يقفُ الإنسانُ بين هاويتين:

أيَلعنُ حياتَه ويستسلم، كأنّما يوقّعُ بيده على صكّ موتِه الداخلي؟

أم يصارع، ولو بيدٍ مكسورة، لا ليغلبَ العالم، بل ليحتفظَ ببقيّةٍ من كرامته وسط هذا الوحلِ اليوميّ من الذلّ والهوان، الذي يتقطّر ببطءٍ كالماءِ الباردِ على جبينٍ محموم؟

ربّما يستحقُّ أن يتنهّد، أن يغضب، أن يصرخ:

«كلا! هذا ليس ما خُلقتُ لأجلِه!»

هذا ليس ضعفًا؛ هو أوّلُ خيوطِ الفجرِ في ليلِ الروح. أن تعترفَ بالقسوة، نعم، وأن تنظرَ إليها في عينيها بلا وَهَنٍ ولا خوف. فالاعترافُ بالقسوةِ وعيٌ بها. لكنّ الخطرَ كلَّ الخطرِ أن نسمحَ لها بأن تكونَ الكلمةَ الأخيرةَ في سفرِ حياتنا، وأن نُسلّمَ لها الروحَ كما تُسلَّمُ مدينةٌ محاصرةٌ بلا مقاومة.

أن تمشي...

والابتسامةُ تلمعُ على شفتيكَ كشَمعةٍ في عاصفة، تضيءُ وجهَكَ المتعب. ابتسامةٌ تعني أنّك قرّرتَ ألّا تدعَها تُملي عليك لغةَ وجهك ولا تعني أنّ الجراحَ قد برئت، هذا ليس سذاجةً، يا صديقي؛ هو تمرّدٌ هادئٌ يرفضُ أن تُسرقَ منه إنسانيّتُه، ويرفضُ أن يُختصر.

قرارٌ صامتٌ يهمسُ بقوّة:

«لن أسمحَ لهذا الحاضرِ البائسِ أن يبتلعني ويختصرني في جثّةٍ عاملة.»

فأعظمُ ثوراتِ الإنسانِ لا تُقامُ في الساحات، بل في اللحظةِ التي يقرّرُ فيها ألّا يشبهَ قهرَه.

وما مضى من عمري، مهما كان مثقلًا بالندوب، لن يمحوَ ما بقي من احتمالاتٍ كامنةٍ في الغد.

أحيانًا، لا تكونُ البطولةُ في قلبِ العالمِ رأسًا على عقب؛ قد تكونُ في ألّا يسمحَ الإنسانُ للعالمِ بأن يغيّرَه إلى ما ليس هو. أن يستمرَّ دون أن يفقدَ إنسانيّتَه؛ أن يحتفظَ بقدرته على التألّم، وعلى السؤال، وعلى الدهشة.

أن يمشيَ يوميًّا في هذا المستنقعِ دون أن يفقدَ شيئًا من نقاءِ روحه.

الطريقُ طويلٌ وموحش، لكنّ مَن يخطو عليه بإيمان، ولو كان إيمانًا ممزّقًا، لا يكونُ وحيدًا حقًّا؛ لأنّ في صدره شرارةً ترفضُ الانطفاء، وإن بدا للعيونِ أنّه يسيرُ في صحراءَ قاحلة.

امشِ...

فالغدُ لا يحتاجُ منك أن تصلَ كاملًا؛ يكفي ألّا تصلَ إليه وقد فقدتَ نفسك.

صورةٌ أخرى للعبوديّة الحديثة:

 أن تشعرَ بأنّك عبدٌ للبقاء. نحن لا نُستعبدُ بالسلاسلِ الحديديّة كما في العصورِ الغابرة، قد نستعبدُ بوهمِ الأمان. نبيعُ بواكيرَ أعمارنا بفتاتِ اليقين، ونحرقُ أيامنا لنُدفئَ لحظةَ جوع، ثم نتعجّبُ كيف تحوّلَ العمرُ إلى رماد.

ذلك الاختناقُ الذي تحسّه بين يديكَ المتعبتين وروحكَ الجائعة، ذلك الشعورُ بأنّك تُختزلُ في رمقٍ تافهٍ بالكادِ يسدُّ زاويةً من معدتك، ليس مجرّدَ تعب؛ إنّه سؤالٌ يطرقُ بابَ إنسانيتك:

هل خُلقتَ لتعملَ فقط كي تبقى؟

إنّ الإحساسَ المرَّ بأنّ التغييرَ ضربٌ من الوهم، قد يكونُ ثمرةً مرّةً لشجرةِ الإرهاقِ التي غرستها الأيامُ في أعماقك.

حين تُستنزفُ الروح، يضيقُ الأفق، ويتلوّنُ العالمُ بلونِ الجدرانِ الرماديّة، فيرى الإنسانُ الطريقَ مسدودًا، لا لأنّه كذلك في ذاته،  لأنّ بصيرتَه أُنهكت من طولِ الوقوفِ في ورشةِ العبوديّة.

والوعيُ، يا صديقي، هو الجرحُ الذي لا يلتئم، ولكنّه الجرحُ الوحيدُ الذي يثبتُ أنّك لستَ حجرًا.

واعلمْ أنّ التغييرَ لا يعني دائمًا هدمَ الجدرانِ والهروبَ إلى أرضٍ مجهولة. أحيانًا يكونُ في نظرةٍ تتبادلُها مع إنسانٍ يشبهكَ في الألم، أو في رفعِ الرأسِ إلى السماءِ ليلًا، حيث تتدلّى النجومُ كمصابيحَ صامتة، بدلًا من التحديقِ في سقفِ غرفتكَ العاري.

وقد يكونُ في كتابٍ تشتريهِ بدلَ سلعةٍ عابرة، أو في لحظةِ وعيٍ تعيدُ فيها تعريفَ حياتكَ بعيدًا عن ميزانِ المالِ والعمل.

العمرُ لا يلغي الاحتمالات؛ يعيدُ تشكيلَها ببطءٍ حكيم.

والحرّيّةُ ليست دائمًا في تركِ العمل؛ أحيانًا تكونُ في استعادةِ جزءٍ صغيرٍ من ذاتكَ داخله. أن ترفضَ أن يُختزلَ وجودُكَ في حفنةِ مالٍ تسدُّ الرمق.

أنتَ لستَ عبدًا، وإن شعرتَ بذلك الآن.

لأنّكَ تتألّم، وتتذكّر، وتسأل.

والآلةُ لا تتألّم، ولا تسأل، ولا تحلم.

أن تقولَ «كلا» في عالمٍ يعلّمُنا أن نقولَ «نعم»... هذا ليس معجزةً سماويّة؛ إنّه انتصارٌ أرضيٌّ مرير:

انتصارُ الوعيِ على الغريزة، والإرادةِ على الاستسلام، والإنسانِ على الترس.

فكنْ وحدكَ، إن لزم الأمر، ولا تسمحْ للجموعِ أن تصنعَ لك وجهًا لا يشبهُك.

فأن تقولَ «لا» حين يصبحُ الانحناءُ عادة، هو أن تحفظَ في داخلكَ شيئًا لم تستطعِ الحياةُ أن تنتزعه منك.

وفي هذه الليلةِ الباردة، امشِ.

لا كمن يعتقدُ أنّ الطريقَ سيُمهّدُ له، بل كمن يعرفُ أنّ الخطوةَ نفسها قد تكونُ شكلًا من أشكالِ الحرّيّة.

ليس المهمُّ أن تغلب.

المهمُّ أن تبقى على عهدِكَ مع نفسك.

ليس المهمُّ أن تغيّرَ وجهَ العالم؛ المهمُّ ألّا تسمحَ للعالمِ بأن يغيّرَ وجهَك الداخلي.

وليس المهمُّ أن تصل.

المهمُّ أن تمشيَ ورأسُكَ مرفوع، وأن تقولَ في صمتك:

«مشيتُ، ولم أنحنِ.»

أن ترفضَ أن تكونَ رمادًا في مهبِّ الريح، وأن تُصرَّ على أن تبقى جمرةً تحت الرماد؛ لا لأنّك تضمنُ اشتعالَها من جديد،  لأنّك لم تسمحْ للريحِ أن تقرّرَ وحدها ما تبقّى منك.

فامشِ...

فالحياةُ تقيسُك بما حافظتَ عليه من نفسك في الطريق، لا بما بلغتَه.

وإذا ما سُئلتَ يومًا:

لمَ لم تنحنِ؟

فأجبْ بصمتك، وبابتسامتك المتعبة، وبالكلمةِ التي حفرتَها على جدارِ قلبك:

«لأنّ في الصدرِ روحًا، لا عددًا.

لم أنحنِ؛ لأنّ العنادَ لكرامتي هو عبادتي».

***

عبد الحق طوع

 

اعتاد العراقيون منذ زمن بعيد أن يستقبلوا المسافر العائد من سفره بسؤال لا يخلو من البراءة والفرحة: «شنو جبتلنا صوغة؟». وكانت الصوغة تعبيرًا عن المحبة والوفاء لمن تركهم خلفه، ولم تكن مجرد هدية يحملها المسافر في حقيبته.

والصوغة كلمة عراقية شائعة بمعنى هدية السفر، ويبدو أن لها صلة تاريخية بكلمة «سوغات» أو «سَوغات» المتداولة في الفارسية وعدد من اللغات التركية، والتي تعني الهدية أو العطية، وقد عُرفت هذه الكلمة في لغات المنطقة منذ قرون. أما في العراق، فقد استقرت في اللهجة الشعبية بصيغة «صوغة»، وأصبحت مرتبطة بصورة خاصة بما يحمله المسافر عند عودته من سفره.

كان والدي رحمه الله، شأنه شأن معظم العراقيين، يقضي قسمًا من فصل الصيف خارج العراق، ولكلٍّ وجهته. وكانت وجهة والدي دمشق وبيروت والقاهرة، حيث كان يقضي في كل منها فترة مع رفاقه في السفر، لما كانت توفره هذه المدن الرائعة من وسائل الراحة والخدمات للسائح، ولا سيما للعراقيين؛ فقد كانت معظم متطلبات الراحة متوفرة، بما فيها الفحوصات الطبية في لبنان. ولهذه الحكاية قصة أخرى، ربما آتي عليها في أحاديث أخرى.

كنا صغارًا ننتظر عودة الوالد بلهفة، وكان يعود محمّلًا بالصوغات. وما إن يصل حتى نلتف حوله وحول حقائبه، ولا نترك له مجالًا ليستريح من عناء السفر، قبل أن تُفتح الحقائب وتبدأ عملية توزيع الصوغات. كانت الليلة التي نستلم فيها صوغاتنا أشبه بليلة العيد؛ وكثيرًا ما كنا نحتضن هدايانا ونأخذها معنا إلى الفراش، من شدة فرحتنا بها. أما اليوم التالي فله قصة أخرى؛ إذ كنا نخرج منتشين، متبخترين بملابسنا الجديدة، وربما نظمنا زيارات إلى الأهل والأقارب والأصدقاء، لنستمتع بملابسنا ونستعرضها أمامهم.

كانت الصوغة تمنحنا ما يُسمّى اليوم «الطاقة الإيجابية»، في وقت لم نكن قد سمعنا فيه بهذا المصطلح، بل لم نكن نعرف عن «الطاقة» إلا معناها الذي تعلّمناه في دروس العلوم. كانت فرحتنا بها عفوية وصادقة، وكان للثوب الجديد أو الحذاء أو اللعبة الجديدة قدرة عجيبة على أن تجعل يومنا مختلفًا، وكأن المسافر لم يعد من سفره وحده، بل عاد معه شيء من العالم الذي زاره ليضعه بين أيدينا.

ولأن السفر في الماضي لم يكن سهلًا ولا متاحًا للجميع، كانت الصوغة تحمل قيمة تتجاوز ثمنها. فالمسافر الذي يغيب أسابيع أو أشهرًا كان يعود بشيء من البلد الذي زاره، فيوزعه على أهله، وأقاربه، وأصدقائه، وجيرانه. وكان اختيار الهدية في كثير من الأحيان مرتبطًا بما تتميز به المدن والبلدان من منتجات لا تتوافر في أماكن أخرى. ولذلك ارتبطت الصوغة في الذاكرة العراقية بأطعمة وحلويات ومنتجات معينة؛ فلكل مدينة عراقية ما يمكن أن تقدمه للزائر ليحمله معه إلى أهله، وهكذا أصبحت جزءًا من ذاكرة المدن كما هي جزء من ذاكرة السفر. فمن البصرة مثلًا كانت تصل حلاوة الخوز والتمور بأنواعها، ومن الموصل المكسرات والحلويات وبعض الأطعمة الخاصة بها، ومن كربلاء والنجف أنواع من الحلويات والدهين، ومن السليمانية «منّ السما» والسجق، ومن مناطق أخرى التمر البرحي والفواكه أو الألبان والمنتجات المحلية.

وقد وثّقت كتابات عن الحياة العراقية القديمة أمثلة كثيرة لهذه المنتجات التي كان الزائر يحملها معه. وكانت الهدية تُوزَّع بحسب درجة القرابة والمودة، وقد تحدث أحيانًا مواقف طريفة عندما لا تتساوى الهدايا أو يحدث خطأ في توزيعها؛ إذ كان المسافر يعود محملًا بكميات كبيرة منها، ويشتري أعدادًا متساوية من الشيء نفسه لكي تكفي الجميع. وأحيانًا تحدث مفارقات مضحكة في المقاسات أو نوعية الأشياء الموزعة. أما أقسى المواقف فكانت عندما يُحرم أحد أفراد العائلة من الصوغة، أو تكون هديته أقل من هدايا الآخرين شأنًا وقيمة، فيشعر بالغبن، سواء أكان طفلًا أم كبيرًا.

ولعل أكثر أنواع الصوغة حضورًا في الذاكرة الشعبية هي «صوغة الحج»؛ فعودة الحاج من مكة والمدينة، بعد رحلة إيمانية طويلة وشاقة، كانت مناسبة ينتظرها الأهل والأقارب بشوق، ويترقبون ما يحمله معه من هدايا من الأراضي المقدسة. وكان ماء زمزم والتمر والمسابح وسجادات الصلاة والمسواك من أشهر تلك الهدايا.

وكانت صوغة الحج في الماضي قائمة شبه موحّدة، متشابهة عند معظم الحجاج؛ فتجد في كل بيت تقريبًا عددًا من السجادات والسبح وغيرها من مفردات الصوغة. وبذلك كانت معظم العائلات تتلقى هدايا متشابهة تقريبًا من الحجاج، فتتجمع في البيوت السجادات والسبح وغيرها من مفردات صوغة الحج الموحدة. ولأن هذه الهدايا كانت تتكرر مع كل موسم حج، كان يُحتفظ ببعضها إلى الحج القادم، فإذا ذهب أحد أفراد العائلة لأداء الفريضة، وجد في البيت جزءًا من الصوغات جاهزًا، فيكتفي بشراء ما ينقصه، مما يخفف عنه مشقة الشراء وتكاليفه. وكانت هذه الهدايا، على بساطتها، تدخل الفرح إلى قلوب الصغار والكبار، لما تحمله من مكانة دينية ورمزية خاصة، ولذلك بقيت «صوغة الحج» حاضرة في الذاكرة العراقية، وإن تغيرت أشكالها وتنوعت محتوياتها مع مرور الزمن.

ومع مرور الوقت، تحولت صوغة الحج لدى كثير من الناس إلى ما يشبه الواجب الاجتماعي؛ حتى أصبح الحاج يشعر بأنه لا يكتمل حجه الاجتماعي إن عاد بغير صوغة لأهله وأقاربه وأصدقائه. ومع كثرة من ينتظرون نصيبهم منها، وصعوبة شراء الهدايا ونقلها، كان بعض الحجاج يهيئون صوغاتهم قبل السفر من الأسواق المحلية، وبذلك يوفّرون على أنفسهم عناء البحث عنها في الأراضي المقدسة.

ومع توسع سفر العراقيين في القرن العشرين، دخلت بلدان جديدة إلى قاموس الصوغة؛ فأصبحت لندن بالنسبة إلى بعض العائلات مصدرًا لأشياء لا توجد في بغداد بسهولة، مثل الأقمشة والأزياء الحديثة وبعض الأدوات المنزلية والعطور، وكذلك بيروت، ودمشق، والقاهرة، والهند، وتركيا، وغيرها.

وكانت عبارة «جبتلك صوغة من لندن» تحمل في طياتها شيئًا من الفخر والفرح؛ وكانت أبرز الهدايا التي تنتظرها النساء هي الملابس الحديثة التي تكون على آخر الموضة. وكان للفستان القادم من لندن، أو القماش القادم من الهند، أو العطر القادم من باريس، أو الحلوى القادمة من مدينة أخرى، معنى خاص؛ لأن الهدية لم تأتِ من متجر متاح للجميع، بل قطعت مسافة طويلة لتمنح صاحبها شيئًا من التميز، فيستعرضها أمام أهله وأصدقائه بكل زهو.

أتذكر جيدًا عندما كنت أخطط لزيارتي السنوية لأهلي، وأنا طالب في إنكلترا، كانت الصوغة للأخوات والإخوة تأتي حسب الطلب، ولم يكن لي كبير خيار في ذلك؛ فلكل واحد منهم طلبه الذي ينتظره، وكانت معظم تلك الطلبات من الملابس والأحذية. وكم كنت أشعر بالسعادة وأنا أتلقى تلك الطلبات، ثم أبحث عما طلبوه مني برغبة حقيقية، لأنني كنت أشعر بالامتنان لتضحياتهم وما قدموه من دعم مادي أسهم في توفير تكاليف دراستي على نفقة والدي الخاصة. وكانت تلك الهدايا، في نظري، تعبيرًا بسيطًا عن شيء من ذلك الامتنان، ومحاولة متواضعة لردّ الجميل لمن وقفوا إلى جانبي.

وكانت الصوغة أيضًا نوعًا من التبادل الاجتماعي الجميل؛ فكما يجلب لك قريبك هدية من سفره، تحمل له أنت صوغة عندما تسافر، وبذلك صارت وسيلة للمحافظة على المودة وصلة الرحم وعلاقة الجيرة. ومن أجمل ما في هذه العادة أن المسافر عندما كان يشتري الهدايا لأهله، كان للأقارب نصيب، وللأصدقاء نصيب، وللجيران نصيب، وأحيانًا حتى لمن تربطه بالمسافر علاقة بسيطة. وهنا تتحول الصوغة من هدية فردية إلى وسيلة للتواصل؛ فالذي يسافر اليوم يعرف أن عليه عند عودته أن يتذكر من يحبهم، وعندما يسافر صديقه غدًا يتذكره هو أيضًا، لتصبح الهدية جزءًا من دورة اجتماعية قائمة على التذكر والمجاملة والمودة.

أما اليوم، فقد تغير السفر وتغيرت الأسواق، وأصبح معظم ما كان نادرًا في الماضي متاحًا في كل مكان. ومع ذلك بقيت كلمة «الصوغة» حاضرة في الذاكرة العراقية؛ لأنها تختزن زمنًا كان للسفر فيه طعم مختلف، وللانتظار معنى مختلف، وللهدية قيمة لا تقاس بالمال. وربما لهذا بقيت «الصوغة» أجمل من مجرد «هدية»؛ لأنها جاءت من سفر، وحملت معها ذكرى الطريق وصورة المكان وحنين المسافر إلى أهله.

ورغم تغير الزمن، تبقى الصوغة واحدة من تلك العادات الصغيرة التي تكشف لنا شيئًا كبيرًا عن المجتمع العراقي القديم؛ مجتمع كان السفر فيه غيابًا، والعودة مناسبة، والهدية رسالة محبة. ومهما تغيّر الزمن، تبقى أجمل صوغة هي تلك التي تحمل رسالة إلى الأحبة، وكأنها تقول لهم: إنكم وإن كنتم بعيدين عن عيني، فلم تكونوا يومًا بعيدين عن قلبي؛ فأنتم في القلب دائمًا.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

الانضباط هو سر الاستمرار والتألق

كثيراً ما يقف الموظف أمام نفسه متسائلاً: أين ذهب شغفي بعملي؟ أنا ليس لدي شغف للعمل أو الدراسة؟ ولماذا لم أعد أشعر بالحماس الذي كان يدفعني في بداياتي إلى الإنجاز والعطاء؟ وكذلك الطالب في مدرسته أو جامعته، فقد يجد نفسه في مرحلة من مراحل الدراسة يشعر بأنه فقد الرغبة في التعلم، وأن الحماس الذي كان يملكه في السابق لم يعد حاضراً بالقوة نفسها التي كان عليها في الماضي. وقد يظن بعض الناس أن غياب الشغف يعني بالضرورة غياب القدرة على النجاح، وأن الإنسان لا يستطيع أن يبدع أو يستمر في أداء دوره إلا إذا كان يشعر بالحماس والرغبة الدائمة فيما يقوم به. غير أن هذه الفكرة، على الرغم من جاذبيتها والرغبة فيها، لا تعكس الحقيقة كاملة؛ فالشغف عنصر مهم في حياة الإنسان، لكنه ليس الوقود الوحيد الذي يمكن أن يقوده إلى النجاح، ولا يمكن أن يكون شرطاً دائماً لاستمرار العطاء والإنجاز.

الشغف يمنح الإنسان طاقة جميلة في البداية، ويجعله مقبلاً على العمل بحماس ورغبة، ويمنحه شعوراً قوياً بالمتعة والمعنى، لكنه بطبيعته يتغير ويتأثر بالظروف والأحداث والنتائج. فقد يكون الإنسان في يوم من الأيام شديد الحماس لعمله، ثم يمر في اليوم التالي بظرف ضاغط يجعله أقل نشاطاً ورغبة، وقد يواجه إخفاقاً أو فشلاً أو نقداً على أخطائه أو مشكلة في بيئة العمل فتتراجع طاقته النفسية، وقد يشعر الطالب بالملل من كثرة الواجبات والامتحانات أو يتعرض للإحباط بسبب نتيجة لم تكن كما يتوقعها. فهل يعني ذلك أن يتوقف عن العمل أو الدراسة حتى يعود إليه الشغف؟ وهل يمكن أن نربط مسؤولياتنا ومهامنا اليومية بحالتنا المزاجية فقط؟ بالتأكيد لا؛ لأن الحياة لا تسير دائماً وفق مستوى حماسنا وشغفنا، والمسؤوليات لا تنتظر دائماً أن نكون في أفضل حالاتنا النفسية.

وهنا تظهر قيمة الانضباط بوصفه أحد أهم العوامل التي تحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار. فالانضباط يعني أن يعرف الإنسان ما الذي ينبغي عليه القيام به، ثم يلتزم به حتى في الأوقات التي لا يشعر فيها بالحماس الكافي. إنه القدرة على الاستمرار في أداء المهمة لأنك تؤمن بأهميتها، ولأنك تدرك أن الوصول إلى الهدف يحتاج إلى جهد متواصل، وليس لأنك تشعر في كل لحظة بالرغبة نفسها في العمل. فالطالب المنضبط لا يدرس فقط عندما يكون متحمساً، فقد يكون محبطاً أو مريضاً، ومع ذلك يستمر في جهوده وفق ما هو مطلوب منه أن يؤديه، والموظف المنضبط لا يؤدي واجباته فقط عندما يكون في أفضل حالاته، فقد نعتريه لحظات ومواقف ضعف وتراجع ومع ذلك يقوم بمهامه دون أن يتراجع أو يفقد بوصلته، والإنسان الطموح لا يتحرك فقط عندما تكون الظروف مثالية؛ وإنما يواصل السير لأنه يعرف أن الأهداف الكبيرة لا تتحقق بالمشاعر العابرة، وإنما بالالتزام والثبات والاستمرارية والعمل الدؤوب والمتواصل.

إن الفرق الحقيقي بين الإنسان الذي يصل إلى أهدافه والإنسان الذي يتوقف في منتصف الطريق لا يكمن دائماً في مقدار الشغف الذي يمتلكه، وإنما في قدرته على الاستمرار وامتلاك التوجهات والهمة عندما ينخفض الشغف. فالأيام الجميلة لا تحتاج إلى كثير من القوة؛ لأن الحماس يكون حاضراً، والطاقة مرتفعة، والعمل يبدو سهلاً وممتعاً. أما الأيام الصعبة فهي التي تكشف حقيقة الإنسان ومعدنه وآصالته وقدرته على الالتزام. عندما يشعر بالإحباط ولا يتوقف، وعندما يفشل في محاولة ولا ينسحب، وعندما يتراجع قليلاً لا يفتر، بل يعيد ترتيب خطواته ويواصل التقدم رغم ما يقف في طريقه مواقف ومشاعر الضعف والتراجع، فإنه يمارس الانضباط الحقيقي. ولذلك فإن الانضباط ليس مجرد الالتزام بالوقت أو تنفيذ التعليمات، بل هو قدرة داخلية على المحافظة على الاتجاه والبوصلة الحقيقية، وعدم السماح للظروف المؤقتة بأن تقيد مساره وتحدد المصير النهائي للإنسان.

وقد يمر الإنسان بفترات يشعر فيها بالضعف والتعب واليأس والإحباط، وربما يظن أن تراجعه في فترة معينة يعني أنه فقد قدرته على النجاح. لكن التراجع المؤقت لا يعني نهاية الطريق، بل قد يكون فرصة لإلتقاط الأنفس ومراجعة الخطوات والأخطاء التي قد يمر بها، وكما أن انخفاض الحماس لا يعني فقدان الهدف. الإنسان ليس آلة تعمل بالمستوى نفسه كل يوم، ومن الطبيعي أن تتفاوت طاقته وقدرته ومزاجه. المهم ألا يتحول التراجع إلى استسلام وتوقف، وألا يتحول التعب إلى قناعة بالعجز، وألا يصبح الإحباط سبباً للتخلي عن كل ما بدأه الإنسان. فالاستمرارية لا تعني أن تقدم المستوى نفسه من الأداء في كل يوم، وإنما تعني أن تحافظ على اتجاهك، وأن تعرف متى تتقدم، ومتى تخفف سرعتك، ومتى تستريح، ومتى تستعيد طاقتك، ثم تعود من جديد إلى الطريق.

ومن هنا تأتي أهمية التوجهات الإيجابية في حياة الإنسان. فالإيجابية الحقيقية ليست أن يتجاهل الإنسان المشكلات أو يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام، وإنما أن يرى الواقع كما هو، ثم يبحث عن الإمكانات المتاحة للتعامل معه. والأسباب والدوافع اليت آلت لذلك فإذا أخفق، يسأل نفسه: ماذا تعلمت من إخفاقي؟ وإذا واجه مشكلة، يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وإذا شعر بالتعب، يبحث عن طريقة لاستعادة توازنه بدل أن يحكم على نفسه بالفشل. إن الإنسان الإيجابي لا يعيش بعيداً ا عن المشكلات، ولكنه يتعامل معها بطريقة مختلفة؛ فهو لا يسمح للمشكلة بأن تلغي قدرته على التفكير، ولا يسمح للإخفاق بأن يختصر نظرته إلى نفسه، ولا يسمح لمرحلة صعبة بأن تحدد مستقبله بالكامل.

إن الاستمرارية في العمل والدراسة والحياة تحتاج أيضاً إلى أن يدرك الإنسان أن الإنجازات الكبيرة لا تحدث فجأة، وإنما تتكون من خطوات صغيرة تتكرر باستمرار. فالمهارة التي يتعلمها الإنسان اليوم، والمعرفة التي يكتسبها غداً، والمحاولة التي يقوم بها بعد ذلك، والوقت الذي يستثمره في تطوير نفسه، كلها تتراكم مع الأيام لتصنع فرقاً حقيقياً. وقد لا يرى الإنسان نتائج جهده بسرعة، وهذا أحد أسباب التوقف لدى كثير من الناس؛ لأنهم يريدون نتائج فورية، بينما الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى صبر وتراكم. إن قطرة الماء لا تصنع أثرها في لحظة، ولكن استمرارها في السقوط يمكن أن يصنع أثراً عميقاً، وكذلك الإنسان؛ فقد تبدو خطواته اليومية بسيطة، لكنها مع الاستمرار قد تقوده إلى مكان لم يكن يتخيله.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم الانضباط على أنه بديل عن الشغف، فالأفضل ليس أن نختار بينهما، وإنما أن نجمع بينهما. فحين يجتمع الشغف والانضباط يصبح الإنسان أكثر قدرة على الإنجاز والتألق. الشغف يمنحه الرغبة والطاقة والمعنى، والانضباط يمنحه الثبات والالتزام، والتحفيز يمنحه الدفعة، والاستمرارية تساعده على تحويل هذه الدفعة إلى نتائج حقيقية. وهنا يصبح الشغف قوة مضاعفة؛ لأنه لم يعد شغفاً مؤقتاً يعتمد على المزاج، بل أصبح شغفاً تحميه العادات والانضباط والمسؤولية والروح الإيجابية والقوية التي يمتلكها صاحبها وميسر خطواتها.

ولذلك يمكن القول إن الشغف يقول للإنسان: أريد أن أفعل، بينما يقول له الانضباط: سأفعل حتى عندما لا أشعر بالرغبة الكافية: والتحفيز يقول له: أستطيع أن أبدأ، بينما تقول الاستمرارية: سأواصل حتى أصل. وعندما تجتمع هذه المعاني في شخصية واحدة، يصبح الإنسان أكثر قدرة على تحويل الرغبة إلى عمل، والعمل إلى عادة، والعادة إلى إنجاز، والإنجاز إلى تميز.

ومن المهم كذلك ألا نجعل الظروف شماعة نعلق عليها كل أسباب التراجع. نعم، للظروف تأثيرها في الإنسان، ولا يمكن تجاهل الضغوط والتحديات التي قد يمر بها الموظف أو الطالب أو أي إنسان في حياته، لكن وجود ظروف صعبة لا يعني أن الإنسان فقد كل قدرته على الفعل. ربما لا يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه في بعض الأيام، لكنه يستطيع أن يقدم أفضل ما يستطيع في تلك الأيام. وهذه نقطة جوهرية؛ فالنجاح لا يعني أن تعمل دائماً بأقصى طاقتك، وإنما يعني أن تعرف كيف تحافظ على مسارك حتى عندما تتغير طاقتك.

إن الإنسان الذي يريد أن ينجح في عمله أو دراسته أو حياته يحتاج إلى أن يتوقف عن انتظار اللحظة المثالية. فلا يوجد وقت تكون فيه الظروف كاملة، ولا يوجد إنسان يعيش دائماً في حالة من الحماس والقوة. هناك أيام نكون فيها في قمة النشاط، وأيام نحتاج فيها إلى بذل جهد أكبر حتى نبدأ. وهناك أوقات نشعر فيها أن الطريق واضح، وأوقات أخرى نشعر فيها بالحيرة. لكن الفرق بين من يستمر ومن يتوقف أن الأول لا يجعل مشاعره المؤقتة تقرر مصير أهدافه الدائمة.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن يدركها الموظف والطالب ومن يقوم بأي جهد أو عمل في حياته وكل إنسان يسعى إلى النجاح هي أن الانضباط لا يعني أن تعمل دون شغف، وإنما يعني ألا تجعل غياب الشغف سبباً للتوقف. وإذا استطاع الإنسان أن يحافظ على انضباطه في الأيام التي لا يشعر فيها بالحماس، وأن يستثمر شغفه في الأيام التي يكون فيها متوهجاً، وأن يجدد دوافعه كلما شعر بالفتور، فإنه يكون قد امتلك معادلة قوية للاستمرار والتقدم.

فلا تنتظر دائماً أن تشعر بالحماس حتى تبدأ، ولا تنتظر أن تكون الظروف مثالية حتى تتحرك، ولا تجعل يومًا سيئاً يقنعك بأن مستقبلك سيكون سيئاً. ابدأ بما تستطيع، واستمر بما تستطيع، وطوّر نفسك خطوة بعد خطوة، واستفد من إخفاقاتك، واستعد طاقتك عندما تحتاج إلى الراحة، ثم عد إلى الطريق. فالتألق الحقيقي لا يصنعه يوم واحد من الحماس، وإنما تصنعه أيام كثيرة اختار فيها الإنسان أن يستمر رغم أنه لم يكن في أفضل حالاته.

وفي النهاية، الشغف شرارة جميلة، والتحفيز دفعة قوية، لكن الانضباط هو ما يحافظ على المسار، والاستمرارية هي التي تحول الجهد إلى إنجاز. وما أجمل أن يمتلك الإنسان هذه العناصر مجتمعة؛ فيعمل بشغف، ويتحرك بانضباط، ويتقدم بإيجابية، ويستمر بثبات، وعندها لا يكون هدفه مجرد أداء ما عليه، بل الوصول إلى حالة من الإتقان والجودة والتألق والتفوق وصناعة الأثر.

فلا تنتظر شغفك كي تعمل.. اعمل بانضباط، وجدد شغفك، واستمر؛ فالتألق لا يأتي لمن ينتظر، وإنما لمن يواصل السير.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

21-9-2026

لا يُعَدّ الجهل وحده الآفة الأبرز التي تنخر في كيان المجتمعات المتخلّفة، إنما يتسبب في تراجع عدد من القيم الاجتماعية، وفي تأسيس سلوكيات مختلفة لا تقل فتكًا بنسيج المجتمع وسِلمه الأهلي، ومن أبرزها النفاق الذي يمارسه البعض على أنه نوع من الشطارة التي تحقق له الفائدة.

والنفاق، كما هو معروف، هو أن يُظهر الإنسان غير ما يُبطن، لذا فالمنافق كاذب وخائن. وعندما يسود النفاق في مجتمع ما، فإنه لا يؤثر في صاحبه فحسب، بل يمتد تأثيره إلى المجتمع بأسره؛ لأنه يخلق الطغاة، ويحاول، بالتدليس والتجاوز على الحقيقة، شرعنة طغيانهم، ويأتي تقييم الشخصيات واحدًا من صنوف النفاق التي نشهدها في مجالسنا ومحافلنا وإعلامنا، حيث يجري نفخ غير طبيعي في صورة عدد كبير من الشخصيات، خلافًا لحجمها الحقيقي ودورها في الحياة العامة. فهناك مبالغة في إسباغ صفات، تصل أحيانًا إلى حدّ الخوارق، على شخصيات ليست بمستوى الكلام الذي يُقال فيها. وبالتأكيد، فإن هذه خديعة ونفاق، يبغي المنافق من ورائهما تحقيق مصالح خاصة على حساب الحقيقة.

إن التقييم الحقيقي للأمور، ومن بينها تقييم الشخصيات، يحتاج إلى وعي وثقافة واستنباط وتجرد من العواطف، وصدق مع النفس، فضلًا عن التروي والإلمام الكافي بجوانب الشخصية، لكي يأتي الحكم عليها منطقيًا وموافقًا لواقعها. وأرى أن الحكم في هذا المجال مسؤولية تتطلب الإنصاف والاحتكام إلى المعايير الصحيحة، وألّا تُطلق الأحكام جزافًا ، لكن، للأسف فإن السائد في هذا المجال هو غياب الإنصاف والمعايير الصحيحة، حيث تلعب العاطفة والعشائرية والمناطقية والمصلحة والقرابة أدوارًا في إطلاق الأحكام على الشخصيات، ومنحها حجمًا يخالف حجمها الطبيعي ، والذي أختلف فيه مع هؤلاء أنني، عندما أقيّم شخصية ما، لا أنساق وراء الدعايات الفارغة مهما كان حجمها، ولا أهرول مع جموع الجهلة ، فلديّ عقل سليم ونظرة ثاقبة للأشياء، واضعًا أمامي مقولة الممثل والمخرج والكاتب السينمائي وودي آلن: (لا قيود لي، ولا أهتم بأفواه البشر؛ ولا تعجبني أجواء المجاملة؛ إن أحببتك سأخبرك، وإن كرهتك لا أراك)، وبهذا الوضوح يقدم هذا الفنان نموذجًا للشخصية السليمة من أمراض النفاق والمجاملة. لذلك لا ألتفت إلى الشخصية التي تصنعها الهتافات الكاذبة والهالات الفارغة، مهما استحوذت على مساحة من الإعلام والتداول، فمقياس الشخصية التي تستحق التقدير لديّ هو العطاء؛ وبقدر ما تضيفه وتقدمه للبشرية من رسالة تشيع الصفاء والسلم بين أبناء المجتمع، وتساهم في وحدته، وبقدر ما تقدمه للمجتمع من تضحيات من أجل ازدهاره وإسعاده، وبقدر ما تمنحه من عطاء خيّر ومواقف وطنية وحضور اجتماعي، أو ما يقدمه المرء من رسالة أو نظرية اقتصادية تسهم في النهوض بواقع المجتمع. وما عدا ذلك، في رأيي، ليس سوى تزييف للحقيقة ونفاق.

يقول الدكتور طه حسين: (نفوس البشر كالمعادن، منها ما يعلوه الصدأ، ومنها ما لا يجد الصدأ إليه سبيلًا)، فالنفاق ليس مرضًا حتميًا كُتب على الجميع أن يصابوا به، وإنما هو سلوك تتداخل في تكوينه التربية والبيئة والموروث الاجتماعي. وللأسف، فإن جانبًا من موروثنا الشعبي أسهم في خلق شريحة من المجتمع اتخذت من النفاق سبيلًا للوصول إلى غاياتها ، فهناك أمثال شعبية تدعو إلى الخنوع ومهادنة الظالم، مثل: (اليد التي لا تستطيع كسرها، قبّلها وادعُ عليها بالكسر) ، ومثل آخر يرسم وسيلة لتحقيق المصلحة؛ فإذا كانت حاجتك عند شخص لئيم ودنيء، فعليك التودد إليه وتعظيمه خلافًا لما هو عليه: (إذا شغلتك يم الجلب، صيحله حجي جليب) ، ومن أكثر الأمثال تجسيدًا لشخصية المنافق، الذي يظهر لك المحبة ، وفي السر يضمر لك الكراهية والبغضاء: (بالوجه مراية وبالقفا سلاية) .

فللأسف، تكلّس في أعماق الكثير من العقول عندنا صدأُ الطائفية والعشائرية والمناطقية والمصالح الشخصية، حتى أصبح بعض الناس لا يرى الإنسان بما هو عليه، وإنما بما ينتمي إليه، أو بما يستطيع أن يقدمه له من منفعة ، وهنا يتحول النفاق من سلوك فردي إلى آفة اجتماعية؛ لأنه لا يزوّر صورة الإنسان فحسب، بل يزوّر الحقيقة نفسها، ويمنح الرداءة قيمة لا تستحقها، ويضع أصحاب الأقنعة في الصفوف الأولى، بينما يُدفع أصحاب الكفاءة والعطاء إلى الظل ، وهذه هي أخطر نتائج النفاق أن يصبح التصفيق معيارًا، والهتاف شهادة، والمجاملة حقيقة، فيما يغدو الصدق جريمة لا يرغب أحد في سماعها.

***

ثامر الحاج أمين

 

سام بن نوح

 عدد من أعلام اللغة والتأريخ أرجعوا أصل التسمية إلى سام بن نوح ، ولا يوجد أدلة كافين لتأييد هذا المنحى

سورمارتا

ورد الإسم في الحضارة الآشورية وربما قبلها في المدونات التي عثر عليها في مكتبة آشور بانيبال

سامورائي

المعتصم أرادها معسكرا لجنده وربما يكون قد إستحصر معاني سامورائي اليابانية التي تدل على الشجاعة والتفاني في المنازلات القتالية

سامرا

تكرر هذا الإسم في أشعار إبن المعتز كثيرا وهو الذي ولد فيها وترعرع في رحابها ، وربما وضعت الهمزة فيما بعد وصار الإسم سامراء

وفي الآرامية القديمة تسمى (سامرا) أو ( شوم را) و (حصن سومير)

تسر الناظرين

إعتاد المسلمون أن يأخذوا الأسماء من القرآن، ويبدو أن عبارة "سر من رأى" ترجمة صريحة للآية القرآنية التي وردت فيها عبارة "تسر الناظرين"، وكانت سامراء كذلك في زمن المتوكل فقط، وبعده تحولت إلى "ساء من رأى"، كما جاء في بعض قصائد إبن المعتز الذي وصفها بعد إنتقال العاصمة إلى بغداد مباشرة.

ويُذكر إن من أسمائها "العسكر" و "سومير".

تُسمّى كيفما بانتْ رُباها

فكمْ سرَتْ بما صَنعتْ بُناها

بمعتَصَمٍ كعاصمَةٍ تنامَتْ

وأرْفلها بمَعْمورٍ عُلاها

تكللَ صَرْحها برؤى جَمالٍ

وإبْداعٍ يُسابقُ مُرتقاها

***

د. صادق السامرائي

 

لم نكن نعرف، ونحن نلتقط هذه الصورة في كلية التربية 1968، أن المصوّر كان يقتطع من الزمن لحظةً ستغدو، بعد أكثر من نصف قرن، وثيقةً للحنين والفقد والمنفى والنجاة.

كنا طلاباً، نطلّ على الحياة بوجوه لم تتعلم بعدُ معنى الغياب. خلفنا جدار من الآجر، وشجرة كالبتوس تمدّ ظلها فوق الرؤوس، ومقعد خشبي بسيط جمعنا، لكل واحد منهم حلمه وطريقه الذي لم يكن قد انكشف بعد. ربما هنا على هذه المصطبة جلس قبلنا: مصطفى جواد، علي جواد الطاهر، السياب، البياتي، نازك الملائكة، سعدي يوسف، لميعة عباس عمارة، عاتكة الخزرجي، يوسف الصائغ، عزيز الحاج، عناد غزوان، عبد الرزاق عبد الواحد، عبد الجبار عبد الله، نوري جعفر، فاضل العزاوي، وغيرهم من طلبة دار المعلمين العالية في خمسينيات وأربعينيات القرن الماضي.

كانت المصطبة شاهداً صامتاً على أجيال الثقافة العراقية، كنا غير مدركين أننا بدورنا نضيف إلى ذاكرتها حكاية أخرى.3273 jamalalatabi

من اليسار يقف جبار الكواز، الطالب الذي مضى إلى الشعر، كأن القصيدة كانت تنتظره منذ تلك الوقفة البعيدة. وإلى جانبه حميد الخاقاني، الذي ستأخذه الغربة بعيداً عن العراق منذ أواسط السبعينيات، ليصبح أستاذاً جامعياً في جامعة هاله، حاملاً معه أسئلة الوطن وهموم التنوير، ليواصل اليوم حضوره عبر "منبر حوار التنوير". ثم منهل نعمة العارضي، طالب الحقوق يومها، الشاعر والمحامي والمثقف اللامع، ذلك الوجه الشاب الذي لا توحي ابتسامته بشيء مما كان يخبئه له الزمن. لم يكن يعرف أن يداً غاشمة ستنتزعه من الحياة، وأن سلطة صدام ستغيّبه في أوائل الثمانينيات، فلا يبقى منه لأصدقائه سوى الذكرى، وبعض الكلمات، وهذا الوجه الذي ما زال في الصورة شاباً إلى الأبد.

في أقصى اليمين أجلس أنا "كاتب المنشور"، لا أعرف يومها أنني سأعود بعد كل هذه العقود لأتأمل ذلك الشاب. أنظر إليه الآن وأسأله في سرّي: ماذا كنت تفكر يا ...؟ وأي مستقبل كنت تراه وراء عدسة المصوّر؟ هل خطر لك أن المقعد الذي يجمعكم سيتفرق أهله بين الشعر والمنفى والغياب والذاكرة؟

ما أقسى الصور القديمة وما أعذبها.

إنها لا تشيخ معنا. نحن الذين تتبدل ملامحنا، وتنحني السنوات على أكتافنا، ونفقد الأصدقاء واحداً بعد آخر.

أتوقف عند منهل.. أراه شاباً ممتلئاً بالحياة، لم تستطع يد الجلاد أن تمحو ابتسامته. فيما تحمل ذاكرتي يوم غاب عن مقهانا ثلاثة أيام، عاد وهو يحمل رواية "الدون الهادئ"، كان لزاماً عليه أن يفي بوعده في إعادتها لصاحبها رياض، بعد أن انصرف كلياً لقراءتها خلال تلك الفترة.

أما حميد، فقد حملته المسالك إلى البلاد الباردة، بقيت بينه وبين بغداد مسافات لا تقاس بوحدات الطول وحدها.. وفيّاً لأسئلة الفكر والتنوير، حتى غدا اليوم يدير "منبر حوار التنوير". وحين أتأمله في الصورة الآن، أراه كما كان قبل أن تثقل الغربة كتفيه: فتى وسيماً، أسمر، يصفف شَعرَه بعناية. يكتب الشعر ويتغزّل بجميلات الكلية، غير أن واحدة منهن خرجت من القصيدة لتدخل حياته وتبقى فيها: زميلته في الصف فائزة، أو "فوز" كما كان يسميها. كتب فيها يوماً: "يقطر العراق من عيون فوز". لم تكن فوز عابرةً في قصيدته، فقد صارت رفيقة العمر وزوجته. ثم حملتهما الحياة إلى الشواطئ البعيدة.

حين غادر العراق منذ أواسط السبعينيات، بقي ذلك الشاعر الشاب، على الرغم من المسافات والسنين، يحمل شيئاً من بغداد في لغته ووجدانه. وما أبلغ مفارقة الزمن: كان يرى العراق يومذاك يقطر من عيني فوز، والرصاص ينهمر في الوطن كالمطر.

أربعة طلاب في باحة كلية التربية بجامعة بغداد، في صباح عراقي بعيد، لا يعرفون ما الذي تعدّه لهم البلاد. واحد أخذته الوظيفة، غير منقطع عن الشعر، وآخر حمله المنفى، وثالث ابتلعته ظلمة الاستبداد، ورابع بقي ليروي الحكاية.

***

جمال العتّابي

في قاعة المحاضرات القديمة بجمالياتها الحجرية ودفء أخشابها خلال في مرحلة الدراسات العليا في جامعتي الحبيبة جامعة القدس أبو ديس كنتُ أجلس في المقاعد الأخيرة أستمع بإنصات لأستاذ الأدب العباسي الدكتور نافع عبد الله ابن قرية دير سودان رحمه الله وهو يتحدث بصوت رخيم عن "مثلث النقائض".

كان يخطّ على السبورة بخط عربي أصيل أسماء الثلاثة: جرير، والفرزدق، والأخطل، ويشرح كيف تراجع هذا الفن بشكله التقليدي القائم على العصبية القبلية والمفاخرة بالأنساب أيام العرب، وتحوّل إلى هجاء شخصي حضري أو سجالات أدبية وثقافية متأثرة ببيئة بغداد المدنية والنزعات الفكرية كالشعوبية.

في ذلك الزمن وبينما كانت صولات المعارك الكلامية ورماد الهجاء الأدبي يتطاير في أرجاء القاعة كنتُ أتأمل الهندسة الخفية للوجود، فاستقرت في ذهني يومها فكرة ساحرة بأنّ أشياء هذا العالم تُبنى في كلياتها على أشكال ثلاثية، لكنّ أضلاعها وزواياها متفاوتة الطول والاتساع.

مرت السنوات، وتدرجتُ في دراساتي العليا، وتلاطمت بي أمواج الحياة وصخب الميادين، وفي كل مرحلة كنتُ أجد نفسي أجمع شتات تجاربي في مثلثات شتى، منها ما كانت زواياه حادة تُؤلم، ومنها ما كانت أضلاعه متنافرة حتى استقر بي المطاف ذات مساء، لأرسم أجمل مثلثاتي على الإطلاق في مثلث السعادة.

نعم، لقد رسمتها في زاوية بيتي الهادئة التي تحجب فيها الستائر المنسدلة ضجيج العالم الخارجي حتى اكتملت أركان عالمي الخاص

كان الضلع الأول هو "العزلة" تلك المساحة الآمنة التي اقتطعتها لنفسي لياقةً ونقاءً لروحي التي أرهقها الزحام. في هذا الفراغ المقدس يسكت الصوت الخارجي ليعلو صوتي الداخلي.

وكان الضلع الثاني هو القهوة ذلك السائل الداكن الذي يتصاعد بخاره كبخور عتيق، عي طقس انتباه، ووسيط سحري يقف حارساً على حدود ذهني ليمنع الشتات.

أما الضلع الثالث، والأحبّ إلى قلبي، فكان "الكتاب" جليسي الذي لا يملّ، وسفيري القادم من أزمنة بعيدة الذي يحول عزلتي من جفاف إلى ثراء، ويمنح فنجان قهوتي مداه الفكري العميق.

أجلس اليوم في منتصف هذا المثلث، وأمتد بين أضلاعه الثلاثة بشغف وسكينة، وأشعر بأنّ العالم كله يهدأ حول هذه الأركان.

رفعْتُ فنجاني، ونظرتُ عبر النافذة إلى ركض الأيام، ثم كتبتُ في مفكرتي متسائلةً بابتسامة هادئة:

لقد اخترتُ أضلاعي التي أقمتُ عليها سكن روحي... فلو أردتم انتهاج مساري، أي مثلث تحبون؟ وما الأضلاع الثلاثة التي ستختارونها لتشيدوا عليها عالمكم؟.

***

غدير حميدان الزبون

فلسطين

كانت جدتي رحمها الله تحفظ القرآن على منهاج "دربشدو الحمد"، وعندما أسألها عن معنى آية أو كلمة تحسب ذلك إعتداءً عليها، فهي لا تعرف الجواب، فطريقة حفظها ببغاوية.

تذكرت جدتي والحديث عن حفظة القرآن يتزايد، وهذه ظاهرة سارية في المجتمعات المسلمة فالمهم الحفظ وليس العمل بالمحفوظ، لأن الفهم مبعود والتغني بالكلمات محمود.

حفظ القرآن بفهم ليس بالأمر السهل، وقد جربت ذلك في المرحلة المتوسطة إذ حفظت أجزاءً من القرآن، ووجدت الحفظ بفهم عمل شاق لا يستطيعه إلا ذوي القدرات الفذة، أما الحفظ الببغاوي فيكون أسرع وأسهل.

ويبدو أن من معجزات القرآن أنه يسير على الحفظ، فكان للقرآن حفظة في أيام نزوله وما بعده في زمن الخلفاء الراشدين.

وتدوين القرآن تحقق قسما كبيرا منه بما كان محفوظا في الصدور.

فهل لحفظ القرآن أثر في المجتمع؟

الحافظ للقرآن يحفظه لنفسه ولا يُظهر دوره الإيجابي في المجتمع، فكثرة الحفظة لا تعني تغيرا مهما في حياة الناس، كالحج الذي يمارسه الملايين من المسلمين كل عام، وعند عودتهم لديارهم لا تجد أثرا له في حياة الناس من حولهم.

فالدين على ما يبدو ليس العمل، وإنما الأمل، بمعنى التمني دون العمل.

لو أن حافظ القرآن يعمل بآية واحدة، والحاج يبشر بخلق حسن، لصار المجتمع أرقى وأرحم، ولتنورت الأبصار.

علماء الأمة الأفذاذ حفظوا القرآن وإكتنزوا مفردات تعينهم على التفكير الواسع المطلق الأبعاد، وتقدر بنحو 14870 مفردة و (1600 - 2000) جذر لغوي أساسي، وهذا المخزون اللغوي المَعجمي يؤسس لصياغات فكرية لا حدود لها، ولهذا برز العلماء وتصدروا مسيرة الحياة بقدراتهم المعرفية الفائقة.

فالحفظ الواعي للقرآن يعني تنامي المعارف وإنبثاق الطاقات المتميزة.

فهل نحن مقبلون على ثورة معرفية أصيلة؟

إذا حَفظوا كتاباً إسْتناروا

بما اكْتسبتْ عقولٌ لا تُضارُ

هو القرآنُ منهاجُ ارْتقاءٍ

لساميَةٍ لها الأيّامُ دارُ

فكنْ فيها لبيباً أو أريباً

يُعالجُها ليرْعاها الكِبارُ

***

د. صادق السامرائي

اعتدت أن أذهب بين وقتٍ وآخر ولا سيما في فترة الصباح إلى مقهى يحمل اسم " مقهى أبو سراج" وهو مقهىً يمتد بشكل طولي بمحاذاة شط الحلة قريباً من أقدم وأعرق جسر في المدينة والذي اعتاد الحليون أن يطلقوا عليه تسمية " الجسر العتيق"، هذا الجسر الصغير الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة يقتصر دوره الآن على عبور المشاة ويعاني على الدوام زحاماً شديداً في الذهاب والإياب، وعلى جانبيه يحتشد خليطٌ غير متجانس من الباعة؛ هناك بائع أو بائعان للسمك يضع أحدهم

إناء كبير ثلاث أو أربع سمكات وهناك بائعو السنارات وخيوط الصيد ومستلزماته وكذلك بائعو مبيدات الحشرات وغيرهم،

وبحسب المعلومات المتوافرة لدينا عن هذه المقهى فإن مؤسسها السيد كاظم أبو سراج يعد من الشخصيات المرموقة والفاعلة في مدينة الحلة وهو رجل أعمال ناجح أيضا وقد استطاع في بداية  عهد الجمهورية من استحصال موافقات من السلطات لإنشاء عدد كبير من الدور السكنية للموظفين الصغار في بغداد بكلفة منخفضة وبالتقسيط المريح  ، إلا أن مشروعه الضخم هذا تعرض إلى نكسة مادية على إثر تعرض المواد الإنشائية للسرقة من مناطق تخزينها على يد بعض كبار الضباط  الأمر الذي أدى إلى تعرضه إلى ضائقة مالية أرغمته على الإختباء والتواري عن الأنظار .

في وقت ما ولا سيما في زمن الحصار بوسعك أن تشاهد عند طرف الجسر القريب من المصرف أحد المستجدين المميزين الذي حجز لنفسه مكانا دائميا لا ينازعه عليه أحد سوى حملات موظفي البلدية وسوف تتوقف لبرهة من الوقت وأنت تستمع إليه وهو يلقي على مسامع الناس أشعارا لا يفقهون منها شيئا ولكنه اعتاد أن يكرر البيتين الشعريين التاليين:

أمانا أيها القمر المطلُّ

فمن جفتيك أسيافٌ تُسلّ

يزيد جمال وجهك كل يومٍ

ولي جسد يذوب ويضمحل

وعندما تتحرى عن هذا المتسول ستعرف أن اسمه رزاق وأنه كان فيما مضى موظفا في دائرة الري ولكن عجلات الزمن سحقته بلا هوادة.

ومن مهازل القدر الفظيعة أن يختار أزلام النظام هذا المقهى كمسرح حي لجريمة قطع اللسان بحق عدد من المواطنين الذين يثبت أنهم شتموا القائد الضرورة وقد تم بالفعل قطع ألسنتهم  وسط ذهول وصدمة مرتادي المقهى وكان يوماً مشهوداً سيظل محفورا بالدم في ذاكرة من شهد هذه الواقعة المفزعة " واللافت أنهم جلبوا معهم مفرزة طبية لمعالجة تداعيات ذلك .

هذا الجسر سيرسّخ ثيمته بشكل نهائي شاعر الحلة موفق محمد بإحدى قصائده حيث قال؛

جسر الحلة / مكتئباً أسيان/ طالت لحيته وابيضّت/ فتعلّق فيها الصبيان !

علمتُ أيضاً أن عدداً من مثقفي المدينة يرتادون هذه المقهى، فذهبت إليها وهناك أتيح لي أن أتعرف على المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه الناقد ع . ع، والذي كنت معجباً بكتاباته النقدية التي ينشرها في كبريات الصحف العراقية، وكان قد شاع في الأوساط الثقافية العراقية أن كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب يعد من أهم وأفضل الكتب التي صدرت عن هذا الشاعر الذي ترك بصمة لا تُمحى في ميدان الشعر ، بيد أن الذي حببني إلى هذا الناقد بصفة خاصة أن اسلوبه كان واضحاً وإن تكن جمله قصيرة ومقتضبة إلا أنها منغّمة ومحملة بالمعاني العميقة، بعكس نقاد آخرين اعتادوا أن تأتي كتاباتهم النقدية متخمة بمصطلحات واستشهادات فجة مقتبسة من الكتابات النقدية المترجمة ربما ليس للكثير منها علاقة بما يتكلمون عنه، فهم والحال هذه لا يقدمون نقوداً للنصوص المعنية وإنما يستعرضون أنفسهم وثقافتهم المشوهة ليس إلا ، سيما وأن الناقد الحلي الشهير الدكتور علي جواد الطاهر كان أثنى على ناقدنا واعتبره واحداً من أنبه تلامذته وعقد عليه آمالاً كبارا في استكمال ما دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ....كان بدأه هو في مشوار النقد الأدبي، وبعد مرور وقت ليس بالقصير، استطعت أن أقترب من عالم الناقد المثير على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على الرغم من تحفظه الشديد من الأشخاص الجدد الذين كانوا يرومون الدخول في حلقته، لاحظت أنه كان يأتي إلى المقهى صباحاً على دراجته الهوائية التي كان يُطلق عليها تسمية " العراقي"، الذي كان رفيقه الدائم في تنقلاته داخل المدينة، وقد علمت أنه رفض التعيين في دوائر الدولة وهو اختار العزوبية بمحض إرادته، لأنها تتواءم وتنسجم مع شخصيته الانعزالية، وقد مر ناقدنا بأوقات عصيبة جداً بعد أن تم فرض الحصار الاقتصادي على العراق ..

***

احمد الحلي

 

حين تهزّ رياح الحياة أشجارنا.. فلسفة الوابي - سابي

كل ما هو متكون ومخلوق هو مؤقت وغير دائم (أنيكا)، وكل ما هو مؤقت ومتحول هو بطبيعته يحمل النقصان والمعاناة (دوكها)، وعندما يدرك المرء ذلك بحكمة، فإنه يتجاوز المعاناة ؛ هذا هو طريق النقاء والسلام 

هكذا يضعنا الفيلسوف بوذا في صميم الحقيقة الوجودية الكبرى. ومن رحم هذه الرؤية العميقة المستلهمة من موروث الزن حول زوال الأشياء وعدم دوامها، وُلِد مفهوم الـ وابي-سابي (Wabi-Sabi) الياباني، ليُعيد تشكيل وعينا الجمالي والروحي. وفي عالم يلهث خلف السرعة، ويقدس الخطوط المستقيمَة والكمال الهندسي المصطنع، تبدو النفس البشرية أحياناً وكأنها تعيش في سباق محتوم ضد الزمن والعيوب؛ لذا يأتي هذا المفهوم العريق ليُنقذنا من هذا الصراع العبثي، نازعاً عن أرواحنا عبء السعي المستمر خلف مثاليات زائفة ومصطنعة لا توجد إلا في مخيلتنا وحدها.

درس سين نو ريكيو: حين تُزهر العشوائية

تتجسد روعة هذا المفهوم بوضوح في حكاية تاريخية شهيرة لـ «سين نو ريكيو» Sen no Rikyū، سيد احتفالات الشاي الياباني الشهير. حين طلب من أحد تلاميذه إعداد الحديقة لحفل شاي، انبرى الشاب بحماس لتنفيذ المهمة؛ فأزال الحجارة الصغيرة، وشذب الأغصان بدقة متناهية، ومسح الأوراق اليابسة من على الأرض حتى بدت الحديقة مثالية وخالية من أي شائبة.

ولكن، عندما قدِم المعلّم إلى المكان، لم ينبهر بذلك التنظيم المعقم، بل سار وسط الحديقة التي لا عيب فيها، حتى وصل إلى غصن شجرة فأمسك به وهزّه برفق، متأملاً تساقط وريقات الشجر بعشوائية على الدرب المهذّب. لم يكن تصرف ريكيو عبثياً، بل كان بليغاً وعميقاً؛ لقد أراد أن يخبر تلميذه أن الطبيعة الحقة لا تعرف القوالب الجامدة، وأن الجمال الحقيقي يكمن في اللمسة الإنسانية العفوية وفي عشوائية الحياة التي تمنح الأشياء روحاً ونبضاً.

قبول الذات والندوب: جمال الأصالة وسط جروح التجربة

يمثل العمق النفسي لفلسفة الوابي-سابي ثورة حقيقية على ثقافة الجلد الذاتي والملاحقة المستمرة لصور الشخص الكامل المستحيلة. إننا غالباً ما نرهق أرواحنا بمحاولة إخفاء إخفاقاتنا، أو محو ندوبنا الماضية، وكأن البشر آلات يجب أن تخرج من المصنع بلا خدش. لكن الفلسفة هنا تدعونا لننظر إلى ندوبنا النفسية والجسدية بوصفها وسام أصالة وخريطة طريق لقصصنا الفريدة. تماماً كما تُصلح الفخاريات المكسورة في اليابان بخيوط الذهب فيما يُعرف بفن الكنتسوجي Kintsugi لتصبح القطعة أكثر جمالاً وقيمة بعد كسرها، فإن جروحنا وتجاربنا المؤلمة، حين نقبلها بوعي، لا تنقصنا بل تضيف إلينا عمقاً ونضجاً لا يملكه من عاشوا حياة معقمة وخالية من التحديات.

بهجة الأشياء العتيقة: وفاء للذاكرة ودفء المادة

في مسار موازٍ، تقف هذه الفلسفة في وجه ثقافة الاستهلاك السريع التي تملي علينا التخلص من كل شيء بمجرد ظهور علامة بسيطة لمرور الزمن عليه. إن الأشياء التي نحيط بها أنفسنا تحمل طاقة ودفئاً يتضاعبان كلما شاركتنا تفاصيل أيامنا؛ فالكتاب القديم الذي تملأ هوامشه ملاحظات بخط اليد، والطاولة الخشبية التي تحمل آثار سكب القهوة وضحكات الأصدقاء، تكتسب قيمة معنوية لا تقدر بثمن. الوابي-سابي يعلمنا أن نحب الأشياء في واقعيتها؛ فالأشياء المستعملة بحب تروي حكاياتنا الصامتة وتمنح بيوتنا أرواحاً دافئة تفتقدها الأجهزة الباردة واللامعة بطريقة مصطنعة.

التصالح مع زوال الأشياء: طمأنينة في حضرة التغير

إن الصراع الأكثر إهاكاً للبشر هو محاولة إيقاف الزمن أو الهروب من حقيقة أن كل شيء يتغير ويتحول. الخوف من الشيخوخة، أو القلق من زوال المكتسبات، أو حتى التشبث باللحظات الجميلة كأنها لن تنتهي، كلها أعباء تثقل كاهل الروح. يعلمنا الوابي-سابي أن نتقبل حقيقة أن الازهار والذبول وجهان لعملة واحدة؛ فالأوراق اليابسة التي أعجب بها ريكيو هي جزء من دورة الحياة الطبيعية. حين ندرك أن التغير ليس خصماً لنا بل هو القانون الأبدي للكون، فإننا نتحرر من قلق الاحتفاظ ونستمتع باللحظة الحاضرة بعمق وطمأنينة أكبر.

الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة: إيجاد السعادة في البساطة

أما البعد الأخير، فيعيد توجيه بوصلة انتباهنا بعيداً عن صخب الإنجازات الكبرى واللهاث خلف ما هو باهظ ومبهر، ليضعنا وجهاً لوجه أمام سحر التفاصيل العادية جداً. إن السعادة في هذا المفهوم ليست هبة نادرة، بل هي مهارة في التقاط الجمال الكامن في فنجان قهوة هادئ، أو صوت حفيف الأوراق، أو جلسة بسيطة خالية من التكلف. عندما تتجرّد حياتنا من التعقيد والتظاهر، نكتشف أن أبسط الأشياء هي أعمقها غنى وأكثرها قدرة على منحنا شعوراً حقيقياً بالامتنان والاكتمال الداخلي.

في جوهرها، لا تُعلّمنا فلسفة الوابي-سابي كيف نصلح الأشياء أو نجملها، بل كيف نُعيد تصالحنا مع الوجود بحد ذاته. إنها دعوة جذرية لإسقاط الأقنعة والتحرر من عبء المثالية الوهمية التي تقيد أرواحنا في قوالب صلبة. وحين ندرك أن الوجود الإنساني، بكل ندوبه وعشوائيته وعابريه، يشبه تماماً تلك الحديقة التي هزّ ريكيو غصنها لتتساقط أوراقها بحرية، فإننا نصل إلى اليقين الأعمق: أن الحياة لا تكون جميلة لأنها كاملة، بل تصبح كاملة وحقيقية، لأنها ناقصة ومتغيرة وبسيطة.

***

ئاريان على

يا لمرارة خيباتنا حين ندرك أنّ أخطر ما فينا أنّه بمقدورنا أن نعرف أشياء كثيرة دون أن تتغير حياتنا بسببها، عرفنا أن العمر قصير وبدّدناه، ويقينا عرفنا أنّ الذين نحبّهم سيموتون ثمّ أجّلنا محبتهم إلى غد، وأيّ غد؟، عرفنا أنّ الظلم يترك ندبا في الأرواح، ومارسناه على من هو أضعف منّا، وكم عرفنا معنى الوحدة، وتركنا من هم بحاجة لوجودنا في حياتهم وحيدين، يااااه... عرفنا معنى الخوف ثمّ أصبحنا نحن أنفسنا مصدرا لخوف الآخرين، بل ربّما مصدرا لازعاجهم وإحباطهم من حيث لا ندري أو ربّما من حيث نقصد ونسعى، ولَكَمْ عرفنا أنّ الموت قادم يتربّص بنا من كلّ صوب، وفي كلّ وقت، ثمّ مشينا في الأرض كأنّنا خالدون... ما أعدل أن نؤاخذ على ما اقترفناه في حقّ أنفسنا! بل في غايات الحياة ذاتها، حين ظنّنا أنّ الحياة على الأغلب تكون في غرفة جميلة نجلس فيها، أو ربّما في قصر جميل يأوينا، أو في سيارة فارهة تشكّل بهرج حياتنا. بينما الحياة تحدث خارج إطار التفاهات المادية، ولا تحدث إلاّ في الخارج، خارج أسوار بيوتنا، وخارج نطاق معتقداتنا وقناعاتنا، بل يتشكّل ملمح الحياة مع تقاطعات إخفاقاتنا، واكتشافنا الحقيقة عند كل سقطة ووثبة... حينها ندرك أن الحياة تحدث داخل المعنى.

حينها نقتنع شيئا فشئا أنّ اليقين له بؤرة تعرف بمنطقة المعرفة الباردة، إذ يتدرّج من حرارة الغواية بالأشياء والأشخاص في غفلة منّا، ثمّ تُفتح أمامنا درجات متصاعدة من الإدراك، إدراك من يعلم بقين الحقيقة، ثمّ ينعم الله علينا فتتبدّى أمامنا الحقيقة، وتُكشف أمامنا السبل لإدراكها كما هي لا كما نراها أو كما سوّلت لنا أنفسنا أن نراها، فنراها بعين اليقين، لكنّنا سرعان ما نتلقّى ضربة موجعة، تكشف لنا بطلان ادّعائنا، لأنّنا علمنا، وكابرنا، ورأينا ومازال يهلكنا الأمل، ووصلنا إلى حقّ اليقين فصدمنا ببرودة المنطقة التي حللنا بها، كأنّها نهاية الطريق كلّه ! ما أغرب ما نمرّ به، نعرف فنرى، فنتيقن، ثمّ نُسأل عن يقيننا، كأنّ المعرفة ليست امتيازا، بل بداية مسؤولية، وكأنّ العين حين ترى الحقيقة لا تعود بريئة كما كانت قبل أن تراها. فليس كلّ علم يقينا مكتملا، قد أعرف أن الماء موجود، وقد أراه أمامي، لكنّني لا أذوقه، فإذا شربته صار جزءا مني. ولعلّ هذه هي المسافة بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ففي علم اليقين أعرف الحقيقة، وفي عين اليقين أراها، وفي حق اليقين لا تعود الحقيقة شيئا خارج وجودي، بل تدخلني وتطالبني بأن أكون على قدرها. لذلك فالسؤال الأخطر ليس" هل عرفت؟ "ولا حتىّ "هل رأيت؟" بل ماذا فعلت بعدما عرفت ورأيت؟

ولعمري فقد يعرف الإنسان أن الحبّ حرية ثم يحوّل من يحب إلى سجين، وقد يعرف أن الكرامة حقّ ثم يهين من لا يملك الدفاع عن نفسه، وقد يعرف أن الموت قادم ثم يعيش كأنه خالد. نحن لا نُختبر فقط بما نجهله، أحيانا نُختبر بما نعرفه. فحجّتنا قبل المعرفة أن نقول" لم نكن نعلم"، أما بعدها فيبدأ العذر في الانهيار، وقبل الرؤية نستطيع أن نقول "لم أرَ "، أما بعدها فإنّ الهروب من الحقيقة يصبح اختيارا. فلكم عرفنا الطريق الطريق ولم نمشه، ولكم عرفنا من يستحق اعتذارنا وأجّلناه، وكم من صديق يتعب في صمت، وقلب قريب منا يوشك أن ينطفئ، ثمّ نتصرف حيال ذلك ببرود، كأن الحياة تمنحنا فرصة أخرى لنجد من هؤلاء نسخا احتياطية نعيش بها الوقت بدل الضائع.

لذلك أحبّتي أوصيكم وأنا أعلم علم اليقين بأنّكم تعرفون، وأرى بعين اليقين ما ترونه، وأرى حق اليقين بأن تحوّلوا الحقيقة فيكم إلى مسؤولية، ومعارفكم إلى أخلاق، وأبصاركم إلى رحمة، وأن تتّخذوا من يقينكم تواضعا. فما إن عرفتم أكثر عذرتم أكثر، وما إن رأيتم أكثر حكمتم أقل. إذا لمستم هشاشة الآخرين فلا تتلذذوا بكسرهم، فلربما كان الجاهل أخفّ مسؤولية من العارف الذي لم يفعل شيئا بعلمه.

وهنا يصبح النعيم نفسه سؤالا. العقل نعيم، والصحة نعيم، والوقت نعيم، والحبّ نعيم، والقدرة على المعرفة نعيم، فماذا فعلنا بكل ذلك؟ كم مرة استعملنا الثقافة لاحتقار الآخرين بدل إنقاذ أنفسنا من الغرور؟ كم مرة تحدّثنا عن القيم ونحن نعيش ضدّها؟ كم مرة مر بنا النور فأغلقنا الأبواب في وجهه؟

إن المعرفة التي لا تغيّر صاحبها قد تكون شكلا آخر من أشكال الترف، لأن الحقيقة حين تدخل حياتك لا تتركك كما كنت، إنها تطلب ثمنها. وحين نعود إلى الآية، نفهم أن النعيم ليس ما نملكه فقط، بل ما أُتيح لنا أن نصنع به: " ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ " آية 8 من سورة التكاثر، فيتحقّق معنى بيت الشعر للمتنبي:" ذو العقل يشقى في النعيم بعقله // وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ".

عندها لا يعود السؤال ماذا كنت تعرف؟ بل ماذا صنعت بما عرفت؟ ولا يكون الرعب في أن تكون قد عشت في الظلام، بل في أن تكتشف متأخّرا أنّك رأيت النور، ثمّ اخترت أن تطفئه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

صورة كمقدمة

في يده كتاب، كل الأعين تترصّده، تُحصي حركات شفتيه، واصبعه حين ينتقل بين الصفحات، تنظر إليه شزراً وتوجُّساً كأنه يحمل ممنوعات أو قنبلة موقوتة تنتظر ساعة انفجارها، بينما تحمل الأيادي الأخرى هواتف تكان الأعين تشقُّ شاشاتها لتدخلها، بين الصورة والصورة، تتهامس الألسن، وتشير الأصابع، وتتغامز الأعين، نظرات حذرة مستنكرة ومتوجّسة، تثير كثيرا من الأسئلة، بينما يستمر الكائن الغريب في القراءة بنفس الحركات في غير اهتمام بما يدور حوله.

مفارقة صادمة، تثير كثيراً من الأسئلة، بين كوننا "أمّة اِقرأ"، وبين الواقع الثقافي المرير الذي وصلنا إليه، هي واحدة من أعمق الفجوات الحضارية التي نعيشها، إذ حوّلت القراءة في وعينا الجَمْعي إلى طقس نخبوي، بدل أن تكون القراءة أداة حية وعلمية لفهم الكون وتطوير الحياة يتقاسمه الجميع.

صناعة النُّفور من القراءة..

في زمن تحكّمت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، وسلطان الصورة، وارتخاء الفكر عن السؤال، ومسائلة الواقع الذي اعتاد أهله العتمة والظُّلمة والفكر النّائم المريح، زمن تحولت فيه القراءة إلى فعل منافٍ للأعراف، حين أصبح القارئ متمرّداً يهدّد ما تواضع عليه النّاس، وما جاءت به النظم المعلوماتية، علينا أن ننظر في أصل هذا النفور، في البدايات والمنطلقات الأساس، فعندما ارتبطت القراءة في عقل الصِّغار بالامتحانات، ولا تتجاوز الحفظ والتلقين والنقط والخوف من الرسوب، نشأت العداوة تجاه الكتاب، واضمحلّ شغف القراءة، لأنها هنا، لا تولِّدُ المتعة والفضول العلمي، بل تنتهي بانتهاء الامتحان، فيُعلن الصّغار تحرُّرهم من الكتاب الذي ارتبط في وعيهم بالقيد والتوتّر والانتظار. فالقراءة في أوطاننا لا تؤدّي إلى التّساؤل والنقد والتفكير الإبداعي وفهم العالم من حولنا، خصوصاً حين هجمت علينا، من حيث ندري أو لا ندري، وسائل التواصل الاجتماعي بنُظُمها المعلوماتية المُصمّمة بدقة العارفين لاختطاف الإثارة البصرية وحجزها في خانات ضيقة تهتم بالصورة واللون بعيدا عن القراءة وفك شفراتها، وسلب العقول وقولبتها لتقرأ ببلادة مُمنْهجة، وتبتسم ببلاهة  ظاهرة تُبدي للنّاظر التفاهة التي تغوص فيها حدّ غياب الوعي، حتى أصبح حامل الكتاب وسر القراءة يغرّد وحيداَ خارج السّرب، وتلك ضريبة الوعي الواعي بأهمية القراء في مجتمع يقدّس السير مع القطيع.

"اِقرأ" أمر بوصفه واجبا إنسانيا..

في زمن العميان، يعيش الغربة من يتمسّك بالقراءة كمنهج حياة، وكواجب وفرض ، ومتّهم، بل خطر على ما تعارف عليه التّافهون الذين جعلوا الكتاب خلف ظهورهم، وأطفأوا النور، واستحلوا العمى حين رأوا في العتمة راحة.

"اِقرأ"، أمرٌ واضحٌ وجلي، والأمر واجبٌ تنفيذه وتطبيقه، ليس اُعبد أو جاهد أو هاجر..، "اِقرأ"، لا للتهجّي وفك رموز الحروف والكلمات، بل فعل إدراك ووعي وبحث عن الحكمة التي هي ضالّة المومن/الإنسان، ليبني وعيه على علم لا عن جهل وتقليد، وتبصّر لا عن اتباع هالك. فالذي يُعطي الوجود معناه وقيمته هو الإنسان القارئ الواعي بما يقرأ، والواعي بالأمر، فيتأكّد المعنى ويتحوّل الوجود من عشوائي تبعي إلى خروج واع عن المألوف وما تواضع عليه الآخرون، فيتأكّد الأثر، وينغرس المعنى، وتُعَمّر الأرض بالحق والعدل والخير، وتتحقق بذلك حقيقة الاستخلاف في الأرض. فاِقرأ أعمق من فتح كتاب، إنها إنصاتٌ لنبض الوجود واكتشاف سنن الكون، وفهم الغاية العظمى منه. وبالصّدّ عن الأمر، نُحيي عصر حرق الكتب وقتل القارئين الذين أسّسوا للسؤال والبحث فيما يمنح الأشياء حقّها وقيمتها، إذ يتجلّى كُره القراءة بوصفه موقفاً دفاعيا، لأنّها تُسفِّه اختيارات العُمْي الذين بنوا "ثقافتهم" على الاتّباع والتقليد وسياسة القطيع، يأخذون من الآخر حياته ويتلبّسونها هانئين مفتخرين بعقولٍ مرتاحة لا تسأل، ولا تفكّر في الحال ولا في المآل، وعيونٍ اطمأنّت للحياة في غيابٍ تام عن البحث والسؤال في جدوى البُنى القائمة على التّضليل والمتحكّمة في هذا العمى الذي استفحل، ضدّ القراءة والكتاب، واستسهل ما وصل إليه من تردّي وتفاهة بعيون لاصقة بشاشات لا تتجاوز مساحتها حجم الكفّ.

إن صناعة العمى والنفور من الكتاب، واغتيال شغف القراءة، تجعل النّظر في الكتاب نقمة، وجريمة وتخلُّف، ومن القارئ المتبصّر مغتربا منبوذاً، وحمله للكتاب تهديد لما ارتاح وتعارف عليه العُمي الذين يبحثون عن السّهل الذي أحدثته النّظم المعلوماتية والذي أصبح متهافتاً عليه، ومُستباحاً، ومشاعاً من دون ضوابط، عبر الأساليب النّاعمة كالتّسطيح المُمنهج، وإغراق الفضاء العام بالمعلومات التّافهة، وتحويل القراءة إلى تُهمة فكرية لا طائل منها.

هل يحتاج العالم إلى القراءة؟..

القراءة أكثر من فهم، إنها تحوُّل وليست استيعاباً عقليا فحسب، بل ولادات في فضاءات المعنى تتعدّد وتتجدّد، والكتاب، للأسف، في زمن العميان يبحث عن موطئ قدم، لا لمنافسة الهواتف النّقّالة، وسطوة النظم المعلوماتية، فبحكم تعقّله لا يمكنه أن يدخل في حرب، والحرب خُطّة وليست خدعة، لأن الكتاب لا يخدع قارئه، فهو يسعى إلى بعث الأمر الإلاهي من تحت الرّماد، وفتح قنوات تواصلية جديدة لإحياء الفعل القرائي على أسس فكرية ناقدة مبنية على السؤال والنّقاش المثمر. فالقراءة عمقٌ في زمن السّطحية، ومقاومة للرداءة في عصر الميديا، وحصن من الانقياد للشائعات والتّضليل الإعلامي.

أن تقرأ، في زمن العميان، يعني أن تعيش غريباً كالقابض على الجمر، وسط غرباء اختاروا غربتهم حين تواطأوا على كراهية الكتاب والفعل الثقافي عموماً، لأن القراءة نداء عميق يأتي من داخلنا، تُرمّم ما انكسر منّا وتُؤثّث تفاصيل الحياة بما يصلح لوجودنا.

القراءة مرهم للنفوس التي أعْمَتْها مباهج الحياة، وسهّلت وصولها إلى ما تريد من دون جهد أو إعمال للفكر، فالعُمي استحلّوا السّهل، فباتوا في عماهم ضد التغيير، وضد السؤال، وضد القراءة، إذ، وحدها القراءة نور ودونها العُقم والعقر، وتدنّي المعنى وإنسانية الإنسان، وانمحاء الغاية من الوجود. القراءة في وضعٍ لا تُحسد عليه في مجتمعات تزداد عمى وبعدا وتعقيداً، منكفئة على ذاتها تتناقل أسرارها داخل دائرة تضيق كلما مرّ الزمن، بينما عجلة العالم تدور مسرعة تحصد كلّ شيء، ولا تعترف بشيء.

يتجلّى كُره وعداء القراءة بوصفها موقفا دفاعياً، لأنها تُسفِّه اختيارات العُمي التي تنبني على القراءة بداية ومنتهى..

القراءة تمثل رحلة كاملة للوعي الإنساني وتطوره. فهي الشرارة الأولى لطلب المعرفة وخوض غمارها وجني ثمارها لبناء العقل والحضارة والإنسان، وهي الغاية الأخيرة التي نصل بها إلى عمق فلسفة الحياة وفهم العالم. وهي رحلة بلا نهاية، لأنها الادراك التّام لاتّساع جهل الإنسان أمان المعرفة ليشقّ مجاهلها ومداراتها، لتصبح النّهاية بداية لرحلة جديدة في دائرة مكتملة لا تنتهي.

في مجتمعات تُفضّل العتمة والاستسلام للتضليل، واستساغة السرعة في الحصول على المعلومة مقزّمة لا تُسمن ولا تُغني من علم، تكون القراءة حافلة بالمخاطرة، إذ أصبحت خط الدفاع الأخير عن العقل البشري وعن السؤال. فالقراءة تمنحك مساحة خاصة للتفكير بعيداً عن ضغوط القطيع والنظم المعلوماتية، وتؤهّلك لخوض حرب التجهيل، وتُعيد للغة عمقها وقدرتها على التعبير عن الرفض، وتخلق لدى الفرد صلابة نفسية وفكرية تمنعه من الانهيار أمام قطعان التجهيل، وترفض الوصاية على العقل، وتصر على أن تكون شاهداً على الحقيقة، لأنها تحمل داخلها أسلحتها القادرة على إنقاذنا من أنفسنا ومن براثن السطحية والرداءة التي طبعت أدق تفاصيل حياتنا، حين فقدنا القدرة على الإصغاء لذواتنا الحائرة.

ختاما..

القراءة تعيد تشكيل وعي الفرد، وتستأنف بناءه الإنساني ليواصل تواجده الحضاري والتغييري للخروج من قهره الاجتماعي وتجاوز ذاته للإطاحة بالعزلة والأنانية، وهدم الجسور والحدود الذاتية، للوصول إلى الآخر وإلى العالمية والتاريخية، والمشاركة البنّاءة بدل الارتهان للجاهز والسائد من الأفكار.

القراءة صمّام أمانٍ فكري ونفسي وحضاري، وضمان استمرار السؤال والتّطوّر والابتكار، وحصن لحماية إنسانية الإنسان، والراعي الوحيد لعدم انقراض الوعي البشري، وهي فعل هدم وبناء، لأنها تعيد فحص الأسباب، وطرح السؤال حول البنى المتحكمة في هذا العمى الذي يتفشّى بسرعة بين الأوساط، خصوصا الشبابية منها، كما أن نظرتنا لها يجب أن تتغير وتتحول إلى فعل مقاومة جذري.

الرهان اليوم على أولئك الذين يصرّون على فتح الكتاب، ويؤمنون بان التغيير يتطلب صبرا ووقتا وتضحيات، لأنهم آخر حُرّاس الذاكرة، الواقفون على ثغور المحو، والشاهدون على أن الإنسان ذاتٌ مفكّرة لا مقلّدة، يُثير الأسئلة لترى ما وراء الأفق.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/المغرب

حين يشتري السوق ضمير الأكاديميا وتتحول المختبرات إلى مكاتب تسويق

لم تعد الجامعات ومراكز الأبحاث في عالمنا المعاصر تلك القلاع المحصنة التي تُنتج المعرفة من أجل الإنسان وخلاصه من الجهل والمرض، بل باتت تشهد انزلاقاً خطيراً نحو منطق السوق ومتطلبات الربح السريع. هذا التحول ليس مجرد أزمة إدارية عابرة، بل هو تمظهر صارخ لما يعرف اليوم بـرأسمالية الأبحاث، حيث استطاعت الشركات العابرة للحدود والكيانات الاحتكارية الكبرى أن تُمسك بمفاصل التمويل الأكاديمي، وتعيد توجيه بوصلة العلم وفق مصالحها الخاصة، في عملية مصادرة ممنهجة للعقول والاستقلال المعرفي. في واقع الحال بدأت هذه المعضلة مع تراجع الإنفاق الحكومي والدعم العام المخصص للمؤسسات الأكاديمية والبحثية، الأمر الذي أوقع الجامعات في فخ الارتهان التمويلي للقطاع الخاص. وتكمن المفارقة الصادمة هنا في أن التمويل لم يعد هبة غير مشروطة لدعم رصانة المعرفة، بل تحول إلى عقد استثماري تفرضه الشركات وفق شروط صارمة. وبذلك همشت العلوم الأساسية والفلسفية والإنسانية بحجة أنها لا تدر أرباحاً فورية، بينما وجهت المختبرات التقنية والطبية للبحث عن عقاقير وتقنيات تضمن احتكار السوق ورفع أسهم المستثمرين، حتى لو كان ذلك على حساب أولويات الصحة العامة والمجتمعات الأكثر فقراً. ولا يقف الأمر عند حدود توجيه الموضوعات، بل يمتد إلى مصادرة الباحث نفسه. فالأكاديمي الذي يفترض به أن يكون حارساً للموضوعية والحقيقة، يجد نفسه مقيداً بـ اتفاقيات سرية وبنود جزائية تجبره على إخفاء النتائج التي قد تضر بالمنتج التجاري للممول، أو تضخيم الإيجابيات لخدمة الحملات التسويقية. إنها مصادرة ناعمة للعقو"، يتم بموجبها تدجين النخبة العلمية وتحويلها من قوة نقدية مستقلة إلى أدوات تكنوقراطية لتبرير التوسع الرأسمالي وحماية براءات الاختراع الاحتكارية. إن تداعيات هذه الظاهرة تتجاوز أروقة الأكاديميا لتضرب صميم الأمن القومي والمجتمعي للدول النامية خصوصاً، حيث تباع مخرجات العقول بأثمان باهظة في سوق دوائي وتكنولوجي مغلق، ويحرم المجتمع من حق الوصول إلى المعرفة بوصفها منفعة عامة. تأسيساً على ذلك، بات لزاماً دقّ ناقوس الخطر والعمل على استعادة السيادة المعرفية. إن الدفاع عن الرصانة الأكاديمية اليوم لا ينفصل عن المعركة الوطنية للدفاع عن التنمية. فالأوطان التي تفقد السيطرة على بوصلة بحوثها العلمية وتترك عقول أبنائها رهينة لأجندات الشركات الكبرى، ترهن مستقبلها الاقتصادي والصحي برمته لسطوة سوق لا يعترف بالأخلاق ولا يكترث بمصير الإنسان.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

تغيّرت الحياة كثيراً، وتغيّرت معها أدوار المرأة ومسؤولياتها؛ فالمرأة اليوم تتعلم وتعمل وتشارك في مختلف الميادين، وتؤدي أدواراً محورية في المجتمع. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ يستحق التأمل: هل أدى هذا التغيير إلى انتهاء دورها كزوجة وربّة بيت وأم؟

إن دور المرأة كزوجة ركن أساسي في الحياة الأسرية؛ فهي شريكة في بناء حياة تقوم على المودة والاحترام، تقف إلى جانب زوجها في السراء والضراء، كما يقف هو إلى جانبها. وهي شريكة في مسيرة كاملة تتطلب الحب والتعاون وتحمل المسؤولية، وليست مجرد امرأة تشارك غيرها السقف ذاته.

ومن أهم أركان هذه الشراكة العطاء المكلّل بالاحترام؛ فالزواج ليس عملية تجارية تقوم على حسابات الربح والخسارة، ولا ينبغي أن يتحول إلى تدقيق دائم فيما يقدمه كل طرف وما يحصل عليه في المقابل. فالزوج الذي يعمل من أجل أسرته ويشارك في تربية أبنائه يقدم عطاءً عظيماً، والزوجة التي تبذل من وقتها وجهدها لرعاية أسرتها واستقرارها تقدم عطاءً لا يقل قيمة.

أما مفهوم «ربّة البيت» فهو أوسع بكثير من مجرد الأعمال المنزلية اليومية؛ فهي سيدة المنزل التي تدبّر شؤونه وتنظمه، وتخلق بيتاً يجد فيه أفراده الراحة والأمان والانتماء. ويعني ذلك أن تكون الأسرة في صدارة أولوياتها، ولا يعني أن تتحمل المرأة وحدها جميع الأعباء المنزلية، كما يجب أن تكون الأسرة في صدارة أولويات الزوج أيضاً.

وأما دورها كأم، فهو أعظم من أن يُختزل في توفير الطعام والملبس والتعليم؛ إذ إنها شريك أساسي في بناء شخصيات الأبناء وغرس القيم والأخلاق التي ترافقهم طوال حياتهم. فالطفل يحتاج إلى الحنان والقدوة والاحتواء، ولا تكفيه الرعاية المادية وحدها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: أيُّ هذه الأدوار يمكن الاستغناء عنه: الزوجة، أم ربّة البيت، أم الأم؟ وهل يحق للمرأة تقديم استقالتها من أحد هذه الأدوار والتخلي عنه؟

اليوم أصبحت المرأة تعمل، وتتولى المناصب العليا العلمية والإدارية، وتمارس التجارة بكفاءة واقتدار، وبذلك قلّ اعتمادها المادي على الزوج مقارنةً بما كان عليه الحال سابقاً. لكن هذا كله لا يلغي دورها داخل الأسرة، بل يظل هذا الدور من أهم مسؤولياتها، ويضاف إلى مسؤولياتها الأخرى. ومهما كانت الوظيفة مهمة، فلا ينبغي أن تكون بديلاً عن الأسرة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الرجل؛ فعمله لا يعفيه من دوره الأسري، إذ إن الزوج شريك في تربية الأبناء ورعاية البيت، وليس مجرد مُعيل مادي.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة آراء تُعيد تعريف العلاقة الزوجية بطريقة أثارت جدلاً واسعاً؛ ومنها الاستناد إلى بعض الآراء الفقهية التي ترى أن المرأة غير ملزمة بخدمة زوجها. ولا اعتراض، بالطبع، على وجود مثل هذه الآراء الفقهية وتعدد الاجتهادات فيها؛ فالزوجة ليست خادمة لزوجها، كما أن الزوج ليس خادماً لزوجته، ومجرد النظر إلى العلاقة الزوجية من هذا المنظور يُعدّ انتقاصاً من منظومة الزواج. إن هذا التصور يفرغ الزواج من روح المشاركة، ويجعل التعاون في شؤون البيت أمراً يُنظر إليه بوصفه انتقاصاً من الحقوق أو الكرامة.

فالحياة الزوجية في جوهرها شراكة قائمة على المودة والرحمة، وليست علاقة بين صاحب عمل ومن يعمل لديه. والبيت ليس فندقاً يجتمع فيه الطرفان في نهاية اليوم، ولا مضماراً لتعديد الحقوق والمطالبة بها، مع النظر إلى الواجبات بوصفها عبئاً ثقيلاً. وعلى كل أسرة أن تجد طريقتها في تنظيم شؤونها وإدارة بيتها بما يضمن استقرار الحياة العائلية، سواء بتوزيع المهام بين الزوجين أو بالاستعانة بمساعدة منزلية عند الحاجة والقدرة، دون أن ينتقص ذلك من مكانة أحد أو من قيمة الأسرة.

حدثت كل هذه التغييرات بسرعة، فما الأسباب التي أدت إلى هذا التحول في النظرة إلى الحياة الزوجية؟ لقد أمعنتُ في التفكير في هذا الجانب كثيراً، ووصلت إلى بعض القناعات، منها أن بعض الزوجات، وبخاصة الشابات، قد يكنّ ضحايا تربية أسرية غير متوازنة؛ إذ نشأن في بيئات لم تُعوّدهن على تحمّل المسؤولية، ورُبِّينَ على أن الصورة المثالية للحياة الحديثة هي أن يوفر الزوج كل شيء، دون أن تُطالَب الزوجة بالمثل. فتدخل الفتاة الحياة الزوجية بتوقعات غير واقعية، معتقدة أن الاهتمام ببيتها وأسرتها ليس من أولويات مسؤولياتها، وقد ترى فيه انتقاصاً من استقلاليتها.

والأخطر من ذلك أن هذه المفاهيم التي اكتسبتها الزوجة من عائلتها قد تنتقل إلى الأبناء؛ فالطفل يتشرّب أفكاره من بيئته، وإذا نشأ في بيت يرى فيه المسؤولية عبئاً والعطاء انتقاصاً من الكرامة، فقد يحمل هذه المفاهيم معه إلى أسرته المستقبلية، وعندها تنعكس هذه المشكلات على شريحة أوسع من المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية مسؤولية الأسرة في إعداد الجيل القادم، وتعليم الأبناء معنى المسؤولية وقيمة العطاء.

وقد انعكست هذه التحولات على نظرة بعض أبناء الجيل الجديد إلى الزواج، نتيجة هذه التناقضات والتوقعات المرتفعة، إلى جانب أعباء الحياة الاقتصادية. فأصبح بعضهم ينظر إلى الزواج بوصفه عبئاً يصعب تحمّله. فعندما يُنظر إلى الزوج وكأنه «فانوس سحري» يُفترض به تحقيق جميع الأحلام التي عجز الوالدان عن تحقيقها لها، بدلاً من النظر إليه كشريك في مسيرة تقوم على الأخذ والعطاء، تصبح الحياة الزوجية عرضة للخلافات المستمرة. كما أن تغيّر بعض المفاهيم، والبحث عن مواصفات وشروط معينة، قد دفع بعض الشباب إلى البحث عن شريك حياة من ثقافات أو جنسيات أخرى، وهو تحول اجتماعي يستحق الدراسة والتأمل عند بحث أسباب تأخر سن الزواج في مجتمعاتنا.

ليس الحديث عن دور المرأة الأسري دعوة إلى إعادتها إلى صورة نمطية قديمة، ولا إلى تحميلها وحدها أعباء البيت، وإنما هو تذكير بأن الأسرة تقوم على التكامل والمودة. فالمرأة ليست موظفة فقط، ولا زوجةً فقط، ولا أمًّا فقط؛ بل هي إنسانة تحمل أدواراً متكاملة تسهم في بناء الأسرة والحفاظ على تماسكها، والرجل كذلك شريك أصيل في هذه المسيرة.

لقد تطورت المجتمعات وتبدّلت طبيعة العمل، لكن حاجة الإنسان إلى الأسرة لم تتغير. لذلك، لا يمكن القول إن دور المرأة كربّة بيت قد انتهى، بل تغيّر شكله؛ فقد تكون ربّة البيت اليوم امرأة تعمل خارج منزلها، ثم تعود لتشارك في إدارة بيتها ورعاية أسرتها، وقد تكون امرأة متفرغة لبيتها. وفي الحالتين، تُقاس قيمة دورها بما تقدمه لأسرتها من حب واستقرار، لا بالمسمى الوظيفي الذي تحمله. وتبقى هي ملكة العائلة. ولا ننسى أن الأسرة تمثل للمرأة، كما للرجل، مصدر استقرار وأمان، ومن مصلحتهما معاً الحفاظ على تماسكها، وأن تسود بين أفرادها المودة والحب.

تغيّر الزمن لا يعني تغيّر القيم، بل يعني أن نبحث عن أفضل السبل للحفاظ عليها. فالبيت الذي يتنافس فيه الزوجان على من يعطي أقل ومن يكسب أكثر، قد يبقى سقفه قائماً، لكنه يفقد روحه؛ أما البيت الذي يتنافس فيه كل طرف على من يقدّم أكثر، فهو البيت الذي تسكنه المودة، ويظل وطناً حقيقياً لأفراده.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

ثمة أماكن تتسلل بهدوء إلى أعماق الذاكرة، بمجرد ان نمر فيها، فهي قد استقرت في أعماق الوجدان حتى اصبحت جزءاً من تكوين الإنسان.

فالمكان وعاء الذاكرة، حيث تختزن ربوعه خطوات النشأة الأولى، وتظل ملامحه شاهدة على أيام عشناها، ولم نكن ندرك أنها ستصبح ذات يوم، أثمن ما نملك من ذكريات.

ويظل للمكان سحره، برية ووهادا وانهارا، إذ يمتزج الإنسان بالطبيعة، والذاكرة برائحة الطين والسنابل، فيغدو المكان حكاية مفتوحة على الزمن.

فالنهر لا يبدو مجرد مجرى للماء، بل يبدو كأنه جزء من ذاكرة المكان وروحه. فكم من إنسان جلس على ضفته يتأمل الماء، أو انتظر غروب الشمس، ومغادرة اسراب النوارس، ثم حمل تلك اللحظات معه، حين غادر المكان.

إنها الذاكرة.. فالذاكرة لا تحفظ المكان كما تراه العين، وإنما كما أحبّه القلب، وبذلك تكون صورة المكان في الوجدان، أجمل من صورته في الواقع. فالزمن يستطيع أن يغيّر الملامح، لكنه لا يستطيع أن يقتلع ما استقر في أعماق الوجدان.

 هكذا يصبح المكان وجوداً موازياً للإنسان، يشاركه المزاج، ويرسم تفاصيل حياته اليومية ببلاغة ساحرة.

فالبيت الذي شهد الطفولة، ليس حائطا وسقفاً فقط، والطريق الذي كنا نسلكه ليس تراباً ممتداً بين مكانين، وشاطىء النهر الذي جلسنا عنده، ليس ماءً يجري وحسب، فكل واحد منها يحمل شيئاً بصمة من وجودنا، لتمضي بنا الأيام والسنوات، ثم نكتشف عند ذاك، أن مفردات تلك التفاصيل الصغيرة كانت هي الحياة نفسها.

إن الحنين إلى المكان، ليس حنيناً إلى الربوع وحدها، وإنما هو حنين إلى زمن المكان، وإلى الناس الذين صنعوا دفأه، وإلى أنفسنا، حين كنا نعيش تلك الأيام ببساطتها، وعفويتها.

فالأماكن التي أحببناها لا تغادرنا حين نغادرها، بل إنها تنتقل من ربوع الأرض، لتسكن أعماق الوجدان.

وهكذا يبقى للمكان سحره في الوجدان، فبعض الأماكن لا نسكنها، بل هي تسكننا، وبعض الضفاف لا نتركها حين نرحل، لأن ماءها يستمر في الجريان داخل ذاكرتنا، وتظل النوارس تحلق فوقها، كلما استدعت الذاكرة لقطة من حياة أيام زمان.

***

نايف عبوش

الزعيم الألماني اودولف هتلر.. يزني بإبنة أخته

الزعيم الألماني هتلر الذي عُرف بجرأته وحماقته واندفاعه والذي أشعل نار الحرب العالمية الثانية، بدأ حياته فناناً فطرياً فأخذ يرسم لوحاته الفنية التي تمثل الشخصيات المهمة والمناظر الطبيعية ثم يبيعها ليعتاش عليها، كان هذا قبل الحرب العالمية الأولى.

وعندما كان طالباً في المدرسة في مدن فينا وميونخ، وعندما كان يوجّه إليه السؤال: ماذا ستكون في المستقبل؟ كان جوابه: إني سأكون رساماً كبيراً. ولذلك قدم طلباً للانتماء إلى مدرسة الفنون الجميلة إلا أنه فشل في الامتحان، غير أنه استمر في رسم لوحاته التي كان يزخرفها بنفسه وأهدى قسماً منها إلى الكنائس حيث تُعلق على الجدران.

لكنه سرعان ما ترك المهنة التي لم يحصل منها على شيء مادي يفيده، وقد استهوته العسكرية فانخرط في السلك العسكري، لكنه استمر في رسم خنادق القتال أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء هذه الحرب انغمس في السياسة فأسس (الحزب القومي الاشتراكي) وحاول الانقلاب على الحكومة الألمانية إلا أنه فشل، ودفعه فشله للعودة مرة اخرى إلى رسم اللوحات فاستدعى ابنة أخته (جيلي روبال)، وكانت فتاة جميلة في التاسعة عشرة من عمرها، تصفها كتب التاريخ بأنها فتاة مدللة لعوب، وذات يوم طلب منها خالها الزاني أن تقف أمامه عارية كي يرسم لها لوحة وهي على هذا الشكل ففعلت ذلك، ويقال بأن هذا الرجل الزاني قد زنى بها مما ترك في نفسها أثراً كبيراً فيما بعد، حيث أقدمت على الانتحار حين شعرت بفداحة ما اقترفته مع خالها الذي دفعته نزواته إلى القيام بهذا العمل.

لقد وقع هذا قبل أن يتعرف على عشيقته (إيفا براون) التي ظلت معه حتى انتهى الاثنان في ملجأ واحد أثناء هزيمة هتلر أمام الحلفاء، حيث قضت منتحرة بأمر من هتلر، وقد أقدم بعدها على الانتحار في 30/4/1945.

وكان هتلر قبل انتحاره يتمنى أن يكون يوم وفاته في اليوم الذي يصادف فيه موت نابليون، وهو الخامس من أيار، ليطابق ذكرى وفاة نابليون، ولكنه انتحر قبل هذا اليوم بخمسة أيام.

وكان هتلر متأثراً بنابليون حتى أنه رسم له لوحة كبيرة بالزي العسكري، وأثناء الاحتلال النازي لباريس زار هتلر باريس وسجد أمام تمثال نابليون.

وهكذا استحال هذا الرسام إلى زانٍ ثم إلى أكبر دكتاتور في العالم وقضى منتحراً، وقبل انتحاره أوصى بأن يحرق جثمانه، وقد أحرق فعلاً وتحول إلى رماد.

***

غريب دوحي

عرضّت إحدى الفتيات جسدها العاري لشمس تموز وهي مستلقية بهدوء على رمال شاطئ بحري، وقد برزت مفاتنها، التقط أحد المصورين صورة لها نشرتها إحدى الصحف العالمية. اشتكت الفتاة، لجأت إلى القضاء، وأقامت الدعوى أمام إحدى المحاكم استناداً إلى أن ما ارتكب بحقها اعتداء على حقوقها الخصوصية، رفضت المحكمة دعواها، وردّت عليها بأن شاطئ البحر حيث التقطت الصورة المنشورة ليس مكاناً خاصاً.

ردّ الدعوة يثير تساؤلات عدة حول حق التصوير في الأماكن العامة والخاصة، ومتى يجري التمييز بينهما؟ هل التقاط صورة لك في طريق عام يعدّ عملاً مشروعاً، لا تثريب على مصور سينمائي صوّر حركة المرور في الطريق العام، والتقط بعض المشاهد ظهر فيها بعض الأشخاص من المارّة، ثم أمكن لهم أن يتعرفوا على أنفسهم، أو أمكن للغير من التعرف عليهم بوضوح.

حالات أخرى في التصوير سببت إشكالات قانونية واجتماعية عديدة: صورة لرجل وامرأة في وضع يتسم بالألفة الشديدة يقفان أمام واجهة لإحدى محلات الصاغة. تبين أن السيدة كانت زوجة لرجل آخر. صور لسيدات متزوجات حضرن حفلاً راقصاً من دون أزواجهم أو خفية عنهم. في قضية عرضت أمام المحاكم، أشارت فيها إحدى الجرائد إلى أنه ملف دعارة، وارفقت معه صورة لامرأة لا علاقة لها بالقضية، فأوحى ذلك بأن صاحبة الصورة هي إحدى المتهمات في القضية المعروضة. عندئذٍ كان الضرر كبيراً على صاحبة الصورة.

ممثلة الاغراء الفرنسية بريجيت باردو حكمت لها المحكمة بمصادرة صورة التقطها أحد المصورين الصحفيين عن بعد وهي في عقر دارها بملابس خفيفة تحتضن طفلها، مع تعويض مالي تدفعه المجلة التي نشرت الصورة.3253 jamal

لنتخيل مصوراً يلتقط مشهداً لسوق شعبي في بغداد أو مدن أخرى. يظهر في الصورة عشرات المارة بصورة عفوية. هنا يكون الأشخاص جزءاً من المشهد العام، وليسوا موضوع الصورة الأساسي، وغالباً لا يثير الأمر إشكالاً. أما إذا اقتربت العدسة من شخص واحد، وجعلته محور الصورة، ثم نُشرت الصورة مصحوبة بتعليق ساخر أو عنوان مضلل، فإن المسألة تغادر حدود الفن لتدخل منطقة انتهاك الخصوصية.

تتكرر المشاهد ذاتها بصور مختلفة. كثيراً ما تنتشر صورة لإنسان بسيط في الشارع أو لبائع متجول أو لطفل يعمل في مهنة شاقة، ثم تتحول الصورة إلى مادة للتندر أو التعليقات الساخرة، بينما لم يمنح صاحبها ترخيصاً واحداً بنشرها. قد تكون النية حسنة، لكن غالباً ما تأتي النتائج قاسية، إذ قد تسبب الصورة حرجاً اجتماعياً، أو إساءة مهنية، أو أذى نفسيا لا يُقدّر بثمن.

لعل العالم شهد أمثلة كثيرة على ذلك. فقد اضطرت أميرة ويلز الراحلة الأميرة ديانا إلى العيش سنوات طويلة تحت مطاردة عدسات مصوري الفضائح، حتى أصبحت حياتها الخاصة مادة يومية للصحف. لم يكن الجدل يوماً حول حق المصور في التقاط الصورة فحسب، بل حول حق الإنسان في أن يعيش بعيدًا عن الملاحقة الدائمة.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للجدل ما يحدث أثناء الكوارث والحوادث. فقد يقف بعض الناس لتصوير المصابين قبل أن يمدّوا إليهم يد العون، وكأن الصورة أصبحت أهم من الإنسان نفسه. هنا يتحول التصوير من وسيلة توثيق إلى فعل يفتقر إلى الحس الإنساني، مهما كانت الذريعة.

لقد تغيّر العالم اليوم، الهاتف المحمول يحمل كاميرا تلتقط الصورة في جزء من الثانية، وأصبح الإنسان معرضا لأن يتحول إلى مادة منشورة في الفضاء الرقمي قبل أن يدرك أن عدسة ما قد اختطفته.

لكن سؤالاً واحداً ما زال يحتفظ بثقله الأخلاقي والقانوني:

"ممكن صورة.. من فضلك؟"

إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة في العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فالعدسة التي تستأذن تلتقط وجوها أكثر صدقا، والصورة التي تُولد من الاحترام تعيش أطول من تلك التي تُنتزع خلسة.

لكن في المقابل، ينبغي عدم النظر إلى الكاميرا بوصفها خصما للإنسان. فلولا الصورة لما عرف العالم أهوال الحروب، ولا انتهاكات حقوق الإنسان، ولا مآسي اللاجئين، ولا الجرائم التي وثقتها العدسات وأصبحت أدلة إدانة.

باعتقادي أن الشاعر والمترجم فاضل عباس أستطاع أن يدّون مئات الحالات من هذا القبيل في كتابه الضخم " ولا تنس أن السيدة لايكا تنتظرك بالبيت" بصفحاته التي تجاوزت الألف صفحة، تحدث عن صور غيرت العالم، صور عنف وصور محبة، لا يجمع بينها جامع، صورة قطرة حليب لمصور بارع وهي تتبدد في لحظة ملامستها سطح مستو، إنها العالم وقد تجمع في قطرة ماء.

بدأت " لعبة متابعة المشاهير" كما يقول هادي، في إيطاليا أواخر خمسينات القرن الماضي، حيث كان البلد يعيش فورة إبداعية كبيرة في مجال السينما.

لقد أسهمت صورة الطفلة الفيتنامية الهاربة من قصف النابالم الأمريكي في تغيير الرأي العام العالمي تجاه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد الشعب الفيتنامي،

وقصتها ترسخت في أذهان الناس بصورتها وهي عارية تصرخ تحت وابل القصف. الفتاة "فان ثي كيم" تعرف عالميا بـ "فتاة النابالم" في حزيران من عام 1972. تحولت صورتها وهي محترقة إلى واحدة من أكثر الصور تأثيراً وشهرة، بوصفها عنواناً لوحشية العدوان الأمريكي، ومعاناة ضحاياه.

بيد أن الصورة باتت محل جدل كبير بشأن مصورها بعد أكثر من 50 عاماً على التقاطها، فالمصور الصحفي الأمريكي "نك أوت" الذي ظل طوال العقود الماضية يحظى بالتكريم بوصفه "مصور الصورة"، يواجه حالياً موجة من الانتقادات بعد صدور فيلم وثائقي ينسب الصورة إلى صحفي فيتنامي يدعى "نغوين ثانه"،

كما لعبت الصور القادمة من مناطق النزاعات دوراً في كشف ما كان يمكن أن يبقى مخفياً.

ليست المشكلة في الكاميرا إذاً، بل في اليد التي تحملها، والعقل الذي يقرر متى يضغط زر الالتقاط، والضمير الذي يختار إن كان سينشر الصورة أم يحتفظ بها.

لقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجعل الحدود أكثر ضبابية. ضغطة واحدة تكفي كي تنتقل الصورة إلى ملايين الشاشات، ثم يصعب استعادتها أو محو آثارها.

تبقى أجمل الصور تلك التي تجمع بين الوظيفة والجمال، لا تُصادر كرامة أصحابها، ولا تسرق لحظاتهم، بل تحفظ للإنسان حقه في أن يكون شريكاً في حكايته، لا مجرد موضوعٍ عابر أمام عدسة لا تعرف الاستئذان.

***

جمال العتّابي

حين تتباعد المسافات

عشتُ طفولتي في كنف عائلة كبيرة، في بيت واسع يجمع تحت سقفه ثلاثة أجيال. كان أبي، رحمه الله، كبير العائلة والمسؤول عن إدارة شؤونها المالية والاجتماعية. كانت كلمته مسموعة ومحترمة من الجميع؛ يفصل في النزاعات، ويوجّه إخوته وأبناءه، ويسعى إلى الحفاظ على تماسك الأسرة ووحدتها.

لم تكن الحياة، رغم بساطتها، خالية من المشاحنات والخلافات الطبيعية التي تفرضها الحياة المشتركة، لكن المحبة والتسامح والشعور بالمسؤولية كانت عوامل تساعد الجميع على تجاوز الخلافات وتقاسم الأعباء. ولم تكن عائلتنا استثناءً؛ فقد كانت معظم العائلات العراقية، في زمن ليس ببعيد، كبيرة تضم الأجداد والجدات، والآباء، والأبناء، والأحفاد. وكانت البيوت تتسع للجميع، والأهم من ذلك أن القلوب كانت هي الأخرى واسعة تتسع للجميع. كان أفراد الأسرة يعيشون متقاربين، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم، وينتقلون بينهم بصورة طبيعية بالخبرة والقيم والعادات. وكان الصغير يكبر وهو يعرف كبار عائلته ويحترمهم، ويجد فيهم السند والنصيحة والحماية.

ثم بدأت الحياة تتغير. فمع انتشار التعليم واتساع فرص العمل وتبدل أنماط الحياة، ظهر جيل جديد أكثر انفتاحًا على ثقافات وأفكار مختلفة. ومع اختلاف الظروف وطرق التفكير، اتسعت الفجوة بين الأجيال، وأصبحت الأسرة الصغيرة تحل تدريجيًا محل العائلة الكبيرة. استقل الأبناء في مساكنهم، وتوزعت الأسر، ولم يعد من الضروري أن يعيش الأبناء مع آبائهم أو حتى بالقرب منهم. ومع ذلك، بقيت صلة الرحم حاضرة. كانت الأعياد والمناسبات والعطل فرصًا تلتقي فيها العائلة، فتستعيد شيئًا من دفء الماضي، ولو لأيام قليلة.

لكن التغيير لم يتوقف عند هذا الحد. فقد شهد العراق خلال العقود الماضية ظروفًا سياسية واقتصادية واجتماعية دفعت كثيرًا من أبنائه إلى الهجرة؛ بحثًا عن الأمان، أو هربًا من المضايقات، أو سعيًا إلى فرص عمل أفضل، أو رغبة في بناء حياة أكثر استقرارًا. وهكذا لم تعد العائلة الكبيرة موزعة بين بيوت متقاربة أو حتى داخل مدينة واحدة، بل أصبح أفرادها يعيشون في مدن وبلدان، بل وقارات مختلفة.

وأصبح اللقاء الذي كان أمرًا طبيعيًا في الماضي يحتاج إلى تخطيط وسفر ووقت، في ظل مسؤوليات العمل والدراسة وتربية الأبناء وغيرها من مشاغل الحياة. ولم تعد المسافات تلغي المحبة بالضرورة، لكنها جعلت الحفاظ على العلاقات العائلية يحتاج إلى وعي وجهد وإرادة.

أتذكر، في سبعينيات القرن الماضي، عندما كنت أدرس الدكتوراه في إنجلترا، أن عطلة الكريسماس كانت بالنسبة إلى بعض زملائي الإنجليز فرصة سنوية للقاء أهلهم. كنت أستغرب ذلك وأمازحهم، متسائلًا كيف يتحملون البعد عن ذويهم طوال عام كامل! وكنت أتفاخر أمامهم بما كنا نعيشه في العراق من قرب عائلي وتواصل شبه يومي مع الوالدين والإخوة. لكن الأيام دارت، وآل بنا الحال اليوم إلى ما هو أشد. ففي زحمة الحياة الحديثة، ومع تباعد الأبناء في أصقاع الأرض، أصبحنا نبحث عن فرصة نلتقي فيها بأبنائنا وبناتنا، وقد تمر سنة أو أكثر من دون أن تجمعنا بهم الأيام.

ومن هنا أرى أن مفهوم تماسك العائلة يحتاج اليوم إلى أن يُفهم بصورة مختلفة. فالتماسك لم يعد يعني بالضرورة أن نعيش تحت سقف واحد، أو في مدينة أو بلد واحد؛ فهذا لم يعد ممكنًا لكثير من العائلات. لكنه يعني أن تبقى العلاقة حية، وأن يبقى لكل فرد مكان في قلب الآخر. قد تكون المسافة بيننا آلاف الكيلومترات، لكن كلمة طيبة، أو اتصالًا هاتفيًا، أو سؤالًا صادقًا عن الأحوال، أو مشاركة في فرح، أو مواساة في حزن، يمكن أن تبقي خيط التواصل ممتدًا. فإذا تباعدت الأجساد، ينبغي ألا تتباعد القلوب.

ومع مرور السنوات، يكبر الأبناء ويتزوجون ويصبحون أرباب أسر، ويأتي الأحفاد، فتتسع العائلة من جديد، ولكن بصورة مختلفة. تتعدد الشخصيات والطباع والثقافات ووجهات النظر، ويصبح أفراد الأسرة موزعين في بلدان مختلفة. وقد يصل الأمر إلى أن يكبر أبناء العم والخال والعمة والخالة وهم لا يعرفون بعضهم إلا معرفة عابرة.

وكلما اتسعت العائلة، ازدادت تشعباتها واحتمالات الاختلاف فيها. وما كان يبدو بسيطًا داخل الأسرة الصغيرة قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما تتعدد الشخصيات والظروف. وليس الاختلاف في حد ذاته علامة على ضعف الروابط؛ فالعائلة الحقيقية لا تعني أن يتطابق أفرادها في آرائهم واختياراتهم، وإنما أن يعرفوا كيف يختلفون من دون أن يقطعوا ما بينهم من مودة ورحمة.

وهنا تكمن حاجتنا اليوم إلى التعاون أكثر من أي وقت مضى. فتماسك العائلة لا يتحقق بمجرد صلة القرابة، بل يحتاج إلى أن يشعر كل فرد بأنه جزء من كيان أكبر منه، وأن نجاحه لا ينفصـل عن خير عائلته، وأن مساعدة القريب عند الحاجة مسؤولية أخلاقية، متى توفرت القدرة والإمكان.

ولا تخلو العائلات الكبيرة من الغيرة والتنافس، ولا سيما بين الإخوة وأبناء العم. وهذا أمر قد يكون طبيعيًا ما دام في حدوده الإنسانية. لكن المهم أن تتحول الغيرة إلى منافسة شريفة تدفع إلى الاجتهاد والنجاح، لا إلى الحسد والكراهية والتقليل من شأن الآخر. فنجاح أحد أفراد العائلة ينبغي أن يكون مصدر فخر للجميع، وحافزًا للآخرين، لا سببًا للفرقة.

والأبناء والأحفاد لا يتعلمون معنى العائلة من الكلمات وحدها، بل مما يرونه في سلوك آبائهم وأجدادهم. فإذا نشأوا في أجواء من المودة والاحترام والتسامح، وتعلموا أن الاختلاف لا يعني القطيعة، وأن العتاب لا يعني الكراهية، وأن القريب يُساند عند الحاجة، حملوا هذه القيم معهم إلى أسرهم ومستقبلهم.

ولعل أجمل ما نستطيع أن نورثه لأبنائنا وأحفادنا ليس بيتًا كبيرًا يجتمعون فيه كما كان آباؤنا وأجدادنا، فقد لا نستطيع أن نوفر لهم ذلك. لكننا نستطيع أن نترك لهم عائلة كبيرة في معناها، متماسكة في محبتها، متعاونة في شؤونها، متسامحة في خلافاتها، لا تفرقها المسافات ولا تنهيها اختلافات الرأي.

فالعائلة قد تتغير أشكالها، وقد تتباعد مساكنها، وقد يحمل أفرادها جوازات سفر مختلفة، ويعيشون في بلدان وقارات متباعدة، لكن جوهرها ينبغي أن يبقى واحدًا: أن يجد الإنسان فيها من يحبه، ومن يقف إلى جانبه ويعينه عند الحاجة، ومن يفرح لفرحه ويحزن لحزنه.

فما أجمل أن تكبر العائلة، وتتسع دائرتها، وتتباعد المسافات، بينما تتقارب القلوب وتتكاتف الأيدي يجمعها قول الله تعالى "وتعاونوا على البر والتقوى".

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

جَحِيمُ الحَنِينِ الطَّاغِي وكبْرِيَاءِ الطِّينِ فِي مَرْثِيَةِ النَّابِغَة

لَمْ يَعُدْ فِي رُوحِي أَرْضٌ تَصْلُحُ لِلْعِتَاب، وَلَا سَمَاءٌ تَتَّسِعُ لِلْأُمْنِيَات. لَقَدْ تَهَاوَتْ اللُّغَةُ كُلُّهَا تَحْتَ وَطْأَةِ هَذَا الخَرَابِ الصَّامِت، فَمَا عُدْتُ أَمْلِكُ جَسَداً يَحْمِلُنِي، بَلْ أَمْلِكُ جُثَّةً تُؤَدِّي طُقُوسَ العَيْشِ نِكَايَةً بِالمَوْت. هَذِهِ رِسَالَتِي إِلَيْكِ، لَا لِأَسْتَعْطِفَ قَلْبَكِ، بَل لِأَحْفِرَ فِي وَجْهِ غِيَابِكِ مَجْرىً مِنْ الدَّمِ الكَثِيف، لِأَشْرَحَ لَكِ كَيْفَ يَتَفَتَّتُ الكَائِنُ البَشَرِيُّ حِينَ يَنْطَفِئُ نُورُهُ الأَوْحَد. لَقَدْ فَتَتَنِي غِيَابُكِ فَتّاً، وَهَدَمَ بِنْيَتِي النَّفْسِيَّةَ طُوبَةً فَطُوبَة، حَتَّى صِرْتُ أَرَى النَّوْمَ مَعْرَكَةً أَخْسَرُهَا كُلَّ لَيْلَة، وَأَرَى الِاسْتِيقَاظَ نَفْياً مُتَجَدِّداً إِلَى وَاقِعٍ يَقْطُرُ سَوَاداً. الشَّوْقُ فِي صَدْرِي لَمْ يَعُدْ عِاطِفَةً يَكْتُبُهَا الشُّعَرَاء، بَلْ غَدَا سَرَطَاناً وُجُودِيّاً يَأْكُلُ رِئَتِي كُلَّمَا تَنَفَّسْتُ هَوَاءً لَا يَحْمِلُ أَنْفَاسَكِ. تَعِبْتُ نَفْسِيّاً إِلَى الحَدِّ الَّذِي جَعَلَ صَوْتَ النَّحِيبِ فِي دَاخِلِي يَخْنُقُ أَوْتَارِي الصَّوْتِيَّة، فَأَسِيرُ بَيْنَ البَشَرِ مَذْهُولاً، أَتَأَمَّلُ وُجُوهَهُمْ بِلَا إِدْرَاك، وَأَتَسَاءَلُ فِي غَمْرَةِ ضَيَاعِي: كَيْفَ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ أَنْ يَسْلُبَ العَالَمَ كُلَّ أَلْوَانِهِ ويَتْرُكَهُ رَمَاداً كَالحاً؟

لَقَدْ تَعَدَّى هَذَا الخَرَابُ نُدُوبَ النَّفْسِ لِيَحْفِرَ مَجْرَاهُ فِي جَسَدِي الَّذِي يَتَهَاوَى لَيْلًا وَنَهَاراً؛ صَارَ عُمُرِي يُقَاسُ بِمَدَى الأَلَمِ الَّذِي يَسْرِي فِي عِظَامِي مَعَ كُلِّ دَقَّةِ سَاعَة. جَسَدِي يَتَمَزَّقُ نَحُولًا وَتَعَباً، كَأَنَّ حِمْلَ الغِيَابِ ثَقِيلٌ إِلَى حَدٍّ لَا تَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ السَّلَاسِلُ. يَرْتَجِفُ نَبْضِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ كَطَائِرٍ يُذْبَحُ عَلَى مَهْل، وَتَسْتَفِيقُ خَلَايَايَ عَلَى لَذَعَاتِ حَنِينٍ يَحْرِقُ الطَّرَفَ الحَيَّ مِنْ ذَاكِرَتِي. وَمَعَ ذَلِكَ، هَا أَنَا ذَا أَقِفُ شَامِخاً، مَهِيباً، مَرْعُوباً مِنْ جَبَرُوتِهِ النَّاسُ أَمَامَ المَلَإِ، أَرْتَدِي شَخْصِيَّتِي الصَّلْدَةَ الَّتِي يَهَابُهَا الجَمِيعُ وَيَحْسَبُونَ لَهَا أَلْفَ حِسَاب. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيَرَوْنَ فِيهَا حِصْناً لَا يُطَالُ، يَرَوْنَ جَبَلًا لَا تَهْزِمُهُ العَوَاصِف، لَكِنَّهُمْ أَبَداً لَا يَعْرِفُونَ، وَلَنْ يُدْرِكُوا كَيْفَ انْكَسَرْتُ فِي دَاخِلِي كَسْرَةً عَمِيقَةً مَخْفِيَّةً، كَسْرَةً جَعَلَتْنِي أَعْجَزُ عَنْ التَّعَايُشِ مَعَ هَذَا العَالَمِ الَّذِي تَرَكْتِهِ خَالِياً مِنْكِ. أُحَاوِلُ رَتْقَ نَفْسِي لِأَبْدُوَ بَشَراً طَبِيعِيّاً يَسِيرُ فِي أَزِقَّةِ الحَيَاة، لَكِنَّ الِانْكِسَارَ كَانَ مُطْلَقاً وَالعَجْزَ كَانَ كَامِلًا. اعْلَمِي يَقِيناً أَنَّنِي لَسْتُ مَرِيضاً بِعِلَّةٍ طِبِّيَّة، وَلَا تَشْكُو جَوَارِحِي مِنْ سَقَمٍ يُدَاوِيهِ الأَطِبَّاءُ، لَكِنَّهَا مَرِضَتْ رُوحِي مَرَضاً عُضَالًا لَا شِفَاءَ مِنْهُ بَعْدَكِ. مَرِضَتْ المَبَادِئُ الَّتِي حَمَتْنِي، وَتَعِبَتْ القِمَمُ الَّتِي احْتَوَتْنِي. وَالحَقِيقَةُ الأَكْثَرُ لَوْعَةً، وَالَّتِي أَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَجْعَلُ دُمُوعَكِ تَسِيلُ كَالأَنْهَارِ حِينَ تَقْرَئِينَهَا، هِيَ أَنَّكِ أَنْتِ أَيْضاً مَرِيضَةٌ بِذَاتِ الوَجَعِ وَذَاتِ الِاغْتِرَابِ النَّفْسِيِّ. نَحْنُ نَتَآكَلُ فُرَادَى، نَحْتَرِقُ فِي مَنَافِينَا المَعْزُولَة، بَيْنَمَا دَوَاؤُنَا كَانَ مَقْدُوراً فِي الِاتِّحَاد. كَيْفَ تَرْتَضِينَ هَذَا المَوْتَ البَطِيءَ لَنَا؟ كَيْفَ تَقْبَلِينَ أَنْ نَكُونَ غُرَبَاءَ وَنَحْنُ النَّفْسُ الوَاحِدَة؟ وَكَمَا صَاحَ شَاعِرُ العِرَاقِ فِي ذُرْوَةِ التَّشْخِيصِ لِهَذَا الوَجَعِ المُشْتَرَكِ الَّذِي يُمَزِّقُنَا سَوِيَّةً: تِعَاشَرْنَا وَوَصَلْنَا لِحَالْ مُو زِينْ مِوْرِضَه ثْنِينَه وَبَسْ نِلْتِقِي نِطِيبْ. تَعَالِي الآن.. أَلْقِي نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ وُرَاءِ حِجَابِ بُعْدِكِ، أَرِيحِي عَيْنَيْكِ البَاكِيَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الصُّرُوحِ الَّتِي شَيَّدْتُهَا فِي غِيَابِكِ، إِلَى الإِنْجَازَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا الأَرْضُ نَجَاحاً، وَإِلَى المَجْدِ البَاذِخِ الَّذِي وَضَعْتُ كَفِّي عَلَيْهِ بِقُوَّةِ صَبْرِي وَعَرَقِي. لَقَدْ صِرْتُ قِمَّةً يُشَارُ إِلَيْهَا بِالبَنَان، وَحَقَّقْتُ مَا لَمْ يَجْرُؤْ جَبَابِرَةُ الإِرَادَةِ عَلَى الحُلْمِ بِهِ. لَكِنْ، يَالعَظَمَةِ الفَاجِعَةِ وَيَالَسُخْرِيَةِ الأَقْدَارِ النَّكِدَة! أَقِفُ اليَوْمَ فَوْقَ عَرْشِ نَجَاحَاتِي، مُحَاطاً بِتَصْفِيقِ المَلَإِ وَهتَافِ الحُشُود، فَلَا أَجِدُ فِي عُرُوقِي قَطْرَةَ فَرَحٍ وَاحِدَة، بَلْ أَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَيَصْفَعُنِي الفَرَاغُ، وَأُدْرِكُ فِي ذُرْوَةِ ذُهُولِي النَّرْجِسِيِّ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَسْتَطِيعُ التَّعَايُشَ مَعَ هَذَا العَالَمِ.. لِأَنَّكِ لَسْتِ مَوْجُودَةً فِيهِ. مَا قِيمَةُ الِانْتِصَارِ إِذَا كَانَ المَلِكُ يَجْلِسُ فَوْقَ عَرْشِهِ مَذْبُوحاً بِحَبْلِ الوَحْدَةِ؟ مَا نَفْعُ الضِّيَاءِ المُحِيطِ بِي مَادَامَتْ دَهَالِيزُ رُوحِي مُظْلِمَةً لِأَنَّكِ حَجَبْتِ عَنِّي شَمْسَكِ؟ إِنَّ كُلَّ حَرْفٍ أَخُطُّهُ فِي سِفْرِ هَذَا المَجْدِ الزَّائِفِ يَتحَوَّلُ إِلَى شَفْرَةٍ تُعَمِّقُ جُرْحِي، فَمَا النَّجَاحُ فِي غِيَابِكِ إِلَّا عُقُوبَةٌ سَرْمَدِيَّة، نَجَاحٌ يَبْصُقُ فِي وَجْهِي حَقِيقَةَ أَنَّنِي مَلَكْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَخَسِرْتُ نَفْسِي. لَقَدْ خَلَّدْتُ اسْمِي فِي تَارِيخِ النَّاجِحِينَ، لَكِنَّنِي فِي مِحْرَابِ الوِجْدَانِ أُعْلِنُ مَوْتِي الكَامِل، فَقَدْ حَوَّلَنِي الحَنِينُ الصَّادِقُ الجَارِفُ إِلَى شَبَحٍ يَتَشَبَّثُ بِأَطْرَافِ الحَيَاةِ فَلَا يَنَالُ مِنْهَا سِوَى الغُصَّة. كَمَا يَقُولُ الكَاتِبُ الوجودِيُّ كَافْكَا فِي أَقْصَى سَاعَاتِ انْعِزَالِهِ: «إِنَّ لَدَيَّ مِقْدَاراً هَائِلاً مِنْ الأَوْهَام، لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ مَكَاناً وَاحِداً فِي هَذَا العَالَمِ أَذْهَبُ إِلَيْهِ لِأَشْعُرَ أَنَّنِي حَيّ». وَهَكَذَا أَنَا، أَحْرَقْتُ العَالَمَ بِنَجَاحِي، لَكِنَّ أَعْمَاقِي لَمْ تَعُدْ سِوَى رَمَادٍ يَبْكِي النَّابِغَةَ الَّتِي كَانَتْ هُنَا. لمْ يَعُدْ فِي طَاقَتِي بَقِيَّةٌ لِأُقَاوِمَ هَذَا المَحْوَ النَّفْسِيَّ المُرْعِب، وَلَا أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَلَامِحِكِ الَّتِي صَارَتْ تَنْكِرُنِي بِعُيُونٍ بَارِدَة كَالمَقَابِر. لَقَدْ هَجَرَتْ النَّابِغَةُ جَسَدَهَا، وَسَكَنَتْ رُوحُكِ قَفَصاً مِنْ التَّحَوُّلِ المُنْكَر. اقْرَئِي هَذِهِ السُّطُورَ وَدَعِي عَبَرَاتِكِ تَحْرِقُ أَوْرَاقَ الكِبْرِيَاءِ، فَالعَوْدَةُ إِلَيَّ لَيْسَتْ خُضُوعاً، بَلْ هِيَ طَوْقُ النَّجَاةِ الوَحِيدِ لِقَلْبَيْنِ يَحْتَضِرَانِ عَلَى فِرَاشِ البُعْد. إِنْ نَبَضَ فِيكِ عِرْقٌ وَاحِدٌ يَتَذَكَّرُ الطُّهْرَ الأَوَّل، فَحَطِّمِي الأَغْلَالَ وَعُودِي، فَالبَابُ لَا يَزَالُ يُوَارِبُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ لِأَجْلِكِ.

فَارْقُدِي بِسَلَامٍ نَابِغَتِي، فَلَمْ أَعُدْ أَمْلِكُ القُدْرَةَ عَلَى احْتِمَالِ فِرَاقِكِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الجَدِيدَةِ.. غَرِيبَةِ القَلْب.

***

سجاد مصطفى

عنوان وجدته غريبا وهو عنوان كتاب الشاعر والناقد محمد الهاشمي بلوزة لكنني عندما فتحت الكتاب ومضيت إلى الفقرة الثانية من المقدمة فوجدت ضالتي في سر العنوان حيث يقول صديقنا الهاشمي:

 أما العنوان - بستان المراحبة - فهو اِختيار من الذاكرة البعيدة التي لا تغيب إذ يُحيل إلى اِسم بستان النخيل في واحة توزر في الجنوب الغربي التونسي وهو البستان الذي ورثه الأباء عن الأجداد -

وفي الكتاب شذرات أخرى من ذاكرة محمد الهاشمي بلوزة من بينها في ص 171 عندما يتذكر أنه كان يذهب إلى - رأس العين - في توزر وهو هضبة ضخمة وفيها مغارة قيل إنها المغارة التي كان الشابي يأوي إليها كلما دخل في طور من أطوار ولادة القصيدة

ويقول الهاشمي في سرد هذه الذكريات إنه كان يصعد إلى تلك المغارة وله رغبة خفية ربما لمعايشة لحظة الخلق والإبداع .

لكأنه به يتقمص تجربة الشابي فصاحبنا هو أيضا شاعر وكثير من الشعراء التونسيين والعرب فيهم بعض من أثر الشابي

ونعود إلى الكتاب وهو كما ورد في عنوانه الثاني- مقالات في السياسة والثقافة والأدب وقد جاء في طباعة واضحة السطور وفي إخراج أنيق وبغلاف من تصميم الرسامة سميرة المهذبي وقد صدر عن دار بابل للنشر وصاحب الكتاب صاحبنا وهي دار فتية تواصل رسالتها الثقافية بثبات نرجو لها النجاح والاِستمرارية

ورد في الكتاب ذي الأربع وستين ومائتي صفحة ثمانية فصول هي:

 - عن فلسطين - قضايا عربية ودولية - قضايا فكرية - قضايا سياسية وطنية - قضايا اقتصادية - كُتاب وكتب - قضايا ثقافية - قضايا الروح .

وكل فصل من هذه الفصول يضم عدة عناوين تطرح قضايا مختلفة مما يجعل هذا الكتاب شهادات حية ومساهمة في إثراء الحياة الأدبية والفكرية والسياسية من قلم نشيط منذ الثلث الأخير من القرن العشرين فالشاعر والناقد محمد الهاشمي بلوزة صاحب تجربة متنوعة فقد خاض تجارب في التعليم ثم في الإدارة والسياسة والعمل الجمعياتي وهو المختص في المحاسبة والاقتصاد بالإضافة إلى شغفه بالأدب شعرا ونقدا مع ولعه بالموسيقى وله فيها بعض المقالات والمراجعات...

إنه كتاب جامع لعدة شؤون وفنون واِشتمل حتى على بعض ظلال السيرة الذاتية والملامح الوجدانية.

***

سُوف عبيد - تونس

منذ سنوات طويلة، وأنا أحمل حلماً هادئاً في داخلي. أن تطأ قدماي يوماً جزيرة كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا اليوناني، حيث تُعاش الحياة بحرية وشغف وفرح.

لكنني لم أتخيل يوماً أن يتحقق هذا الحلم بهذه الصورة الجميلة؛ لا كرحلة عادية، بل كأب يقف على أرض هذه الجزيرة ليشهد زفاف ابنه الأكبر، ريناد. وأي هدية أعظم يمكن أن تمنحني إياها الحياة من أن أرى حلمي يتحقق، وفي الوقت نفسه أشاهد ابني يبدأ تحقيق حلمه هو؟

ثمة جزر لا تُزار بالجسد وحده، بل تُزار بالذاكرة والخيال. ومن بين جزر اليونان تظل كريت جزيرة يصعب أن تغادرها بعد أن تطأها، كأنها لا تكتفي بأن تستقبل القادم إليها، بل تترك شيئاً منها في روحه. ففي كريت، بين زرقة البحر وقسوة الجبال ورائحة الزيتون والزعتر، يبدو الإنسان أكثر قرباً من بداياته الأولى؛ من التراب والموت والحب والحرية. ولعل أحد أكثر الذين أدركوا روح كريت وعبّروا عنها هو الروائي والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي جعل من الجزيرة جزءاً عميقاً من سيرته وكتابته، ومن شخصية أليكسيس زوربا صورةً إنسانية تتجاوز حدود المكان.

وُلد كازانتزاكيس في هيراكليون، عاصمة كريت، في أواخر القرن التاسع عشر، ونشأ في جزيرة كانت تحمل في ذاكرتها آثار الصراع والاحتلال والثورات. ولذلك لم تكن كريت بالنسبة إليه مجرد مسقط رأس، بل كانت مدرسة للروح. منها أخذ صلابة الجبل، وعناد الإنسان، وشغف الحرية، والإحساس العميق بالموت والحياة في آن واحد. وفي كتاباته تبدو كريت كأنها كائن حي، له ذاكرة وصوت وغضب وحنين.

أما زوربا، الذي صار أشهر شخصيات كازانتزاكيس، فقد دخل عالم الكاتب من الحياة قبل أن يدخل الأدب. التقى كازانتزاكيس برجل اسمه جورج زوربا، وكان لهذا اللقاء أثر بالغ في نظرته إلى الإنسان والحياة. ثم أعاد خلقه أدبياً في روايته الشهيرة "زوربا اليوناني"، فغدا أليكسيس زوربا شخصية تكاد تختصر فلسفة كاملة: أن نعيش قبل أن نفكر في الحياة، وأن نرقص أحيانًا حين تعجز الكلمات عن التعبير.

زوربا ليس فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، لكنه يمتلك حكمة لا توجد دائماً في الكتب. إنه رجل يعرف أن الحياة قصيرة، ولذلك يرفض أن يقف بعيداً عنها متفرجاً. يأكل بشهية، يحب بشغف، يعمل بيديه، يغضب، يضحك، ويرقص. وفي رقصه الشهير لا يبدو الجسد مجرد جسد يتحرك، بل يبدو الإنسان وهو يتحرر من القيود التي صنعها لنفسه.

وهنا تتضح علاقة زوربا بكريت. فزوربا، وإن لم يكن مجرد صورة حرفية للجزيرة، يحمل كثيراً من روحها: البساطة والخشونة والكرامة والاندفاع نحو الحياة. إنه ابن عالم لا يفصل الإنسان عن الطبيعة؛ عالم الجبل والبحر والعمل والفقر والاحتفال. وكأن كازانتزاكيس وجد في زوربا الإجابة الحية عن أسئلة طالما أرهقته: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش رغم الموت؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على حريته في عالم مليء بالقيود؟

في كريت، تبدو هذه الأسئلة أكثر حضوراً. فالجزيرة تجمع بين جمال يكاد يكون أسطورياً وتاريخ مثقل بالدم والاحتلال والمقاومة. الجبل فيها ليس مجرد منظر طبيعي، والبحر ليس خلفية زرقاء، والزيتونة ليست شجرة فحسب؛ كل شيء يحمل ذاكرة. ولعل هذا ما جعل كازانتزاكيس شديد التعلق بفكرة الحرية، حتى أصبحت من الكلمات المركزية في عالمه الأدبي.

كان كازانتزاكيس كاتباً كثير الترحال، لكن كريت بقيت مركزاً داخلياً يعود إليه مهما ابتعد. وفي روايته "زوربا اليوناني" وغيرها من أعماله، ظل التاريخ والروح الكريتية حاضرين بصورة أو بأخرى. أما في "الإخوة الأعداء" ، فقد اتسعت المسألة لتصبح أكثر إنسانية: لم يعد السؤال عن كريت وحدها، بل عن الإنسان الذي يريد أن يعيش بكامل وجوده.

يقف الراوي في الرواية في الطرف الآخر من زوربا. إنه مثقف، قارئ، منشغل بالأفكار والأسئلة، بينما زوربا ابن التجربة المباشرة. وبين الرجلين تنشأ واحدة من أجمل العلاقات الأدبية: علاقة الإنسان الذي يفكر بالإنسان الذي يعيش. الراوي يحاول أن يفهم العالم بالعقل، وزوربا يقترب منه بالجسد والحواس والخبرة. أحدهما يقرأ الحياة، والآخر يرقصها.

ولذلك يمكن النظر إلى زوربا باعتباره نقيضاً ورفيقاً لكازانتزاكيس في الوقت نفسه. فالكاتب كان شديد الانشغال بالفلسفة والدين والموت والخلاص، بينما يبدو زوربا أكثر تحرراً من هذه الأسئلة. لكنه لا يلغيها؛ بل يجيب عنها بطريقته. حين تضيق اللغة، يرقص. وحين تصبح الحياة عبئاً، يبحث عن لحظة فرح. وكأن كازانتزاكيس يقول لنا من خلاله إن بعض الحقائق لا يمكن الوصول إليها بالعقل وحده.

وليس غريباً أن ارتبط اسم زوربا في الذاكرة الشعبية بالرقص. فـ"رقصة زوربا" التي اشتهرت عالمياً من خلال الفيلم المأخوذ عن الرواية أصبحت رمزاً لليونان نفسها، رغم أن معناها الأعمق يتجاوز الفولكلور. إنها رقصة الإنسان حين يقرر ألا يسمح للهزيمة بأن تكون كلمته الأخيرة. في لحظة الرقص يصبح الحزن حركة، ويصبح الفشل بداية، ويصبح الألم طاقة للحياة.

أما كريت، فتظل خلف كل ذلك مثل المسرح الأول للحكاية. جزيرة قاسية وجميلة، تجمع في تضاريسها بين البحر والجبل، وفي تاريخها بين الغزو والمقاومة، وفي أهلها بين الحزن والاحتفال. وربما لهذا تبدو مناسبة بصورة استثنائية لعالم كازانتزاكيس: فهي جزيرة تعرف أن الحياة ليست نزهة، لكنها تعرف أيضاً أن مواجهة قسوتها لا تكون دائماً بالاستسلام.

حين يمشي المرء في شوارع هيراكليون أو يتأمل جبال كريت، يمكن أن يتخيل كازانتزاكيس وهو يبحث عن الكلمات، ويمكن أن يتخيل زوربا وهو يضحك من جدية العالم. لكن الأهم أن يتذكر أن العلاقة بين الاثنين ليست علاقة كاتب بشخصية أدبية فحسب؛ إنها علاقة بين فكرتين عن الإنسان: الإنسان الذي يريد أن يفهم، والإنسان الذي يريد أن يعيش.

وهذا هو سر بقاء زوربا. لم يصبح خالداً لأنه رجل يوناني يرقص، بل لأنه يمثل رغبة إنسانية قديمة في التحرر من الخوف. إنه يقول، بطريقته الصاخبة والمبهجة، إن الحياة لا تنتظر أن نفهمها بالكامل حتى نعيشها. وكريت، بأرضها وجبالها وبحرها، تبدو المكان الطبيعي لهذه الحكمة.

لذلك حين نذكر كريت، يحضر كازانتزاكيس، وحين نذكر كازانتزاكيس يحضر زوربا، وحين يحضر زوربا نتذكر الرقص. دائرة جميلة تبدأ من جزيرة وتنتهي بالإنسان. وربما كان هذا ما أراد كازانتزاكيس أن يقوله لنا طوال حياته: أن الإنسان، مهما أثقلته الأسئلة والهزائم، يستطيع أن يجد في داخله فسحة للحرية، وأن يرقص فوق أنقاض ما خسره.

في كريت، حيث يلتقي الجبل بالبحر، يبدو زوربا أقل شبهاً بشخصية روائية وأكثر شبهاً بروح المكان. ويبدو كازانتزاكيس، في النهاية، واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يحولوا مسقط الرأس إلى سؤال كوني. أما كريت فتبقى هناك، صامتة وعتيقة، تترك للزائر أن يكتشف بنفسه أن بعض الأماكن لا تُروى فقط، بل تُعاش؛ وأن بعض الرجال لا يموتون حين تنتهي حياتهم، لأنهم يتحولون إلى فكرة، وإلى حكاية، وإلى رقصة لا تزال مستمرة.

لكنني، وأنا أكتب عن كريت وكازانتزاكيس وزوربا، لم أكن هذه المرة مجرد قارئ جاء يبحث عن آثار كاتب أو يتتبع خطوات شخصية روائية. كنت هناك، على أرض الجزيرة نفسها، وفي قلبي حكاية شخصية جعلت المكان أكثر قرباً مني وأكثر امتلاءً بالمعنى.

جئت إلى كريت لأشهد عرس ابني الأكبر، ريناد. وبينما كانت الجزيرة تحتفي بالحياة، كنت أكتشف أنني أعيش، من حيث لا أدري، شيئاً من فلسفة زوربا نفسها: أن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي لا نكتفي فيها بالتفكير فيها، بل نعيشها بكل جوارحنا. كان الفرح حولنا، والموسيقى تملأ المكان، والوجوه التي أحبها تجتمع احتفالاً ببداية جديدة. وفي تلك اللحظة، بدا لي أن كريت لم تكن مجرد المكان الذي اختاره ابني ليفتح فيه صفحة جديدة من حياته، بل كانت أيضاً المكان الذي اكتمل فيه، بصورة غير متوقعة، حلم قديم حملته أنا طويلاً.

كنت أحلم أن أصل إلى كريت، أرض كازانتزاكيس وزوربا، وأن أمشي ذات يوم في فضائها الذي طالما عشته في الخيال والكتب. لكن الحياة منحتني أكثر مما طلبت: وصلت إليها أباً، لا سائحاً؛ وجئت إليها لأشهد بداية حياة جديدة لابني، بينما كنت ألتقي في المكان نفسه بجزء من أحلامي القديمة.

وفي تلك الليلة، وأنا أنظر إلى ريناد وهو يخطو مع شريكة حياته خطوته الأولى نحو المستقبل، شعرت أن الزمن نفسه كان يرقص معنا. تذكرت زوربا، وتذكرت كازانتزاكيس، وتذكرت أن الإنسان قد يقضي عمره كله يطارد المعنى، ثم يجده فجأة في لحظة بسيطة: في ابتسامة ابن، أو في عرس، أو في جزيرة بعيدة طالما سكنتها في الخيال.

ربما لهذا شعرت أنني، في كريت، لم أمشِ فقط مع زوربا في ظل كازانتزاكيس؛ بل مشيت أيضاً مع ابني نحو حلمه، بينما كان حلمي القديم يمشي إلى جواري.

وعندما غادرت الجزيرة، أدركت أن بعض الرحلات لا تنتهي حين نغادر المكان. هناك أماكن نعود منها، لكنها لا تعود منا. تبقى في الذاكرة مثل أغنية، أو رائحة زيتون، أو نغمة موسيقى، أو رقصة تبدأ فجأة من حيث لا نتوقع.

أما كريت، فقد تركت في قلبي شيئاً من زوربا: أن نفرح حين تأتي اللحظة، وأن نحتفي بالحياة وهي بين أيدينا، وألا نؤجل الرقص كثيراً.

وهكذا، في الجزيرة التي أحبها كازانتزاكيس، وفي العرس الذي أحببت أن أرى فيه ابني يبدأ حياته، شعرت أن الحياة قالت لي بهدوء ما يقوله زوربا بطريقته الصاخبة: لا تنتظر الحياة كي تكتمل؛ عشها وهي تحدث أمامك.

وهذا ما فعلته في كريت... مشيت، وفرحت، وشهدت حلماً يتحقق. حلم ابني، وحلمي أنا أيضاً.

***

جورج منصور

القائد الفرنسي نابليون بونابرت يضاجع شقيقته

نابليون بونابرت 1769–1821، القائد الفرنسي العظيم وفاتح أوربا (الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس) بحروبه، وكان ملوك أوربا يرتجفون خوفاً حين يذكر اسمه. كان له في الغرام شأن آخر، لقد تزوج أولاً من (جوزفين) وطلقها لأنها لم تنجب له ولداً، ثم تزوج من (ماري لويز) التي أنجبت له ولداً.

لقد كان لنابليون شقيقة تدعى (بولين) على درجة كبيرة من الجمال والفتنة، إذا دخلت مكاناً تملأه جمالاً وبهجة، وكانت لها علاقات غرامية عديدة مع الرجال، إلا أن نابليون كان يغفر لها مغامراتها، وهذا ما حمل بعض المؤرخين باتهام نابليون بعشقها ومواصلتها، فعندما دارت الدائرة على نابليون ونُفي إلى جزيرة (ألبا) لحقت به.

وهناك فاجأته ذات ليلة وهو نائم في سريره وانسلت بين ذراعيه عارية مجنونة، فأضاع الرجل العظيم توازنه وواصل أخته.

(حب الملوك والسلاطين ص 252) – إسكندر الرياشي. وأخذت بولين تراسل عشاقها في باريس من جزيرة ألبا تقول لهم بأنه لم يعد في قلبها مكان لهم، لأنها وقعت في غرام أخيها نابليون، وقد عادت من الجزيرة وهي تحمل في أحشائها بذور امبراطوراً صغيراً.

وكانت بولين قبل هذا تزوجت من ضابط فرنسي برتبة جنرال، إلا أنها كانت تخلق كل يوم فضيحة جديدة لأن عشاقها في باريس لا أول لهم ولا آخر، وبعد وفاته تزوجت من رجل إيطالي فسافرت إلى روما، ولكنها كانت تخونه على الدوام حيث التف حولها العشاق من كل حدب وصوب.

لقد أنكر بعض المؤرخين علاقة نابليون الغرامية بأخته بولين، فهم يقولون بأن بولين لو كانت عشيقة أخيها لما كانت تحيطه دوماً بأجمل النساء وترميهن بين أحضانه، وقد وردت هذه الحقيقة في الكتب التي تحدثت عن حياة نابليون الخاصة، غير أن أحد المؤرخين الفرنسيين يؤيد علاقة نابليون الجنسية مع بولين حين يقول: إن بولين كانت مصابة بمرض السفلس بسبب كثرة مضاجعتها للرجال، وقد أصيب نابليون بهذا المرض من شقيقته، وكان هذا المرض السبب في هزيمة نابليون في معركة (واترلو) لأنه فقد توازنه وقوته بسببه.

كما ذكر مؤرخ آخر: «إنه في أثناء زيارة بولين لأخيها في قصر جزيرة ألبا كانت تنام في غرفة واحدة مع الإمبراطور المخلوع في كل ليلة من الأيام التي قضتها بجانبه».

لكن التاريخ يذكر أن بولين بعد نفي نابليون ثانية إلى جزيرة (سانت هيلانه) قد خلعت ثوب الفجور وارتدت ثياب القداسة، وقضت أيامها مع والدتها في البكاء على نهاية الإمبراطور بعيدة عن الرجال والحب والسهرات.

وظل نابليون حتى ساعاته الأخيرة وهو في منفاه يذكرها بكل فخر ومودة حتى وفاته عام 1821م، وقد أوصى قبل وفاته طبيبه الخاص بأن يفتح صدره ويخرج قلبه ويقدمه هدية لزوجته (ماري لويز)، وأوصى بأن يربى ابنه تربية عسكرية خاصة ليأخذ مكان أبيه في عالم الفتوحات والانتصارات العسكرية، وهكذا مات هذا القائد الذي هز العالم لسنوات عديدة.

***

غريب دوحي

سأل سجينٌ سجينا آخر في هَدْأَةِ الليلِ:

ـ ما جريمتُك؟

أجابَ بصوت يحمل بوح آهات وأنين السنين:

ـ أسرفت في المطالبة بصحة تليقُ بالإنسان، ومرافق تنقذ حياة الناس. طالبت بمستشفيات لا تشبه ثكنات الحزن، تُقام بيوت نور، يُستقبل فيها المريض بابتسامة تمسح ما بنفسه، وتطيب ما أدماه الوجع؛ لا أن يكفن بالإهمال وهو بعد ينبض.

يدخل المريض أبوابها سائرا على قدميه، ويغادرها محمولا إلى مقبرته؛ ولن ينال جسده حق الدفن، إلا بعد سداد نفقات الأيام التي قضاها في المستشفى.

طلبت أسرّة نظيفة تعيد للمريض كرامته وراحته، وتسهّل استشفاءه؛ لا أسرّة مهترئة تضاعف هشاشة جسده، ويكون رعب السقوط منها أشد وجعا من السقم نفسه. أسرّة ينام عليها المواطن البسيط وسعادة الوزير على حد سواء.

وصرخت في وجوههم:

ـ لا فرق بين غني يشتري دوره بالمال، وفقير يطيبونه بالكلمات، ويخدعونه بالوعود ويسجّلون اسمه في قوائم النسيان، ليذبل في طابور الانتظار؛ وعندما يحين موعد فحصه، يكون أهله قد فرغوا من دفنه!

طلبت أجهزة لا تصدأ في الزوايا، ولا تحجز خلف الأبواب المغلقة، تُوضع في خدمة كل من قرع الباب، صغيرا كان أم كبيرا.

وألا تصبح وسيلة لكسب المال؛ فالمريض الذي يحرك ما في جيبه تضاء له الأنوار بكل الألوان، والمعدم يراوغونه بابتسامة باردة:

ـ آسف يا سيدي... خسران!

طلبت أطباء مخلصين لقسمهم، تسبق رحمتهم شهاداتهم؛ يداوون الإنسان في المريض، لا رصيده ولا وظيفته ولا لونه. ينظرون بقلوبهم إلى العليل مهما دنت رتبته أو علت.

أطباء لم يكتفوا بحفظ أسماء العلل والعقاقير، عاينوا في المشارح ضعف الجسد البشري، وتلقّنوا الدرس الأبدي الذي لا تشرحه الكتب:

«ماذا يعني أن يئن ويبكي المريض من شدة الوجع؟»

إن من يختار هذا الدرب، يختار بلسما للجراح، لا تحويل الآلام إلى تجارة سوداء.

طلبت ممرضين وممرضات، أياديهم حانية تمسح العرق عن جبين الألم؛ لا أيادي قاسية تزيد الجرح عمقا. أيادي لا تمتد إلى المريض قبل أن تعرف ما في جيبه.

وإن كانت جيوب المريض خاوية، فليصبر على برد الرصيف وينتظر... ويواسونه بخبث:

ـ الطبيب في اجتماع مغلق.

طلبت حراسا إنسانيين يحرسون كرامة المريض، لا أبواب المستشفى فحسب؛ يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأبواب، ولا يجعلون لرنين المال يدا أطول من يد المريض.

طلبت أما لا تبكي على فلذة كبدها لأن المستشفى لا يملك جهازا، ولا أبّا يشيع زوجته لأن سيارة الإسعاف تأخرت، ولا طفلا يفقد براءته لأن قطرة اللقاح ضلّت طريقها إليه.

ومن تجرأ وطلب هذا... كان مصيره:

«هنا، تحت سقف هذه الغرفة الضيقة؛ لا تدخلها حفنة شمس، والهواء بالكاد أتنفس عفنه!»

ثم حدّثتهم عن تعليم لا يثقل كاهل المتعلِّم، ولا يحوله إلى صندوق مغلق تُستردّ بضاعته ساعة الامتحان؛ عن تعليم لا يغرس في الطفل خوفا من السؤال، ولا يلقّنه أن الإجابة الصحيحة قالب واحد لا غير، فيغتال فيه بذرة الإبداع قبل أن تزهر.

طلبت مدارس تعلم الطفل كيف يفكر؛ حيث يكون السؤال أبهى من الإجابة، والخطأ خطوة نحو معرفة الخط المستقيم، لا ليمشي فوقه صاغرا، بل ليعرف اتجاهه حين ينزاح عنه، ويقرأه من الخارج لا من الداخل؛ وألا يكون هذا الانزياح سبيلا للعقاب والإقصاء.

مدارس لا تفرز أبناء الميسورين في قاعات مكيفة، أعدادهم قليلة، والنجاح في آخر السنة مضمون؛ وتدفع أبناء الفقراء إلى زوايا مهملة، فلا أحد ينصت للآخر من كثرة العدد.

ولم أنسَ مدارس القرى الرابضة في الجبال وعند السفوح؛ حيث الطريق إلى المدرسة نفسه امتحان آخر وقاسٍ.

طالبت بمدارس تحتضن كل طفل بوصفه بذرة وطن.

طالبت بمعلمين ومربين، لا باعة شهادات وتجار أوهام؛ رجالا ونساء يحملون رسالة، لا وظيفة؛ يوقظون في التلميذ حب المعرفة قبل حب الشهادة، ويغرسون فيه القيم قبل الحروف.

طالبت بمناهج لا تقصي العقل النقدي، ولا تربّي جيلا من المقلدين؛ تُخرّج أجيالا تعرف تاريخها لتبني مستقبلها، لا لتعيد ماضيها.

ومن خرج عن السطر، أو نسي وضع النقطة في مكانها الصحيح، أو تجرأ فسأل:

«كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟»

كان مصيره:

«الباب أوسع من كتفيه!»

بح صوتي وأنا أصرخ:

ـ يا من يدبّر شأن هذا البلد... لن تقدّموا في خططكم إذا غاب الأمان.

يمشي المواطن ولا يدري من يفسد عليه بسيف بهجة نزهته، أو طريق عودته بعد عمل شاق. تدخل وتخرج في الساعة التي ترغب فيها نفسك، لا أحد يضايق مسعاك.

فحين يعم الوعي الرصين أرجاء المجتمع، تشرق في كل نفس شمس المسؤولية؛ فلا يحتاج الإنسان إلى من يراقبه أو يحاسبه، يصبح هو لنفسه شرطيا يحفظها، وقاضيا ينصفها.

إن المجتمعات الراقية لا تبنى بكثرة السجانين، ولا بتعدد الشعارات والطقوس المجردة؛ تُقام على أساس رصين من الإحساس العميق بالمسؤولية الفردية.

هنا لا تكون الأخلاق أوامر تفرض خوفا من العقاب، أو طمعا في ثواب مرتقب؛ تغدو نسيجا حيا ينسجه المرء في سره وعلانيته، منبعه الضمير لا السلطة، ودافعه الوعي لا الخوف من السوط.

مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى حشود من رجال الأمن ليقيم الأخلاق، ولا إلى كثرة دور العبادة ليذكّر الناس بواجباتهم؛ فالأخلاق قد استوطنت النفوس، وصارت سجية لا تكلفا، واختيارا لا إكراها.

هنا فقط تتجلى الحرية الحقيقية.

فليس المقصود أن تطلق لنفسك العنان، فتفعل ما تشاء بلا وازع ولا رادع؛ أن تتحرر من أسر الهوى، وتتخلص من عبودية النزوات والرغبات العابرة.

فمن كان أسير هواه، فما هو بحر؛ هو في أدنى درجات العبودية: عبودية ما يشتهيه، لا ما يرتضيه العقل ويقرّه الضمير.

فالحرية الحقة أن تملك على نفسك سلطة تدبّر بها أمرك، وتضبط بها سلوكك؛ وأن تستقيم لا رجاء مكافأة تنتظرها، ولا خشية عقوبة تتقيها، بل لأنك تحب الحق لحقه، وترضى العدل لذاته.

فأولى سيادات المرء أن يكون سيد نفسه؛ قادرا على حمل زمامها، ضابطا لجماحها.

فما الحضارة، يا شبيهي، بما نشيّده من صلابة القوانين، ولا بما نرفعه من صلابة الجدران؟! الحضارة الحقيقية تكمن في نعومة الضمير ورصانة العقل؛ حيث يستقيم السلوك من تلقاء نفسه، وتأمن النفوس لأن كل إنسان يحمل في نفسه ميزان العدل ورقيب الضمير.

ساد صمت ثقيل بينهما.

ومعا، راحا يتلمسان القضبان بأيد متوترة.

سأله الآخر بحسرة:

ـ وأنت؟ ما جريمتك؟

أجاب:

ـ أنا صحفي. كنت أكتب عن أمثالك، وقد وزّعوهم في سجون عديدة، وعرضت قصصهم؛ لعل جهة ما تقول كلمة في حق حريتكم في الاحتجاج، قبل أن تغرق هذه السفينة.

هل تعرف ما قالوه في حقّي حين حقّقوا معي؟

ـ ما دمت تقف إلى جانبهم، إذن أنت واحد منهم!.

لفّقوا لي تهمة الخيانة.

والمضحك في المأساة أني أعزب! لم أتزوج في حياتي!

أحضروا امرأة ادّعوا أنها زوجتي؛ بصقت في وجهي وصرخت، وهي تشير إلى ورقة من شكل خطّها فطنت أنه عقد نكاح:

ـ تخونني وتكذب، وهذا (...)

 نعم، الملعونة تعرف عني الكبيرة والصغيرة، وكأنها فعلا زوجتي!

صدقني ...لم أرها في حياتي!

قال الأول متعجبا:

ـ ياه ... مكانك ليس هنا...البلد الذي يحترم نفسه يقدّر دور أمثالك.

أنت تمثل السلطة الرابعة؛ تراقب من يشد اللجام، وإلى أين تتجه العربة، وتكشف أعطابها قبل أن تكبو الخيول وتسقط.

سكتا.

ثم عادا يتلمسان القضبان.

في هذه المرة، لم يعد أحدهما يسأل الآخر عن جريمته.

كانا يتحسسان حدود السجن بابتسامة مرّة، وحدهما يعرفان عمق سرّها ولم يعرفه حتى السارد؛ لا ليتأكدا من ضيقها، بل ليتأكدا من اتساع ما وراءها.

ثم همس أحدهما:

ـ يبدو أن الحرية لا تعرف حدودها... أما القضبان، فنعم.

***

عبد الحق طوع -  إسبانيا

 

عديدة هي تلك المميزات، التي تميز الدول المتقدمة عن غيرها من الدول النامية أو المتخلفة، ولعل من أهم المميزات هي: قدرة الدول المتقدمة على إنتاج المعرفة وسلع الثقافة، مما يوفر لها قدرة إضافية على التأثير في مسارات الشعوب والأمم الأخرى. ولعل هذا ما يفسر لنا إهتمام الدول الكبرى بمنتوجاتها الاعلامية وسلعها الثقافية، التي تعكس بشكل أو بآخر فلسفتها في الحياة وقيمها الحضارية والاجتماعية.

لذلك يعتبر البعض اليوم من المفكرين الاستراتيجيين، ان قوة الدول اليوم لا تقاس بترسانتها العسكرية والحربية أو بسلعها التجارية والاقتصادية، وإنما بقدرتها على انتاج السلع المعلوماتية والمعرفة بمجالاتها المتعددة. فبمقدار ما تملك من هذه السلع، يكون تأثيرك ودورك في العالم على مستوى المسار والاتجاه والتأثير.. لذلك نجد ان الدول المتقدمة، تتسابق مع بعضها في وضع الخطط للنهوض بمستوى الإنتاج الثقافي والمعلوماتي والمعرفي، وذلك الدور المركزي الذي تقوم به هذه المواد والسلع في العلاقات بين الدول وقياسي مستوى القدرة والقوة. من هنا نحن بحاجة ان نعيد النظر في أحوالنا الثقافية والمعلوماتية، في إطار صياغة خطة وطنية طموحة، تتجه صوب تطوير هذا الحقل وتوفير موجبات تقدمه وتميزه.

ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: ان الخطوة الأولى لذلك، هو تأسيس الأطر المناسبة التي تأخذ على عاتقها تطوير هذا الحقل وبناء عناصر تقدمه، وتذليل العقبات التي تحول دون ذلك.

والثقافة في جوهرها، هي صوت الوعي بالتقدم وضرورة امتلاك أسبابه، ووسيلة اكتشاف المفارقات العميقة في أي كيان وطني واجتماعي. لذلك فهي تتطور نوعياً وكمياً، حينما تمارس دورها الحضاري في استمرار مساءلة تاريخها وراهنها، والفحص الدائم في السائد، حتى تطرد منه العناصر الميتة، وتضيف إليه حيوية جديدة وآفاقا غير مسبوقة.

والثقافة أيضاً على المستوى الاجتماعي، وحتى تمارس دورها، وتباشر تأثيرها، هي بحاجة إلى أطر وأوعية وشبكات اجتماعية ووطنية، تعتني بشأنها، وتخطط لتطوير مستوى التعاطي معها، وتساهم في تذليل العقبات التي تحول دون تبوؤ الثقافة في المجتمع والوطن الموقع اللائق والمناسب. وإن الظفر بمعركة الوعي في المجتمع، مرهون بقدرتنا جميعاً على توفير البنية التحتية للمناشط الثقافية في المجتمع. وحتى تتحقق كل هذه المسؤوليات والتطلعات الاجتماعية والوطنية، لابد ان تتوفر الأطر الملائمة والهياكل المناسبة.

لهذا كله فإننا نرى ان الواقع الاجتماعي والوطني، بحاجة إلى جهة متخصصة تهتم بهذا الشأن، وترعى شؤونه وقضاياه .

و لعل من مفردات وتجليات هذه الجهة تأسيس (الصندوق الوطني لدعم وتنمية الثقافة) الذي يأخذ على عاتقه الاهتمام الجاد والمتواصل بهذا الشأن.

أهداف الصندوق:

تطوير الحياة الثقافية والإبداعية والأدبية الوطنية، والعمل على توفير الشروط الممكنة والضرورية، التي نقود إلى عملية التطور الثقافي والعلمي. والانطلاق في مشروع خطة وطنية طموحة، تسعى إلى توفير الأطر المادية والكيانية، التي تساهم في عملية التطوير. حيث ان التطوير في هذه الحقول الهامة، يتطلب بناء مقرات ثقافية متكاملة ومسارح فنية وورش عمل، حتى تتوفر كل البنية المطلوبة لعملية التطوير الثقافي في بلادنا.

فالرياضة في وطننا، لم تتطور وتصل إلى منصات التتويج، وتتفوق في الكثير من الألعاب الفريدة والاجتماعية على المستوى القاري والدولي، إلاّ بعد ان تم بناء المنشآت الرياضية التي تتوفر فيها كل إمكانات صقل الموهبة وبلورة القدرة والكفاءة .. وكذلك الثقافة لا يمكن ان تتطور نوعياً وكمياً في بلادنا، إلاّ بتأسيس البنية المادية التجارية للعمل الثقافي والإبداعي الوطني.

احتضان الكتّاب والباحثين والتعاون معهم في مجالات البحث والكتابة على مستوى تقديم العون الفني والثقافي والتنفيذي، فيما يرتبط بعمليات الطباعة والنشر، ومستوى العون المادي. حيث ان وطننا العزيز، يزخر بالقدرات الثقافية والأدبية والإبداعية، والتي تتطلع إلى جهة وطنية مرموقة، تأخذ على عاتقها الدعم والاسناد وتطوير البنية التحتية لعملية الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي والأدبي.

العناية بأدوات الثقافة الأساسية (الكتاب- المناظر البشري- المؤسسات الثقافية والأدبية).. وهذه العناية تأخذ أشكالاً متعددة كتطوير عملية النشر الثقافي والأدبي، ودعم إنتاج الكتاب، وتوفير الكتابات والأبحاث الجديدة وبناء دور العرض الدائم للكتاب وتشجيع إنتاجه عبر المساهمة تكاليف الطباعة أو شراء كمية من نسخ الكتاب أو ما أشبه.

تطوير حركة التواصل المعرفي والثقافي مع الآخرين، إذ لا يمكن ان تتطور الثقافة في أي بلد، بدون حركة تواصل فعالة مع المناشط الثقافية والإبداعية التي تجري في خارج الوطن. وتأخذ حركة التواصل المعرفي والثقافي الأشكال التالية:

1.  توفير الكتاب الثقافي والإبداعي والأدبي، الصادرة في الحواضر الثقافية العربية والإسلامية والعالمية.

2.  إنشاء مؤسسة وطنية، تعنى بشؤون الترجمة والنشر، حتى يتم التواصل مع الإنتاج الثقافي والإبداعي الصادر بغير اللغة العربية.

3.  تشجيع مثقفي ومبدعي الوطن وباحثيه للتواصل مع المواسم والمهرجانات الثقافية والأدبية، التي تجري في الأقطار العربية والإسلامية والصديقة.

4.  تأسيس المواسم الثقافية الوطنية، التي تستهدف ان تكون ملتقى فكريا وأدبيا وثقافيا بين مفكري ومثقفي وأدباء الوطن والأمة.

ومن أجل إنجاز هذه الأهداف، بحاجة ان يتوسل الصندوق الوطني بالعديد من الوسائل والأساليب، القادرة على انهاض وتطوير الأوضاع الثقافية والإبداعية في الوطن.

والصندوق الوطني الذي نراه أحد روافد التنمية الثقافية الوطنية، يتطلب لكي يتحول من حلم إلى حقيقة إلى مبادرة وطنية ودعم رسمي وأهلي للانطلاق في بلورة مشروع ثقافي وطني جديد، يحدث قطيعة معرفية ومجتمعية مع كل الوقائع التي تمنع تطور الثقافة ف الواقع الاجتماعي. وتتأكد في الظروف الراهنة، الحاجة إلى بلورة مشروع ثقافي وطني جديد، يتطلع إلى التجديد الثقافي والاجتماعي، واستيعاب الشرائح الاجتماعية الجديدة، وتفعيل دور الثقافة في عملية التنمية الشاملة. اذلا نهوض اقتصادي وتنمية مستدامة ، بدون العمل الثقافي النوعي الذي يتجه الى إزالة عوامل الركود والجمود وخلق الفرص الجديدة لتوسيع قاعدة المشاركة الاجتماعية في مشاريع البناء والتنمية، وما أحوج محيطنا الاجتماعي اليوم، إلى ذلك العمل الثقافي المؤسسي، الذي يعمل من أجل إرساء وتثبيت قيم الحوار والتسامح والحرية وحقوق الإنسان والعلاقات الإنسانية القائمة على التواصل والانفتاح والعدل والمساواة، حتى يتشكل الواقع الاجتماعي من جديد، وعلى أسس ثقافية تعببر بالمجتمع الى رحاب المشاركة الفعالة في شؤون الحضارة المعاصرة. وتكون الثقافة بجميع أدواتها ووسائطها، جسر العبور إلى الواقع المأمول.

وجماع القول: إننا نتطلع إلى ذلك اليوم، الذي يتعاظم فيه دور الثقافة والمعرفة في مجتمعنا، وتتجذر فيه حقائق الوعي والعلم، وتسود فيه مؤسسات الوعي والثقافة ومعاهد العلم والمعرفة، فتتوفر في الفضاء الاجتماعي كل عوامل الانخراط النوعي في شؤون العصر وقضاياه المتعددة .

***

محمد محفوظ

 

في المثقف اليوم