عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ثامر الحاج أمين: فخّ الإغراء

يُعَدُّ استخدامُ المغريات بأنواعها المادية والجسدية والعاطفية واحدًا من أنجح وسائل جذب الآخر وإثارة فضوله، ثم الإيقاع به. فالاغراء، بطرقه المذكورة، تسبّب في إيقاع كثير من الأشخاص في مهاوي الخيانة والتجسس والسقوط الأخلاقي والسياسي. وكان واحدًا من الوسائل التي استخدمتها دوائر المخابرات في استدراج المعارضين واصطيادهم، عن طريق تجنيد فتيات جميلات يتسللن إلى حياة الخصم أو المعارض السياسي ليقع فريسةً سهلةً لهن.

ويبدو أن هذه الطريقة في الاصطياد باستخدام الاغراء لم تقتصر على إيقاع الإنسان فحسب، بل تعدّت إلى اصطياد الحيوانات أيضًا. وقد استهوت هذه الفكرةُ الكتّابَ والروائيين، فوظّفها بعضهم ضمن أعمالهم الأدبية. ففي روايته (بيضة النعامة) يذكر مؤلفها "رؤوف مسعد" حكايةً طريفةً تتعلق بصيد القرود بالطريقة السودانية، يقول فيها : (إن الصيادين في ود مدني ـــ مدينة صغيرة في السودان ـــ يعرفون مكان قبيلة القرود في الغابة، حيث يدخلون إليها حاملين جرار الخمر، يعبّون منها جرعاتٍ صغيرة، ثم ينصرفون إلى مكان قريب خلف الأشجار الكثيفة وينتظرون. حينئذٍ يهبط كبيرُ قبيلة القرود متوجسًا إلى الجرار، يتشممها ويدور حولها ويتقافز ويصيح، ثم يبدأ في عبِّ الشراب، فتُهرع إليه بقية أفراد القبيلة، يتحلقون حول الخمر ويشربون منها حتى ترتخي مفاصلهم ويتطوحون مثل البشر السكارى، فيقفز إليهم الصيادون ويمسكونهم بسهولة ويسر، ثم يعرضونهم للبيع ص15) .

وقد تبدو هذه الحكاية، للوهلة الأولى، مجرد قصة طريفة عن الصيد، لكنها في الحقيقة تحمل بُعدًا رمزيًا واضحًا، مفاده أن دناءة النفس والاستسلام للشهوات بلا وعي غالبًا ما يقودان إلى الوقوع في الفخ. فالإنسان لا يختلف كثيرًا في سلوكه عن القرد أمام اللذة.

وفي السياق ذاته، يسرد الكاتب " توفيق يوسف عواد " في كتابه (غبار الأيام) حكايةً أخرى يقول فيها إن مجموعةً من الفئران، في مدينة مرسيليا الفرنسية، قامت بالسطو على قبو يضم دنانًا من الخمر المعتّق، وراحت تكرع بلا هوادة. وعندما دار الخمر برؤوسها وانتشت، خرجت بلا وعي إلى الشوارع، فأصبحت عرضةً للاصطياد من قبل المارة. فالاستسلام للنشوة هو الذي قاد الفئران إلى مصيرها المحتوم.

ويظهر هذا الاستنتاج أيضًا في رواية (ابنة الضابط)، وهي من أبرز أعمال " ألكسندر بوشكين،" إذ يعتقد «بيوتر أندرييفيتش»، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية، أن الإغراء اللفظي طريقٌ سالك إلى قلب الفتاة الجميلة «ماشا ميرونوفا»، فيأخذ بنظم القصائد وإرسالها إليها، لكنه لا يحظى منها بأي اهتمام يُذكر، مما يدفع صديقه «شافابرين» إلى نصحه قائلًا: «إذا أردتَ أن تزورك ماشا ميرونوفا عند المغيب، فقرطٌ تهديه إليها أنجعُ من قصائدك الغزلية الركيكة»، في إشارة إلى أن الإغراء المادي قد يكون الطريق الأقصر إلى قلب الحبيبة.

ويؤكد الكاتب الأمريكي "روبرت غرين " هذا المعنى في كتابه (فن الإغواء)، إذ يورد ضمن خطواته الأربع والعشرين قوله: «استدرجِ الهدفَ بعمق إلى إغوائك من خلال خلق الإغراء المناسب». وهي حقيقة يلتقطها من الواقع؛ فهناك من يضعف أمام المال، وآخر ينهار أمام الجسد، وثالث يلين أمام الكلام المعسول والمنمق.

***

ثامر الحاج أمين