بعد رحيل نصير كامل الجادرجي (1933-2026) طوت عائلة آل الجادرجي تاريخها في السياسة والمجتمع العراقيّ. الأسرة التي عُرفت بعميدها الأول كامل رفعت الجادرجي، أو الخيام، مثلما ذكره أستاذه الشاعر معروف الرُّصافيّ، فالجادر يعني الخيمة، والأسرة كانت صاحبة خيام. عاش الجادرجي الأب في كنف والده رفعت الخيام، في العهد العثمانيّ، وكان أمين بغداد.
تبنى آل الجادرجي الديمقراطية، التي لا يراها الأب مطبقة في العهد الملكي، ومنها الديمقراطية المجتمعية وسلطة القانون، وهذا ما تأثر به من البلاد الغربية وفلاسفتها في هذا الشأن، وما عُرف بالفلسفة «الفابية»، وكان قريباً إلى الماركسية ولم يكن ماركسياً، وخصماً للنازية والفاشية، وجرت بينه وبين قريبه المتأثر بالنازية حوارات على صفحات الجرائد، وعندما أراد البعض نقل الكتابة أو الأبجدية من العربية إلى الإنجليزية، تأثراً بتركيا أتاتورك، تصدى كامل الجادرجي برد استغرق صفحات من جريدته «الأهالي».
غيّر كامل الجادرجي الديمقراطيّ، الذي عمل طوال الحكم الملكي، وأيد الانقلاب عليه (المعروف بانقلاب بكر صدقي 1936)، أملاً في النظام الذي يريده، انتهى نفسه بعد ثورة 14 تموز 1958، وكان كامل الجادرجي معوّلاً أيضاً على النظام الجديد في تحقيق حلمه السياسي، وقد أصبح في حكومة الانقلاب (1936) وزيراً للاقتصاد والمواصلات، لكن بانتهاء الملكية انتهى معارضيها أيضاً، فلم يسمح للمعارضة السياسية أو الفكرية بالعمل أو تشكيل أحزابها، وإن تشكّلت أحزاب فليس على ما يطمح له الجادرجي الأب. ظل حزب كامل الجادرجي «الوطني الديمقراطي» قائماً لكن مختصراً على النخبة، وقد خرج منه البعض بسبب قرب الجادرجي من الشيوعيين، ولم يكن شيوعياً.
لهذا لم يجد نجله نصير الجادرجي مانعاً أسرياً بالانتماء للحزب الشيوعي، واعتقل بعد الانقلاب على عبد الكريم قاسم، من قِبل ما عُرف بالحرس القومي (1963)، وظل نصير شيوعياً ثم ماركسياً وديمقراطياً. ظهر بعد (2003) كأحد الوجوه السياسية، وأظهر ذخيرة والده «الحزب الوطني الديمقراطي»، لكن في زمن لم يجد فيه الجماهير، التي التفت حول الأحزاب الدينية.
وبسبب التوزيع الطائفي جعلت (سُنية) الجادرجي الرجل عضواً في مجلس الحكم، وهو شخصياً لم يعتبر نفسه ممثلاً لطائفة، إنما ظل يعتقد أنه دخل بنهج حزبه «الوطني الديمقراطي»، لكن هذا لم يؤخذ بنظر الاعتبار مِن قبل الآخرين، فأمين الحزب الشيوعي العراقي صُنف في مجلس الحكم على (شيعيته) وهو شخصياً وحزبياً شأنه شأن الجادرجي، لم يُقر هذا التنسيب، بعد مجلس الحكم لم يحصل نصير الجادرجي، والأفراد الذين كانوا يمثلون الأفكار لا الطوائف، على مناصب في النظام (الجديد).
ظل الجادرجي يعمل مع التجمعات الديمقراطية، مثل التجمع الديمقراطي، القريب من اليسار العراقي بشكل عام، فعناصره، على قلة حيلتها، قامت بنشاط معارض لنهج المحاصصة، لكن من خارج البرلمان، فالوضع الجديد الذي تركته الحروب والحصار لم يترك للعقل السياسيّ باباً مفتوحاً إلى البرلمان، فالأغلبية العظمى اتجهت للأحزاب حسب الطوائف، مما لم يجد نصير وحزبه مكاناً بينها، وهم الذي يمثلون التحضر الاجتماعي من العهد الملكي، العهد الذي أيد حزبه سقوطه أملاً في نظام ديمقراطي جذري، لكن الجادرجي صار غريباً في الأنظمة التي أعقبته، وفي بغداده نفسها، وقد تعرض شقيقه المعمار رفعت الجادرجي إلى الاعتقال، وهو الذي شيد نصب الثورة (1958) وكان النحات جواد سليم، وما زال قائماً.
كتب الكثير عن تجربة أسرة الجادرجي السياسية والاجتماعيَّة، والحزب الوطني الديمقراطيَّ، لكن الحيوي الذي قرأته في تاريخ الأسرة هو كتاب «ومرت الأيام» للكاتبة بلقيس شرارة زوجة المعمار رفعت، وكتابهما المشترك «بين ظلمتين»، وكتاب رفعت عن والده «صورة أب».
أقول: إذا ذكر تاريخ العراق السياسي ليس لأحد يتجاهل تاريخ هذه الأسرة، التي تركت أرضية للفكر الديمقراطي، وهو تاريخ كامل الجادرجي وآخرين، وحزبه «الوطني الديمقراطي»، وجريدته «الأهالي»، التي زهت بالجدل والحوار، لكنها توقفت بتوقف المعارضة الديمقراطية، عندما سقط النظام الملكي وسقطت معارضته، التي مثلتها «الأهاليّ». على العموم، كان لآل الجادرجي حلم ٌسعوا إليه، لكنه حلم يقظة، ظل مطوياً في تاريخ الحزب «الوطني الديمقراطيّ»، وليس لأحد التنظير بالديمقراطية عراقياً دون الارتكاز علي تجربة هذا الحزب وصاحبه.
***
د. رشيد الخيون - كاتب عراقي








