سأل سجينٌ سجينا آخر في هَدْأَةِ الليلِ:
ـ ما جريمتُك؟
أجابَ بصوت يحمل بوح آهات وأنين السنين:
ـ أسرفت في المطالبة بصحة تليقُ بالإنسان، ومرافق تنقذ حياة الناس. طالبت بمستشفيات لا تشبه ثكنات الحزن، تُقام بيوت نور، يُستقبل فيها المريض بابتسامة تمسح ما بنفسه، وتطيب ما أدماه الوجع؛ لا أن يكفن بالإهمال وهو بعد ينبض.
يدخل المريض أبوابها سائرا على قدميه، ويغادرها محمولا إلى مقبرته؛ ولن ينال جسده حق الدفن، إلا بعد سداد نفقات الأيام التي قضاها في المستشفى.
طلبت أسرّة نظيفة تعيد للمريض كرامته وراحته، وتسهّل استشفاءه؛ لا أسرّة مهترئة تضاعف هشاشة جسده، ويكون رعب السقوط منها أشد وجعا من السقم نفسه. أسرّة ينام عليها المواطن البسيط وسعادة الوزير على حد سواء.
وصرخت في وجوههم:
ـ لا فرق بين غني يشتري دوره بالمال، وفقير يطيبونه بالكلمات، ويخدعونه بالوعود ويسجّلون اسمه في قوائم النسيان، ليذبل في طابور الانتظار؛ وعندما يحين موعد فحصه، يكون أهله قد فرغوا من دفنه!
طلبت أجهزة لا تصدأ في الزوايا، ولا تحجز خلف الأبواب المغلقة، تُوضع في خدمة كل من قرع الباب، صغيرا كان أم كبيرا.
وألا تصبح وسيلة لكسب المال؛ فالمريض الذي يحرك ما في جيبه تضاء له الأنوار بكل الألوان، والمعدم يراوغونه بابتسامة باردة:
ـ آسف يا سيدي... خسران!
طلبت أطباء مخلصين لقسمهم، تسبق رحمتهم شهاداتهم؛ يداوون الإنسان في المريض، لا رصيده ولا وظيفته ولا لونه. ينظرون بقلوبهم إلى العليل مهما دنت رتبته أو علت.
أطباء لم يكتفوا بحفظ أسماء العلل والعقاقير، عاينوا في المشارح ضعف الجسد البشري، وتلقّنوا الدرس الأبدي الذي لا تشرحه الكتب:
«ماذا يعني أن يئن ويبكي المريض من شدة الوجع؟»
إن من يختار هذا الدرب، يختار بلسما للجراح، لا تحويل الآلام إلى تجارة سوداء.
طلبت ممرضين وممرضات، أياديهم حانية تمسح العرق عن جبين الألم؛ لا أيادي قاسية تزيد الجرح عمقا. أيادي لا تمتد إلى المريض قبل أن تعرف ما في جيبه.
وإن كانت جيوب المريض خاوية، فليصبر على برد الرصيف وينتظر... ويواسونه بخبث:
ـ الطبيب في اجتماع مغلق.
طلبت حراسا إنسانيين يحرسون كرامة المريض، لا أبواب المستشفى فحسب؛ يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأبواب، ولا يجعلون لرنين المال يدا أطول من يد المريض.
طلبت أما لا تبكي على فلذة كبدها لأن المستشفى لا يملك جهازا، ولا أبّا يشيع زوجته لأن سيارة الإسعاف تأخرت، ولا طفلا يفقد براءته لأن قطرة اللقاح ضلّت طريقها إليه.
ومن تجرأ وطلب هذا... كان مصيره:
«هنا، تحت سقف هذه الغرفة الضيقة؛ لا تدخلها حفنة شمس، والهواء بالكاد أتنفس عفنه!»
ثم حدّثتهم عن تعليم لا يثقل كاهل المتعلِّم، ولا يحوله إلى صندوق مغلق تُستردّ بضاعته ساعة الامتحان؛ عن تعليم لا يغرس في الطفل خوفا من السؤال، ولا يلقّنه أن الإجابة الصحيحة قالب واحد لا غير، فيغتال فيه بذرة الإبداع قبل أن تزهر.
طلبت مدارس تعلم الطفل كيف يفكر؛ حيث يكون السؤال أبهى من الإجابة، والخطأ خطوة نحو معرفة الخط المستقيم، لا ليمشي فوقه صاغرا، بل ليعرف اتجاهه حين ينزاح عنه، ويقرأه من الخارج لا من الداخل؛ وألا يكون هذا الانزياح سبيلا للعقاب والإقصاء.
مدارس لا تفرز أبناء الميسورين في قاعات مكيفة، أعدادهم قليلة، والنجاح في آخر السنة مضمون؛ وتدفع أبناء الفقراء إلى زوايا مهملة، فلا أحد ينصت للآخر من كثرة العدد.
ولم أنسَ مدارس القرى الرابضة في الجبال وعند السفوح؛ حيث الطريق إلى المدرسة نفسه امتحان آخر وقاسٍ.
طالبت بمدارس تحتضن كل طفل بوصفه بذرة وطن.
طالبت بمعلمين ومربين، لا باعة شهادات وتجار أوهام؛ رجالا ونساء يحملون رسالة، لا وظيفة؛ يوقظون في التلميذ حب المعرفة قبل حب الشهادة، ويغرسون فيه القيم قبل الحروف.
طالبت بمناهج لا تقصي العقل النقدي، ولا تربّي جيلا من المقلدين؛ تُخرّج أجيالا تعرف تاريخها لتبني مستقبلها، لا لتعيد ماضيها.
ومن خرج عن السطر، أو نسي وضع النقطة في مكانها الصحيح، أو تجرأ فسأل:
«كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟»
كان مصيره:
«الباب أوسع من كتفيه!»
بح صوتي وأنا أصرخ:
ـ يا من يدبّر شأن هذا البلد... لن تقدّموا في خططكم إذا غاب الأمان.
يمشي المواطن ولا يدري من يفسد عليه بسيف بهجة نزهته، أو طريق عودته بعد عمل شاق. تدخل وتخرج في الساعة التي ترغب فيها نفسك، لا أحد يضايق مسعاك.
فحين يعم الوعي الرصين أرجاء المجتمع، تشرق في كل نفس شمس المسؤولية؛ فلا يحتاج الإنسان إلى من يراقبه أو يحاسبه، يصبح هو لنفسه شرطيا يحفظها، وقاضيا ينصفها.
إن المجتمعات الراقية لا تبنى بكثرة السجانين، ولا بتعدد الشعارات والطقوس المجردة؛ تُقام على أساس رصين من الإحساس العميق بالمسؤولية الفردية.
هنا لا تكون الأخلاق أوامر تفرض خوفا من العقاب، أو طمعا في ثواب مرتقب؛ تغدو نسيجا حيا ينسجه المرء في سره وعلانيته، منبعه الضمير لا السلطة، ودافعه الوعي لا الخوف من السوط.
مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى حشود من رجال الأمن ليقيم الأخلاق، ولا إلى كثرة دور العبادة ليذكّر الناس بواجباتهم؛ فالأخلاق قد استوطنت النفوس، وصارت سجية لا تكلفا، واختيارا لا إكراها.
هنا فقط تتجلى الحرية الحقيقية.
فليس المقصود أن تطلق لنفسك العنان، فتفعل ما تشاء بلا وازع ولا رادع؛ أن تتحرر من أسر الهوى، وتتخلص من عبودية النزوات والرغبات العابرة.
فمن كان أسير هواه، فما هو بحر؛ هو في أدنى درجات العبودية: عبودية ما يشتهيه، لا ما يرتضيه العقل ويقرّه الضمير.
فالحرية الحقة أن تملك على نفسك سلطة تدبّر بها أمرك، وتضبط بها سلوكك؛ وأن تستقيم لا رجاء مكافأة تنتظرها، ولا خشية عقوبة تتقيها، بل لأنك تحب الحق لحقه، وترضى العدل لذاته.
فأولى سيادات المرء أن يكون سيد نفسه؛ قادرا على حمل زمامها، ضابطا لجماحها.
فما الحضارة، يا شبيهي، بما نشيّده من صلابة القوانين، ولا بما نرفعه من صلابة الجدران؟! الحضارة الحقيقية تكمن في نعومة الضمير ورصانة العقل؛ حيث يستقيم السلوك من تلقاء نفسه، وتأمن النفوس لأن كل إنسان يحمل في نفسه ميزان العدل ورقيب الضمير.
ساد صمت ثقيل بينهما.
ومعا، راحا يتلمسان القضبان بأيد متوترة.
سأله الآخر بحسرة:
ـ وأنت؟ ما جريمتك؟
أجاب:
ـ أنا صحفي. كنت أكتب عن أمثالك، وقد وزّعوهم في سجون عديدة، وعرضت قصصهم؛ لعل جهة ما تقول كلمة في حق حريتكم في الاحتجاج، قبل أن تغرق هذه السفينة.
هل تعرف ما قالوه في حقّي حين حقّقوا معي؟
ـ ما دمت تقف إلى جانبهم، إذن أنت واحد منهم!.
لفّقوا لي تهمة الخيانة.
والمضحك في المأساة أني أعزب! لم أتزوج في حياتي!
أحضروا امرأة ادّعوا أنها زوجتي؛ بصقت في وجهي وصرخت، وهي تشير إلى ورقة من شكل خطّها فطنت أنه عقد نكاح:
ـ تخونني وتكذب، وهذا (...)
نعم، الملعونة تعرف عني الكبيرة والصغيرة، وكأنها فعلا زوجتي!
صدقني ...لم أرها في حياتي!
قال الأول متعجبا:
ـ ياه ... مكانك ليس هنا...البلد الذي يحترم نفسه يقدّر دور أمثالك.
أنت تمثل السلطة الرابعة؛ تراقب من يشد اللجام، وإلى أين تتجه العربة، وتكشف أعطابها قبل أن تكبو الخيول وتسقط.
سكتا.
ثم عادا يتلمسان القضبان.
في هذه المرة، لم يعد أحدهما يسأل الآخر عن جريمته.
كانا يتحسسان حدود السجن بابتسامة مرّة، وحدهما يعرفان عمق سرّها ولم يعرفه حتى السارد؛ لا ليتأكدا من ضيقها، بل ليتأكدا من اتساع ما وراءها.
ثم همس أحدهما:
ـ يبدو أن الحرية لا تعرف حدودها... أما القضبان، فنعم.
***
عبد الحق طوع - إسبانيا








