لا يُعَدّ الجهل وحده الآفة الأبرز التي تنخر في كيان المجتمعات المتخلّفة، إنما يتسبب في تراجع عدد من القيم الاجتماعية، وفي تأسيس سلوكيات مختلفة لا تقل فتكًا بنسيج المجتمع وسِلمه الأهلي، ومن أبرزها النفاق الذي يمارسه البعض على أنه نوع من الشطارة التي تحقق له الفائدة.
والنفاق، كما هو معروف، هو أن يُظهر الإنسان غير ما يُبطن، لذا فالمنافق كاذب وخائن. وعندما يسود النفاق في مجتمع ما، فإنه لا يؤثر في صاحبه فحسب، بل يمتد تأثيره إلى المجتمع بأسره؛ لأنه يخلق الطغاة، ويحاول، بالتدليس والتجاوز على الحقيقة، شرعنة طغيانهم، ويأتي تقييم الشخصيات واحدًا من صنوف النفاق التي نشهدها في مجالسنا ومحافلنا وإعلامنا، حيث يجري نفخ غير طبيعي في صورة عدد كبير من الشخصيات، خلافًا لحجمها الحقيقي ودورها في الحياة العامة. فهناك مبالغة في إسباغ صفات، تصل أحيانًا إلى حدّ الخوارق، على شخصيات ليست بمستوى الكلام الذي يُقال فيها. وبالتأكيد، فإن هذه خديعة ونفاق، يبغي المنافق من ورائهما تحقيق مصالح خاصة على حساب الحقيقة.
إن التقييم الحقيقي للأمور، ومن بينها تقييم الشخصيات، يحتاج إلى وعي وثقافة واستنباط وتجرد من العواطف، وصدق مع النفس، فضلًا عن التروي والإلمام الكافي بجوانب الشخصية، لكي يأتي الحكم عليها منطقيًا وموافقًا لواقعها. وأرى أن الحكم في هذا المجال مسؤولية تتطلب الإنصاف والاحتكام إلى المعايير الصحيحة، وألّا تُطلق الأحكام جزافًا ، لكن، للأسف فإن السائد في هذا المجال هو غياب الإنصاف والمعايير الصحيحة، حيث تلعب العاطفة والعشائرية والمناطقية والمصلحة والقرابة أدوارًا في إطلاق الأحكام على الشخصيات، ومنحها حجمًا يخالف حجمها الطبيعي ، والذي أختلف فيه مع هؤلاء أنني، عندما أقيّم شخصية ما، لا أنساق وراء الدعايات الفارغة مهما كان حجمها، ولا أهرول مع جموع الجهلة ، فلديّ عقل سليم ونظرة ثاقبة للأشياء، واضعًا أمامي مقولة الممثل والمخرج والكاتب السينمائي وودي آلن: (لا قيود لي، ولا أهتم بأفواه البشر؛ ولا تعجبني أجواء المجاملة؛ إن أحببتك سأخبرك، وإن كرهتك لا أراك)، وبهذا الوضوح يقدم هذا الفنان نموذجًا للشخصية السليمة من أمراض النفاق والمجاملة. لذلك لا ألتفت إلى الشخصية التي تصنعها الهتافات الكاذبة والهالات الفارغة، مهما استحوذت على مساحة من الإعلام والتداول، فمقياس الشخصية التي تستحق التقدير لديّ هو العطاء؛ وبقدر ما تضيفه وتقدمه للبشرية من رسالة تشيع الصفاء والسلم بين أبناء المجتمع، وتساهم في وحدته، وبقدر ما تقدمه للمجتمع من تضحيات من أجل ازدهاره وإسعاده، وبقدر ما تمنحه من عطاء خيّر ومواقف وطنية وحضور اجتماعي، أو ما يقدمه المرء من رسالة أو نظرية اقتصادية تسهم في النهوض بواقع المجتمع. وما عدا ذلك، في رأيي، ليس سوى تزييف للحقيقة ونفاق.
يقول الدكتور طه حسين: (نفوس البشر كالمعادن، منها ما يعلوه الصدأ، ومنها ما لا يجد الصدأ إليه سبيلًا)، فالنفاق ليس مرضًا حتميًا كُتب على الجميع أن يصابوا به، وإنما هو سلوك تتداخل في تكوينه التربية والبيئة والموروث الاجتماعي. وللأسف، فإن جانبًا من موروثنا الشعبي أسهم في خلق شريحة من المجتمع اتخذت من النفاق سبيلًا للوصول إلى غاياتها ، فهناك أمثال شعبية تدعو إلى الخنوع ومهادنة الظالم، مثل: (اليد التي لا تستطيع كسرها، قبّلها وادعُ عليها بالكسر) ، ومثل آخر يرسم وسيلة لتحقيق المصلحة؛ فإذا كانت حاجتك عند شخص لئيم ودنيء، فعليك التودد إليه وتعظيمه خلافًا لما هو عليه: (إذا شغلتك يم الجلب، صيحله حجي جليب) ، ومن أكثر الأمثال تجسيدًا لشخصية المنافق، الذي يظهر لك المحبة ، وفي السر يضمر لك الكراهية والبغضاء: (بالوجه مراية وبالقفا سلاية) .
فللأسف، تكلّس في أعماق الكثير من العقول عندنا صدأُ الطائفية والعشائرية والمناطقية والمصالح الشخصية، حتى أصبح بعض الناس لا يرى الإنسان بما هو عليه، وإنما بما ينتمي إليه، أو بما يستطيع أن يقدمه له من منفعة ، وهنا يتحول النفاق من سلوك فردي إلى آفة اجتماعية؛ لأنه لا يزوّر صورة الإنسان فحسب، بل يزوّر الحقيقة نفسها، ويمنح الرداءة قيمة لا تستحقها، ويضع أصحاب الأقنعة في الصفوف الأولى، بينما يُدفع أصحاب الكفاءة والعطاء إلى الظل ، وهذه هي أخطر نتائج النفاق أن يصبح التصفيق معيارًا، والهتاف شهادة، والمجاملة حقيقة، فيما يغدو الصدق جريمة لا يرغب أحد في سماعها.
***
ثامر الحاج أمين







