أقلام ثقافية
سجاد مصطفى: ما لم يقله السجّاد
الآن، وقد وضعتُ الحربَ مع قلبي أوزارها، وأطفأتُ في صدري قناديلَ الانتظار التي كانت تشتعل بلا جدوى، أقفُ على تلالِ الوعي المتأخّر لأخاطبَ فيكِ غياباً لم يعد يوجعني، وحضوراً لم يعد يعنيني. لا أكتبُ إليكِ بروحِ الضحية، ولا بصوتِ المنكسر، بل بلسانِ الحكّامِ الذين يغادرون عروشهم حين يدركون أن الرعيّة لا تستحقّ العدل، وأنّ الأرضَ التي سُقيت من الدم قد صارت مسبخةً لا تُنبتُ إلّا الشوك.
لقد كانت علاقتي بكِ تجربةً في «علم الأخلاق» قبل أن تكون خفقةً في قلب. كنتُ أظنّ أن الحبّ هو ترويضُ المستحيل، وأنّ الصدق وحده كفيلٌ بأن يغسلَ عن الأرواح أوهامها، فقدّمتُ لكِ نفسي ككتابٍ مفتوح؛ صفحاته من نور، وحروفه من ترفّع. لم أبخل عليكِ ببيتٍ مكنون، ولا بقلبٍ مأمون، ولا بقصائدَ كنتُ أقطفها من سدرةِ الوجدان لأعلّقها على جيدكِ تميمةً من عثرات الزمان. لكنّكِ، وبكلّ برودِ الفكرة حين تموت، اخترتِ الانحيازَ للعدم. وهنا تكمن الفلسفةُ المُرّة: إنّ خيانتكِ لم تكن مجرّد استبدالِ رجلٍ برجل، بل استبدالَ قيمةٍ بقيمة. حين يترك المرءُ النبعَ الصافي ليرتوي من بئرٍ مسمومة، فهو لا يؤذي النبع، بل يؤكّد عطشه للدناءة. إنّ اختياركِ لشخصٍ يرتديه الشتات، ويسكنه الإدمان، ويقتات على الرذيلة، لم يكن طعنةً في صدري، بل إعلاناً صريحاً عن رغبتكِ في البقاء داخل القاع. هناك نفوسٌ يوجعها الطهر، ويستفزّها النقاء، لأنّها لا تجد فيه مرايا تشبه تشوّهها الداخلي. لقد علّمتني هذه الخيبة أنّ الكرامة ليست في الحصول على من نحب، بل في القدرة على التخلّي عمّن لا يستحق. كنتِ تظنّين أنّكِ تكسرين غصني، وما درَيتِ أنّني الشجرُ الذي يزداد صلابةً كلّما عصفت به الريح. أنا الذي بنيتُ نفسي من تعب الشورجة وكدّ اليمين، ومن سهر الليالي فوق الأوراق والقصائد، لا يكسرني غيابُ امرأةٍ لم تُدرك أنّ الفرق بيني وبين ما تهوى هو الفرق بين الخلود والزوال. أنا اليوم لا أنسحب انسحابَ المهزومين، بل أنسحب انسحابَ القوافل التي أضاعت طريقها في الصحراء ثم وجدت نجمها القطبي. أترككِ لخياراتكِ، ولذاك الذي تظنينه يملأ فراغكِ، وهو في الحقيقة لا يملأ إلّا حفرة ضياعكِ. أترككِ لزمنٍ كفيلٍ بأن يريكِ الفرق بين من يكتب لكِ قصائدَ بماءِ الروح ليخلّدكِ، وبين من يراكِ ممراً عابراً لنزوات الجسد الرخيصة. سأذهبُ إلى معرضي، أحمل كتبي التي هي أطفالي الحقيقيون، وسأبتسم في وجه القرّاء، ليس لأنني نسيتُكِ، بل لأنني استوعبتُ الدرس. سأظلّ أتألّم قليلاً، نعم، فالجروح العميقة لا تشفى بالصمت، لكنّه ألمُ «المخاض» الذي يسبق الولادة الجديدة. غداً، حين يبرد الرماد، وتجفّ الكؤوس، وتنكشف غُمّة الوهم، ستدركين أنّكِ لم تخسري سجاداً، بل خسرتِ «المعنى» الذي لن يتكرّر. أمّا أنا، فقد كسبتُ أعظم ما يملكه الإنسان: كسبتُ نفسي التي كادت أن تضيع وأنا أحاول إنقاذ من يعشق الغرق. وداعاً يليق بكرامتي، وسلاماً على قلبٍ عرف الحقّ فاستقام، وعرف الزيف فاستبان. إنني اليوم أعيد ترتيب فوضى الروح، لا بالبكاء على ما فات، بل بالإنصات لما هو آت. لقد كنتِ بالنسبة لي قضيّة، والآن صرتِ تجربة. والفرق بينهما شاسع؛ فالقضيّة نموت من أجلها، أمّا التجربة فنعيش بها ومن خلالها. لقد أيقنتُ أنّ الحبّ الذي لا يرفعنا إلى مصافّ النبل ليس إلّا فخّاً تنصبه الغريزة، وأنّ الروح التي تنجذب إلى الحطام هي روحٌ فقدت بوصلة السمو. كيف لي أن أقنعكِ، وأنتِ في غمرة التيه، أنّ الرجل ليس بما يملكه من دراجةٍ أو صخب، بل بما يملكه من عهد؟ وكيف لي أن أفسّر لكِ أنّ الخمر التي تملأ كؤوسهم ليست إلّا محاولةً بائسة لنسيان خواءِ أرواحهم؟ لقد اخترتِ السقوط في فخّ اللحظة العابرة، وتركتِ الخلود في قصيدةٍ لا تموت. إنّ خيانتكِ للمعنى هي التي جعلتني أراكِ الآن بحجمكِ الحقيقي؛ امرأةً عاديةً جداً، كانت تكتسب نورها من شعري، وجمالها من فيض خيالي، وحين انطفأ في قلبي وهجكِ، عُدتِ إلى سديمكِ الأوّل. أنا لا أقف هنا لأشمت، فالشّماتة خُلُق الضعفاء، وأنا من طينةٍ لا تعرف إلّا العطاء. لكنني أقف شاهداً على انتحار الذوق في عينيكِ. ستمضي الأيام، وستكتشفين أنّ الضجيج الذي يحيط بكِ الآن ليس إلّا فراغاً مقنّعاً، وأنّ الأمان الذي كنتُ أمنحه لكِ بكلمةٍ واحدة، لن تجديه في آلاف الضحكات المستعارة والكؤوس المترعة بالندم. لقد قرّرتُ أن أجعل من وجعي هذا «محراباً» للوعي. سأعود إلى الشورجة، لا كتاجرٍ يبحث عن الربح المادي، بل كإنسانٍ صقلته التجربة، فعرف أنّ الربح الحقيقي هو أن تضع رأسك على الوسادة وأنت لم تخدع أحداً، ولم تتبع هوىً يُرديك. سأشارك في معرضي، وسأهدي «جميلتي» التي في كتبي إلى كلّ روحٍ نقية لم تتلوّث بزيف العصر، أمّا أنتِ فقد سقطتِ سهواً من النسخة النهائية، لأنّ الكتاب يتحدّث عن الجمال، وأنتِ اخترتِ أن تكوني فصلاً في كتاب الضياع. أنا لا أشفى منكِ بالنسيان، بل أشفى منكِ بالفهم. لقد فهمتُ أنّ الله لا يُبعد عنّا إلّا من لا يليق بطهر مسعانا. سأظلّ أكتب، وسأظلّ أحب، وسأظلّ أؤمن بالزواج سكناً ورحمة، لكنني لن أمنح مفاتيح مملكتي إلّا لمن تعرف قدر الجوهر، ولا يغريها بريق النحاس الصدئ. أغادركِ الآن، وفي صدري راحةُ من أدّى الأمانة، وفي عينيّ كبرياءُ من لا ينحني لغير الله. اذهبي حيث شئتِ، وعيشي كما اخترتِ، لكن تذكّري دائماً: أنّ إنساناً مرّ بحياتكِ يوماً، كان يرى فيكِ السماء، ففضّلتِ البقاء في زحام الطريق وتحت عجلات العابرين. هنا تنتهي قصتي معكِ، وتبدأ قصتي مع سجاد الذي لم تعرفيه يوماً؛ سجاد القوي، المبدع، الذي حوّل كسرَ ضلعه إلى درع، وحريق قلبه إلى نورٍ يهدي به التائهين في دروب الهوى. أتممتُ فيكِ ما عجزتِ عن إتمامه في نفسكِ، ووضعتُ لهذا العبث حدّاً لا رجعة فيه. فالمروءة تقتضي ألّا نُطيل الوقوف على أطلالٍ لم يسكنها الوفاء يوماً، والكرامة تملي عليّ أن أحفظ ما تبقّى من بريق القصائد لقلبٍ يستحقّ أن تُرتَّل فيه.
لقد تبيّن الخيط الأبيض من الأسود، ولم يعد بيننا إلّا جفاء الحقيقة ومرارة اليقين. أنا ابن العمل والصبر، لا أغرق في وهمٍ لا يورث إلّا الندامة، ولا أتبع خُطىً تضيع في دروب الزنا والظنون. سأحمل قلمي وكتبي، وأمضي إلى حيث يُقدَّر صدق الكلمة وشرف الموقف، تاركاً خلفي كلّ من باع النور ليشتري العتمة، ومن استبدل السكن والطمأنينة بالضياع والشراب.
الحساب عند الله، والزمن كفيل بالرد، وأنا من اليوم حرّ من قيد التمنّي، ومنتصر بكبريائي على كلّ شعورٍ خذلني فيكِ. سأخطّ السطر الأخير في وصيّة هذا الغياب، لا عجزاً عن الكلام، بل اكتفاءً بالحق. إنّ القلوب الكبيرة حين تغادر، لا تترك خلفها ضجيجاً، بل تترك فراغاً لا يملؤه الكون أجمع. لقد وهبتُكِ من نفسي ما لم تجديه في حانات الضياع ولا في وعود العابرين، لكنّ النفس التي اعتادت على الغبار لا يُبهرها صفاء المرآة. لن أعاتبكِ على من اخترتِ، فالاختيار ميزان العقل، وأنتِ بميزانكِ هذا حدّدتِ قيمتكِ ومكانكِ. أنا رجلٌ تُبنى في ظلّه البيوت، وتُكتب في عينيه الدواوين، وتُصان في عهده الحرمات؛ وأنتِ فضّلتِ من يقتات على اللحظة الزائلة ويبيع كرامته في كؤوس الخمر والزنا. هنا تفترق المسارات إلى الأبد. فخلفي تاريخ من الكفاح والصدق، وأمامي مستقبل أُعمّره بفضيلة الصبر وجمال النجاح. سأغلق كتاب «جميلتي» وأمضي، لا لأنني فقدت الجمال، بل لأنني اكتشفت أنّ الجمال الذي لا تسنده الأخلاق خديعة لا تستحقّ الحبر.
بيني وبينكِ الآن برزخٌ من الترفّع، لا يقطعه نداء ولا يمحوه زمن. طهّرتُ يدي من أثر هذا الوهم، وسلّمت أمري لربٍّ يرى صدق النوايا ويجزي الصابرين بمثل صبرهم.
طابَ لي الخلاص، وطابَ لكِ ما اخترتِ.
***
سجاد مصطفى







