قراءة في الفضاء الرمزي لقصة «حذاء إنجليزي» لسمير لوبه
تتكئ قصة «حذاء إنجليزي» لسمير لوبه على بنية سردية تبدو، في ظاهرها، بسيطة ومباشرة: فلاح فقير يرى حذاءً في أقدام جنود إنجليز، فيشتهيه، ويدخر ثمنه، ويشتريه، ثم يُقتل بسببه، ليتحول الحذاء بعد موته إلى لعنة تطارد القرية. غير أن هذه البساطة الحكائية تخفي وراءها شبكة واسعة من الرموز والدلالات الاجتماعية، والنفسية، والسياسية، والشعبية.
فالقصة ليست حكاية عن حذاء فحسب، بل هي حكاية عن الحلم حين يولد في بيئة فقيرة وقاسية، وعن الشيء المادي حين يتحول إلى نقد اجتماعي، وعن الاستعمار بوصفه حضورًا رمزيًا في وعي المقهورين، وعن المجتمع الذي يحاصر أحلام أفراده بالشائعة والحسد والخوف.
ومن ثم، يمكن قراءة النص قراءة رمزية وبنيوية وسيمائية تكشف كيف تتحول الأشياء والشخصيات والأماكن إلى علامات دالة، وكيف تعمل عناصر القصة معًا لإنتاج معناها العميق.
أولًا: سيمائية العنوان “حذاء إنجليزي"
يمثل العنوان العتبة الأولى للنص، ومن خلاله يدخل القارئ إلى العالم الحكائي. وقد جاء عنوان القصة «حذاء إنجليزي» عنوانًا مكثفًا، يتكون من كلمتين فقط، لكنه يحمل حمولة دلالية واسعة.
- الحذاء كبؤرة مركزية
تحيل كلمة "حذاء"، في معناها المباشر، إلى شيء مادي بسيط يُلبس في القدم ويحميها من خشونة وحرارة وبرودة الطريق. غير أن الحذاء داخل النص يتجاوز وظيفته الواقعية ليغدو علامة رمزية مركبة.
فهو يدل على الحماية من الأرض القاسية، والستر من الحفاء، والوجاهة الاجتماعية، والكرامة المفقودة، والحلم الفردي، والرغبة في الصعود، ثم اللعنة بعد الجريمة.
وهكذا يتحول الحذاء من مجرد أداة لحماية القدم إلى بؤرة دلالية تتحرك حولها أحداث القصة كلها.
- دلالة دالة "إنجليزي"
لم يكتفِ الكاتب بعنوان «حذاء»، بل أضاف إليه صفة "إنجليزي"، وهي صفة تمنح العنوان بعدًا تاريخيًا وسياسيًا واضحًا. فالحذاء مرتبط في بداية القصة بالعساكر الإنجليز، أي بالقوة العسكرية والهيمنة الاستعمارية.
إن إنجليزية الحذاء لا تعني فقط أنه مصنوع في إنجلترا أو منسوب إلى الجنود الإنجليز، بل تعني أنه قادم من عالم القوة والسيطرة والانضباط والهيبة. لذلك لا ينبهر حمدان بالبندقية أو الزي العسكري، وإنما ينبهر بالحذاء؛ لأنه يرى فيه علامة القوة التي يفتقدها.
وبذلك يقوم العنوان على مفارقة دالة:
شيء صغير وبسيط، لكنه يحمل ظل إمبراطورية كاملة.
- العنوان اختزال لمضمون القصة
يعكس العنوان مسار القصة كله؛ ففي البداية يكون الحذاء حلمًا، وفي الوسط يتحول إلى امتلاك ونشوة، ثم يصير سببًا للحسد والجريمة، وفي النهاية يغدو لعنة وعدالة رمزية.
ولذلك لا يصف العنوان شيئًا داخل القصة فحسب، بل يختصر بنيتها الكاملة. فالقصة كلها تدور حول هذا الحذاء: ظهوره، اشتهاؤه، شراؤه، الدفاع عنه، موت صاحبه بسببه، ثم تحوله إلى شبح ولعنة.
ثانيًا: البنية السردية للقصة
تتأسس القصة على بنية دائرية محكمة، تبدأ بالحفاء وتنتهي بالحفاء، لكنها لا تعود إلى النقطة الأولى بالمعنى ذاته.
- البداية: الحفاء رمزًا للفقر والقهر
تبدأ القصة بفلاح فقير ممدد تحت شجرة، حافي القدمين، في قرية مصرية نائية. والحفاء هنا ليس مجرد غياب للحذاء، بل علامة على الفقر والانكشاف والهوان.
فالقدم الحافية تلامس الأرض مباشرة، بما فيها من شوك وحصى وطين. وهذا يعني أن حمدان يعيش بلا حماية، جسدًا وروحًا ومكانة.
التحول: ظهور الحذاء كحلم
حين يرى حمدان أحذية العساكر الإنجليز، يحدث التحول الأول في النص. يصبح الحذاء حلمًا يسكنه، ثم يتحول الحلم إلى هاجس يستولي عليه، ومن هذه اللحظة تتحرك الحبكة كلها باتجاه امتلاك هذا الشيء.
- الصعود الزائف: امتلاك الحذاء
بعد الجوع والحرمان والادخار، يشتري حمدان الحذاء. في هذه اللحظة يصل إلى ذروة حلمه، غير أن هذا الصعود صعود ظاهري لا حقيقي؛ فهو امتلك الرمز، لكنه لم يغير واقعه الاجتماعي.
لقد صار يملك حذاءً إنجليزيًا، لكنه ظل فقيرًا وغريبًا عن عالم القوة الذي يمثله هذا الحذاء.
رمزية الجلباب والملابس الرثة
رغم أن الجلباب ليس رمزًا مركزيًا مثل الحذاء، فإن حضوره مهم في بناء الدلالة.
الجلباب رمز للفقر والهوية الريفية يذهب حمدان إلى متجر الأحذية بملابس رثة. هذه الملابس تكشف طبقته قبل أن يتكلم؛ إنها علامة اجتماعية على الفقر والانتماء إلى القرية.
كان الجلباب مخبأ وحارس الحلمحين يُخرج حمدان المال من تحت جلبابه، يصبح الجلباب مكانًا رمزيًا لإخفاء الحلم. فالمال الذي جمعه من الجوع والحرمان ظل مستترًا تحت ثيابه، كما ظل حلمه مستترًا في داخله.
المفارقة بين الحذاء الجديد والثياب الرثة
الحذاء الجديد يلمع بوصفه رمزًا للحلم، بينما الملابس الرثة تكشف أن الواقع لم يتغير. وهذه المفارقة تؤكد وهم الصعود الاجتماعي؛ فحمدان امتلك علامة واحدة من علامات الوجاهة، لكنه ظل محاطًا بمظاهر الفقر.
- الانهيار: الحسد والجريمة
بمجرد أن يعود حمدان إلى القرية بالحذاء، تبدأ الشائعات ويتحرك الحسد. هنا يتحول الحذاء من حلم شخصي إلى موضوع اجتماعي خطير. فهو يثير دهشة الجماعة وريبة الفقراء، حتى يبلغ الصراع نهايته بمقتل حمدان على يد عليوة.
- النهاية: الحفاء وميثولوجيا اللعنة
تنتهي القصة بأن القرية كلها تمشي حافية خوفًا من لعنة الحذاء. وهذه نهاية دائرية؛ لأن القصة بدأت بحفاء حمدان وانتهت بحفاء القرية كلها.
لكن الفرق جوهري؛ فحفاء البداية كان فقرًا وحرمانًا، أما حفاء النهاية فهو خوف وذنب جماعي. وبذلك تتحول مأساة الفرد إلى مصير جماعي.
رمزية الحذاء: هو الرمز المركزي في القصة، بل يمكن عدّه الشخصية الرمزية الأقوى. ومن خلاله تتكشف أغلب دلالات النص. الحذاء رمز للحلم، كما يمثل الحذاء حلم حمدان الأكبر. ورغم بساطة هذا الحلم، فإن الفقر يمنحه ضخامة مأساوية. فحمدان لا يحلم بقصر أو ثروة أو سلطة، بل بحذاء. وهذا يكشف شدة الحرمان الذي يجعل أبسط الأشياء غاية كبرى.
كما يرمز للكرامة، فالحفاء في القصة علامة على الذل والفقر، ولذلك يصبح الحذاء رمزًا للكرامة. حين يرتديه حمدان يشعر أنه دخل عالمًا جديدًا؛ عالم الذين يمشون بثقة ورؤوسهم مرفوعة.
إن الحذاء يمنحه إحساسًا بوجوده، وبأنه صار مرئيًا في مجتمع كان يمر فوق فقره بلا اكتراث.
فالحذاء رمز للسلطة الاستعمارية لأنه إنجليزي، ولأن حمدان رآه أول مرة في أقدام الجنود، فهو يحمل دلالة استعمارية واضحة. إنه علامة القوة الأجنبية التي تسير فوق أرض القرية بثقة، بينما يسير أهلها حفاة.
وهنا تصبح العلاقة بين الحذاء والأرض علاقة سياسية رمزية:
الإنجليزي يدوس الأرض بحذاء قوي، والفلاح يلامسها بقدم عارية.
كما أن الحذاء رمز لوهم الصعود الاجتماعي يظن حمدان أن امتلاك الحذاء سيغير صورته أمام نفسه وأمام الناس، لكنه يكتشف، بطريقة مأساوية، أن الرمز لا يغير الواقع. فامتلاك علامة القوة لا يمنح القوة نفسها.
وهنا تكمن مأساة القصة: امتلك حمدان المظهر، لكنه لم يمتلك شروط القوة الاجتماعية التي يمثلها هذا المظهر. كما يرمز للحسد والفتنة، فبعد عودة حمدان إلى القرية، يتحول الحذاء إلى مصدر للشائعة والحسد. فالناس لا يصدقون أن فقيرًا مثله اشتراه بمال ادخره من جوعه، لذلك يتهمونه ضمنيًا بالسرقة أو القتل أو العثور على دفينة.
وهكذا يصبح الحذاء علامة اختلاف لا يحتملها المجتمع الفقير، فضلا عن ذلك يرمز للعنةبعد مقتل حمدان، يتحول الحذاء من حلم إلى لعنة. لم يعد شيئًا جميلًا، بل صار شاهدًا على الدم. وكل من يقترب من رمزيته يشعر بالخوف. وبذلك يمر الحذاء بثلاث مراحل دلالية كبرى:
الحلم/الجريمة/اللعنة.
رمزية شخصية حمدان: هو الشخصية المركزية في القصة، لكنه ليس فردًا معزولًا فقط، بل يمثل نموذجًا اجتماعيًا وإنسانيًا. حيث يمثل الإنسان الريفي المسحوق، ابن القرية الطينية، الذي يعيش على هامش الحياة. فجسده المنهك، وقدماه الحافيتان، وملابسه الرثة، كلها علامات على طبقته وموقعه الاجتماعي.
إنه شخصية تنتمي إلى أسفل السلم الاجتماعي، ولذلك يصبح حلمه بالحذاء حلمًا بالخروج الرمزي من هذا القاع.
كما يرمز للحلم البسيط المستحيل تحول لمصدر مأساته . فهو لا يريد شيئًا عظيمًا في نظر الناس، لكنه عظيم بالنسبة إليه. وهنا تكشف القصة قسوة الفقر؛ إذ تجعل الحصول على حذاء مشروع عمر كامل سببا في نهاية البطل لقد جاع حمدان، وصبر، وسار إلى المدينة، وتحمل الألم، وكل ذلك من أجل حذاء. وهذه التفاصيل تجعل الحلم الصغير كبيرًا من الناحية الإنسانية.
إن َّمأساة حمدان أنه لم يشتر حذاءً فحسب، بل اشترى المعنى الذي تخيله فيه. لقد ظن أنه سيحصل على القوة والكرامة والارتفاع الاجتماعي بمجرد امتلاكه، لكنه في الحقيقة كان يمتلك علامة القوة، لا القوة ذاتها.
وهذا يجعله شخصية مأساوية؛ لأنه يطارد رمزًا ظنه خلاصًا.
وبعد مقتله يتحول لأسطورة ، لا يبقى حمدان مجرد ضحية، بل يتحول إلى شبح، ثم إلى ذاكرة، ثم إلى أسطورة شعبية. إن موته يرفعه من مستوى الفرد الفقير إلى مستوى الرمز الجماعي.
فهو يمثل المظلوم الذي لم يأخذ حقه، والحلم المسروق، والضمير المعذب للقرية، والذاكرة التي ترفض النسيان.
ثانيًا رمزية شخصية عليوة هو الشخصية المضادة لحمدان، ويمثل قوة الهدم في النص.
فهو رمز للحسد لا يقتل عليوة من أجل ثروة، بل من أجل حذاء. وهذا يكشف أن الحسد في المجتمعات الفقيرة قد يتعلق بأبسط الأشياء؛ فالفقر لا ينتج الحاجة فقط، بل قد ينتج الحقد على من ينجح في امتلاك شيء مختلف.
ورمز للعنف الداخلي وجود الإنجليز في بداية القصة يوحي بسلطة خارجية قاهرة، لكن القاتل في النهاية ليس إنجليزيًا، بل ابن القرية. وهذه مفارقة مهمة؛ لأنها تكشف أن القهر الخارجي قد يتحول إلى عنف داخلي بين أبناء المجتمع الواحد.
فبدل أن يتجه الوعي إلى مصدر القهر الأكبر، ينقلب الفقير على فقير مثله.
- ورمز لسارق الحلم حين يريد عليوة الحذاء، فهو لا يريد الجلد والنعال فقط، بل يريد المعنى الذي منحه الحذاء لحمدان. لكنه لا يستطيع أن يحصل على هذا المعنى؛ لأن الحلم لا يُسرق. لذلك يتحول الحذاء في يده من غنيمة إلى لعنة.
سقوط عليوة بالترعة يعد عدالة رمزية: موت عليوة غارقًا وهو يحتضن الحذاء يحقق مبدأ القصاص الرمزي. فقد قتل من أجل الحذاء، فمات متعلقًا به. والشيء الذي أراد إخفاءه صار علامة هلاكه.
وهنا تقول القصة إن الجريمة لا تمنح صاحبها ما يريد، بل تعيده إلى ذنبه بصورة أكثر رعبًا.
المكان في القصة
القرية في القصة ليست مكانًا فقط، بل شخصية جماعية لها سلوك ووعي وخوف.
- القرية وإطلاق الشائعات عندما يعود حمدان بالحذاء، لا تسأل القرية عن تعبه أو جوعه أو رحلته، بل تنتج الشائعات: ربما قتل إنجليزيًا، وربما سرق الحذاء، وربما وجد دفينة.
وهذا يكشف عقلًا جماعيًا لا يصدق أن الفقير يستطيع تحقيق حلمه بطرق مشروعة.
كما تحولت القرية لأرض التناقضات التي لا يفبل أهلها الآخر بعد تغيير طارئ فقد كان حمدان مقبولًا حين كان فقيرًا حافيًا مثل الآخرين، لكنه حين امتلك الحذاء صار مختلفًا. وهذا الاختلاف استفز الجماعة، وكشف خوفها من الفرد حين يخرج عن صورته المألوفة.
كما أن القرية شريكة غير مباشرة في المأساة الظاهر لنا عليوة هو القاتل المباشر، لكن القرية كلها صنعت المناخ النفسي للجريمة من خلال الشائعة والحسد والريبة لذلك جاءت النهاية عقابًا جماعيًا: القرية كلها تمشي حافية. ومن ثم، فإن هذا الحفاء الجماعي يكشف الذنب الجماعي.
رمزية الترعة
الترعة من أهم الرموز المكانية في القصة، وتظهر خصوصًا في لحظة إخفاء الحذاء ثم عودته. الترعة رمز لإخفاء الجريمة
يلقي عليوة الحذاء في الترعة مربوطًا بحجر ثقيل. وهنا تتحول الترعة إلى مكان لدفن الدليل، وتمثل محاولة القاتل محو أثر جريمته.
كما ترمز الترعة رمز للسر المدفون الحذاء في قاع الترعة ليس حذاءً فقط، بل هو سر الجريمة وحلم حمدان المسلوب. لذلك تصبح الترعة مخزنًا للذاكرة المخفية.
فضلا عن ذلك فالترعة رمز للعقاب المفارقة أن عليوة يغرق في المكان نفسه الذي ألقى فيه الحذاء. فالترعة التي أرادها قبرًا للدليل صارت قبرًا له. وهذا يمنح المكان وظيفة عدلية رمزية.
وتبدو الترعة كحد فاصل بين الواقعي والغرائبي
فالقصة قبل فضاء الترعة تتحرك في مناخ واقعي: فقر، حلم، شراء، حسد، قتل. وبعدها تدخل في مناخ غرائبي: شبح، لعنة، آثار أقدام، ورعب جماعيومن ثم، تمثل الترعة الحد الفاصل بين الواقع والأسطورة.
لا حظنا رمزية الشبح في القصة ليس مجرد عنصر لإثارة الرعب، بل يحمل وظيفة دلالية عميقة.
كما يرمزالشبح للظلم الذي لا يموت: حمدان يُقتل، لكن حضوره لا يختفي. يظهر في الطرقات، وفي الهمس، وفي آثار الأقدام، وفي خوف الناس. وهذا يعني أن الظلم لا يُدفن بدفن الجسد. ، كما يرمز للضمير الجمعي يمكن قراءة شبح حمدان بوصفه تجسيدًا لضمير القرية. فالجماعة التي سمحت بالمأساة لا تستطيع نسيانها، لذلك يعود حمدان كظل يطارد الجميع كما يعد أداة للعدالة الشعبية
في غياب القانون والمحكمة، يحقق الشبح نوعًا من العدالة الشعبية. إنه يعاقب القاتل نفسيًا ورمزيًا، ويدفع المجتمع كله إلى الاعتراف بالخوف.
القدم الحافية ترمز إلى الفقر والهشاشة والانكشاف أمام قسوة الحياة. وهي نقيض الحذاء، ومن خلال هذا التضاد تبني القصة معناها المركزي/العساكر الإنجليز يمثلون السلطة الأجنبية والقوة المنظمة. وظهورهم القصير في البداية يترك أثرًا طويلًا في حياة حمدان، مما يدل على قوة الرمز الاستعماري في تشكيل رغبات المقهورين.. الطريق إلى المدينة يرمز إلى رحلة الحلم. فحمدان يمشي يومين كاملين، وقدماه المتشققتان تتألمان. الطريق هنا اختبار للحرمان والصبر/ المدينةترمز إلى عالم السلعة والإغراء. ففي المدينة يمكن شراء الحذاء، لكنها لا تمنح الخلاص الحقيقي. إنها تعطي الرمز ولا تغير المصير/الفأس
ترمز إلى العنف الريفي البدائي. فهي أداة عمل في الأصل، لكنها تتحول إلى أداة قتل، في إشارة إلى انقلاب أدوات الحياة إلى أدوات موت عندما يسيطر الحسد/الحجر الثقيليرمز إلى محاولة طمس الحقيقة. فربط الحذاء بالحجر يعني إرادة إغراق الدليل والحلم والذنب معًا. لكن الرمز يعود في النهاية، وكأن الحقيقة أثقل من أن تغرق.
كما تزخر القصة بمجموعة من الثنائيات الضدية التي تمنحها تماسكًا بنيويًا.
الحفاء / الحذاء: الحفاء يرمز إلى الفقر، والحذاء يرمز إلى الحلم والكرامة. لكن الحذاء يتحول لاحقًا إلى لعنة، فينهار التضاد البسيط بينهما.
القرية / المدينة القرية: هي مكان الفقر والحسد والشائعة، والمدينة هي مكان الشراء وتحقيق الرغبة. غير أن المدينة لا تمنح خلاصًا، بل تعيد الحلم إلى القرية ليُقتل هناك.
الواقع / الأسطورة: تبدأ القصة واقعية وتنتهي غرائبية. وهذا الانتقال يعكس تحول الجريمة من حادثة اجتماعية إلى أسطورة شعبية.
الفرد / الجماعة: حلم حمدان فردي، لكن نتائجه جماعية. يموت فرد واحد، لكن القرية كلها تُعاقب بالخوف.
الحلم / اللعنة الحذاء يبدأ حلمًا وينتهي لعنة. وهذه الثنائية هي جوهر القصة ومحورها الدلالي الأعمق.
النهاية ومفهوم العدالة تعكس النهاية مفهومًا خاصًا للعدالة، يمكن تسميته العدالة الرمزية أو العدالة الشعبية.
غياب العدالة القانونية: لا تظهر في القصة سلطة قانونية تحقق في مقتل حمدان أو تعاقب عليوة. وهذا الغياب ينسجم مع طبيعة العالم الريفي الهامشي، حيث قد تضيع الجرائم أو تتحول إلى حكايات.
حضور العدالة الغرائبية: بدل المحكمة يظهر الشبح، وبدل الحكم القضائي يأتي الغرق، وبدل الاعتراف القانوني تأتي اللعنة.
وهنا تحقق القصة عدالة من نوع آخر: المظلوم لا يختفي، والقاتل لا ينجو، والقرية لا تنسى.
الجزاء من جنس العمل: قتل عليوة من أجل الحذاء، ثم مات محتضنًا الحذاء. وهذه صورة رمزية شديدة القوة؛ لأنها تجعل أداة الطمع نفسها علامة العقاب.
العقاب الجماعي: لا تكتفي النهاية بموت عليوة، بل تجعل القرية كلها تمشي حافية. وهذا يعني أن الجريمة لم تكن فردية تمامًا، بل نتيجة مناخ اجتماعي كامل.
ومن ثم، فالعدالة في القصة لا تعاقب القاتل وحده، بل تكشف مرض الجماعة كلها.
ومجمل القول إن قصة "حذاء إنجليزي" تعد نصًا رمزيًا كثيفًا، يستثمر شيئًا بسيطًا هو الحذاء ليكشف شبكة معقدة من العلاقات بين الفقر والحلم، والاستعمار والهيبة، والقرية والشائعة، والحسد والجريمة، والواقع والأسطورة.
فالعنوان يختصر مأساة النص، والحذاء يتحول إلى علامة كبرى تتدرج من الحلم إلى اللعنة، وحمدان يصبح رمزًا للفقير الذي أراد كرامة بسيطة فدفع حياته ثمنًا لها، أما عليوة فيجسد الحسد والعنف الداخلي في مجتمع مسحوق. وتتحول الترعة من مكان لإخفاء الدليل إلى مكان لكشف الحقيقة والعقاب، بينما يمثل الشبح ذاكرة المظلوم وضمير الجماعة.
إن القيمة الفنية للقصة تكمن في قدرتها على تحويل الحكاية الشعبية البسيطة إلى بنية رمزية وسيميائية متعددة الطبقات. فهي تبدأ من حفاء فرد واحد، وتنتهي بحفاء قرية كاملة، لتؤكد أن المجتمع الذي يقتل أحلام أفراده لا يبقى آمنًا، بل يتحول كله إلى كائن خائف، يمشي على الأرض عاري القدمين، مطاردًا بما اقترفه أو صمت عنه.
وبذلك فالقصة ليست عن حذاء، بل عن حلم فقير صار علامة طبقية وسياسية، ثم تحول، بفعل الحسد والقتل، إلى لعنة وذاكرة وعدالة رمزية.
***
د. نجلاء نصير
........................
حذاء إنجليزي
يتثاءب النهار في قريةٍ مصريةٍ نائيةٍ، تتمدد البيوت الطينية على الأرض تئن تحت ثقل السنين، وتتراكم فوق جدرانها ندوب الشتاء القاسي والصيف القائظ، في ظل شجرةٍ عجوزٍ على أطراف القرية، فلاحٌ فقيرٌ ممدد تحتها، حافي القدمين، يحدق في الأفق بعينين أنهكهما الجوع والحلم، وفجأةً تمرُّ أورطة من عساكر الإنجليز، وخطوات العساكر ترسم على التراب إيقاعًا صارمًا، لكن ما خطف بصره لم تكن البنادق ولا الأزياء العسكرية، إنما تلك الأحذية ذات الرقبة العالية، المصنوعة من جلدٍ متينٍ، التي تدوس الأرض بكل ثقةٍ.
منذ تلك اللحظة، صار ذاك الحذاء الإنجليزي حلمًا يسكنه مثل عفريت من الجن، أو كبذرةٍ انغرست في قلبه لا تكفّ عن النمو، يطارده حلم امتلاك الحذاء الإنجليزي في نومه، يوقظه في منتصف الليل وهو يتحسس قدميه العاريتين، فيشعر بوخز الحصى والأشواك حتى في الأحلام.
قرر حمدان أن يحصل على الحذاء، ولو كان الثمن جوعه وعريه، بدأ يقتصد في طعامه، يكتفي بوجبة واحدة، وأيامًا كثيرة كان يصوم أو يقتات من خشاش الأرض، يلتقط ما يجده من بقايا الحقول، غرفته الطينية التي لم تكن أكثر من أربعة جدران متداعية وسقف متآكل ينفذ منه البرد كطعن خنجر زادت قسوة، لكن عينيه تلمعان بالأمل كلما تحسس بيديه القطع النقدية التي خبأها تحت جلده.
مرَّ عامٌ وأكثر، والمال يلتصق بجسده، يتعرق معه في حر الصيف، ويبرد معه في زمهرير الشتاء. وأخيرًا، حانت اللحظة المنتظرة.
حمل حمدان ماله، وسار بمحاذاة قضبان القطار، متجهًا إلى المدينة التي لم يرها إلا في قصص العائدين منها، مشى يومين كاملين، قدماه المشققتان تئنّان تحت وطأة الطريق، وعيناه مشدودتان إلى الأفق حيث يتراءى له حلمه كوميضٍ لامعٍ.
تبهره المدينة يتلفت حوله يتحسس ماله حتى وصل إلى متجر أحذيةٍ، وقف حمدان أمام البائع بملابسه الرثة ووجهه الذي خطَّ عليه الزمن أخاديده، أخرج المال من تحت جلبابه، فتراجعت يد البائع للحظة متعجبًا، لكنه عدَّ النقود، ولفَّ له الحذاء بعناية، كأنما يسلمه كنزًا ثمينًا.
خرج حمدان من المتجر، والحذاء بين يديه، يضغط عليها كأنما يخشى أن يفلت منه، قلبه يخفق بسرعة من فرط الفرح، لم يجرؤ على ارتدائه، خشية أن تتسخ نعاله قبل أن يصل إلى القرية، فعاد ماشيًا رغم إرهاقه، كأنما يريد أن يجعل الرحلة جزءًا من بهجة الإنجاز.
عندما وصل إلى قريته، جلس على الأرض، وسط العيون التي اتسعت دهشة، وأخرج الحذاء، أصابعه التي اعتادت ملمس الطين والتراب ارتجفت أثناء ارتداء الحذاء، لأول مرة يرتدي حذاءً يشعر بعالمٍ آخر، عالم من النشوة والقوة، عالم الذين يمشون ورؤوسهم مرفوعة.
لم يصدق الناس ما يرون، وتطايرت الشائعات حول حمدان؛ يقول بعضهم قتل إنجليزيًّا وأخذ حذاءه، ويقسم آخرون أنه سرقه من أحد الأغنياء، بينما يصيح آخرون لعله وجد دفينة، أما هو، فلم يكن يسمع شيئًا، فقط يمشي وحذاؤه يدق على الأرض، تروي خطاه لتراب الأرض قصة انتصاره، لم يدرك أن تحقيق الحلم له ثمنٌ أغلى من المال، وفي ليلةٍ حالكةٍ عند أطراف القرية انقضَّ عليه عليوة بفأسٍ، بعد أن رفض حمدان أن يعيره الحذاء، ولم يكن مستعدًّا لأن يتركه له مهما حدث، دافع حمدان بكل قوته، دفاعًا عن حذائه، تشبث بحلمه كما تشبث بروحه، لكن الفأس سقطت على رأسه مرةً وأخرى فخمدت أنفاسه، حتى لحظاته الأخيرة لم يفلت الحذاء من يده، وقف عليوة يلهث، ينظر إلى الجثة ثم إلى الحذاء، يعلم أن الجميع يعرف حذاء حمدان، وأن هذا الحذاء لا شك سيقوده إلى المشنقة؛ أخذ الحذاء، وربطه بحجرٍ ثقيلٍ، ثم ألقى به في الترعة؛ ليغوص إلى القاع، وترك الجثة لتراب الطريق..
منذ تلك الليلة المشؤومة، لم تعد القرية كما كانت، رفضت روح حمدان المدفون في التراب أن تهدأ، أهل القرية يتهامسون في الخفاء، تؤكد حكاياتهم أن شبحه لا يزال يجوب الطرقات، يبحث عن حذائه المسروق، لم يجرؤ أحدٌ على الحديث بينما انتشرت القصص كالنار في الهشيم، أي شخصٍ يرتدي حذاءً، أي حذاءٍ، يشعر بخطواتٍ تتبعه ليلًا، يسمع همسًا خلفه، وأحيانًا يرى ظلًا شاحبًا عند أطراف القرية، يقترب ثم يختفي بين الأشجار، البعض يقسم أنه سمع أنينًا حزينًا في الليالي الباردة، وآخرون يؤكدون أنهم رأوا آثار أقدامٍ حافيةٍ تظهر فجأةً في الطين، رغم عدم وجود إنسانٍ في المكان، يزعجهم صراخ عليوة الذي صار بين ليلةٍ وضحاها شاحب الوجه، يجري حافيًا في طرقات القرية، مذعور العينين، ينام ويستيقظ فزعًا، وفي ليلةٍ لم يطلع عليها فجرٌ، وجدوه غارقًا في الترعة، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، كأنما رأى شيئًا أفقده عقله، يحتضن حذاء حمدان الإنجليزي، ومنذ ذلك الحين صارت القرية كلها تمشي حافية القدمين خوفًا من لعنة الحذاء.
***
سمير لوبه








