عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: في تخوم التعلّق والانفصال: "المفعول منه" و"نزع الخافض"

بين تقعيد النحاة وتأويل الدلالة

تنهض العربية، في بنيتها العميقة، على شبكة دقيقة من العلاقات التي لا تُفهم من ظاهر الإعراب وحده، بل من وشائج المعنى التي تتخلّل التراكيب وتعيد توزيع الوظائف بين الألفاظ. ومن أبرز هذه الظواهر التي تكشف عن مرونة النظام النحوي وثرائه: ظاهرة نزع الخافض، وما يتفرع عنها من مفاهيم كـ”المفعول منه” و”المفعول عليه”، حيث ينتقل الاسم من حيّز الجر إلى ساحة النصب، لا بتغيّر موقعه فحسب، بل بتحوّل دلالته ووظيفته.

أولاً: المفعول منه – بين الأصل المحذوف والوظيفة الظاهرة

يُطلق مصطلح “المفعول منه” على الاسم الذي يدلّ على الجهة أو المصدر الذي وقع منه الفعل، ويكون في الأصل مجروراً بحرف جر (غالباً “من”)، ثم يُنزع هذا الخافض فيُنصب الاسم، فيغدو مفعولاً به في الظاهر، مع احتفاظه بجذره الدلالي.

ومن الشواهد القرآنية التي استوقفت النحاة قولُه تعالى:

﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾

والتقدير عند كثير من النحاة: من قومه.

فـ”قومه” في الظاهر مفعول به أول، غير أنّ التحليل العميق يكشف عن أصله: مجرور بمن، أي أنّ الاختيار وقع منهم، لا عليهم.

التحليل الدلالي:

“قومه”: ليسوا محل الفعل (أي لم يقع عليهم الاختيار بوصفهم مفعولاً مباشراً)، بل هم المصدر الذي تمّ الانتقاء منه.

“سبعين رجلًا”: هم المفعول الحقيقي المختار.

وهنا يتجلّى الفرق بين:

المفعول به الحقيقي (المنتقى)

المفعول منه (المنتقى منهم)

ثانياً: نزع الخافض – اقتصاد لغوي أم توسيع دلالي؟

مفهومه:

نزع الخافض هو حذف حرف الجر مع إبقاء عمله معنًى، ونقل الاسم من الجر إلى النصب.

علله:

الاقتصاد اللغوي: حذف ما يُفهم من السياق.

التوسّع في الاستعمال: توسيع دائرة الأفعال لتتعدى بنفسها.

التخفيف الصوتي: إذ يجنح اللسان العربي إلى الإيجاز حيث لا لبس.

ثالثاً: مواقف النحاة

١. البصريون: القياس والتحفّظ

ذهب نحاة البصرة، وعلى رأسهم سيبويه، إلى أنّ نزع الخافض:

سماعي في أصله، لا يُقاس عليه إلا في مواضع محدودة.

يرون أنّ الأصل هو الجر، وأن النصب طارئ بسبب الحذف.

ويُفسّرون الآية على أنّ فيها حذفاً مقدّراً:

“واختار موسى من قومه سبعين رجلاً”

ويؤكدون أنّ:

الاسم المنصوب بعد نزع الخافض ليس مفعولاً به حقيقياً، بل هو منصوب على نزع الخافض.

المعنى هو الحاكم، لا الصورة الإعرابية الظاهرة.

٢. الكوفيون: التوسّع والمرونة

أما الكوفيون، فقد مالوا إلى:

إجازة القياس على نزع الخافض.

اعتبار الفعل قد يتعدّى بنفسه دون حاجة إلى تقدير حرف الجر.

وعليه، فهم:

قد يُجيزون أن يكون “قومه” مفعولاً به حقيقياً دون حاجة لتقدير “من”.

يرون أنّ العربية تسمح بتعدية الفعل بوجهين: بحرف الجر وبدونه.

وهذا يعكس نزعة كوفية نحو:

تحرير الفعل من قيود التعلّق الحرفي، وإفساح المجال لديناميكية التركيب.

رابعاً: فقهاء اللغة – بين المعنى والاستعمال

اهتم فقهاء اللغة، كابن جني وابن فارس، بالجانب الدلالي أكثر من الإعرابي، فرأوا أن:

نزع الخافض ليس مجرد ظاهرة شكلية، بل هو تحوّل في زاوية النظر إلى الحدث.

الفرق بين:

“أخذت من المال”

و”أخذت المال”

ليس فرقًا إعرابياً فحسب، بل:

الأول يشي بالتبعيض

الثاني قد يوهم الشمول

ومن هنا، فإن “المفعول منه” عندهم:

ليس وظيفة نحوية فقط، بل بنية دلالية تشير إلى الأصل والمصدر والانفصال.

خامساً: المفعول عليه – الجهة المقابلة

في مقابل “المفعول منه”، يظهر ما يمكن تسميته بـالمفعول عليه، وهو:

ما يقع عليه الفعل مباشرة.

مثال:

“ضربتُ زيدًا” -  زيد: مفعول عليه (وقع عليه الضرب)

أما:

“أخذتُ المالَ” - المال: مفعول عليه (إن لم يُقدّر “من”)

لكن:

“أخذتُ المالَ من زيد”- المال: مفعول عليه

- زيد: مفعول منه

الفرق الجوهري:

المفهوم

الدلالة

المفعول عليه

ما وقع عليه الفعل مباشرة

المفعول منه

ما كان مصدراً أو منطلقاً للفعل

سادساً: الأبعاد الفلسفية للظاهرة

تكشف هذه الظاهرة عن بُعد عميق في العربية:

اللغة لا تعبّر فقط عن “ماذا حدث”، بل عن “من أين حدث” و”كيف انتقل الفعل”.

هناك حسّ دقيق بالعلاقات:

بين الفاعل

والمفعول

والمصدر الذي انفصل عنه الفعل

إنّ نزع الخافض ليس حذفًاً، بل هو:

إعادة توزيع للمعنى بين البنية الظاهرة والبنية المقدّرة.

خاتمة:

تتجلّى في “المفعول منه” و”نزع الخافض” عبقرية العربية في الجمع بين الإيجاز والعمق، حيث يُحذف اللفظ ويبقى أثره، ويُغيب الحرف وتظلّ دلالته حيّة في نسيج الجملة. وبين صرامة البصريين ومرونة الكوفيين، يظلّ المعنى هو الحكم الأعلى، يوجّه الإعراب ويعيد تأويله.

وهكذا، فإنّ هذه الظاهرة ليست مجرد باب نحوي، بل نافذة على:

فلسفة اللغة، وحركية المعنى، ومرونة التعبير العربي في احتضان الاحتمال دون الوقوع في الالتباس

فالعربية، في جوهرها، لا تقول كل شيء… لكنها تترك كل شيء قابلاً لأن يُفهم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين