قضايا
محمد الربيعي: صناعة القطيع المعرفي.. حين يصبح التلقين سلاحاً للسلطة
تبدو القضية التربوية في مجتمعاتنا اليوم وكانها معركة صامتة بين عقل يراد له ان ينطلق، ومنظومة تصر على تصفيده بالاغلال، حيث تبرز معضلة التلقين كقضية حاسمة لا تمس فقط جودة التعليم، بل تمس جوهر الهوية والمستقبل. ان ما يحدث في قاعات الدرس ليس مجرد نقل للمعلومات، بل هو عملية هندسة اجتماعية متعمدة، تعلي من شان الحفظ باعتباره قمة الهرم القيمي، وتتعامل مع التفكير النقدي بوصفه خطرا داهما يهدد استقرار الافكار والقوالب الجاهزة. هذا الاختيار المنهجي ليس وليد الصدفة، بل هو استراتيجية سلطوية تدرك تماما ان العقل الذي يسأل هو عقل يصعب ترويضه، لذا تستبدل ملكة الفهم بملكة الاسترجاع، ويصبح الطالب المثالي هو الاكثر قدرة على استنساخ اجابات الماضي لا على ابتكار اسئلة الحاضر.
اننا امام صناعة ممنهجة للجهل المتعلم، حيث يتضخم حجم المعلومات في العقول بينما تضمر القدرة على تحليلها، فيتحول التعليم من رحلة استكشاف الى طقس من طقوس الطاعة الفكرية. السلطات التي تخشى التغيير تجد في التلقين الدرع الواقي، فهي لا تريد علماء يفككون الواقع ويعيدون بناءه، بل تريد مرددين يمنحون الشرعية للموروث دون فحص. وبهذا يتحول التعليم الى عملية حقن مستمرة للوعي الزائف، حيث يكافأ الصبية على قدراتهم التخزينية وتصرف الجوائز لمن يجيد الترديد، بينما يدفع المفكر الحقيقي الى الهامش، لانه يرفض ان يكون مجرد وعاء لتجارب الاخرين.
هذا التغييب المتعمد للعقل النقدي ينتج اجيالا تعاني من العجز الادراكي، فهي تعرف ماذا تقول لكنها لا تدرك لماذا تقوله، مما يجعلها لقمة سائغة لاي فكر شمولي او تضليل اعلامي. ان تكريس التلقين هو في الحقيقة اعلان وفاة للابداع، لان الابداع يبدأ من حيث تنتهي المسلمات، بينما التلقين يبدأ وينتهي عند تقديسها. وبمرور الوقت، يتحول المجتمع الى قطيع معرفي، يمتلك اعلى الشهادات لكنه يفتقر الى ابسط ادوات المنطق، ليظل السؤال المعلق في اروقة وزارات التربية والتعليم: هل نحن بصدد بناء عقول تبني المستقبل، ام اننا نقوم بترميم سجون فكرية نطلق عليها زورا مسمى مدارس وجامعات؟ ان الكارثة الحقيقية تكمن في اننا لا ننتج الجهل بالصدفة، بل نزرعه بعناية فائقة، ثم نتساءل بكل براءة عن اسباب تخلفنا عن ركب الحضارة، متناسين ان الحضارة لا تبنى بمن يحفظون التاريخ، بل بمن يمتلكون الشجاعة لنقده وصناعته.
***
د. محمد الربيعي
بروفيسور متمرس ومستشار، جامعة دبلن







