قراءات نقدية

منذر الغزالي: استراتيجيات المحكيات الصغرى في الخطاب النقدي ما بعد الحداثي

مقاربة تفكيكية لأمثلة من السرد العربي الوسيط

مقدمة: يهدف هذا البحث إلى معالجة مفهوم "المحكيات الصغرى" بوصفه ركيزةً إبستمولوجية في الخطاب النقديّ ما بعد الحداثيّ، كما صاغه جان فرانسوا ليوتار، واستكشاف إمكانات تطبيقه على أنماط السرد العربيّ في العصر الوسيط (العصر العباسي).

تظهر أهميّة الدراسة في قدرتها على مساءلة المركزية السردية وفتح أفقٍ جديدٍ لقراءة التراث الأدبي العربي خارج أسر السرديات الكبرى، عبر أدواتٍ نقدية حديثة (التفكيك، الميتاسرد، التناص، موت المؤلف). تستند المقاربة إلى فرضية أنّ نصوصاً مثل "ألف ليلة وليلة"، "المقامات"، "أدب الرحلات"، وكتب الأدب الشذرية، لم تكتفِ بتقديم الحكايات الهامشية، بل أسّست أنماطاً سرديّةً تُشظّي المعنى وتزعزع أنظمة الهيمنة، بما يتقاطع بنيوياً مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ ومن هنا، تتحدّد إشكالية البحث في اختبار مدى فاعلية هذا المفهوم في تحليل البنية السردية للتراث العربي، بعيداً عن الإسقاطات التاريخية المباشرة، مع تقديم معالجة نقدية منهجية للأمثلة والنماذج التطبيقية.

الإطار المفاهيمي: المحكيات الصغرى والسرديات الكبرى في فكر ليوتار وأدوات ما بعد الحداثة

يرتكز مفهوم "المحكيات الصغرى" (Petits Récits) لدى ليوتار على نقد السرديات الكبرى (Metanarratives) التي تدعي الشمول وتحتكر التفسير النهائي للتاريخ والمعرفة والذات، لتفسح المجال أمام الحكايات الجزئية، المحلية، والمتشظية، التي تقاوم التمركز وتعيد الاعتبار للهامش والاختلاف[1]. تعكس هذه المحكيات تفكيكاً للبنى السلطوية والمعرفية، وتحتفي بالتجربة الذاتية والتمثيل النسبي للواقع.

تتضافر في هذا السياق أدوات ما بعد الحداثة:

- التفكيك: ممارسة نقدية تهدف إلى كشف التوترات الداخلية في النص وتقويض الثنائيات الضدّية (مركز/هامش، سلطة/خضوع)، دون إنتاج مركزٍ بديل[2].

- الميتاسرد: وعي السرد بذاته وانكشاف آلياته، بما يؤدي إلى زعزعة الإيهام بالشفافية والمحايدة[3].

- موت المؤلف: تحرير النص من القصدية الأحادية، وإعادة توزيع سلطة المعنى بين النص والقارئ والسياق التداولي[4].

- التناص: كشف النص كفضاءٍ تتقاطع فيه خطاباتٌ متعددة، بما ينفي فكرة النقاء النصّي ويبرز التعدّد الصوتي[5].

حدود المقاربة وإشكالات الإسقاط

توظيف أدوات النقد ما بعد الحداثي في دراسة السرد العربي الوسيط قدرا من التحفظ المنهجي، تفادياً لمزالق الإسقاط التاريخي أو الأنسنة المفاهيمية. لا يفترض البحث وجود وعي ما بعد حداثي ضمن الثقافة العربية الوسيطة، ولا يدعي تماثل الأفق النظري مع ليوتار أو دريدا أو فوكو. بل تتم المقاربة على صعيد البنية السردية والوظيفة الخطابية، حيث تُستخدم مفاهيم مثل "المحكيات الصغرى" و"التفكيك" كأدوات تحليلية إجرائية لفحص آليات إنتاج المعنى، دون فرض توصيفات أنطولوجية أو أحكام قيمية.

تتيح هذه المنهجية المقارنة البنيوية الكشفَ عن تقاطعاتٍ وظيفيّةٍ بين أنساقٍ سرديةٍ متباعدةٍ زمنياً، مع الحفاظ على الفوارق التاريخية والخصوصيات الثقافية، بما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في الدراسات السردية التي تفصل بين المفهوم كأداة تحليل، والمفهوم كمنتجٍ تاريخي.

التحليل التطبيقي

أ. ألف ليلة وليلة: الميتاسرد واستراتيجية إرجاء السلطة

تُعد "ألف ليلة وليلة" مثالاً مركزياً لتجلّيات المحكيّات الصغرى عبر بنيةٍ ميتاسرديّةٍ معقدة، حيث يتحوّل فعل الحكي إلى السرد ذاته. تعتمد شهرزاد استراتيجية الإرجاء (Différance) بتعليق نهاية الحكاية واستمرار السرد، مما يحول دون تحقّق السلطة المطلقة لشهريار. يتوالد السرد في حكاياتٍ متداخلة (مثل حكاية الصياد مع العفريت، الملك يونان والحكيم رويان، وحكايات السندباد)، فتتشتّت سلطة السارد المركزي وتتشظّى الحقيقة، بما يطابق منطق اللا-يقين ما بعد الحداثي. تفكّك هذه الاستراتيجية مركزية السلطة الذكورية عبر التعدّد الصوتي والتوالد الحكائي، لتؤسّس نموذجاً مبكراً لـ"ديمقراطية الحكاية" وإعادة توزيع السلطة السردية.

ب. المقامات: البطولة المضادّة وتقويض الخطاب الرسمي

تشتغل المقامة العربية، كما في نصوص الهمذاني والحريري، كخطابٍ مضادٍّ يفكّك السرديات الأخلاقية المركزية. بطل المقامة (أبو الفتح الإسكندري، أو أبو زيد السروجي) ليس بطلاً قيمياً، بل بطلٌ مضادٌّ يعيش في الهامش الاجتماعي، ويعتمد على الحيلة واللغة بدل السلطة أو النسب[6]. تبرز المحاكاة الساخرة في استعارة لغة الفقهاء والعلماء، لا لترسيخ سلطتهم، بل لتعريتها وكشف قابليتها للتلاعب والسخرية. في "المقامة المضيرية"، مثلاً، يتمّ تفكيك خطاب الطبقة الثريّة عبر السخرية من المبالغة في وصف النعم، فتتحول المحكية الصغرى (قصة الاحتيال) إلى أداةٍ لتعرية زيف السردية الكبرى (الوقار الاجتماعي)، وتعيد الاعتبار للمعرفة الموقِعية ولذكاء الهامش.

ج. أدب الرحلات: المعرفة الموقعية ونسبية التمثيل

يقدّم أدب الرحلات، خصوصاً عند ابن بطوطة وابن جبير، نموذجاً لتحوّل المعرفة من الشمولية إلى الموقعية. لا يدّعي الرحّالة تقديم حقيقةٍ كليةٍ عن العالم، بل يدوّن مشاهداتٍ جزئيّةً مرتبطةً بموقعه الثقافي والزمني، ويمنح الوكالة السردية للآخر [7]. في وصف ابن بطوطة لبلاد "المالديف" أو "الصين"، تتعدد الأنظمة المعرفية وتتشظى الرؤية، بما ينسجم مع تفكيك المركزية المعرفية والاعتراف بتعددية الثقافات. يصبح النص الرحلي فضاءً لحفر معرفي لا يسعى لتثبيت المعنى، بل لتتبع تشكلاته، ويؤكد نسبية التمثيل وضعف ادعاء الحياد.

د. كتب الأدب الشذريّة (الجاحظ والأصفهاني): التناصّ وتعدّد الأصوات

تعتمد كتب مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني على مبدأ التناص ورفض الوحدة العضوية للنص. تُكتب هذه النصوص في شكلٍ شذريٍّ، حيث تتقاطع الحكايات والأخبار والأمثال، ويمنح الساردُ الأصواتَ الهامشيّةَ حقَّ التعبير عن وجهات نظرها[8]. في "البخلاء"، مثلاً، يمتلك البخلاء منطقاً دفاعيّاً خاصّاً بهم، ما يكسر احتكارَ الحقيقة الأخلاقية، ويحوّل الرذيلة إلى وجهة نظرٍ نسبيّة. هذا التعدّد الصوتي (Polyphony) يعكس تفكيك السرديّة الكبرى وإعادة الاعتبار للهامش والتجربة الفردية.

تحوّلات الوكالة السردية: انتقال السلطة للهامش

تؤدّي المحكيّات الصغرى، في ضوء النماذج المدروسة، إلى تحوّلٍ جوهريٍّ في مفهوم الوكالة السردية. لم يعد الهامش مجرّد موضوعٍ للسرد، بل تحوّل إلى ذاتٍ فاعلةٍ في إنتاج المعنى: المرأة (شهرزاد) في الليالي، المحتال في المقامة، والغريب في الرحلة، والبخيل في كتب الأدب. يعكس هذا التحوّل تفكيك منطق الصوت الواحد وإعادة توزيع السلطة السردية، بما يؤسّس لديمقراطية الحكاية وتجاور الأصوات دون إقصاء.

خاتمة

تُظهر إعادة قراءة السرد العربي في العصر الوسيط، في ضوء مفهوم المحكيات الصغرى، بنىً سرديّةً مقاومةً للهيمنة، ومؤسّسةً لتعدّد المعنى وتشظيه. لا تدّعي الدراسة وجودَ وعيٍ ما بعد حداثيٍّ في النصوص التراثية، لكنها تؤكّد إنتاجها لآلياتٍ سرديّةٍ تتقاطع، بنيوياً، مع رهانات النقد ما بعد الحداثي؛ وبذلك، يُعاد الاعتبار للتراث السردي العربي كفضاءٍ معرفيٍّ حيٍّ، وشريكٍ في إنتاج إمكانات المقاومة والتعدّد ومساءلة السرديات الشمولية القديمة والجديدة. يحرّر هذا التوظيفُ المنهجيُّ النصوصَ التراثيةَ من التحنيط، ويفتح أفقاً جديداً للقراءة النقدية المعاصرة.

***

منذر فالح الغزالي

فاختبيرغ 01.01.2026

..........................

الهوامش

1.  المحكيات الصغرى (Petits Récits): مفهوم طرحه جان فرانسوا ليوتار، يشير إلى الحكايات المحلية والجزئية في مقابل السرديات الكبرى التي تدعي الشمول.

2.  التفكيك: ممارسة نقدية أسسها جاك دريدا، تهدف إلى زعزعة الثنائيات الضدية وكشف هشاشة البنى المركزية.

3.  الميتاسرد: نوع من السرد يصبح فيه فعل الحكي ذاته موضوعاً للسرد، بما يؤدي إلى زعزعة وهم الشفافية السردية.

4.  موت المؤلف: نظرية رولان بارت، تدعو إلى تجميد دور الكاتب وتحويل الاهتمام إلى النص وتأويل القارئ.

5.  التناص: مفهوم جوليا كريستيفا، يرى أن النص فضاء تتقاطع فيه نصوص سابقة ومعاصرة.

6.  المقامات: نصوص بديع الزمان الهمذاني والحريري، تمثل خطاباً هامشياً ساخراً يفكك الخطاب الرسمي.

7.  أدب الرحلات: نصوص ابن بطوطة وابن جبير، تقدم المعرفة بوصفها جزئية ونسبية ومتعددة الأصوات.

8.  كتب الأدب الشذرية: مثل "الحيوان" للجاحظ و"الأغاني" للأصفهاني، تعتمد على تقنيات التناص وتعدد الأصوات.

المراجع

- ليوتار، جان فرانسوا. الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة. ترجمة أحمد حسان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- دريدا، جاك. الكتابة والاختلاف. ترجمة كاظم جهاد، بيروت: دار توبقال.

- فوكو، ميشيل. أركيولوجيا المعرفة. ترجمة سالم يفوت، الدار البيضاء: دار توبقال.

- بارت، رولان. موت المؤلف ونصوص أخرى. ترجمة مجموعة مترجمين، بيروت: دار الطليعة.

- الجاحظ، أبو عثمان. البخلاء. تحقيق: طه الحاجري، دار المعارف.

- الحريري، أبو محمد. مقامات الحريري. المكتبة الثقافية.

- ابن بطوطة. تحفة النظار في غرائب الأمصار. تحقيق عبد الهادي التازي، الرباط: أكاديمية المملكة المغربية.

- ابن جبير. الرحلة. بيروت: دار صادر.

- الأصفهاني، أبو الفرج. الأغاني. بيروت: دار صادر.

- ساروب، مادان. ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة. ترجمة: عماد مرتضى، دار نينوى.

 

في المثقف اليوم