قراءات نقدية
ليلى تبّاني: "مِسْتر ولا شيء".. لعبة الاستعارة المكشوفة
قراءة في رواية "مستر ولا شيء" للروائي الجزائري "واسيني لعرج"
ما أبأسه! من إنسان أنيق المظهر، مكسور المعنى، يجلس على حافة العدم، يبحث عن هوية في عالم لا يمنح يقينا ولا نهاية.
أخطر أشكال الإقصاء، ألاّ تُهزم عَلَنًا، بل تُتر في منطقة رمادية
هكذا تأتي رواية "مِستر ولا شيء" بعنوانها الفرعي " المأدبة الأخيرة لنوبل " لواسيني الأعرج ــــ الصادرة سنة 2026، في طبعتها الواقعة في حدود201 صفحة عن دار دوّن للنشر والتوزيع ـــ كنص روائي يُكتب على تخوم السرد والفلسفة والسخرية الهادئة، ليحكي حكاية ارتقاء وسقوط، ويفضح آلية ثقافية كاملة تُدار باسم التباهي والسمعة الطيبة. فمنذ العنوان، يضعنا النص أمام مفارقة وجودية متناقضة، تتجلّى بدءا ب "المِستر " بما يحمله من إيحاء بالقبول العالمي، لا يفضي إلاّ إلى "لا شيء نهائي"، وكأنّ الاعتراف ذاته حالة معلّقة، لا ذروة لها ولا خاتمة.
هذا المعنى لا ينتظر القارئ داخل المتن، بل يتجسّد بصريا في الغلاف، الذي يشتغل بوصفه نصّا موازيا. اللّون البرتقالي الناري لا يحيل إلى الدفء، بل إلى احتراق مُدار، احتراق لا يدمّر الجسد بل يلتهم الحلم. في قلب هذا السديم، يجلس جسد أنيق بلا وجه، مرتديا بدلة وربطة عنق، متقنا طقوس العبور إلى المركز، لكنّه جالس فوق فراغ مفتوح. لا سقوط هنا، ولا طرد، بل تعليق وجودي كثيف، هذه هي المنطقة الرمادية التي لا تُدان، لكنّها تُقصي بفعالية قصوى. حتى الميدالية الذهبية، بجناحيها الأبيضين، لا تستقر على الصدر، تحلّق فوقه، قريبة حدّ الوعد، بعيدة حدّ الحرمان، وكأنّ الطهارة تُمنح للجائزة لا للكاتب، فتتبخّر وتطير منه معلنة البراءة، كأنّها تقول: "أنا براء من تحايل البشر".
داخل هذا الإطار، تتقدّم شخصية نوفل آل فريد بوصفها القلب الأخلاقي للرواية. فالاسم هنا ليس محايدا، بل قدر لغوي. "نوفل" يحيل إلى العطاء والفيض، في انسجام مع شخصية تعطي أكثر مما تأخذ، وتؤمن بالكلمة بوصفها قيمة لا وسيلة. أما "آل فَريد" فيحمل مفارقة مزدوجة، التفرّد من جهة، وصدى ألفريد نوبل من جهة أخرى. هكذا يصبح نوفل قريبا اسميا من الجائزة، بعيدا وجوديا عنها، ظلّا للاعتراف لا حامله. الاسم ذاته يضعه في منطقة رمادية بين الوعد والحرمان.
ولا يقتصر ذكاء واسيني على اسم بطله، بل يمتد إلى كامل منظومة التسمية، حيث تتحوّل الأسماء إلى أدوات نقد ساخرة. سراب ليست مجرد شخصية عابرة، بل تجسيد لغوي للوعد الذي لا يتحقق، لمعان من بعيد، واختفاء عند الاقتراب. كلّ ما يُقدَّم لنوفل من علاقات وفرص واعترافات يمرّ عبر هذا المنطق السرابي، ليس كذبا صريحا، بقدر ماهو خديعة ناعمة.
أما الجعبوق، فاسمه الكاريكاتوري يشي منذ البداية بوظيفة ساخرة، شخصية تعرف اللّعبة، تضحك منها، وتتكيّف معها دون أوهام. السخرية هنا ليست خفة، بل وعي مرّ بأن الجدية المفرطة داخل هذا النظام ليست إلا شكلا آخر من أشكال الخسارة.وتأتي زها بوصفها أحد أكثر الاختيارات الاسمية دلالة، إحالة واضحة إلى زها حديد، رمز النجاح العربي في الغرب. غير أن الشخصية لا تحلم بأن تكون ذاتها، بل بأن تكون نسخة تضاهيها.
في مقابل هذه الأسماء المشحونة بالسخرية، تظهر شميسة بوصفها الاستثناء الإنساني. اسمها مشتق من الشمس، لكنّه مصغّر، هش، محدود. وهي كذلك في الرواية: ضوء دافئ، ملاذ ولو مؤقت من برودة الخيبات والخذلان، أو ربّما خلاص نهائي، كما شاءه المؤلف. فحتّى هنا، لا يخون الاسم وظيفته.
تتحرك الرواية عبر سبعة فصول ببنية حلزونية، تبدأ من سؤال الاسم والهوية، بطل الرواية، اسم يبدو صدفة لغوية"نوفل آل فريد"، إذ يتقاطع مع "نوبل ألفريد". نوفل كاتب جزائري، قادم من عمق الذاكرة واللغة والهوامش، لا يكتب طلبا للجوائز (وأنا لا أكتب للجوائز، ولكني أكتب لنفسي. للعصر الذي أعيشه. كل الجوائز التي تحصلت عليها ركضت نحوي ولم أطلبها أبدا..) منذ اللحظة الأولى، يُدعى إلى عالم لا يشبهه، عالم الأضواء والملفات والوساطات، حيث يصبح الاسم جواز عبور، فيدخل نوفل مؤسسة "بيتنا"، تستقبله السيدة سراب بابتسامة ناعمة ووعد كبير. هنا تبدأ لعبة الثقافة بوصفها استثمارا، يخضع نوفل لدروس الإتيكيت، للماكياج، للكاميرا، ولطريقة الجلوس والابتسام. يتعلّم كيف يكون "مِستر"، لا كيف يكون نفسه. يدفع المال ليكتسب هيئة الكاتب العالمي، فيما تتآكل ملامحه الداخلية. هنا يبدأ الاغتراب الحقيقي، أن ترى نفسك تُعاد صياغتك لتناسب ذائقة لا تشبهك. في الفصل الرابع ووسط ذاك العالم البارد، تظهر شميسة، كملجأ إنساني. معها يستعيد نوفل جسده، بدفء علاقة غير مشروطة. لكنها علاقة لا تستطيع إنقاذه من المصير الذي يُطبخ له، بل تمنحه فقط قدرة مؤقتة على الاحتمال يقترب بطلنا من جائزة نوبل في الفصل الخامس، تتسارع الأحداث، تُفتح الأبواب، وتأتي البشرى، نوفل ضمن القائمة النهائية، والفوز شبه مؤكد. يعيش لحظة الذروة النفسية، حيث يصدّق أن الحلم صار حقيقة. تُستكمل الترتيبات، ويُطلب منه القبول ببعض الشروط المالية والأخلاقية باسم "المشروع". تقيم زها مأدبة (Banquet ) على شرف فوزه، تشبه تلك التي تقام هناك في ستوكهولم، احتفال، وجوه أنيقة، كلمات كبيرة، ووعود لامعة. لكنّها وليمة بلا روح. يشعر نوفل بثقل غريب، كأن شيئا ما ينفلت من بين يديه. هنا يدرك، دون أن يُقال له صراحة، أن اللعبة لا تُدار بالاستحقاق، بل بالمطابقة التامة مع النموذج المطلوب. في اللحظة الأخيرة، يُسحب الفوز. بلا تفسير مقنع. بلا فضيحة. بلا اعتذار. ويُترك نوفل وحده أمام الحقيقة القاسية. لتنتهي الرواية بلا انتصار وبلا انهيار درامي. نوفل لا يصرخ، لا يفضح، لا ينتقم. يعود إلى نفسه، إلى عمقه، وقد خسر اللقب وربح وعيا مريرا الاعتراف العالمي ليس حقا، بل صفقة، ومن لا يقبل شروط الصفقة يُستبعد بأناقة.
في نظرة تأملية تحليلية للنص، يبدو ومن خلال هندسة الكاتب العبقرية للأسماء بأنّ وظيفيتها تحوّل الاسم من علامة تعريف إلى عبء ثقافي، ومن خلال استغلال المؤسسات الاحتيالية بترخيص من الهيآت الرسمية، تتجلّى لحظة انكشاف وهم العدالة الثقافية، وانكشاف بنية سلطة تمارس الإقصاء دون عنف، في انسجام صارخ مع تصورات فوكو، تكشف ثقافة الروائي الواسعة، وقناعته حول فوكوية السلطة الناعمة. حتى استعارة تهجين الأبقار الهولندية بالعجول المحلية لم تأت اعتباطا، بل بوصفها صورة لمسخ الأصالة باسم التطوير، تماما كما يُطلب من الكاتب أن يُهذّب لغته وملامحه ليُقبل.
تتجلّى رواية "مِستر ولا شيء " لواسيني الأعرج بوصفها تمثيلا أدبيا عميقا لمنطق السلطة الحديثة كما حلّله فوكو، ولمفهوم الهيمنة الثقافية كما صاغه غرامشي. فالسلطة في الرواية لا تمارس قهرها عبر العنف المباشر فحسب، بل من خلال آليات التدجين والتطبيع، حيث يُعاد تشكيل الإنسان نفسيا وثقافيا ليغدو كائنا مطيعا، منتجا، وقابلا للضبط. ويأتي تهجين اسم الشخصية (نوفل ألفريد) رمزا واضحا لتهجين الهوية ذاتها، بما يحوّل الإنسان إلى ذات هجينة فاقدة للجذور، سهلة التوجيه، ومفرغة من إمكان المقاومة. ووفق تصور فوكوي، تعمل السلطة الحديثة على إنتاج أجساد طيّعة بعقول هشّة، عبر المراقبة والتصنيف وصناعة الزيف، . وهذا ما تكشفه الرواية حين تصوّر أفرادا مسجونين من الداخل، خاضعين لمنظومة جعلت القمع غير مرئي، ومارست العنف باسم الحماية والاستقرار.
ومن منظور غرامشي، فإنّ الهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بإقناع المحكومين بقبول وضعهم، عبر الثقافة والخطاب والإعلام. وفي الرواية، يُهمَّش المفكر ويُستخفّ بالمبدع، لأنّ الوعي يهدّد استقرار الهيمنة، بينما يُكافَأ الفساد ويُشرعن التضليل، فتغدو القيم الزائفة "وعيا جمعيا" مقبولا. كأنّنا أمام سلطة تُدجِّن الأجساد وتُهيمن على العقول، تُهجِّن الهوية، وتُفرغ الإنسان من معناه، ليجلس كما مِستر، أنيق المظهر، مكسور الذات، فوق هاوية صنعتها السلطة، ثم أقنعته أنّها قدره الطبيعي.
أؤكد في النهاية على أنّ نصّ " مستر ولا شيء" رواية ساخرة بنفس كوميدي، تستجلي عدمية القيم في زمن التشيّء، وحكاية عبثية عن ذات ضائعة، تبحث عن المعنى في زمن ضياع المعنى، وممّا لا شكّ فيه، أنّ النصّ قراءة كاشفة لواقعٍ إنسانيّ وسياسيّ مأزوم، وإدانة صريحة لمنظومة سلطة نجحت في أخطر انتصاراتها بجعل القهر غير مرئي، وجعل الخضوع يبدو اختيارا. ففي عالم تُدجَّن فيه الأجساد باسم النظام، وتُهيمن فيه على العقول باسم الاستقرار، يُكسَر الإنسان دون أن يُسفك دمه، وتُغتال الهوية دون ضجيج. وهكذا لا يسقط "مِستر" في الهاوية لأنّه ضعيف أو مغفّل، بل لأنّه أدرك متأخرا أنّ الهاوية لم تكن تحته، بل كانت هي العالم نفسه. فيستكين إلى قناعة أنّ المجد هش، والجوائز عابرة، وأنّ الكاتب قد يُمحى وجهه لكنّه إن بقي وفيّا لروحه لن يُهزم. فمهما بلغت خساراته ذروتها، فسيخرج من معترك الحياة بكرامة كاملة.
***
ليلى تبّاني ـــ الجزائر






