قراءات نقدية
بنيامين يوخنا دانيال: شاعرات تانكا يابانيات مبدعات من فترة هييآن
كان البلاط الياباني خلال فترة (هييآن) المزدهرة (794 – 1185 م) بمثابة الحاضنة الأدبية التي وفرت البيئة التأهيلية الداعمة للنساء النبيلات الموهوبات، وكان للعناية الفائقة والاهتمامات الكبيرة التي أولاها المجتمع الأرستقراطي ورجال البلاط بالفنون الراقية في تلك الفترة المردود الجلي والتأثير الكبير في ازدهار ونضج الحركة الأدبية النسوية، وتعزيز خصوصية الكتابة الأنثوية، بعيدا عن المثل العسكرية التي كانت غالبة وأساسية في الماضي، وبمنأى عن التأثير الصيني المباشر المهيمن سابقا. وشملت شعر الواكا / التانكا والرسم الملون (ياماتو – إي) والموسيقى والخط (الشودو – وايو) وفن تنسيق الزهور (الإيكيبانا) وحفلات الشاي والمهرجانات والفنون الزخرفية والطلاء بالورنيش، مع ظهور جماليات (ياماتو – إي) الوطنية المرتكزة على تصوير الحكايات الأدبية والمواضيع السردية والمشاهد المحلية والمناظر الطبيعية والمواسم الأربعة (شيكي – إي) والأماكن الشهيرة (ميشو – إي) والحياة اليومية باسلوب سردي، وبتوظيف لفائف يدوية طويلة (إيماكيمونو)، تروى من خلالها القصص الأدبية والتاريخية الشهيرة وغيرها كثيرة.
أما (ياماتو – إي) فهو أسلوب ياباني كلاسيكي بارز في الرسم، نشأ في أواخر فترة هييآن (القرن العاشر الميلادي) تقريبا، مستقلا عن التأثيرات الصينية (كارا – إي)، وباستخدام تقنيات فنية مبتكرة (هيكيمي كاجيانا، فوكينوكي ياتاي، تسوكيوري – إي). ازدهر خلال فترة كاماكورا ثم تراجع وتم إحياؤه عن طريق مدرسة (توسا) ومدرسة (رينيا). وأما الشودو (طريق الكتابة) فهو فن الخط الياباني التقليدي المعروف، المستمد أصلا من الخط الصيني (كارايو)، وقد تم تطويرة وتجويده في فترة هييآن مع انتشار حروف (الكانا) وبأسلوب (وايو) الذي يعتبر النقيض المباشر لأسلوب (كارايو). ويقوم (الشودو) على الليونة والجمالية والانسيابية، وأستخدم بادىء ذي بدء بين النبلاء و الكهنة والساموراي.
و قد اتسمت النتاجات الأدبية النسائية اليابانية في فترة هييآن المتكونة من تشكيلة مميزة من الشعر والنثر والسرد والغناء بالدقة والحساسية الفنية والعمق التحليلي والتفصيلية المتقنة الجلية، وهي صفات وخصائص ميزت أدب تلك الفترة بالدرجة الأساس، وصارت إحدى السمات الرئيسية للأسلوب الأدبي الكلاسيكي الياباني المعروف آنذاك.
و الذي ميز هذه النتاجات الأدبية أيضا كونها قد كتبت في أكثرها بنظام كتابة صوتي مقطعي ياباني هو ال (كانا) المنقسم إلى ال (الهيرغانا) وال (كاتاكانا)، بعكس الرجال الذين كانوا يكتبون بالمقام الأول بال (كانجي) الذي كثيرا ما أعتبر رمزا للذكورة، بعكس الهيراغانا الذي طالما ربط بالأنوثة.
و قد أحدث هؤلاء الشاعرات والكاتبات بذلك ثورة ناعمة وتحولا بينا وجليا في الأدب الياباني، وعززن ودعمن بقوة ما يعرف ب (أدب المرأة) في تلك البلاد، ولذلك أعتبرت فترة هييآن العصر الذهبي للكتابة النسائية، وعموم الأدب الكلاسيكي الياباني (1). فقد كتبن خلاله أبدع وأجود القصائد وأروع المذكرات وأول رواية نسائية في اليابان والعالم أجمع (2)، وأشتهرت بثراء وتطور كتابات النساء على نحو بين، وكان تأنيث أدبه الثري الغزير، وربطه بالأنوثة بمفهومها الواسع أمرا تاريخيا وحتميا ولازما لا مفر منه (3).
و هكذا أصبحت النساء في هذه الفترة رائدات الكتابة الإبداعية، ويعزى لهن الفضل الكبير لتحظى (الهيراغانا – أونا – دي – يد المرأة) بشعبية كبيرة، ولتغدو لغة التأليف والكتابة الرسمية في البلاط (4).
كما نشطت وفعلت إبان فترة هييآن صالونات البلاط، فشجعت ودعمت النساء الموهوبات الذكيات من وصيفات هذا البلاط، فكانت بمثابة المنازل التي توفر لهن كل مستلزمات الحياة من ملابس وطعام وشراب ومنام ورعاية صحية وغيرها، والملتقى الذي يتبادلن من خلاله الآراء والخبرات والمعلومات، مع الاستمتاع بالقراءة والكتابة في شتى المواضيع السائدة في ذلك الوقت (5).
و نقدم أدناه النبذ المختصرة عن بعض هؤلاء الشاعرات المبدعات الشهيرات من تلك الفترة التي بدأت فيها الهوية اليابانية المتميزة بالتبلور، مع استحداث وابتكار تقاليد أدبية وفنية ودينية فريدة دامت لقرون.. كما نقدم نماذج من قصائدهن (مترجمة عن اللغة الإنكليزية): -
1 - أوتو جيجو (السيدة ساغامي) (998 / 1000 –1061 / 1068 م ؟ تقريبا): شاعرة يابانية كبيرة من منتصف فترة هييآن. والدتها (يوشيكيو نو هوشو)، ولم يعرف الكثير عن نسبها الذي اختلفت حوله الآراء ولم يحسم أمره لحد الآن. عاشت في مقاطعة (ساغامي) مع زوجها (كينسوكي أوي) الذي تقلد فيها منصب الحاكم لفترة من الزمن، ومنها استمدت اسمها. وهي مقاطعة يابانية قديمة لقبت سابقا ب (سوشو)، وتقع في المنطقة التي تعرف الآن بمحافظة (ناكاغاوا) وتحدها (موساشي) و(إيزو) وغيرهما. عرفت الشاعرة (أوتو جيجو) الشاعر البارز (فوجيوارا نو سادايوري) (995 – 1045 م) الشخصية النبيلة من عشيرة فوجيوارا القوية وغيره من الشعراء في محيطها. ومن شعرها:
آه، أيها الفؤاد
فؤادي المفطور الذي تعاظم همه
ليصبح كم ثوبي مبللا بالدموع الأجاج
و لا يذكر اسمي الآن
إلا للاستهزاء والاستخفاف الشرير
و كان السائد في اليابان القديمة أن تقوم النساء من ذوات النسب الرفيع بمسح دموعهن بأكمامهن، وعليه فإن (الأكمام المبللة) استعارة شائعة للحزن وخيبة الأمل العاطفية. وقد أستخدمت هذه العبارة من قبل الشاعرات اليابانيات بشكل كبير لرغبتهن بعدم الافصاح عن حزنهن على نحو مباشر، فكانت موضوعا مكررا في شعر التانكا وعموم الأدب الياباني الكلاسيكي للتعبير عن الشجن والندم والمعاناة وغيرها.
لقد عصفت الريح
على حين غرة
و تفكك نسيج العنكبوت المديد
هل ينبغي أن تسير الأمور بيننا
على هذا النحو ؟
***
لا تغضبوا مني، بل سامحوني
إذا كانت دموعي لا تزال تنساب
لقد جفاني حبيبي
و أخشى أن تجرح بعده
سمعتي الحسنة التي أعتز بها كثيرا
(اشتركت الشاعرة بهذه القصيدة في مسابقة شعرية أقيمت عام 1051 ميلادية، وكانت نشطة في مثل هذه المسابقات وغيرها)
***
لا يكاد يجف كم ثوبي أبدا
بسبب الدموع السواجم
الناتجة عن الحزن المختلط بالمرارة
ما أندم عليه يقينا
هو اسمي الذي شانه الهوى
و نظرا لطبيعة مجتمع البلاط في ذلك الوقت وانغلاقه وخصوصيته، فقد كان موضوع هجرة الحبيب وما تدور حوله من شائعات وأقاويل كافيا لتشويه سمعة المرأة وقد نظمت حوله الكثير من القصائد بأقلام نساء عانين من هجرة الأحباب والألم الشديد والحرقة العميقة في الفؤاد التي تنشأ عن غياب الحبيب أو البعد عنه.
2 - كوكامونين نو بيتو: شاعرة ذائعة الصيت من القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو توشيتاكا). كانت مرافقة إمبراطورة. ولها قصيدة مدرجة ضمن مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني الشهيرة المسماة (هياكونين إيشو - مائة شاعر، قصيدة واحدة لكل منهم ) التي تضم (100) قصيدة واكا كتبت خلال الفترة من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر. وقد أستخدمت في لعبة (كاروتا) المبتكرة في فترة (إيدو) (1603 – 1868)، لتتوطد شعبيتها في الثقافة اليابانية على نحو عميق وحتى الوقت الحاضر. تقول (كوكامونين نو بيتو) في إحدى قصائدها:
ليلة حميمية واحدة لا أكثر نقضيها معا
و لتكن قصيرة بقدر المسافات التي بين أعواد القصب
المحصودة في خليج نانيوا
لا غنى عنها من أجل هذا الحب الرقيق
هل أفدي بنفسي في سبيل ذلك ؟
أما خليج (نانيوا) فهو التسمية القديمة لخليج أوساكا الياباني، وترتبط بالأسم القديم لمدينة (أوساكا) التي كانت عاصمة إمبراطورية قديمة وموقعا لقصر الإمبراطور لفترات وجيزة في القرنين السابع والثامن، وكانت أيضا مركزا اقتصاديا وسياسيا هاما، وخصوصا في القرن السادس عشر أي فترة تويوتومي هيده – يوشي.
3 - تايكينمون في هوريكاوا: كانت سيدة نبيلة وشاعرة متميزة، عاشت في القرن الثاني عشر. ابنة (ميناموتو نو أكناكا)، وكان الأخير مسؤولا كبير المستوى في شؤون (الشنتو) التي كانت تدار عبر نظام كهنوتي مترابط مع وجود مناصب إدارية. عرفت الشاعرة أيضا باسم (هوريكاوا)، لما كانت تخدم كراهبة في دير المجلس الإمبراطوري للمراسم.
خدمت أولا الأميرة الإمبراطورية (ريشي) ولقبت خلالها ب (روكوجو)، وكانت أيضا مرافقة للإمبراطورة (تايكن). لها قصيدة مدرجة في (هياكونين إيشو) الإمبراطورية وضمن مجموعة (الشاعرات ال 36 الخالدات) أيضا. اشتركت في مسابقات شعرية (أوتاواسي) خلال الفترة (1142 – 1143) تقريبا، وقد نافست فيها الكاهن البوذي والشاعر النحرير (سايغو – ساتو نوريكو) (1118 – 1190) الذي يعد من أكبر أساتذة شعر التانكا الياباني آنذاك.
و هي مسابقات أجريت بكثرة كأحداث طقسية في فترة (هييآن) المزدهرة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، والمستقرة أمنيا تقريبا حتى أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياة النبلاء الذين حرصوا على اقامتها ومنحوها اهتماما بالغا. وكان يتم فيها تقسيم الشعراء إلى فرق، ليقرضوا الشعر من خلال سلسلة من الجولات. وبحسب (هياكونين إيشو) فإن أطول مسابقة من هذا النوع في تلك الفترة قد أخذت (500) جولة، فتصور عدد الشاعرات والشعراء الذين اشتركوا فيها. ومن شعرها:
لا أعلم كم من الوقت ظل فؤادي يعاني
و لكن في أواخر الصباح
كان شعري الأسود المتشابك
في حالة فوضى
ثمة شيء آخر يشغل بالي الآن
***
لا أعرف هل ستثبت في قلبك
المشاعر التي تكنها تجاهي ؟
عندما نفترق هذا الصباح
فسيكون شعري في حالة فوضى
و سوف يختلج فؤادي
4 - يوشي نايشينو – كي نو كيي: كانت سيدة نبيلة وشاعرة معروفة من أواخر فترة هييآن، وعرفت بأسماء أخرى. كانت وصيفة للأميرة الإمبراطورية (يوشي) (1038 – 1105 م) ابنة الإمبراطور (غو سوزاكو) (1009 – 1045). لها مجموعة شعرية بعنوان (إيتشي – نو ميا نو كي شو). اشتركت في الكثير من المسابقات الشعرية المقامة في زمنها. وردت أعمالها في العديد من المجموعات الإمبراطورية وغيرها، مثل شينتشوكوسين واكاشو وشينسينزاي واكاشو وجيوكويو واكاشو وشوكوجوسين واكاشو وسينزاي واكاشو وشينغوشوي واكاشو والشاعرات ال 100 الخالدات.
5 - سو نو نايشي: كانت شاعرة متميزة، واسمها الحقيقي (تايرا نو تشوشي / ناكاكو). ابنة (تايرا نو مونيناكا) الذي كان حاكما لمقاطعة (سو) بمنطقة (بوشو) (محافظة ياماغوتشي حاليا)، ومن هنا جاء لقبها. خدمت كوصيفة في بلاط أربعة أباطرة (هوريكاوا، شيراكاوا، غو – سانجو، وغو ريزي الذي حكم خلال الفترة 1046 – 1068 م).
ترهبت (سو نو نايشي) في البوذية عام 1108 من جراء السقم، ووافاها الأجل سريعا حوالي عام 1110 ميلادية بعد معاناة شديدة مع المرض. وردت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ولها مجموعتها الشعرية الخاصة بها.
و لها قصيدة مشهورة تعود قصتها إلى موقف حدث للشاعرة عندما همست لوصيفة قريبة منها داخل البلاط، طالبة منها وسادة، وسمعها أحد النبلاء، فبادر مازحا إلى تقديم ذراعه لها من وراء الستارة الفاصلة بينهما لتستخدمها كوسادة. ولكنها أبت أن تفعل ذلك حفاظا على سمعتها.
سيكربني الغم
إن لحق العار بسمعتي الحسنة
لو توسدت ذراعه *
فقط للحظة عابرة
مثل حلم في ليلة ربيعية
و لم يقتصر استخدام تلك الستائر في البلاط الإمبراطوري الياباني على ضمان الخصوصية وتوفير الظل، بل تعدى ذلك لتكون من العناصر الفنية والرمزية الأساسية التي تحدد بموجبها المكانة والرتبة، ولتعكس أسلوب الحياة الراقي لأستقراطية هييآن. وكانت رقيقة وعالية الجودة، وتصنع في الغالب من القصب أو الخيزران أو الخشب (سوداري)، ومزينة بحواف جميلة من القماش، ومنسوجة بخيوط حريرية متينة وخفيفة الوزن. وقد جرت العادة أن تتستر سيدة البلاط خلف الستارة عند تبادلها الحديث مع شخص من خارج أسرتها، كان ينبغي له الوقوف على مسافة معينة منها، ودون أن يحق له الاقتراب منها أو النظر إليها إلا بموافقتها، وبخلاف ذلك فإن أي تصرفات لا مسوغ لها كانت تعتبر انتهاكا للأعراف وتهديدا لخصوصية تلك السيدة.
6 - سي شوناغون (966 – 1017 / 1025): كانت سيدة بلاط وكاتبة يوميات مبدعة متقنة للكلمات وشاعرة مرموقة، وواحدة من (السيدات الثلاث العظيمات) في زمنها إلى جانب (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو) وفقا للنقاد وكتاب التاريخ الأدبي. لا يعرف اسمها الحقيقي الذي اختلفت حوله الآراء، وقد يكون (كيوهارا نو ناجيكو) وفقا لبعض المصادر التي لم تؤكد صحته على نحو قاطع.
ولدت وترعرعت في كنف أسرة مثقفة وواعية ومستنيرة، ووالدها هو الشاعر المعروف (كيوهارا نو موتوسوكي) الذي كان حاكما متمكنا لمقاطعة يابانية مهمة، وجدها الأكبر الشاعر هو (كيوهارا نو فوكايابو). تزوجت من (تاتشيبانا نو نوريميتسو) وهي في السادسة عشرة من العمر، وأنجبت منه ولدا أسمته (نورينغا)، وربما تطلقت بعدها لتتزوج من حاكم ولاية (سيتسو) التي كانت تشمل قديما أجزاء واسعة من أوساكا وهيوغو، وأنجبت منه ابنة اسمها (كوما نو ميوبو).
خدمت الإمبراطورة (فوجيوارا نو تيشي – ساداكو) (977 – 1001) زوجة الإمبراطور (إيتشيجو)، الإمبراطور ال (66) لليابان. وفي زمن كان بلاط هييآن يهتم اهتماما بالغا للرقي والتميز الأدبي، وجرت العادة أن تحيط الإمبراطورات أنفسهن بوصيفات متميزات، ذوات ثقافة واسعة وراقية، ويجدن تأليف الشعر، ويتم اختيارهن ليس فقط للخدمة بل لامتلاك المعرفة والمهارات والتعليم في عدة مجالات مثل الأدب والفنون وآداب السلوك.
ألفت (سي شوناغون) (كتاب الوسادة – ماكورا نو سوشي) في تسعينيات القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الميلادي، وقد اكتمل في عام 1002، وكان ذلك أثناء خدمتها في البلاط، وباللغة اليابانية العامية مستخدمة حروف (الهيراغانا)، وقد أستنسخ الكتاب لعدة مرات في الأعوام 996 و1000 و1002 و1021، وطبع أخيرا في القرن السابع عشر، ونالت مؤلفته شهرة واسعة. والكتاب عبارة عن مذكرات شخصية متألفة من مجموعة نصوص قصيرة غير مترابطة في الغالب من قصائد وحكايات والمقاطع الوصفية عن حياة النبلاء في أوج عصر هييآن المثالي. تقول عنها (أيدان دويل): (كانت سي شوغانون حاذقة ومتقنة في فن التخاطب البليغ والتبادل الشعري، وكانت تبتهج بتسجيل أبهى اللحظات التي عاشتها، كما كانت تصف على الدوام درجة قلقها عند تأليف الشعر، ولا عجب في ذلك، بالنظر لأهمية الأمر). ومن قصائد (سي شوناغون) المشهورة:
لقد خدع الديك بصياحة
كل من سمعه
وسط الليل
باستثناء الحراس عند بوابة أوساكا
الذين لا يمكنه خداعهم على الإطلاق
تعاتب الشاعرة سي شوناغون هنا زوجها الذي كان يسهر ويعود للبيت دوما متأخرا في منتصف الليل. وتذكره بقصة صينية معروفة عن رجل مطلوب للعدالة، فقلد صوت الغراب ليتحايل على الحراس. ولكن لا يمكن أن تنطلي هذه الحيلة على حراس بوابة أوساكا إن حاول أن يجربها.
تتناثر ندف الثلج
الناعمة
بفعل النسيم
على نحو متقطع
إنها تثير الأسى
***
أسنت بي الأيام
مع انقضاء الزمن
و لكنني عندما أشاهد
هذه الزهرة الآسرة
أغفل عن العمر والوقت أيضا
7 - إيسي نو تايفو (نحو 990 – 1060): شاعرة وكاتبة أغاني بارعة وعازفة موسيقى موهوبة. ابنة النبيل (أوناكاتومي نو سوكيتشيكا) من عشيرة (أوناكاتومي) المعروفة باهتماماتها بالأدب والشعر، واسهاماتها البينة في الشعر عبر أجيال، وهي أيضا حفيدة الشاعر المعروف (أوناكاتومي نو يوشينوبو) (921 – 991 م). عرفت أيضا باسم (إيسي نو أوسوكي) و(إيسي نو تايو). عملت كوصيفة للإمبراطورة (فوجيوارا نو شوشي) (988 – 1074)، ونشطت في صالونها الأدبي. وكانت صديقة مقربة ل (موراساكي شيكيبو) و(إيزومي شيكيبو)، واشتركت في العديد من المسابقات الشعرية.
لم يصلنا من قصائدها إلا القليل حيث وردت لها ثلاث قصائد ضمن (الشاعرات ال 36 الخالدات) (نيوبو سانجوروكاسين)، وقصيدة واحدة في (أوغورا هياكونين إيشو) ومختارات إمبراطورية أخرى، ويعزى ذلك إلى صعوبات وتحديات حفظ النصوص المكتوبة في تلك الفترة الزمنية، والعوامل الطبيعية وغير الطبيعية التي تؤثر فيزيائيا وكيميائيا على الورق والأحبار، مسببة التلف والتحلل وفقدان الكتابة، ومنها الرطوبة الزائدة والحرارة المرتفعة والقوارض والفطريات والحشرات وغيرها. ومن شعرها:
تتناثر أوراق الشجر المتساقطة
لتجرفها المياه المتدفقة أسفلها
في جدول منسي
لا يكاد يعرف
و لا يشاهد إلا نادرا
***
أمعن النظر في الظلمة شيئا فشيئا
و قد جفاني الكرى
وتثبت نظرتي الساهية على قطرات الندى
التي تغطي أوراق البرسيم الشجيري
بفعل النسيم في ليلة خريفية
أما البرسيم الشجيري (ليسبيديزا) فهو نبات عشبي معمر أو شجيرة صغيرة سريعة النمو من فصيلة البقوليات، له أوراق مركبة من ثلاث وريقات. له أزهار ناعمة بألوان عديدة تشبه البازلاء. يزرع في المناطق الدافئة والمناخات المعتدلة. يسمى في اليابان (هاجي)، ويرمز إلى الحب من طرف واحد وما يسببه من حزن.
8 - أكازومي إيمون (نحو 956 كيوتو – 1041): مؤرخة مقتدرة وشاعرة رائدة. ابنة (أكازومي نو توكيموتشي) الذي كان مسؤولا متوسط الرتبة في البلاط الإمبراطوري، واحتمال أن تكون ابنة الشاعر (تايرا نو كانيموري) وفقا لبعض النظريات حيث هناك عدة آراء حول نسبها. تزوجت من العالم والشاعر والحاكم (أوي نو ماساهيرا) الذي توفي عام 1012 ميلادية.
عملت الشاعرة كوصيفة لشخصات بارزة، وتلقت تعليما عاليا في النصوص الصينية الكلاسيكية والأدب الياباني والشعر على وجه الخصوص. انضمت إلى بلاط (فوجيوارا نو ميتشيناغا) الذي توفي عام 1027، وكان شخصية سياسية بارزة من عائلة معروفة، تمتعت بالنفوذ السياسي لعدة قرون. وقد كتبت (أكازومي) تاريخ هذه العائلة على نحو مسهب. وهي من (الشاعرات ال36 الخالدات)، ولها قرابة (93) قصيدة مدرجة في المختارات الإمبراطورية، مثل (شوي واكاشو – ثالث مجموعة مختارات شعرية إمبراطورية من شعر الواكا) وغيرها. ومن شعرها:
من الأجدر
أن يكون قد أوى إلى فراشه الآن
و دون تأخير
لقد احلولكت ظلمة الليل
و أنا أراقب القمر حتى أفل
9 - دايني نو سانمي (ربما 999 – بعد 1078 م): شاعرة فائقة الشهرة، عرفت باسم (إيتشيغو نو بنين) أيضا، واسمها الحقيقي (كلتاكو)، ابنة الشاعرة الكبيرة (موراساكي شيكيبو) (973 – 1025)، وزوجها (فوجيوارا نو نوبوتاكا). كانت وصيفة للإمبراطورة المتقاعدة (شوشي) منذ عام 1017. تزوجت من (فوجيوارا نو كانيتاكا) عام 1026. لها قصيدة في مختارات (أوغورا هياكونين إيشو) الشهيرة التي تعتبر من أهم مختارات الشعر الكلاسيكي الياباني، وتضم (100) قصيدة من قرون مختلفة (من السابع إلى الثالث عشر). أما (أوغورا) فهو الجبل الذي كان يقع فيه قصر جامعها الشاعر (فوجيوارا نو تيكا). و(هياكو: مائة، نين: شخص أو شاعر، إيشو: قصيدة واحدة). ومن شعرها:
تهب الريح
و تنساب عبر أعواد القصب
المتمايلة والثابتة في في حقول (إينا)
بالقرب من سفح جبل أريما
سأثبت مثلها ولن أغفل عنك لحظة واحدة
أما جبل أريما أو جبل (روكو) فهو يطل على مدينة (كوبي)، ويزخر بينابيع المياه الساخنة النابعة من عدة مصادر والمعروفة منذ أكثر من ألف عام.
10 - تاكاشينا نو تاكاكو (؟ - 996 م) أو (تاكاشينا نو كيشي) أو (جيدو سانشي نو هاها): شاعرة واكا / تانكا فائقة الشهرة. اتقنت اللغة الصينية واطلعت على آدابها وقرضت الشعر الصيني أيضا، وشاركت في عدة مسابقات شعرية، وهو أمر نادر بالنسبة لفتاة في ذلك الزمن. زوجة المستشار (فوجيوارا نو ميتشيتاكا) وأم الإمبراطورة (تيشي) (ساداكو). لم يفضل من شعرها إلا خمس قصائد مدرجة في إحدى المختارات الإمبراطورية، وقد ترجمت لعدة لغات. نذرت نفسها للخدمة الدينية بعد وفاة زوجها عام 995، أي قبل وفاتها بعام. ومن شعرها:
لن أنسى أبدا العهد الصارم
الذي قطعته على نفسك
و لأنه لا يبدو شيئا يمكنني التعويل عليه
إلى الأبد
ليكن هذا اليوم هو الأخير في حياتي
11 - أوكون (936 – 966 م): سيدة بلاط وشاعرة مبدعة. كان والدها (فوجيوارا نو سويناوا) قائدا في الحرس الملكي، ومن عشيرة (فوجيوارة) المتنفذة. كانت وصيفة ل (فوجيوارا نو أونشي) زوجة الإمبراطور. لها قصيدة مشهورة نظمتها في عام 933 بمناسبة بلوغ الأميرة (كوشي) سن الرشد. شاركت في مسابقات شعرية أقيمت في البلاط الملكي خلال الفترة (960 – 962 م). ظهرت قصائدها في عدة مختارات إمبراطورية. ومن شعرها:
لا أكترث البتة
و إن كان قد جافاني
بعد أن عاهدني على حبه الأبدي
أمام السماء ذات يوم
يا له من بائس
12 - فوجيوارا نو ميتشيتسونا لا هاها (936 أو 937 - 995 ؟): كاتبة يوميات مبدعة وشاعرة كبيرة، لا يعرف اسمها الحقيقي، وقد استخدمت هذا الاسم المستعار في كتاباتها واشتهرت به. كانت فائقة الجمال ومعروفة بشدة الحسن والفتنة، وبارعة في كتابة الشعر. نشرت العديد من قصائدها في المختارات الإمبراطورية. ومن شعرها:
شخص مثلك
قد لا يعرف أبدا
كم يمكن أن يطول الليل
لمن تشتاق لحبيبها
ربما حتى طلوع الفجر
13 – كوداي نو كيمي: كانت سيدة بلاط وشاعرة كبيرة، اتسمت قصائدها بالعمق العاطفي واستخدام الرموز المستمدة من أساطير الشنتو كدلالات ثقافية ودينية تعكس معتقدات الشعب الياباني. لا يعرف تاريخ ميلادها أو وفاتها على وجه الدقة. درست الأدب الكلاسيكي الصيني والياباني وفنون الشعر والخط والموسيقى حال أقرانها في المجتمع الارستقراطي.
نشطت خلال الفترة (945 – 1010 م)، وشاركت في العديد من المسابقات الشعرية (أوتاواسي – مسابقات مطابقة الشعر). عرفت باسم (كو – أو غيمي) أيضا. عملت كوصيفة في بلاط الإمبراطور (إيتشيجو) وولي العهد (سانجو). وصلنا منها نحو (90) قصيدة، وأدرج بعضها في مختارات إمبراطورية، مما رسخ إرثها في الأدب الكلاسيكي الياباني. أعدت إحدى الشاعرات اليابانيات الخالدات ال (36). ظهرت في الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، مثل (سانجوروكاسين) و(إوكيو – إي). ومن شعرها:
بإمكاننا الافتتان بألوان
أشجار الكرز البري المزهرة
كما يروق لنا
في زمن تنعدم فيه الرياح الهوجاء
التي تنثر الأزهار
(الكرز البري: يعرف أيضا بالكرز الحلو والكرز الأخضر والمحلب وسان لوسي، شجرة تشتهر بأزهارها البيضاء الجميلة وثمارها الناعمة. لها عدة استخدامات).
و كما يلاحظ (فقد تميزت فترة هييآن بازدهار ثقافي ملحوظ بريادة النساء، وعندما يتعلق الأمر بالمساعي الثقافية، كانت النساء في البلاط ومن حوله يتفوقن على الرجال. وتتسم المذكرات والقصائد التي كتبتها النساء خلالها برابط مشترك، يتمثل في شعور يصعب التعبير عنه بالكلمات، أصبح يعرف اليوم باسم مونو نو أواري) (6) (7).
***
بنيامين يوخنا دانيال
...............................
(1) – يرى البعض أن ثقافة (هييآن) قد بلغت أوج تطورها وازدهارها في القرن الثاني عشر برعاية (فوجيوارا نو ميتشيناغا) (966 - 1028 م) كاتب يوميات (ميدوكانباكوكي) وأقوى رجل دولة ياباني في تلك الفترة بتزويج بناته لأربعة أباطرة، ومنهم الإمبراطور (إيتشيجيو). ويعرف عنه أيضا الاعتناء الكبير بالجوانب الثقافية مع ولادة أعظم النتاجات الأدبية خلال فترة حكمه، ومنها (حكاية غينجي) ل (موراساكي شيكيبو) و(كتاب الوسادة) ل (سي شوناغون).
(2) – د. كرم خليل سالم، تاريخ تطور الأدب النسائي الياباني الحديث والمعاصر، وزارة الثقافة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2024.
(3) – Tomiko Yoda، Gender and National Literature: HeianTexts in the Constructions of Japanese Modernity. Duke University Press 2004.
(4) – Arthur Reiji Morris، Japanese Writing: The Birth of Kana in the Heian Period. https: // unseen – japan. com
(5) –Ellis Khachidze، Women’s fan writing and transformative works in eleventh – century Japan.https: // journal. transformativeworks. org
(6) – د. المؤمن عبدالله، عندما يصبح الوداع جزءا من الجمال في الثقافة اليابانية !، اليابان اليوم، عدد يوم 21 / 3 / 2025.
(7) – للمزيد من الاطلاع، ينظر:
1 - Shongon’s The Pillow Book with Gender – Translation Theory. https: // course – journal. lib. sfu. ca
2 - Estee Crenshaw، The Rhetoricity of Poetic Dialogues (Zotoka) in Heian Japan. https: // scholarlypublishingcollective. org
3 - Faezah Kassim & Abd -. Wahid Jais، Status of Women in the Heian Period. https: // ejournal. um. edu. my
4 - H. E. Plutschow، Shinto – Buddhist Ritual and Medieval Japanese Poetry – Ritual in Early and Medieval Japanese Literature. Brill 1990.
5 - Harold Pinter & Others، 100 Poems by 100 Poets: An Anthology، Grove Press 1994.
6 - Ivan Morris (Tr & Ed)، The Pillow Book of Sei Shonagon، Harmondsworth 1955
7 - Kim Miller، Manipulations of Feminine Conventions in Heian Period Nikki. https: // kb، osu. edu
8 - Matthew Gerber، The Importance of Poetry in Japanese Heian – era Romantic Relationships. https: // kb. osu. edu
9 - Naoe Kukita Yoshikawa،Women’s Writing in the Japanese Heian Period: A Medieval Dialogue Between the East and West.
https: // www. degruyterbrill. com
10 - Peter McMillan، One Hundred Poets، One Hundred Each. Colombia University Press 2010.
11 -- Suzuki Hideo، Yamaguchi Shin’ichi، Yada Yasushi، Genshoku: Ogura Hyakunin Issue، Bun ‘eido 1997.
12 - Sanae Fukuto، Girl’s Education in the Aristocratic Society of the Heian Period. https: // shs. cairn. info
13 - Yue Zhao، A Study on the Word “ Sleeve “ in Japanese Waka. YTaking the Waka in “ The Tale of Genji “ as an Example. www. researchgate، net
14 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة هييآن: مقدمة قصيرة ونماذج، صحيفة المثقف، عدد يوم 5 شباط / فبراير 2026.
15 – بنيامين يوخنا دانيال، شعر التانكا النسوي الياباني خلال فترة نارا، صحيفة المثقف، عدد يوم 20 شباط / فبراير 2026.
16 – بنيامين يوخنا دانيال، أبوتسوني: شاعرة تانكا يابانية بارزة من فترة كاماكورا، صحيفة المثقف، عدد يوم 17 كانون الثاني / يناير 2026.






