قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: محطة دوستويفسكي الصغيرة
قراءة أسلوبية – سيميائية في بنية الانتظار ورمزية اللقاء المؤجَّل
للقاص: عبد العزيز غرمول
تندرج قصة «محطة دوستويفسكي الصغيرة» لعبد العزيز غرمول ضمن سرديات العادي واليومي، لكنها تُحمَّل بدلالات وجدانية وفكرية عميقة عبر تقنية التكرار البنيوي، والاشتغال على لحظة الانتظار بوصفها زمناً وجودياً لا زمنياً فحسب. فالمحطة ليست مجرد فضاء عبور، بل مسرح رمزي للقاءات المؤجلة، وللهشاشة الإنسانية في مواجهة الوحدة، والرغبة، والخجل.
تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة القصة من خلال المنهج الأسلوبي والسيميائي، مع التركيز على البنية السردية، والرموز المركزية، والدلالة الفكرية للنص، اعتماداً على شواهد نصية دقيقة.
الإطار النظري:
أولاً: المنهج الأسلوبي:
يقوم المنهج الأسلوبي على دراسة كيفية تشكُّل المعنى من خلال اللغة: الجملة، الإيقاع، التكرار، التوازي، وتوزيع الضمائر، والزمن السردي. وهو لا يكتفي بما يُقال، بل بكيفية قوله.
ثانياً: المنهج السيميائي:
السيميائيات تدرس العلامات داخل النص: المكان، الأشياء، الألوان، الأفعال المتكررة، وتحولها من عناصر مادية إلى رموز دلالية. فالمطرية، الكتاب، المترو، المحطة، كلها علامات تتجاوز ماديتها إلى معنى ثقافي ونفسي ووجودي.
التحليل التطبيقي:
أولاً: البنية السردية – سرد الانتظار المتكرر
تبنى القصة على بنية دورانية تقوم على جملة مفصلية تتكرر بصيغ متقاربة:
«كان يمكن لهذه القصة العادية التي تحدث آلاف المرات يوميا، أن تنتهي هنا.»
«كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»
«وكان يمكن للقصة أن تنتهي هنا.»
هذا التكرار ليس حشواً، بل استراتيجية بنيوية تؤكد أن القصة لا تقوم على الحدث، بل على تعليقه وتأجيله. فكل مقطع ينتهي بإمكانية الانتهاء، لكن السرد يواصل، لأن جوهر القصة ليس اللقاء بل اقترابه المستحيل.
السرد يتوزع إلى مقاطع مرقمة، ما يضفي طابعاً شبه موسيقي قائم على التكرار والاختلاف: نفس المشهد (المحطة)، نفس الشخصين، نفس الحركات (النظر، الخجل، الكتاب، المترو)، لكن مع تعميق نفسي تدريجي.
ثانياً: الأسلوب – لغة البساطة المشحونة
لغة القصة تبدو بسيطة، لكنها محمّلة بدلالات شعورية:
«كانت سماء الجزائر ذات النزوات المتقلبة تجعلك مترددا في اختيار ملابس مناسبة»
الطقس هنا ليس وصفاً طبيعياً، بل مرآة لتردد الشخصيات الداخلية.
التقابل الأسلوبي واضح بين الجمل الهادئة والجمل القاطعة:
«رحل هو. ورحلت هي.»
جمل قصيرة، حاسمة، كأنها ضربات إيقاعية تؤكد الفقد دون شرح.
كما يعتمد السرد على التوازي:
«خرج الرجل من بيته أبكر قليلا.»
«خرجت الفتاة من بيتها أبكر قليلا.»
هذا التوازي الأسلوبي يعكس توازي المصير دون تلاقيه.
ثالثاً: سيميائية المكان – المحطة كرمز وجودي:
المحطة ليست مكاناً عابراً فقط:
«لم تكن المحطة متميزة في الحقيقة، كانت أشبه بسقيفة فارغة، ليس فيها ما يرى.»
الفراغ المكاني يعكس فراغ العلاقات. وهي مكان “بين-بين”: لا هو بيت ولا هو سفر، تماماً مثل حالة الشخصيتين المعلّقة بين الوحدة والأمل.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







