عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: التعليم بلا فلسفة إنتاج الطاعة بدل إنتاج الفكر

ليس غياب التعليم الفلسفي في مجتمعاتنا مجرد تفصيل ثانوي داخل ازمة التعليم، ولا يمكن تفسيره بضعف المناهج او قلة الكوادر او ازدحام المقررات الدراسية فقط. هذا الغياب في جوهره علامة على شيء اعمق: طريقة فهمنا للعقل نفسه، وحدود ما نسمح له ان يفعله، ونوعية العلاقة التي تربط المعرفة بالسلطة وبالمجتمع وبالمدرسة. نحن لا نتحدث عن مادة دراسية مفقودة بقدر ما نتحدث عن نمط تفكير غير مسموح له ان يتجذر. عندما يطرح سؤال الفلسفة في التعليم، غالبا ما يجاب عليه بطريقة تقنية: هل نضيف المادة ام لا؟ كم عدد الساعات؟ من يدرسها؟ لكن هذه الاسئلة، رغم اهميتها الادارية، تتجاهل السؤال الحقيقي: هل بنية التعليم نفسها تسمح بوجود فلسفة؟ لان الفلسفة ليست اضافة الى المنهج، بل هي طريقة في تفكيك المنهج نفسه.

منذ السنوات الاولى للتعليم، يتم تشكيل عقل المتعلم على اساس محدد: هناك اجابة صحيحة واحدة، وهناك مسار واحد للوصول اليها. هذا النموذج، الذي يبدو فعالا من حيث التنظيم، ينتج نوعا خاصا من الوعي: وعي يبحث عن الحلول الجاهزة اكثر مما يبحث عن الاسئلة. في هذا السياق، تصبح الفلسفة مادة مزعجة، لانها لا تقدم اجابات نهائية، بل تفتح احتمالات لا تنتهي. الفلسفة في جوهرها ليست تراكم معلومات، بل تدريب على الشك المنهجي. لكنها حين تدخل الى نظام تعليمي قائم على اليقين، تتحول الى عنصر غريب. ليس لانها صعبة، بل لانها ترفض ان تكون سهلة. فهي لا تسأل فقط: ما هو الشيء؟ بل تسأل ايضا: لماذا نفهمه بهذه الطريقة؟ ومن الذي قرر هذا الفهم؟ وما الذي يتم اقصاؤه حين نختار هذا التعريف؟

هنا يظهر ما اشار اليه ميشيل فوكو في علاقته بين المعرفة والسلطة. المعرفة ليست محايدة تماما، بل تتحرك داخل شبكات من القوة تحدد ما هو مقبول وما هو غير مقبول معرفيا. داخل المدرسة، هذا يتجلى في شكل واضح: بعض الاسئلة مرحب بها لانها ضمن المنهج، واسئلة اخرى غير مرحب بها لانها تخرج عنه. وهكذا يتم رسم حدود غير مرئية للعقل منذ البداية. لكن اختزال المشكلة في السلطة وحدها لا يكفي. لان هناك ايضا بنية ثقافية اوسع تتشكل داخل المجتمع. هذا المجتمع لا يرفض التفكير الفلسفي لانه يكرهه، بل لانه غالبا لم يُدرَّب على التعامل مع السؤال بوصفه قيمة ايجابية. في كثير من السياقات، السؤال يُفهم كتشكيك، والتشكيك يُفهم كتهديد، والتهديد يُفهم كفوضى. بهذه السلسلة، يصبح التفكير النقدي مشبوها حتى قبل ان يُمارس. غير ان هذا التفسير ايضا ناقص اذا لم نضع التعليم نفسه في مركز التحليل. النظام التعليمي الحالي، في كثير من اشكاله، لا يهدف الى انتاج مفكرين، بل الى انتاج ناجحين في الامتحان. النجاح هنا يقاس بالقدرة على اعادة انتاج المعرفة، لا على انتاج سؤال جديد حولها. لذلك يتم تدريب الطالب على مهارة اساسية واحدة: كيف يطابق الاجابة مع النموذج، لا كيف يفكك النموذج نفسه.

هذا النوع من التعليم لا يقتل الفلسفة بشكل مباشر، لكنه يخلق بيئة لا تحتاجها. لان الفلسفة تحتاج الى فراغ، الى مساحة غير محسومة، الى قدرة على تحمل عدم اليقين. بينما النظام التعليمي التقليدي يسعى الى تقليل هذا الفراغ الى الحد الادنى، لانه يعتبره علامة على الفشل التنظيمي، لا على الامكان الفكري. اذا انتقلنا الى مستوى اعمق، سنجد ان الفلسفة ليست مجرد مادة غائبة، بل هي غياب لطريقة معينة في التعامل مع العالم. في الفلسفة، لا ينظر الى المفاهيم كحقائق ثابتة، بل كبنى قابلة للتفكيك. ما معنى العدالة؟ ما معنى الحرية؟ ما معنى الدولة؟ هذه الاسئلة لا تهدف الى الوصول الى تعريف نهائي، بل الى كشف طبقات المعنى وتاريخ تشكله. لكن هذا النوع من التفكير لا يجد مكانه بسهولة داخل نظام يفضل التعريفات الجاهزة. حين نقارن هذا الوضع بتجارب تعليمية اخرى، مثل فرنسا او المانيا، يظهر الفرق بشكل واضح. في فرنسا مثلا، الفلسفة ليست مادة هامشية، بل جزء من الامتحان النهائي في المرحلة الثانوية. لكن الاهم ليس وجود المادة، بل طريقة التعامل معها. الطالب لا يُطلب منه ان يحفظ آراء الفلاسفة فقط، بل ان يكتب مقالا يناقش فيه اشكالا فلسفيا. السؤال هو المركز، وليس الجواب. هذا التحول البسيط في البنية يغير طبيعة التعليم بالكامل: من تعليم قائم على التكرار الى تعليم قائم على التفكير. عندمآ  تنقل الفلسفة الى سياقات لا تتبنى هذا التصور، يتم تفريغها من محتواها النقدي. تصبح اسماء: افلاطون، ارسطو، ديكارت، ابن رشد، لكنها لا تتحول الى اسئلة حية. يتم التعامل معهم كجزء من التاريخ، لا كجزء من الحاضر الفكري. وبهذا تتحول الفلسفة الى معرفة محفوظة، لا الى ممارسة تفكير.

يمكن استدعاء فكرة كانط عن التنوير، حين ربطه بقدرة الانسان على استخدام عقله دون وصاية. التنوير عنده ليس حدثا تاريخيا انتهى، بل حالة مستمرة من الخروج من الاعتماد على الاخر في التفكير. لكن هذا الخروج لا يمكن ان يحدث داخل نظام تعليمي يعيد انتاج الوصاية بشكل ناعم: وصاية الكتاب، وصاية المعلم، وصاية الامتحان، وصاية النموذج. المفارقة ان الخطاب الرسمي في كثير من السياقات التعليمية يتحدث عن تنمية التفكير النقدي، لكن هذا التفكير غالبا يبقى محصورا داخل حدود آمنة. يمكن للطالب ان يناقش داخل الاطار، لكن لا يُسمح له دائما باعادة تعريف الاطار نفسه. وهنا يبدأ التناقض: التفكير النقدي يصبح وظيفة داخل النظام، لا اداة لمساءلته.

هذا الوضع ينتج اثرا عميقا على مستوى الوعي العام. لان غياب الفلسفة لا يعني فقط غياب مادة دراسية، بل غياب قدرة على التعامل مع التعقيد. حين يغيب التفكير الفلسفي، يصبح العالم اكثر بساطة مما هو عليه فعلا: اما صح او خطأ، اما جيد او سيئ، اما مع او ضد. هذه الثنائية المريحة قد تبدو مفيدة في الحياة اليومية، لكنها غير كافية لفهم واقع معقد بطبيعته. في السياسة، يؤدي هذا الغياب الى اختزال القضايا في شعارات. في الدين، يؤدي الى تحويل الاسئلة الوجودية الى اجوبة مغلقة. في المجتمع، يؤدي الى صعوبة قبول الاختلاف. لان الفلسفة، في جوهرها، لا تعلمنا ماذا نفكر فقط، بل تعلمنا كيف نختلف دون ان نلغي الاخر. لكن من الظلم ايضا تحميل التعليم وحده المسؤولية. لان غياب الفلسفة هو نتيجة تفاعل بين عدة مستويات: التعليم، المجتمع، السلطة، والتاريخ الثقافي. كل مستوى يعيد انتاج الاخر بطريقة ما. المجتمع الذي يخاف السؤال يعزز تعليم لا يشجع عليه، والتعليم الذي لا يشجع السؤال يعيد انتاج مجتمع اقل استعدادا له. وهكذا ندور داخل حلقة مغلقة.

السؤال الحقيقي اذن ليس: لماذا لا ندرس الفلسفة؟ بل: ما نوع الانسان الذي نريد ان ننتجه من خلال التعليم؟ هل نريد انسانا يكرر المعرفة، ام انسانا يسائلها؟ هل نريد عقلا مغلقا داخل الاجابات، ام عقلا قادرا على العيش داخل الاسئلة؟ الاجابة عن هذا السؤال ليست تقنية، بل سياسية وثقافية في آن واحد. لانها تتعلق بتوزيع السلطة داخل المعرفة نفسها: من يملك حق السؤال؟ ومن يحدد حدود التفكير؟ ومن يقرر ما هو طبيعي وما هو مرفوض معرفيا؟ في غياب التعليم الفلسفي ليس فراغا بسيطا يمكن ملؤه بإضافة مادة الى المنهج. انه مؤشر على نمط اوسع من التفكير داخل المجتمع. نمط يفضل اليقين على السؤال، والاجابة على الاحتمال، والاستقرار على القلق المعرفي. لكن الفلسفة، في اعمق مستوياتها، لا تزدهر في اليقين، بل في القلق. ولذلك فإن استعادتها لا تعني فقط تدريسها، بل تعني اعادة الاعتبار للسؤال نفسه كقيمة تعليمية وثقافية. وحين يحدث ذلك، لن يكون غياب الفلسفة مجرد مشكلة تعليم، بل بداية تحول في طريقة فهمنا للعالم ولانفسنا.

***

زكريا - نمر