قراءات نقدية

عبد السلام فاروق: حكاية وطن لا تنتهي

"جينالوجيا الهوية" عند نجيب محفوظ

في كل حكاية لنجيب محفوظ، تتحول مصر إلى كائنٍ حي يهمس بأسراره، يصرخ بجراحه، ويغني بآماله. ليست الحارة مجرد مكان، بل هي حيث تختبر القيم في مواجهة الفقر، وتتصارع الأحلام مع جدار الواقع. محفوظ لم يكتب عن مصر كسارد محايد، بل كـ"شاهد عيان على التحولات الوجودية" لفرد يذوب في الجماعة، وجماعة تحمل أعباء فرد واحد.

في الثلاثية، يتحول الزمن إلى شخصيةٍ رئيسية. حركة الشمس على جدران الحارة، أصوات الباعة، وصمت الليالي- كلها تفاصيل تكشف عن صراع التاريخ مع الحداثة. جيل "السيد أحمد عبدالجواد" المتمسك بالهيبة والتراث، وجيل "كمال" المتأرجح بين الشك والحقيقة، وجيل "عبد المنعم" الثائر على الاستعمار والأفكار البالية... هنا تصبح الحارة سجلاً لتاريخ مصر الاجتماعي والسياسي، حيث "السلطة الأبوية" تمثل نظام الحكم، وتمرد الأبناء يرمز لثورات لم تكتمل.

عندما يعود محفوظ إلى الفراعنة في "كفاح طيبة" أو "عبث الأقدار"، فهو لا يروي تاريخاً منقرضاً، بل يعيد تشكيل الذاكرة كسلاحٍ ضد النسيان. الملك خوفو في "عبث الأقدار" هو مرآة لكل نظامٍ يظن أنه قادر على تحنيط الزمن. هذه العودة ليست هروباً إلى الماضي، بل تأكيد أن الهوية المصرية كالنيل: تتدفق عبر العصور، تغذي الحاضر، وتنبئ بالمستقبل.

شخصيات محفوظ ليست أبطالاً خارقين، بل بشراً عاديين تكسر أحلامهم على صخرة الواقع. "سعيد مهران" في "اللص والكلاب" يتحول من ثائرٍ إلى هائمٍ في دهاليز الانتقام، و"محجوب عبد الدايم" في "أولاد حارتنا" يختار اللامعنى كرد فعلٍ على ظلم الكون. لكن حتى في هزائمهم، هناك نور متمرد. محفوظ يؤمن بأن الكرامة لا تقاس بالانتصار، بل بالقدرة على الاستمرار. مصر هنا ليست أرضاً للخلود، بل أرضاً تخلد لأنها ترفض أن تموت.

الاحتفال كـفعل ثقافي: 

احتفال وزارة الثقافة بذكرى محفوظ، تحت قيادة مثقف مثل أمير نبيه، هو أكثر من فعالية روتينية. إنه إحياء لفكرة أن الأدب ضمير الأمة. محفوظ لم يكن يكتب ليُدخل القراء إلى عوالمه، بل ليدخل إلى عوالمهم، يقلب أوراقهم المخبأة تحت الوسادة، ويسألهم: أين أنتم من مصر؟ الاحتفال به اليوم هو استعادة لذلك السؤال، وتذكير بأن الثقافة ليست ترفاً، بل مشروع حياة يواجه محاولات طمس الهوية.

مصر التي رسمها محفوظ تشبه "أولاد حارتنا": وطن يولد من رحم المعاناة، يحمل جرحاً قديماً، لكنه يعيد تشكيل نفسه كل يوم. الاحتفاء به هو احتفاء بنا-بأسئلتنا، بهشاشتنا، وبقدرتنا على أن نكون أبطال حكاية لم تكتب نهايتها بعد. وكما قال محفوظ ذات مرة:  «مصر لا تحتاج إلى من ينقذها، بل إلى من يفهمها». 

فليكن هذا الاحتفال بداية فهمٍ جديد.

عندما نتحدث عن نجيب محفوظ، لا نتحدث عن كاتب عابرٍ في ذاكرة الثقافة العربية، بل عن رجل حول الحارات والأزقة إلى كون مكتملِ الأسرار، يحمل في تفاصيله نبض شعب وروحَ وطن. مصر محفوظ ليست مجرد جغرافيا أو تاريخاً مدوناً، بل هي إنسان يصرخ بصمت، وحلم يتجدد تحت رماد اليأس. كتبها بدم القلب، فصار كل حرفٍ في رواياته خريطةً لوجدانٍ جمعيٍ يعرف القهرَ ولا يستسلم، ويحمل الكبرياءَ حتى في لحظات السقوط.

في ثلاثيته الخالدة، لم يكتفِ برسم شخصياتٍ تعيش وتصارع، بل نحت وجهاً لمصرَ الشعبية: تلك التي تختزل في حارة صغيرة أسرارَ القرون. الفقراء هناك ليسوا ضحايا، بل حكماء يزرعون الكرامة في تراب الفاقة. والشباب العاصف بأسئلته هو ذاته الذي يحمل بذور التغيير تحت عباءة التقليد. لم يكن محفوظ روائياً فحسب، بل كان نبيّاً يرصد تحولات الروح المصرية التي لا تموت، حتى عندما يظَن أنها انكسرت.

ولا ننسى أنه عاد بنا إلى مصر الفراعنة في أعمال مثل «رادوبيس» و«كفاح طيبة»، ليذكرنا بأن الهوية ليست لحظةً عابرة، بل نهراً يجري من الماضي إلى الحاضر، حاملاً في ضفافه ذاكرة لا تغتال. فمصر ليست وطناً على الخريطة، بل علامة وجودية تسأل: كيف نبقى أحياء رغم كل شيء؟

اليوم، حين تحتفل وزارة الثقافة مع المثقفين بيوم نجيب محفوظ، فإنها لا تحتفي برمزٍ أدبيٍ فحسب، بل تحيي ذلك الحوار الخالد بين الماضي والمستقبل. صديقي الكاتب أمير نبيه، وكيل الوزارة، يعرف جيداً أن الاحتفال بمحفوظ ليس حدثاً ثقافياً تقليدياً، بل هو إعادة لرسم الخيط الرفيع بين الأدب والحياة. محفوظ الذي حول الأدبَ إلى فعل مقاومة، والثقافةَ إلى سلاحٍ ضد النسيان.

هذا الاحتفال، في جوهره، هو إعلان بأن مصر محفوظ ما زالت حية: في شابٍ يقرأ «زقاق المدق» لأول مرة، وفي امرأةٍ تكتشف في «ثريا» مرآة لأسئلتها، وفي مثقف يحمل القلمَ ليسجل زمنه دون خوف. فلتكن المناسبة ذكرى، ولكن لتكن أيضاً دعوة لأن نكتب مصرنا من جديد، كما فعل محفوظ: بعين تعشق التفاصيل، وقلب يؤمن بأن النور ينتصر، حتى لو طال الليل.

***

د. عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم