عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: ماركسية لم يكتبها ماركس

كيف أعدمت الترجمة الفكر الأصيل في العقل العربي؟

الترجمة كفعل تأسيسي ومجازفة معرفية

لم تكن ترجمة الفكر الماركسي إلى العربية في بدايات القرن العشرين مجرد عملية نقل لغوي للنصوص، بل كانت فعل تأسيس أيديولوجي اتسم بالمخاطرة الفكرية. فقد واجه الرعيل الأول من المترجمين، وفي مقدمتهم حسين القاياتي في بدايات الحركة الاشتراكية المصرية، وأحمد خير الدين، وصولاً إلى محاولات فؤاد كامل في الأربعينيات، تحدياً معرفياً مزدوجاً؛ تمثل في عجز الأدوات المصطلحية العربية حينها عن استيعاب التعقيد الفلسفي للأصول الألمانية والروسية، والاعتماد الاضطراري على لغات وسيطة كالفرنسية والإنجليزية.

هذه الوساطة اللغوية لم تكن محايدة، بل أدت إلى فلترة المعنى وتشويه المادة الفلسفية، حيث غُلِّب الهدف التعبوي على الأمانة الفلسفية، وتحول المترجم –بفعل الظرف السياسي– من ناقلٍ أمين للنص إلى مهندسٍ للوعي الأيديولوجي. وبذلك، وُلد الفكر الماركسي العربي مبتوراً عن سياقه الأصلي، ومُلبساً بقالبٍ وظيفي جعل منه عقيدةً سياسية نضالية، بدلاً من أن يكون تحليلاً علمياً رصيناً للواقع. إن استحضار هذه الحقبة اليوم، في ظل توفر أدوات الترجمة الرقمية المباشرة، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لإعادة قراءة هذا الإرث الفكري وفك الاشتباك بين النص الأصلي وبين الترجمة المؤدلجة التي شكلت وعي أجيالٍ كاملة.

جدلية النشأة والعبور الماركسية بين الأصل والاستيراد

لا ينبغي التعامل مع الفكر الماركسي كبناء فكري جامد، فقد وُلد في أحضان الصناعة الألمانية ماركس وتطورت آلياته التنفيذية في التربة الروسية لينين. هذا العبور من ألمانيا إلى روسيا كان أول تحول جذري في أصل الفكرة. أما عند وصولها للواقع العربي، فقد كانت عملية استيراد متعجلة؛ فلم يكن الهدف دراسة رأس المال كبناء فلسفي، بل كان الهدف توظيف الماركسية اللينينية كأداة تحررية ضد الاستعمار. هنا بدأت المجازفة الأولى: هل كنا ننقل فكراً، أم كنا نستعير بوصلة سياسية؟ معضلة الترجمة لوساطة كعامل تشويه بما أن النخب العربية لم تكن تتقن اللغات الأصلية، فقد تم الاعتماد على ترجمات وسيطة إنجليزية وفرنسية. هذا الوسيط لم يكن محايداً؛ فقد نقل رؤية الغرب للماركسية بصبغتها الفلسفية والسياسية الخاصة. المترجم العربي لم ينقل نصاً، بل نقل تأويلاً لمترجم أجنبي. وعندما حاول تعريب المصطلحات، وجد فجوة بين لغة الفلسفة الألمانية الدقيقة واللغة العربية التي كانت حينها مشغولة بمفاهيم النهضة والتحرر، مما أدى إلى نحت مصطلحات فقدت الكثير من حمولتها الفلسفية الأصلية.

التعبوية على حساب الأمانة صناعة الماركسية الوظيفية

في سبيل حشد القواعد الشعبية، تم تبسيط الأفكار إلى مستوى الكراريس التحريضية. هذه العملية لم تكن إخلالاً بالمعنى فحسب، بل كانت هندسة اجتماعية. لقد أُفرغ الفكر الماركسي من تعقيداته الاقتصادية ليتحول إلى خطاب تعبوي مباشر. العامل البسيط لم يكن يملك أدوات النقد ليكتشف أن ما يقرأه هو نسخة مختصرة وموجهة، بل أصبح مستلباً معرفياً أمام القائد الحزبي الذي يمتلك حقيقة النص، مما حول الترجمة من عملية معرفية إلى عملية ضبط أيديولوجي. صراع الترجمات عددية تعكس الانقسام لم يكن تعدد الترجمات في المكتبة العربية دليلاً على ثراء الفكر، بل كان تعبيراً عن شرذمة الولاءات. كل حزب وكل تيار تبنى ترجمة معينة أو قام بنحت مصطلحات تخدم خطه السياسي. هذا التعدد خلق ماركسيات متعددة في الساحة العربية؛ ماركسية سوفيتية رسمية، وماركسية نقدية. هذا التضارب جعل الفكر الماركسي العربي يبدو مشتتاً، وغير قادر على تقديم رؤية اقتصادية موحدة ومستقرة، مما جعله يظل دائماً في إطار العمل السياسي بعيداً عن كونه منهجاً نهضوياً نابعاً من الواقع. المجازفة الكبرى والمسؤولية التاريخية إننا أمام واقع تاريخي يقول: إن الماركسية العربية لم تكن ماركسية ماركس، بل كانت ماركسية المترجمين والقادة. لقد كانت مجازفة فكرية باهظة الثمن، لأنها قامت على أساس نقل فكر دون امتلاك أدواته. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الأمس واليوم؛ فبينما كانت الترجمة قديماً فعل اختيار وتحيز محكوم بضعف الأدوات اللغوية وضغوط الانتماء السياسي، أصبحت الترجمة اليوم في عصرنا الرقمي أداة معرفية باردة. إننا لم نعد نعتمد على وسيط بشري يفلتر النص أو يؤدلجه، بل صرنا أمام قدرة تقنية تت رجم من الأصول مباشرة، مما ينزع عن النص قناع التفسير الحزبي ويعيده إلىجوهره الفلسفي إن مسؤوليتنا اليوم تجاه هذا الإرث ليست في تقديسه أو رفضه، بل في تحريره من قوالب الترجمة القديمة، ومحاولة فهم الفكر في سياقه الأصلي، لعلنا نستخرج منه ما يفيد واقعنا المعاصر بعيداً عن أخطاء النقل التاريخي.

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم