أخطر ما يفعله الزمن بنا، أنه لا يسرق أعمارنا فقط، بل يسرق دهشتنا. يبدل العيون التي كانت ترى الجمال في قطرة مطر، بعيون تمر على الكون كله دون أن ترتجف. ويحول العقل الذي كان يطارد المستحيل، إلى عقل يكتفي بتكرار الممكن.
لذلك الفلسفة هي محاولة مستمرة لإنقاذ الطفل الذي يوشك أن يموت في داخل كل واحد منا. ذلك الطفل الذي لم يكن يبحث عن يقين يطمئنه، بل عن حقيقة تستحق أن يعيش من أجلها.
انتبهوا إلى أسئلة الصغار...
فهي ليست ثرثرة عابرة، ولا فضولا ساذجا كما يظن كثير من الكبار، بل هي أنقى أشكال التفكير الإنساني، لأنها أسئلة لم تتلوث بعد بحسابات الخوف، ولم تخضع لسطوة السلطة، ولم تستسلم لوهم اليقين.
فلا تستهينوا بسؤال يخرج من فم طفل؛ فقد يكون في براءته من الحكمة ما لا تحتمله عقول الكبار، وقد يكون في كلمة. لماذا؟ التي ينطقها، بذرة الفيلسوف، والعالم، والمبدع، وكل مشروع نهضة يبدأ بسؤال، لا بإجابة.
لماذا.. ليست كلمة عابرة، بل أول إعلان لاستقلال العقل، وأول تمرد على الاستسلام للمألوف.
الطفل لا يخشى الاقتراب من المناطق التي نفر منها نحن. يسأل عن الله، والموت، والروح، والعدم، والزمن، لأن عقله لم يتعلم بعد أن يضع حول المجهول أسوارا من المحرمات، ولم يقتنع بأن بعض الأسئلة ينبغي أن تموت قبل أن تولد.
وحين نطلب منه أن يكف عن السؤال، فإننا لا نعلمه الأدب، بل نبدأ أول درس في ترويض العقل، وأول خطوة في تحويل الدهشة إلى طاعة، والبحث إلى تكرار، والإنسان الحر إلى حافظ لما قاله الآخرون
انتبهوا أيها السادة إلى أسئلة الصغار... فإنكم إن أحسنتم الإصغاء إليها، سمعتم نبض الفلسفة في أنقى صورها. لا تمروا على تلك الأسئلة العابرة وكأنها كلمات بريئة لا وزن لها؛ ففي داخل كل "لماذا؟" يختبئ عقل يحاول أن يولد، وروح ترفض أن ترث العالم كما هو دون أن تفهمه.
تذكروا أن أعظم العقول في تاريخ الإنسانية بدأت بطفل رفض أن يصمت، وبسؤال صغير أربك يقينا كبيرا. فلا تقتلوا في أطفالكم ذلك الفيلسوف الذي لم يتعلم بعد كيف يخاف، ولم يخضع بعد لسلطة المألوف،
وكل نهضة حقيقية هي، في جوهرها، دفاع عن حق هذا السؤال في أن يظل حيا، لأن السؤال الذي نقتله في طفل اليوم، قد يكون الفكرة التي كانت ستغير العالم غدا
فلا تخافوا من السؤال، لأن الأمم لا تهلك حين تكثر أسئلتها، بل حين تتوقف عن طرحها. ولا تخشوا الحيرة، فإنها ليست نقيض الحقيقة، بل الطريق الوحيد إليها
لا تخافوا ما دام في القلب طفل يندهش، وفي العقل سؤال يقلق، وفي الروح شغف لا يهدأ، فإن الإنسان لم يهزم بعد، وما زالت الفلسفة قادرة على أن تولد من جديد، مع كل طفل يرفع رأسه إلى السماء، ويظن ـ في براءته الجميلة ـ أن الكون خلق خصيصا ليجيب عن سؤاله.
فلنحرس ذلك الطفل من قسوة الاعتياد، ومن ضجيج المسلمات، ومن الذين يوزعون الإجابات قبل أن يسمحوا للناس بطرح الأسئلة. ففي أعماقه يقيم الفيلسوف الأول، وفي عينيه يختبئ المعنى الأول للحرية.
وربما سيأتي يوم ندرك فيه أن أعظم خسائرنا لم تكن ما فقدناه من سنوات، ولا ما تبدد من أحلام، بل ذلك الطفل الذي دفناه تحت أنقاض ما سميناه نضجا.
وحينئذ فقط... سنفهم أن الإنسان لا يبلغ الحكمة عندما يعرف كل شيء، بل عندما يستعيد دهشته الأولى، ويسير في هذا الكون بخطى طفل، وعقل فيلسوف... مدركا أن السؤال ليس طريقا إلى الحقيقة فحسب، بل هو الحقيقة نفسها.
***
ابتهال عبد الوهاب








