قضايا

سامي عبد العال: حُروب السرديات (1)

"نحن لا نعرف حقيقةَ الحروب، ولكن يمكن أنْ نرويها بإتقانٍ"

هذه اللافتة تُعلَّق مع كلِّ صراع مُسلّح يلفُه الغموض والإشكال. الحرب - كما هي- مسألة فائقة على دقة الوصف. لأنَّها خارج مستوى العقل، هي رأساً تخاطب الغرائز والأهواء، فلا نتوقع منها سوى الأهوال والفواجع. أليست كذلك في ذاكرة البشرية القريبة أو البعيدة؟! كما أنَّ الحروب تُطبخ على نار هادئةٍ عبر المؤامرات وأعمال التجسس والشحن الايديولوجي. وفي حمأة الاحداث والوقائع، تتشابك أيادي الأوغاد والعملاء والمتواطئين وتجار الأسلحة والمرتزقة نفخاً في نيرانها حتى النهاية. أي لا تُوجد أسباب عقلانية تدفعُ في اتجاه الحروب ولا تستند المواقف إلى قاعدةٍ مشتركةٍ تجمعُ شتات الآراء، لأنَّ الطرف الذي يعقلنها منطقياً قد يصبحُ هو أول ضحاياها. بل لن يستطيع أيُّ طرف التحكم في مسارها إزاء الاحتمالات غير المتوقعة للصراع.

من جهةٍ أخرى، غير متاح للإنسان العادي أنْ يدرك مغزى الحرب (مثل الحرب الامريكية الايرانية). هل سيقول العقل في مستواه العام: علينا أنْ نتقاتل مع بعضنا البعض حتى ننهي مسألة (امتلاك ايران للاسلحة غير التقليدية كما يُقال)؟! إذن لماذا لا تنتهي هذه المسألة دون آثار دمويةٍ؟ وحتى لو ادّعى العقل العام ذلك، فإنَّه سيُعاود الكرّةَ مرةً أخرى ليتساءل: ما الجدوى مما جرى من أحداثٍ؟ وما مستقبل الصراع؟ وكيف سيتوقف عاجلاً أم آجلاً؟ بل لماذا كان صراعاً دموياً من البداية؟ وماذا عن اليوم التالي لانتهاء الحرب بين أمريكا وايران؟ وما بدائل الحرب إنْ لاحت احتمالاتُها في المستقبل؟

تطرح الأسئلة شيئاً مهماً: أنَّ حدوث الحرب لم يتم داخل غرف العمليات العسكرية فقط، بل عبر غرف إدارة السرديات والخطابات والمقولات. وأنَّ صياغة العبارات والمصطلحات صناعة حربية ثقيلة لا تقل خطورةً عن صناعة الصواريخ والآليات والقذائف. وربما يتم القصف مرةً بالصواريخ البالستية والأسلحة غير التقليدية، ولكن هناك قصفاً آخر عبر التعليقات والشعارات القادرة على أن تصيب مراكز الاقناع والتبرير في العقول. لأن الحروب تستمد مادتها الأثيرة من الجانبين وأنَّ فضاء المعارك واحد واحد ولكن الأسلحة مختلفة. ولم يتورع اطراف الحرب بين أمريكا وايران من استعمالها دون حدود.

لماذا السرديات؟

لابد من السرديات لأخراج صورة الحروب وفقاً لمآرب أطرافها البعيدة. وهي محاولة لاستباق الواقع بواسطة عمليات من الحكي والقص واطلاق التبريرات والدلالات واستحضار المرجعيات والتلويح بمخاوف في قوالب بلاغية تعيد تشكيل ذهنيات الجمهور وتمهد تربة التلقي للأفعال المنجزة والأحداث المنتظرة. السرديات بذلك تشكّل أفقاً للتفسير يأخذُ معه الذهنيات نحو ما يريد قوله، هادفاً إلى تحقيق الأقوال في العقول قبل الواقع. أي يُدخل السرد المتلقين في استراتيجية غسيل الخلفية وبث صور وإثارة أفكار لاقناعهم بأن صاحب السردية يقف موقفاً حقيقياً لا أقول صحيحاً. لأن صحة السردية لا يتم التأكّد منها مباشرة. ولكن وظيفتها هي احداث اختلال في الفهم وقبول البدائل المطروحة.

السردية حكاية يتم من خلالها هندّسة الأحداث وترتيبها عبر الذهنيات، بحيث تبدو محبوكة النسْج ومتتابعة الخطوات وسائرة وفقاً لخطوط مرسومة، وتبلغ من التشويق والاثارة حداً غير قليل كي يستبقها الناس وينتظرون مراحلها بكل شغفٍ، وكأنّها ألعاب افتراضية هم جزء منها وفقاً لأهدافها المحددة. ولذلك تعزف السرديات على نقاط إلتقاء الغرائز والأخيلة والمعتقدات والاراء الشائعة تبعاً لقاعدة الغموض والالغاز. ومن فرط قوتها الرمزية، تغذي لدى فئات واسعة من الناس ما يريدون سماعه وانتظار المزيد منه طوال الوقت. بل ويتحولون إلى مشجعين في مقاعد الجماهير الذين يصيحون مع كل هدف مثل جماهير كرة القدم. وهذا لون من التمثيل الذهني للأحداث على مستوىة أكثر انتشاراً وتأثيراً. ويعطي صاحب السردية إمكانية التزيد في إثارة الشغف والخيال. ويكون الكذب هو الاثير الذي يبدو شفافاً لقلب الوقائع إلى أدلة وتحويل الأعمال الحمقاء إلى طقسٍ وحشو الأشكال الفارغة بمضامين فعلية كما نراها في مواقف أمريكا واسرائيل.

أمّا منْ يمتلك عقلاً فاحصاً ناقداً، فستدخله تلك العملية البلاغية في دهاليز سردية تأخذ وقتاً طويلاً لفك خيوطها. وسيكون عليه أنْ يمتلك ثلاثة أشياء: الأول: هو القدرة على البحث عن المعرفة الأخرى لما هو سائد وعن مصادر المعلومات الدقيقة لكشف الزيف والمراوغة. والثاني: قراءة الواقع والأحداث الحربية والسياسية جيداً. والثالث: القدرة على استباق حبكة السرد وتمزيق نسيجه والتنبؤ بما سيحدث لاحقاً. لأنَّ أية سردية تخاطب الذهنيات حين تسكن داخلها لا من خارجها، أي بعد أن تجد لها تربة من التصديق سرعان ما تواصل الضخ المعلوماتي والأكاذيب التي تلف العقول وتطمس الشغف. وبذلك تشكل تفسيراً يبدو مقنعاً لما يجري.

في هذا الإطار، ليست أقوال الساسة وتحليلات الاعلام حول الحرب الامريكية/ الايرانية هي الحقيقة، يتكشف لنا يومياً حجم تعمية اطراف الحرب على الوقائع وأساليب المراوغة والهروب من ميدان الخطاب الواضح سواء من قبل الامريكان والاسرائيليين أم من الايرانيين. والتعمية باتت مقصودة من رموز الصراع (ترامب ونتنياهو وأقطاب النظام الايراني). إن الحروب لا يعنيها أنْ ترسم صورة حقيقيةً أمام المتابعين. الحروب ما كانت لتقع إلاّ من أجل اختلاق حقيقة معينةٍ. بالأدق فرض حقيقة تخص الطرف الغالب وإنْ لم تكن عادلةً. إذ لا توجد عدالةٌ في الحروب أصلاً حتى ولو كانت مبرراتها عادلةً في أحايين كثيرة!!

وذلك لكون الحرب تُشن بحثاً عن واقع جديدٍ بجميع الطرق الممكنة وغيرها. وهذا ما أكدته اسرائيل من ضرورة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط. وكم تباهي نتنياهو أمام الجمهور السياسي بأنه يزهو بما عمله من احداث تغيير حقيقي في موازين القوى لصالح كيانه الصهيوني. وأنَّ اسرائيل اتخذت هذه المبادرة العسكرية تجاه ايران كأنَّها تحمل مسئولية تاريخية عن المستقبل. إذن كيف تفرض الحروب واقعها الخاص ثم ننتظر منها أن تقول الحقيقة ؟!

بالاجمال لا يتجاوز ما ورد ضمن معرفة الحروب شيئاً ذا أهمية مقارنةً بما حدث في الحرب الامريكية الايرانية. وجدت هذه الحرب في كلامنا، في رؤوسنا، في خطاباتنا، في بلاغتنا، في تعبيراتنا الجارية أكثر مما نلقاها في الواقع . إنَّ الصور والأخبار والتصريحات والتعليقات التي تحكي ما يجري إنما هي علامات تسكن الأدمغة وتنقل ما بها من رغبات. دونالد ترامب دماغ ثقافي ما بعد حداثي، وكان حريصاً منذ اليوم الأول أنه سينقل للمتابعين أحد أمزجة الحروب بامتياز. مزاج يجمع بين رجل التجارة وعقد الصفقات زائد نزق سياسي ومراهقة حربية لافتة واستعراض عسكري بازخ وتقارير غير صحيحة والرمي المجازي بالعبارات في ميدان القتال. إنَّ تجارب الحرب مرتبطة بمعتقدات أطراف المعارك. بينما ما يقوله نتنياهو يعد " سرداً مختلطاً" بلاهوت بني اسرائيل وبالآمال السياسية لشعبه وسط منطقة السرديات. ويكمل دونالد ترامب الصورة من وراء المحيط معتبراً أمريكا هي عقدة الحبكة في دائرة الصراع السردي. وأنّه دونها لن تحل المشكلات سلاماً وحرباً، كأنَّ أمريكا قد امتلكت نسيج السرد دون تعقيب. وكثيراً ما يرمي أحدهما بطرف الخيط ليكمل الآخر القصة ما بين الشرق الأوسط والقارة الأمريكية. نظراً لوحدة المرجعية وسريان المخطط إلى غايته.

وعلى افتراض أننا ذقنا ما ذقنا من طعم الحروب التاريخية في المنطقة، فما علمناه (سردياً) متقدم على التذوق كما يصف زهير بن أبي سلمى. أي أن الكلام، الحكي، أسبق من التجارب وهذه بديهية ثقافية، لأن عقولنا تُولد في اللغة حين تتورط مع حركة الواقع. نظام اللغة يترقب مع سبق الاصرار والترصد: ماذا نحن فاعلوم في المواقف المختلفة، حيث لا فاصل هناك بين اللغة والأشياء والأفعال، فالأخيرة أخذت دلالتها مما يوجد في عقولنا من كلمات ومعانٍ. مذاق الحرب هو مذاق الكلام، القصص الحاملة للأهوال والمآل. المعرفةُ تعني سردية الحرب كأنَّها شيء معروف لدينا بحكم نسق الثقافة الحكاء . فهي رواية قارّة في لاوعينا الثقافي إلى درجة التغلغل.

يقول زهير بن أبي سلمى:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ  

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

*

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً 

 وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

*

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها  

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

*

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم 

 كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

السبب أن أحداث الحروب تضع نفسها في النقطة التي لا تعود عندها مفهومةً. وهذا جزء من التكتيك الحربي الذي يخضع لصناعة الصورة الذهنية. ولعل الدول الأوربية وأبرز مثقفي الغرب قد تساءلوا مراراً: حول ضرورة تحديد أهداف ضرب إيران؟ ولماذا تضع امريكا كل قوتها ومقدراتها في خدمة اسرائيل؟ والثقافة على الدوام لا تقول شيئاً اعتباطياً، لأن المبررات لابد أن تُشتق من جسم الأفكار التي هي رائجة. وترامب ونتنياهو يبدوان كـ" رأسين بلُونيين " بلا عقل ولا فهم واضح حيال المسألة. فقد بعثاها (أي الحرب) ذميمةً بعبارة زهير بن أبي سلمى وتركا رحاها تعرك كل من يقابلها وأن تلد ناقتها الجرباء أفظع النتائج. وهما (ترامب ونتنياهو) لا يعلمان أنَّ" آبار الغضب " في المنطقة بحجم التواجد الاسرائيلي الأمريكي الذي خرج عن المألوف. لقد أخذا خريطة العالم العربي رهينة لمركز إدارة الأحداث العسكرية في واشنطن وتل أبيب كأن الخريطة لا يوجد بها مفاتيح أخرى.

ضخ السرديات

قبل شرارة الحرب الامريكية الايرانية كنا نتلقى دفقاً وفيراً من السرديات. اغرقت السرديات الواقع وفتحت سيلاً من القصص التي تلف شعوب المنطقة لفاً محكماً. تقول أمريكا: إنها لن تسمح لايران بامتلاك أية أسلحة نووية. في إشارة إلى كون تلك الاسلحة محرمة دولياً. وأنها تستحضر التجارب القريبة حول المصطلح وكم خِيضت حروب دولية للقضاء على من يقترب من امتلاكها. ولاسيما أن السردية الأمريكية تُناور قوى المجتمع الدولي، فمازالت العبارات الرنانة التي قيلت في امتلاك الارهاب لأسلحة غير تقليدية تترك صداها في آذان المسئولين والهيئات المختصة. ومازالت الاستجابة نفسها من مجتمعات الغرب ساريةً حتى اللحظة. إذن ... ما الجديد الذي حدثَ حتى تندهش دول الغرب (انجلترا وفرنسا) بصدد الحرب الامريكية على دولة مارقة اسمها إيران!!

سماع ترامب لكلمة (الله أكبر) أثناء أحد خطاباته المتلفزة كان كفيلاً باخراج المشهد كأنه حادثة ارهابية. حيث انفرط عقد الحضور وهرع ترامب من المكان، وكأنه يقف على حافة انفجار لقنبلة موقوتة. والربط بين نداء (الله أكبر) واستعادة كلمات الارهاب لا يحتاج إلى علامات الوضوح، حتى يرمي بثقله تجاه الصراع المتفجر في الشرق. وعندما يتم ربط ايران بكل السمات اللاهوتية للدولة وكونها تمول جماعات متطرفة وتدعم بعض الأذرع التي تتحرش برديفتها اسرائيل، فهذا كفيل باثارة الاسلاموفوبيا.

وبخاصة أن الثقافة الغربية (الامريكية) تحديداً تعتبر أن اسرائيل بمثبة المولود الشرعي لها. وأن مكانها يجب أن يظل مصوناً بالأسلحة والرعاية الحربية مهما كلف أمريكا من عتاد. بل سردياً تشكل اسرائيل ترمومترا لمستوى الخطابات السياسية في الشرق الأوسط، يتم بواسطته قياس تحولات الثقافة حولها ومعرفة ردود الأفعال التي تنقلها لقيادات الغرب والبيت الأبيض. اسرائيل أضخم سردية سياسية حربية حتى الأن ويدور في فلكها أحجام ضخمة من الخطابات والوثائق التي تتطلب فك شفرتها ومعرفة كيف صيغت غرباً وشرقاً.

استكمالاً للسردية الأمريكية، يثير ترامب تيمة عالمية أخرى باعتباره مدافعاً عن العالم الحر ضد ايران، حين أشار إلى أن الحرب مهمة للعالم أجمع لمنع اعتداء إيران على مؤسساته ومكتسباته الحضارية. وكأنَّ ترامب يقول للغرب: إن ايران تنتمي إلى عالم بربري، وأن مكانها ليس بين دول العالم المعاصر. ايران دولة متوحشة مثل حيوانات الغابة المفترسة. ولا يليق بالمجتمعات المتحضرة الصمت إزاء هذا الكائن الغريب الأتي من أزمنة غابرة ليمارس الوحشية تجاه اسرائيل ودول الخليج العربي. وعلى المنظمات والهيئات الدولية أن تقف بجوار امريكا واسرائيل في حربها. والكلام لا يخلو من تحذير سردي قديم إلى من يؤيد الارهاب. ولكنه يطرق عليه بقوة ليختبر مدى سخونته المعتادة في مثل هذه المواقف. على أمل أن يلقي الكلمات، فإذا بالتاريخ القريب يكمل الحكاية الغربية.

التعبير المقلوب: أن منْ لم يؤيد أمريكا تجاه ايران، فسيكون مدعماً لارهاب سيطال العالم أجمع. وتدريجياً سيكون متورطاً معها فيما تمارس. وهذا لايخلو ضمنياً من إلقاء التهم يميناً ويساراً وبخاصة حول الصين وروسيا الاتحادية. ترامب يتلاعب سردياً بتيمة المجتمع الدولي ويغازل آذان القوى الغربية ما بين شجب مواقفه المحايدة والدعم غير الواضح لحربه على ايران. مثل العربجي (سائق العربة الكارو) الذي يضرب الحصان بالسياط (الكرباج) مرةً، ثم يأخذ بضرب الهواء مرات كثيرة ليحدث فرقعه مسموعة. فقد خاطب ترامب دول حلف الناتو بكونها دولاً لا وزن لها دون وجود الولايات المتحدة. أي أن معادلة حلف الناتو معادلة صفرية ما لم تعتمد على رمزية أمريكا في كل الحروب التي خاضها. والمقايضة السرية لا يعوزها الشرح بين تأييد الحرب بل بين الدخول في الحرب جنباً إلى جنب وبين الخروج من الباب الواسع لإفشال حلف الناتو. هكذا يقول السرد بمزيد من التهديد لمن لا يشارك حتى بالرأي.

و لم يفُت ترامب أن يلقي بمزيد من " الضخ السردي" لمن تضرر بالآثار الجانبية للحرب الامريكية الايرانية ويقصد مجتمعات ودول الخليج العربي. فقد أشار أن ضرب ايران للقواعد الامريكية في هذه الدول يعد اعتداءً على سيادتها، وأن هذا الموقف يدخل في دائرة انتهاك القوانين الدولية التي تحفظ الحقوق. وأن ايران ليست أمينة على فكرة" حُسن الجوار". وهو بالطبع يريد إثارة الشحناء والتباغض والصراعات بين ايران ودول الجوار العربي.

وليس بعيداً عن المشهد رغبة امريكا في الزج بالعرب إلى حلبة الحرب كطرف أصيل من باب الرد على الضربات الايرانية لهم. والدول الخليجية كانت في موضع" الاحراج السياسي" نتيجة الاحداث المتفاقمة. واستطاعت حتى الآن أنْ ترد بالقدر الذي تحتمله المواقف، وأن يكون ردها حراكاً دبلوماسياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً. لأنّ البديل هو الدخول في الصراع الحي مباشرة وأن يتم دفع فاتورة حربية باهظة في صراع دموي لا ناقة لها فيه ولا جمل. وأن تتحول الدول العربية من " دول عبور" إلى أطراف أصلاء في الميدان. ثم مع المرور الوقت، تتقهقر أمريكا رويداً رويداً إلى الخلف واضعة السيادة والقدرات العربية في المقدمة. لأن أمريكا لا تعبأ بمصالح العرب ولا ايران كذلك تهتم بهذه المصالح وهناك موروثات من الأعمال السياسية التي تثبت موقف الجانبين!!

ربما ذلك ما جعل سردية ترامب مكشوفة ولم تستطع تغطية مساحة الخليج العربي حتى اللحظة. لأنه لا يمكن أن تتحمل مجتمعات الخليج الخسائر بالوكالة. مفهوم أن يكسب الأطراف بعض المواقف والمقدرات بالوكالة أوقات الصراع إذا كانت هناك مصلحة في ذلك، ولكن أن يتكبدوا خسائر فادحةً لم يكونوا هم أصحاب شرارتها ولا هم مسيري عملياتها ولم يكن القرار الأول والأخير بين أيديهم، فهذا أمر غريب إلى درجة كبيرة!! كما أنه كان منزلقاً خطيراً لم تنجر إليه دول الخليج العربي. وهذه النقطة جعلت نسيجَ السردية الأمريكية لم يكتمل. كان ترامب يأمل انجرار " العالم العربي وأكراد ايران " في العمليات الحربية حتى يسوّق الصورة أمام العالم: بأن ايران هي امبراطورية الشر المحض وليس أبلغ دليل على ذلك من كونها شريرة أمام عناصر شعبها وجيرانها العرب.

ولكن حسنا فعلت دول الخليج ذلك، لأنَّ المسألة ليست انغمار اً في احداث وصراعات الآخرين على أراضيها، ولكن المسألة تحتاج إلى تفكير خارج السردية الأمريكية الاسرائيلية وخارج السردية الايرانية بالمثل. تفكيير استراتيجي آخر يرتبط بقدرة المجتمعات الخليجية على تقوية سيادتها ووجودها الدولي على خريطة العالم وهذا له سياق آخر. وتحتاج إلى تغيير أساليب التعاون الدولي في مجالات الاقتصاد والعلاقات الدولية وتنويع مصادر السلاح والاتفاقيات العسكرية بين الدول.

غير أنَّ أمريكا تعود لتسويق الفكرة إنْ لم تكن الآن فعلى الأقل في المستقبل المنظور. يسرد ترامب أنَّ حكام ايران مجموعة من الموتورين والمختلين عقلياً ولا يجب أنْ نترك دول الجوار في أيديهم كألعويةٍ يتلهون بها من وقت لآخر. وكأنه هو المانع للحمق السياسي والحربي في المنطقة رغم أنه أبرز صانعيه. وهو يعتمد على أن السردية لن تخضع للمساءلة، ولن يقول له أحد أنَّ دول المنطقة لن تنجر إلى حرب تستنزف قدراتها وتظل كشاهد قبر لواقع مجهول. والمدهش أن ترامب لا يهتم بصورة الدول العربية أصلاً، وحتى لم يخصص لها لقاء عاماً واحداً لمناقشة الأوضاع والحلول التي تليق بالمنطقة العربية. بل تأتي المسألة الخليجية في السرد عرضاً كلما أراد ترامب تجميل المشاهد وعدم نسيان قواعده في الشرق!!

عندما تتعثر السردية الامريكية، تدخل اسرائيل لترقيعها، فلم يكف نتنياهو عن الترقيع بادعاء أن ايران دولة معادية كل العداء للشرق الأوسط. وهنا نزع نتنياهو الهويات عن أصحابها وأظهر نواياه غير البريئة إزاء وضع يده الصهيونية على تضاريس المنطقة. لقد استحالت المنطقة في سردية اسرائيل إلى دول رديفة منسلخة من جلدتها القومية والعروبية وأن تتمتع بكل مقومات أخرى إلاَّ أن تصبح دولاً وطنيةً. وهذه السردية تريد أنْ يأتي العرب عرايا أمام اسرائيل لتعطيهم العلامات والأزياء المناسبة لوجودهم السردي الجديد. هل ستحتمل دول العرب هذه السردية؟ هل يمكن التعامل مع دول المنطقة فرادى وعرايا في انتظار عناوين اسرائيل المختلقة؟

أتصور أنّ تدخل بعض الدول العربية كان لمنع اكتمال هذه السردية، حين توسطت بين أمريكا وايران لحلحلة المشكلة. فسردية نتنياهو معروفة تمام المعرفة وهي أهازيج صهيونية توراتية على إيقاع الحروب في المنطقة منذ وعد بلفور مروراً بتأسيس الكيان الاسرائيلي وحربي عام سبع وستين وأكتوبر ثلاثة وسبعين إلى ابادة غزة الأخيرة. كيف تكون سردية بهذا الخداع والالتواء التاريخي واللاهوتي قابلة للطرح؟ والعجيب أنَّ نتنياهو يقول سرديته بكامل الثقة والاريحية كأن هناك من يصدق ويؤكد قبوله لما يقال. ولذلك من باب الخداع أن يذهب نتنياهو في اتجاه امريكا حين دفعت حبكة الصراع بالانابة عن العالم الحر. وأنهما يدافعان في هذه الحرب عن كرامة الحضارة المعاصرة إزاء أوغاد العصور البدائية!! والأعجب لو نلاحظ أن موقع الأوغاد البدائيين مقعد شاغر استراتيجياً بالنسبة لأمريكا واسرائيل. فهما يضعان فيه من وقت لآخر عدواً بعينه، مرة يجلس عليه دعاة الارهاب الديني ومرة يجلس عليه الفلسطينيون أصحاب الحق والأرض ومرة يجلس عليه الايرانيون. وهناك بالطبع اعداء جدد بحسب المرحلة وصناعة العدو في المستقبل!!

استغلت ايران ثغرات السردية الامريكية الاسرائيلية، لتطرح ما تحكي: أنَّ تواجدها في المنطقة العربية نتيجة الدفاع عن الحقوق المسلوبة للشعوب الاسلامية. فالاسلام يدعو لنصرة المسلمين ولا تهم حدود الجغرافيا والتاريخ. وطبعاً يوازي التواجد الايراني ثقل التواجد الامريكي، لأن خطوط الصراع بدأت من هنا: عندما تزاحمت السردية الايرانية مع السردية الامريكية الاسرائيلية. وتبين أنَّ السردية الأمريكية لديها كما أشرت مآرب نزع الهويات لصالح اسرائيل، فكذلك إيران تنزع الهويات لصالح اتساع نفوذها والسيطرة على خريطة المقدرات العربية. ولكن إيران دخلت من باب لاهوتي كي لا تُشعِر شعوب المنطقة بالغرابة. وإنْ كانت أمريكا قد دخلت من باب الكولونيالية التي تضفر وجودها مع تواجد الكيان الصهيوني.

المشكلة في سردية إيران كونها لم تأت بالاسلام مجرداً ولا بالثقافة الاسلامية التي هي لحمة الثقافة العربية فقط، ولكن سرديتها غارقة في الايديولوجيا السياسية لولاية الفقية. أي سيكون العرب على موعد مع ثقافة غارقة في الايديولوجيا اللاهوتية المسيَّسة. وهو ما رسّخ تاريخياً – على الأقل طوال ما يربو عن أربعين عاماً - الهواجس السياسية تجاه تضخم رقعة ولاية الفقية، حتى أطلت برأسها داخل المجتمعات العربية(اليمن ولبنان والسعودية وسوريا). أي وجود بعض الطوائف العربية الذين يدينون بالولاء لمركزية ولاية الفقية في طهران. ولذلك رغم أن المجتمعات العربية ترفض سرديتي أمريكا واسرائيل إلاَّ أنهم يرفضون على المستوى نفسه سردية إيران. فالأخيرة تتدخل في المنطقة لمصالح سياسية بالاضافة إلى مرجعية أخرى ستغير الثقافة السائدة بجانب كونها ستغير آليات السلطة وأنظمة الحكم. أي أن السردية الايرانية ستكون حاملة للبديل الجذري لا مجرد التجاور الجيو سياسي فقط.

وعندما تسرد ايران بأن ضرباتها للقواعد الأمريكية في الخليج ليست إلاَّ استهدافاً لمصالح امريكا، كان صعباً على الذهنية العربية تصديق ذلك رغم كراهية اسرئيل واحتلالها لجزء من جسد الأمة العربية. لأن رواسب الحساسيات الايرانية الخليجية قد طفت على السطح مرةً أخرى. لدرجة أن التواجد الأمريكي المكلف والأضرار التي سببها بات منزوياً أمام الضربات الايرانية المنتقاة. وعاد السرد الايراني ليقول بأن دول الجوار هي دول مقدرة ولا يحمل إزاءها إلا النوايا الطيبة ولها كامل الحقوق السياسية. ولكن لم تأخذ أنظمة دول الخليج أقوالاً كهذه على محمل الجد، واعتبرتها لوناً من تلطيف الضربات العسكرية بتيمات سردية مصيرها التلاشي مرة أخرى. وسارت الشعوب العربية في الاتجاه نفسه رغم التناقض إزاء هذا الموقف والنكاية في ضرب اسرائيل وملاحقتها بالصواريخ العابرة للحدود.

الملاحظ أنَّ حربَ السرديات تجاهلت تماماً ألصق شيء بالمجتمعات العربية وهو خصوصيتها الثقافية والإنسانية. وكذلك لم تدرك العمق التاريخي للمواقف إزاء ايران وأمريكا واسرائيل. وقد يقول قائل إنَّ السردية الأمريكية الاسرائيلية تمر دون تعليقات كثيرة. ولكن هذا القول لايدرك: أنّ بعض المصالح وبعض العلاقات الخارجية قد يدفع أحياناً لغض الطرف عما يُقال من السرديات المتداولة لا سردية بعينها، ولكن أصل المواقف العربية لا يُمحى وأنَّ أصالة الحقوق والسيادة أمور غير قابلة للمقايضة.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

في المثقف اليوم