قضايا
حاتم حميد محسن: ثيودورس الفيلسوف اليوناني المثير للجدل؟
اتخذ الفيلسوف اليوناني القديم ثيودورس Theodorus مسارا مختلفا عن المفكرين الاستفزازيين المعاصرين له بسبب جرأته في تحدّي ورفض الأخلاق ذاتها. وبينما شكّك العديد من معاصريه بالتقاليد، فهو ذهب بعيدا في إنكار ليس فقط الآلهة وانما أيضا جوهر الأسس الأخلاقية ذاتها. وبالنتيجة، جرى وصفه من جانب الكتّاب القدماء كملحد وكمؤيد لعدم احترام الاخلاق. وللوقوف على أهمية ثيودورس، من الضروري وضعه ضمن المناخ الثقافي السائد في زمانه. عاش ثيودورس في بداية القرن الثالث قبل الميلاد وكان عضوا في المدرسة القورينية التي اعتبرت المتعة أعلى أشكال الخير. هو لم يرث تعاليمه فقط وانما أضفى عليها طابعا متطرفا، نابذا القيود التقليدية ودافعا الشك الفلسفي الى استنتاجات مقلقة ومثيرة للجدل.
الصورة تكشف العدد الهائل للنجوم في مجرة درب التبانة وحيث يشير ثيودورس الى هشاشة الاخلاق في ظل هذا الكون المترامي الاطراف
وُلد ثيودورس في قورين cyrene المدينة اليونانية التي تقع في شمال افريقيا والتي عُرفت بإنتاج مفكرين أذكياء وغير تقليديين. ومنذ نعومة أظفاره أظهر ثيودورس استقلالية فكرية، حيث درس تحت إشراف أتباع أرستيبو قبل ان ينحرف بسرعة عن تعاليمهم. وبينما قدّر القورينيون المتعة، الاّ انهم ظلوا يلتزمون ببعض الأعراف الاجتماعية التي تحدّاها ثيودورس ورفضها رفضا قاطعا. رؤاه غير التقليدية قادته الى صراع دائم مع السلطات، حيث واجه النفي اكثر من مرة. في أثينا، وُجّه الاتهام اليه بالمعصية، وهو اتهام خطير في مدينة لاتزال تتذكر محاكمة سقراط. وعلى الرغم من انه تجنّب الموت لكن الشكوك ظلت تحوم حوله. لاحقا، سافر ثيودورس كثيرا، ممضيا وقته في مصر تحت حكم بطليموس حيث زار المحاكم الهلنستية. هذه الرحلات عكست كل من سمعته المتزايدة وحالة اللااستقرار التي يعيشها. هو جذب الانتباه أينما حل لكنه نادرا ما وجد قبولا.
في ظل قوانين الطبيعة لا وجود لحدود اخلاقية
أخلاق ثيودورس الراديكالية
المصدر الأساسي لحياة وتعاليم ثيودورس هو المؤرخ ديوجين لايرتيوس الذى روى عن شخصيته المثيرة وأفكاره الراديكالية. في هذه الشهادة تبرز فلسفته المتماسكة والمقلقة بعمق. عرّف ثيودورس المرح والحزن باعتبارهما الظروف الإنسانية الرئيسية، رابطا المرح بالمعرفة والحزن بالجهل. من هذا الأساس، هو اعتبر التعقل والعدالة هما الخير الحقيقي، بينما المضاد لهما هو الشر. غير انه اعتبر المتعة والألم محايدان أخلاقيا، و وضعهما خارج القيم الأخلاقية الرئيسية.
وفي نفس الوقت، هو رفض احدى الدعامات الأساسية في الحياة الاجتماعية اليونانية وهي الصداقة. وفقا لرؤيته، الصداقة الحقيقية ربما غير موجودة. الافراد الحمقى تخلوا عنها عندما اختفت مزاياها، بينما الحكيم لم يكن بحاجة الى أصدقاء ابدا. الكفاية الذاتية جعلت الصداقة غير ضرورية.
الفلسفة ضد المجتمع
كانت رؤى ثيودورس السياسية استفزازية. هو جادل بان الرجل الحكيم يجب ان لا يخاطر بحياته لأجل بلده، مصرّا على عدم وجوب التضحية بالحكمة لأجل مصلحة منْ يفتقرون اليها. بدلا من ذلك، هو أعلن صراحة ان العالم بأسره هو الوطن الحقيقي للرجل الحكيم، متوقعا شكلا من العالمية الراديكالية radical cosmopolitanism. غير ان معظم الجوانب المذهلة لفكر الفيلسوف ثيودورس تتعلق بالاخلاق ذاتها: هو زعم ان أفعالا مثل السرقة والزنا وتدنيس المقدسات لا تحمل عارا متأصلا، وانما سمعتها السلبية برزت فقط من الأعراف الاجتماعية وآراء الجهلة. لذلك، فان الشخص الحكيم يمكن ان ينخرط بمثل هذه الأفعال عندما تستدعي الظروف. هذه الأفكار بلا شك صدمت الاثنيين بعمق . هو وسّع هذا التفكير الى رغبة الانسان، مدّعيا ان الجمال موجود للإستخدام وان التمتع به غير خاطئ أخلاقيا. ثيودورس بإثارته أسئلة حادة ومقلقة – مثل ما اذا كان الجمال كالمعرفة يحقق غرضا عمليا – هو تحدّى بإصرار المعتقدات التقليدية للاخلاق، مجبرا مستمعيه لمواجهة حقائق غير مريحة.
صراع ثيودورس مع السلطة
عبّر ثيودورس عن فلسفته ليس فقط نظريا وانما عمليا أيضا. هو تحدّث بجرأة مبينا القليل من الاعتبار للسلطة او الرأي العام، ومواجهاته مع المفكرين الآخرين كشفت عن ذكائه وتحدّيه أيضا. فمثلا، عندما حاول ستيلبو الإيقاع به في مأزق منطقي، قبل ثيودورس الاستنتاج السخيف بدون تردد. حتى عندما أوحت الحجة بانه يمكن ان يكون أي شيء، ظل غير مبال مبديا تبنّيه للعقل والمبدأ بدلا من السمعة. هو أيضا واجه السلطات الدينية بمفارقة حادة. عندما سأل الكاهن الأكبر يوريكليدس عن المعصية، هو حوّل الجواب ضده، مجادلا ان الكشف العلني عن الاسرار المقدسة جعل الكاهن ذاته مذنبا بالمعصية. رؤاه غير التقليدية ومسائلة الاخلاق طالما وضعته في خطر جسيم. طبقا لديوجين، هو اوشك على مواجهة المحاكمة امام اريوباغوس وربما نال عقوبة الموت لو لم يتدخل ديمتريس الفاليرومي لإنقاذه.
وفي وقت لاحق، عمل ثيودورس في محكمة بطليموس وتصرّف كسفير لليسماخوس، محتفظا بجرأته حتى في المحاكم الملكية. عندما سخروا منه بسبب نفيه، هو أجاب بذكاء اسطوري، عندما حذّروه بعدم العودة، أجاب بهدوء انه لن يأتي الاّ اذا تم ارساله. وفي مواجهة أخرى، اتهمه مسؤول في المحكمة بعدم احترام الالهة والحكام. أجاب ثيودورس انه لم يتجاهل الالهة لكنه اعتبر المسؤولين أعداءً لهم – وهو جواب يعكس الاستقلالية الأخلاقية والجرأة التي صاغت اتجاهه في الاخلاق والسلطة.
السنوات الأخيرة لثيودورس
حتى بين زملائه، هو بقي متحديا. عندما سخر منه المتروكليس الساخر، أجاب بسرعة وبقوة تعكس الطبيعة الحادة للنقاش الفلسفي القديم. بالنهاية، هو عاد الى قورينا وعاش في ظل حماية الحكام المحليين. بالرغم من النفي حافظ ثيودورس على روح الدعابة حول مصيره، قائلا وهو يمزح ان طرده يعني ارساله "من افريقيا الى اليونان".
جسّد ثيودورس واحدا من بين أكثر الشخصيات الراديكالية في اليونان القديمة، مفكر رفض التقاليد ونبذ الحدود الأخلاقية ورفع من قيمة العقل فوق كل المعايير الاجتماعية. وبالنهاية، هو لم يتحدّ فقط المجتمع وانما أجبره لمواجهة افتراضاته الخاصة وإعادة النظر في أسس الحياة الأخلاقية.
***
حاتم حميد محسن







