قضايا

حاتم حميد محسن: يورغن هابرماس وآماله نحو المستقبل

من الصعب جدا الإحاطة بسبعة عقود من التفكير المتوقد المتجسد بـ 14 ألف مادة بين كتاب ومقال. لقد راهن هابرماس بمسيرته المهنية على قوة الحوار والتداول، لذا من الملائم الاهتمام بآرائه. كان هابرماس (الذي توفي في 14 من الشهر الحالي بعمر 96 عاما) من بين أعظم المفكرين المعاصرين. كان لديه ايمان لايتزعزع بان الناس لديهم أذهانهم الخاصة، يمكنهم الأمل في مستقبل أفضل، ولديهم القدرة، وبطريقة جماعية وديمقراطية على جلب ذلك المستقبل للحياة.

وُلد في دوسلدورف عام 1929، ثم هرب من التجنيد الاجباري بإعجوبة الى فيرماخت. كان ادراكه اللاحق انه كطفل كان محاطا بنظام اجرامي سياسيا دفعه بقوة الى مسيرة اكاديمية مدى الحياة، والى حملة سياسية وشخصية لإنقاذ الديمقراطية واستعادة المستقبل.

كان صراعا شاقا له أبعاد مذهلة. اذا كان الأفضل لم يأت بعد فان الرحلة نحو التنوير ستتطلب "ليس أقل من نظرية شاملة للمجتمع الحديث ودينامياته الأساسية". كان هذا هو المشروع البحثي، الذي لم يفهمه الاّ القليل من منظّري القرن العشرين . قاد هابرمس الطريق بنطاق واسع متعدد التخصصات: فهمْ تاريخي، تصوّر جغرافي، رؤى سوسيولوجية، استيعاب لنظرية قانونية، انشغال دائم في الاخلاق والجماليات وعلم النفس والايبستيمولوجي والثيولوجي وغير ذلك. كل واحد من هذه الاتجاهات كان يمكنه إحداث تأثيرا كبيرا، لكن مع هابرماس كلها جاءت مجتمعة برسالة سياسية قوية.

فلسفته التطبيقية والبرجماتية التي وُصفت كاجتماعية، ديمقراطية، عالمية، وإنسانية كانت رؤيته السياسية. محورها هو ان تكوين وعمل وهشاشة المجال العام الذي يتوسط بين الدولة والمجتمعات المدنية، يعِد ببديل للأنظمة الاستبدادية والشمولية التي سعى لتجنّبها. عقيدة هابرماس طوال حياته التي تجسدت بعملين بارزين هي ان تكوين الرأي العام من خلال المحادثة العقلانية والمنطقية هو حيوي لسلوك وبقاء الديمقراطية البرلمانية. كلا العملين يشكلان حكايات تحذيرية تهتم بنفس المقدار بكل من القوى التي تخنق الديمقراطية التداولية وبالظروف التي تزدهر فيها.

الأول، هو التحول الهيكلي للمجال العام (1962) نجد فيه نطاقا لنقاش مستنير وشامل ونقدي تأثر سلبا بضغوط المصالح التجارية والبيروقراطية. وبعد ستة عقود، يتناول كتاب تحول هيكلي جديد للمجال العام والسياسة التداولية (2022) خوارزميات التواصل الاجتماعي. في هذه يرى – ان المصالح الثابتة، تهشّم المجال العام و تُضعف إمكانية الفعل الجماعي ضد التغيرات البيئية واللامساواة الحادة.

في تلك الاثناء، تمكّن هابرماس، المستند على جزئين من نظرية الفعل التواصلي (1981)، من إنجاح عمل المجال العام . ما هو الشيء الذي لم يتأثر به علماء الانسانيات والعلوم الاجتماعية من مشروعه في النصف الأخير من القرن ؟ يُعتقد انه كتابه (حول المعرفة والمصالح الإنسانية ،1968). حالما ندرك ان المعرفة ليست شيئا يُكتشف وانما ممارسة تتأسس بفعل مصالح متنافسة، فلن تكون هناك رجعة للوراء.

نحن كنا دائما منظّرين نقديين، في رحلة تأملية ذاتية لمستقبل اكثر عقلانية وعدلا. هابرماس بقي معنا في كل خطوة على الطريق، لاسيما انه لم يقتصر بعمله فقط على الكتب العلمية والمقالات. مخرجاته الصحفية ومداخلاته العامة الأخرى كانت أيضا بنفس الدرجة من الضخامة. انظر، مثلا، في 12 جزءاً من المحادثات والخطب والتعليقات القصيرة جُمعت كلها في كتاب (جمهورية برلين). يجب القول هناك نقد نسوي راقي وإعادة مراجعة لأفكار هابرماس الأساسية. هذه الفضاءات العامة التي تزدهر بها الديمقراطية التداولية كانت تقليديا يشغلها الرجال، وهي عموما سياسات استبعادية. تلك التحديات لم تربك هابرماس الذي تبادل بانتظام الرؤى مع نطاق واسع من جمهور المثقفين. هذه النقاشات جسدت الكيفية التي توقّع بها هابرماس انكشاف المستقبل .

أمل للمستقبل

بالنسبة لهابرماس، الأمل لم ينتصر دائما على التجربة. في عمله المهني المبكر هو قلل من أهمية المحادثات السطحية غير المعمقة مع تلاميذه. في منتصف العمر، هو بالغ في تقدير إمكانات الفكر في توجيه النقاش العام. وفي الأوقات المتأخرة، كانت النزعة نحو الانحدار الديمقراطي وتقوية الاستبداد ربما تشير الى انه وقع في "فخ الديمقراطية" الكلاسيكية. هل كان من العبث الأمل في تفويض الشعوب لتتمتع بحق التصويت الكامل لإختيار حكوماتها من خلال انتخابات حرة ومنتظمة؟

هابرماس، في الحقيقة، يدرك تماما ان القدرة على ممارسة الديمقراطية لا يمكن اعتبارها امرا مفروغا منه دائما. مع ذلك، هو لم يتخلّ ابدا عن وعودها. حول هذا كتب بنشاط حتى النهاية، وأحيانا بشكل مثير للجدل. ليس كل شخص أحب أسلوبه. احد الذين حزنوا عليه وصفه بانه "لامع ومؤثر بشكل مذهل وممل". لكن الرأي الأكثر دلالة هو ان عمله منحنا مفردات تحافظ على وعود الكرامة والاستقلالية حية وحقيقية.

باختصار، إنجازات هابرماس هي تجسيد لكل ما لا تمثله الشعبوية. لقد تمسّك بقناعته بان المعرفة العميقة والحجج المقنعة يمكن ان تُحدث فرقا مع مرور الزمن وانه حتى لو كانت البادرة نحو عالم افضل صغيرة فهي تستحق الجهد المبذول. ذلك يوضح لماذا يصف مراجع حديث مشروعه الأخير (ثلاثة أجزاء) وأيضا (تاريخ الفلسفة) بـ "عمل ينبع من التفاؤل المتعمد"، ولماذا في عمله الأخير، وهو عبارة عن مجموعة من محادثات سير، بعنوان (الأمور بحاجة الى ان تتحسن) لايزال هابرماس يعلق آماله على الحوار النقدي والنقاش العقلاني.

***

حاتم حميد محسن

من: The conversation, March 25, 2026

 

في المثقف اليوم