عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: هل العلمانية حياد ام اقصاء

في السجال العربي المعاصر، تبدو العلمانية وكأنها كلمة ملغومة اكثر من كونها مفهوما قابلا للفهم. تستدعى في النقاش العام، اما بوصفها خلاصا نهائيا من التطرف الديني، او باعتبارها تهديدا مباشرا لهوية المجتمع وقيمه الروحية. هذا الاستقطاب الحاد لا يعكس قوة الفكرة بقدر ما يكشف هشاشة مقاربتنا لها ذ يتم التعامل مع العلمانية كحكم جاهز، لا كاشكالية فلسفية وسياسية معقدة تستحق التفكيك. السؤال الاكثر دقة ليس: هل نحن مع العلمانية ام ضدها؟ بل: هل تمثل العلمانية حيادا حقيقيا للدولة، ام انها قد تنزلق في بعض تطبيقاتها الى شكل من اشكال الاقصاء المقنع؟

العلمانية في معناها النظري تقوم على مبدأين اساسيين: فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، وضمان حرية الاعتقاد لجميع الافراد. بهذا المعنى، تبدو اقرب الى اطار قانوني ينظم العلاقة بين الدين والدولة، لا مشروعا فكريا يهدف الى الغاء الدين. غير ان الاشكال يبدأ حين يتحول هذا الاطار الى ايديولوجيا صلبة، تعيد تعريف المجال العام بطريقة تقصي كل ما هو ديني، لا فقط ما هو سلطوي. لذلك، يجب التمييز بين مستويين من العلمانية: مستوى اجرائي هدفه تنظيم التعدد الديني ومنع الاحتكار، ومستوى ايديولوجي يسعى الى اعادة تشكيل المجتمع وفق تصور غير ديني للحياة. المشكلة في الواقع العربي ان النقاش غالبا ما يخلط بين هذين المستويين، فيتم رفض الاول بسبب الخوف من الثاني.

نشأت العلمانية في واقع تاريخي خاص، حيث كانت المؤسسة الدينية تملك سلطة واسعة على السياسة والعلم والحياة اليومية لذلك كان الفصل بين الدين والدولة خطوة تحررية. لكن هذا الواقع لا يتطابق تماما مع واقع المجتمعات العربية، حيث لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة دائما على نفس النمط. حين يتم استيراد العلمانية كنموذج جاهز دون اعادة تأويلها، تتحول من حل الى مشكلة ،اذ يشعر المجتمع ان الفكرة لا تنبع من داخله، بل تفرض عليه من خارج تجربته التاريخية. وهنا يبدأ الرفض، لا للدولة المحايدة، بل لفكرة القطيعة مع الذات. الاشكالية، اذن، ليست في العلمانية ذاتها، بل في طريقة نقلها: هل هي ترجمة حرفية ام تكييف نقدي؟

الحياد، نظريا، يعني ان الدولة لا تفضل دينا على اخر، ولا تفرض معتقدا بعينه؛ لكن في الواقع، هذا الحياد ليس دائما بسيطا. فالدولة، حتى وهي تدعي الحياد، تنتج سياسات ثقافية وتعليمية وقانونية تعكس تصورا معينا للحياة. عندما تمنع الدولة الرموز الدينية في الفضاء العام، هل تمارس حيادا ام تفرض تصورا علمانيا محددا؟ وعندما تسمح بحضور الدين في التشريع، هل تحترم هوية المجتمع ام تفتح الباب لهيمنة دينية؟ هذا التوتر يكشف ان الحياد ليس وضعا ثابتا، بل عملية توازن مستمرة، وقد يتحول، اذا لم يدار بحساسية، الى شكل من اشكال الاقصاء الناعم. جزء كبير من الاشكالية يعود الى الخلط بين الدين كايمان فردي، والدين كاداة سلطة. فالدين في جوهره تجربة روحية واخلاقية، لكنه قد يتحول في المجال السياسي الى وسيلة للهيمنة. عندما يدخل الدين الى السياسة، يكتسب صفة الالزام، ويتحول من خيار الى معيار؛ وهنا تظهر مخاطر الاقصاء، حيث قد يعتبر من لا ينتمي الى هذا الاطار خارج الجماعة او اقل شرعية. وفي المقابل، فان اقصاء الدين بالكامل من المجال العام لا يحل المشكلة، بل ينقلها الى مستوى اخر؛ اذ يشعر المتدين ان هويته يتم نزعها من الفضاء المشترك، وان الدولة تعيد تعريفه كمواطن ناقص الحضور.

الاقصاء لا يحدث فقط حين يمنع الدين، بل ايضا حين يفرض؛ لذلك يجب توسيع مفهوم الاقصاء ليشمل حالتين: اقصاء ديني، حين تهيمن قراءة دينية واحدة على الدولة، واقصاء علماني متشدد، حين يتم تهميش كل تعبير ديني من المجال العام. في الحالتين، النتيجة واحدة: تقليص التعدد، وتحويل الاختلاف الى مشكلة بدل ان يكون مصدر غنى. في المجتمعات العربية، لا يمكن فهم العلمانية بمعزل عن الدين؛ لان الدين ليس مجرد مؤسسة، بل مكون اساسي للهوية. لذلك، فان اي مشروع يفصل بينهما بشكل جذري قد يفهم كفصل بين الانسان وذاته. لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل ان تسييس الدين ادى في كثير من الحالات الى صراعات حادة، والى تبرير العنف او الاقصاء. نحن، اذن، امام معادلة صعبة: لا يمكن الغاء الدين من المجال العام، ولا يمكن تركه يتحكم في الدولة.

الطرح التقدمي لا يقوم على اختيار احد الطرفين، بل على اعادة صياغة العلاقة بينهما عبر تمييز وظيفي، لا قطيعة عدائية؛ حيث يوجه الدين القيم، وتنظم الدولة الحقوق. كما يقوم على حماية الحرية الفردية، سواء في الايمان او عدمه، دون وصاية من الدولة او الجماعة؛ وعلى الاعتراف بالتعدد باعتباره واقعا يجب تنظيمه، لا مشكلة يجب القضاء عليها؛ وعلى منع احتكار الحقيقة، لا من قبل رجال الدين، ولا من قبل النخب العلمانية؛ وعلى بناء علمانية مرنة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمع، بدل فرض نموذج واحد. بدل ان تطرح العلاقة بين العلمانية والدين كصراع صفري، يمكن اعادة تصورها كعلاقة تفاعل؛ فالدين يمكن ان يساهم في اثراء القيم الاخلاقية، والعلمانية يمكن ان توفر الاطار الذي يحمي هذا التنوع من التحول الى صراع. المشكلة ليست في وجود الدين او غيابه، بل في كيفية ادارته داخل المجال العام؛ وكذلك ليست في العلمانية كفكرة، بل في طريقة تطبيقها. لا يمكن اختزال الاشكالية في حكم بسيط؛ فالعلمانية ليست حيادا مطلقا، كما انها ليست بالضرورة اقصاء، بل هي اداة يمكن ان تستخدم لتحقيق العدالة او لفرض رؤية معينة.

السؤال الحقيقي الذي يجب ان نطرحه هو: كيف نبني نموذجا يضمن حرية الافراد، ويحترم هوية المجتمع، دون ان يتحول اي منهما الى اداة اقصاء؟ هذا السؤال لا يملك اجابة نهائية، لكنه يفرض علينا الانتقال من منطق الشعارات الى منطق التفكير النقدي؛ وربما في هذا الانتقال يكمن المعنى الحقيقي لاي طرح تقدمي.

***

زكريا - نمر