قضايا

مصطفى غلمان: الوجود الناشئ في فضاء الشاشة

يستدعي اليوم العالمي للسلامة على الإنترنت، الذي يحل في العاشر من فبراير من كل سنة، وقفة فكرية تتجاوز المقاربات التحسيسية المباشرة، نحو مساءلة أعمق لطبيعة التحولات التي أحدثها العالم الرقمي في أنماط التنشئة وبناء الوعي، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين. فالحضور المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي في حياة القاصرين لم يعد مسألة استعمال فردي، بل أصبح عنصرا بنيويا في تشكيل الإدراك، وتنظيم الانتباه، وإعادة إنتاج القيم.

تشير التحليلات النفسية والفلسفية المعاصرة إلى أن التعرض المستمر لفضاءات رقمية قائمة على الصورة والمقارنة يترك أثرا بالغا في البناء النفسي للذات الناشئة. ففي عالم تحكمه آليات العرض والتقييم الفوري، تتشكل علاقة مشروطة بالقيمة الذاتية، قائمة على نظرة الآخر، وهو ما يلتقي مع تشخيص جان بودريار حين اعتبر أن الصورة لم تعد تحاكي الواقع، بل أصبحت تُنتج واقعا خاصا بها، أكثر حضورا وتأثيرا من التجربة المباشرة. ضمن هذا الأفق، تنمو لدى القاصر مشاعر القلق، وعدم الرضا واضطراب صورة الجسد، بوصفها تعبيرات عن اغتراب مبكر للذات داخل عالم رمزي كثيف.

وفي المستوى المعرفي، تُسهم المنصات الرقمية، ولا سيما تلك التي تعتمد الإيقاع السريع والتدفق المستمر للمحتوى، في إعادة تشكيل علاقة الطفل بالمعرفة. فالتفكير العميق، القائم على التركيز والصبر الذهني، يتراجع لصالح انتباه مجزأ واستجابات سريعة. وقد حذّرت حنة آرنت من هذا المسار حين ربطت بين فقدان القدرة على التفكير واتساع دائرة اللامعنى، معتبرة أن أخطر أشكال العجز لا تتجلى في نقص المعلومات، بل في تعطّل ملكة الحكم والتأمل. هذا التحول ينعكس بوضوح على التحصيل الدراسي، وعلى ضعف التفكير النقدي، ويجعل القاصر أكثر عرضة للتضليل وسهولة الانقياد لما هو شائع ومتداول.

أما في البعد الاجتماعي، فيكشف الانتقال الكثيف إلى التفاعل الرقمي عن تراجع ملموس في الخبرات التواصلية المباشرة. فالعلاقات التي تُبنى داخل الفضاء الافتراضي تفتقر في الغالب، إلى العمق الوجداني والاستمرارية الزمنية. ويجد هذا المعطى تفسيره في أطروحات زيغمونت باومان حول "السيولة"، حيث تصبح الروابط الإنسانية سريعة التشكّل وسهلة الانفصال، فاقدة لقدرتها على إنتاج التزام طويل الأمد. في هذا السياق تتقلص مهارات التعاطف وفهم الآخر، ويحلّ التواصل التقني محلّ الخبرة الإنسانية الحية.

ويتقاطع هذا التحول مع إشكالات تربوية عميقة. فالمحتويات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحمل منظومات قيمية مغايرة لتلك التي تسعى الأسرة والمدرسة إلى ترسيخها. نماذج النجاح السريع، والاعتراف القائم على الشهرة، والتمثلات الاستهلاكية للحياة، تعيد صياغة أفق التوقع لدى القاصر. ويؤدي ذلك إلى تصدّع في أدوار التنشئة التقليدية، في ظل غياب سياسات تربوية تدمج الوعي الرقمي ضمن مشروع ثقافي شامل. وقد نبّه بيير بورديو إلى أن إعادة إنتاج القيم لا تتم فقط عبر الخطاب، بل عبر البُنى الرمزية الخفية، وهو ما تمارسه المنصات الرقمية بفاعلية كبيرة.

ولا تنفصل هذه التحولات عن آثارها الجسدية والأمنية. فاختلال إيقاع النوم، وتراجع النشاط البدني، ومشاكل النظر والعمود الفقري، مؤشرات على نمط عيش يضع الجسد في موقع ثانوي. ويذكّرنا ميرلوبونتي بأن الجسد يشكّل أساس علاقتنا بالعالم، وأن أي اختلال في هذا الأساس ينعكس على الوعي ذاته. وإلى جانب ذلك، تبرز مسألة الخصوصية بوصفها إحدى أكثر النقاط هشاشة، حيث يفتقر القاصر إلى إدراك عميق لمعنى البيانات الشخصية وآثارها المستقبلية. وقد لفت ميشيل فوكو إلى أن أشكال السلطة الحديثة تعمل عبر المراقبة الناعمة، حيث يُنتج الفرد ذاته داخل أنظمة ضبط غير مرئية، وهو ما يتجلى بوضوح في المنصات الرقمية.

تكشف هذه المعطيات أن إدمان القاصرين على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والمعرفية والتربوية والقيمية. فالتكنولوجيا، بما تحمله من إمكانات، تظل مجالا مفتوحا على إمكانات متعددة، غير أن غياب التأطير الثقافي والتربوي يحوّلها إلى قوة مؤثرة في تفكيك المعنى. ويظل الرهان الأساسي مرتبطا ببناء وعي نقدي رقمي، يُعيد الاعتبار للتفكير، ويمنح القاصر أدوات الفهم والاختيار داخل عالم تحكمه الخوارزميات.

إن هذا النقاش يمثل مدخلا ضروريا لمساءلة السياسات التربوية، وأدوار المؤسسات الاجتماعية، وحدود المسؤولية الأخلاقية في زمن التحول الرقمي، وهي محاور تستدعي معالجة أكثر تفصيلا في مقاربات لاحقة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم