ظاهرة ثقافية أم سلاح في معركة الروايات؟!
هذه الأيام، كما تعرفون، زمن الروايات. كل واحد عنده رواية، وكل جماعة عندها تاريخ تحكي، وكل أقلية تبحث عن صوت وسط الضجيج. ومن كم سنة ظهرت موجة لافتة؛ مذكرات وحكايات وقصص عن اليهود العرب. كانت هذه القصص محبوسة في المكتبات المتخصصة وبحوث المؤرخين، وصارت فجأة على الفضائيات، وفي عناوين الصحف، وفي الندوات والمقاهي الثقافية. يعني سوق جديدة فتحت لهذا النوع من البضاعة الفكرية.
طبعاً، لازم نسأل لماذا الآن؟ وبعد كل هذه العقود؟ ولماذا تتسابق دور النشر العربية والعالمية على هذه الحكايات؟ هل نحن أمام ظاهرة ثقافية بريئة، أم أمام معركة على الرواية التاريخية نفسها؟ معركة يريد فيها طرف أن يكتب تاريخ المنطقة من جديد، لكن من زاويته هو فقط؟
وأنا أتأمل هذه الموجة، لا أستطيع أن أتجاهل جانبها الإنساني. في هذه المذكرات حكايات ناس عاشوا بيننا، شاركونا حياتنا، وكانوا جزءاً من مجتمعاتنا في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب. ما كانوا أرقاماً ولا رموزاً، كانوا بشراً عاشوا وضحكوا وبكوا بيننا. وهذا جانب صادق، وما يصح لقارئ منصف أن ينكره. تعبير عن حنين إلى زمن كان التعايش فيه ممكناً، رغم كل الصعوبات.
ولكن… وهنا (ولكن) كبيرة!… هناك دائماً (ولكن) في تاريخنا!. خلف هذا الجانب الإنساني، هناك بعد آخر يثير الريبة. بعد سياسي وأيديولوجي واضح. الأمر ليس مجرد استعادة ذاكرة، بل محاولة لاستغلال المشاعر الإنسانية وتحويلها إلى سلاح في معركة الروايات. سردية جديدة تصور تاريخ اليهود في البلاد العربية ليس كتاريخ طبيعي لطائفة عاشت بيننا بتناغم وتوتر، بل كتاريخ اضطهاد متصل ومزمن، وصل ذروته في التهجير أو الرحيل القسري. يعني رواية مضادة للرواية الوطنية!!.
والأخطر أن هذه السردية لا تكتفي باستعادة الذاكرة، لكنها تريد إعادة تقييم التاريخ كله. ترفع من شأن الفترة التي وصلت فيها بعض الجماعات اليهودية- ومثلها أقليات أخرى- إلى قمة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي، وتصورها على أنها (العصر الذهبي) لتلك البلاد. وكأن ازدهار المجتمع كان مرهوناً بتلك المرحلة بالذات. وهذا قلب للحقائق، وهو ما حذر منه الكاتب محمد الدخاخني بحكمة نادرة حين كتب عن الأرمن في مصر، وكلامه يسري على الحالة كلها.
الدخاخني كتب في مقاله "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك… يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".
وهذا كلام في الصميم. تاريخ مصر الحديث، بكل إنجازاته وإخفاقاته، وبكل كفاح شعبه من أجل الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية، لا يمكن أن يختزل في ازدهار فئة محدودة ارتبطت مصلحتها ببقاء الأوضاع تحت الحماية الأجنبية أو سلطة القصر.
ويلفت الدخاخني إلى ظاهرة أوسع: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي".
وهذا هو لب الموضوع. معركة روايات. صراع بين رواية وطنية جامعة، ربما قصرت أحياناً أو بالغت في تبسيطها، ورواية مضادة تريد أن تقتلع الأولى من جذورها، لتحل محلها رواية طائفية أو أيديولوجية ضيقة، تضع تاريخ الأقلية في مواجهة تاريخ الأمة. وفي خضم هذا الصراع تضيع الحقيقة المركبة.
في دهاليز التاريخ
لكن، قبل أن نذهب بعيداً، من المهم أن نتوقف وقفة صادقة مع أنفسنا. أليس في رفضنا لهذه الرواية المضادة خطر أن نرتكب خطأ من الناحية الأخرى؟ خطأ إنكار التجربة الإنسانية لآلاف اليهود الذين كانوا جزءاً منا؟ وخطأ إلصاق تهمة الخيانة بالجميع دون تمييز؟!
الحقيقة أن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري كان قبل كل شيء مواطناً عربياً. كان يتكلم لغتنا، ويشارك في أفراحنا وأتراحنا، وينتمي إلى وطنه بانتماء لا يقل عن انتماء أي جار له. كان له دور في الاقتصاد والثقافة والفن. وتاريخهم صفحة من صفحات تاريخنا، وتجاهلها جريمة في حق الذاكرة الجماعية.
وهنا تأتي قيمة الشهادات الإنسانية النادرة. أتذكر ما كتبته صافي ناز كاظم في فصل مؤثر من كتابها "رؤى وذات"، حين استعرضت سيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي في "رأيت رام الله". نقلت الكاتبة صورة حميمة لحياة اليهود العرب من خلال ذكريات سيدة مصرية عاشت بينهم. ما كانت تتحدث عن سياسة أو صراع، بل عن جيران وأصدقاء، عن تفاصيل الحياة الصغيرة التي تنسج أواصر القربى بين البشر، قبل أن تقطعها مقصات السياسة الكبيرة. ومثل هذه الشهادات لا تضعف الرواية الوطنية، بل تقويها وتجعلها أكثر إنسانية.
وفي المقابل، ما يجوز لنا، ونحن ننصف هذه التجربة، أن نغض الطرف عن حقائق تاريخية مريرة. عندما قامت دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في مأزق لم يخلقوه. حشرتهم الصهيونية العالمية، بدعم من قوى الاستعمار الغربي، في زاوية ضيقة؛ إما الولاء الكامل للدولة الجديدة، وإما البقاء تحت الشك والريبة في أوطانهم. وأنظمتنا العربية في تلك الفترة الحرجة كانت تفتقر إلى الحكمة والرؤية البعيدة. بدلاً من أن تميز بين الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية، وبين الانتماء الديني لليهودية، سقطت في فخ رد الفعل الأمني العشوائي.
عومل اليهود في مصر والعراق وسوريا أحياناً ككتلة مشبوهة. وفرضت عليهم قيود، وصودرت أملاك، ووجهت إليهم تهم جاهزة، وحدثت اعتقالات وطرد لجماعات بكاملها. وكانت هذه الإجراءات خطأ تاريخياً فادحاً. ليس فقط لأنها انتهكت حقوق أبرياء، إنما لأنها خدمت الرواية الصهيونية على طبق من ذهب. وقدمت المبرر الذي كانوا يبحثون عنه، ودفعت ببعض يهود العرب إلى اليأس والخوف، مما سهل استقطابهم أو دفعهم إلى الهجرة.
ولكن… ومرة أخرى (ولكن)!.. لا يمكن أن نغفل حقيقة أخرى مؤلمة. لم يكن جميع يهود العرب أبطالاً سلبيين في هذه المأساة. كانت هناك نخب يهودية بارزة، في أكثر من قطر عربي، تعاونت مع المشروع الصهيوني عن قناعة. سخرت أموالها ونفوذها لخدمة هذا المشروع، ورأت في قيام إسرائيل تحقيقاً لحلم قومي، حتى لو كان على حساب الوطن الذي عاشت فيه. نقدنا للأخطاء العربية الفادحة لا يجب أن يتحول إلى تبرئة كاملة لهؤلاء. الحقائق يجب أن تقال كلها.
الوجه الآخر للمأساة!!
وتبقى المفارقة الأكثر إيلاماً في هذه القصة كلها، هي ما حدث على الأرض الأخرى، أرض إسرائيل نفسها. الصورة الوردية التي روجت لها الدعاية الصهيونية عن العودة إلى الوطن التاريخي، ما هي إلا أكذوبة كبرى. من ذهب من يهود العرب إلى إسرائيل لم يجد أرض الميعاد، بل وجد مجتمعاً عنصرياً بامتياز، يهيمن عليه اليهود الأشكناز، أصحاب الأصول الأوروبية.
استقبلت النخبة الأشكنازية الحاكمة إخوتهم القادمين من الشرق، لا كأبناء عمومة عادوا من الشتات، لكن بنظرة استعلاء واحتقار. نظروا إليهم كمتخلفين، جلبوا معهم ثقافة شرقية دونية تهدد طهر المشروع الصهيوني الأوروبي. وبن جوريون نفسه شبههم بـ"الزنوج الذين أحضروا إلى أمريكا كعبيد"، ورأى أن من واجب الدولة "مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات".
وانتقلت هذه النظرة من الخطاب إلى السياسات العملية:
أولاً: سياسة "الأسرلة" القسرية ومحو الهوية. حيث شنت الدولة حملة منهجية لاجتثاث كل ما هو عربي في هؤلاء المهاجرين. حوربت اللغة العربية، فرضت أسماء عبرية، وقمعت تقاليدهم الدينية الشرقية. الهدف كان خلع هويتهم القديمة وفرض هوية جديدة مصنوعة في أوروبا.
ثانياً: التمييز الاقتصادي والاجتماعي. لم يسمح لهم بالاستقرار في المراكز الحضرية المتطورة. أُسكنوا في مستوطنات حدودية خطرة ("معبروت")، ليكونوا درعاً بشرياً، أو في أحياء فقيرة على أطراف المدن. حُصر معظمهم في أعمال هامشية وزراعية، بينما احتفظ الأشكناز بمراكز القوة في الدولة والجيش والاقتصاد. وخلق هذا، كما يشرح عالم الاجتماع الإسرائيلي إيهودا شينهاف، "مجتمعاً أشكنازياً ذا ثقافة غربية"، وفتح هوة سحيقة ما زالت تعرف بـ"الفجوة الإثنية".
ثالثاً: المفارقة المأساوية - الاستغلال الأمني للهوية الممحوة. وهذه أقسى مفارقة. بينما كانت الدولة تمحو "عروبة" هؤلاء اليهود، كانت تستغل هذه العروبة الواقعية لأغراضها الأمنية. بسبب ملامحهم ومعرفتهم باللغة والعادات، جُند آلاف منهم في الموساد والشاباك ووحدات خاصة في الجيش، ليتم استخدامهم للتسلل والتجسس على الدول العربية. استُخدمت هويتهم الأصلية، التي أُهينت وحوربت، كسلاح ضد أوطانهم الأصلية.
وهكذا تحولت الرحلة إلى الوطن المزعوم، لكثيرين، إلى رحلة إلى جحيم التمييز. عانوا معاناة مزدوجة؛ حرموا من أوطانهم الأصلية بفعل ظروف قاهرة، ثم واجهوا الاضطهاد في الوطن البديل. كانوا ضحايا مرتين: ضحايا لسياسات عربية خرقاء وخائفة، وضحايا لمشروع صهيوني رأى فيهم وقوداً بشرياً أو عنصراً دخيلاً يجب إعادة صياغته بالقوة.
نحو طريق ثالث
فماذا نصنع أمام هذا الإرث الثقيل؟ كيف نقرأ تاريخ يهود العرب قراءة تليق بجدية الموضوع؟
الطريق الوحيد، في رأيي، هو طريق ثالث. يرفض أن يسجن في ثنائيات بسيطة تفرض الاختيار بين رواية وأخرى. طريق يبني رواية جديدة، أكثر إنسانية وشمولاً، تتسع لجميع أطراف المعادلة بكل ما فيها من ألم وتناقض.
وهذا الطريق له شروط: أولاً: التمييز الحاسم. يجب أن نفرق بوضوح بين اليهودي العربي المواطن المتجذر في تربته، والصهيوني الحامل لأيديولوجيا استعمارية معادية. وبين معاناة الأبرياء الذين دفعوا ثمن هويتهم الدينية فقط، والمسئولية السياسية للنخب التي تعاونت بوعي مع المشروع المعادي. وبين نقد الأخطاء الجسيمة للأنظمة العربية، ورفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذي الأخطاء لتبرير جرائمها.
ثانياً: مقاومة الحنين المزور. لا يجوز أن ننجرف وراء موجة الحنين الرومانسية إلى زمن اليهود العرب، إذا كان هذا الحنين يعني الحنين إلى عصر الهيمنة الأجنبية والامتيازات الطبقية. الذاكرة الحقيقية هي الذاكرة الشاملة، التي تتذكر جمال التعايش في الحارة القديمة، ولا تنسى قسوة المحاكم المختلطة التي سلبت أراضي الفلاحين.
ثالثاً: استعادة البعد الإنساني الفردي. يجب أن نكف عن النظر إلى يهود العرب ككتلة مجهولة أو كرمز سياسي مجرد. كانوا بشراً، لكل منهم اسمه وقصته ووجهه. عاشوا حياة كاملة، فيها الحب والخوف والفرح والحزن. واتخذوا خيارات في ظل ظروف بالغة القسوة. بعضها كان شريفاً، وبعضها خاطئاً، وبعضها محض صراع من أجل البقاء. وفهم هذا التعقيد هو بداية أي مصالحة حقيقية مع الذاكرة.
فالتاريخ الذي ننشده ليس تاريخاً أسطورياً نقياً، ولا تاريخاً بلا عيوب. إنه تاريخ البشر كما هم ضعفاء وأقوياء، شجعان وخائفون، مخطئون ومصيبون. والقراءة النقدية الصادقة لتجربة اليهود العرب هي اختبار لمدى نضجنا الفكري والأخلاقي. اختبار لقدرتنا على كتابة تاريخ لا يهدف إلى الانتقام أو التبرير، بل إلى الفهم. تاريخ يعيد بناء الذاكرة الجماعية على أساس من الحقيقة والعدالة، ليكون أساساً لمستقبل نصنعه معاً، لا لماضي نتحارب عليه إلى الأبد.
***
د. عبد السلام فاروق








