يشهد السجل التاريخي حالات لا حصر لها في التعصب الوطني والقومي، وعرف التاريخ ألواناً من التعصب الطائفي والديني، وواجهت المجتمعات البشرية، - على وجه الخصوص في عصرنا الحديث - ضروباً متعددة من التعصب العنصري والعرقي والعشائري. في الحالات جميعها، كان التعصب يمثل انتماءً يصل إلى حد العبودية للجماعة، وكراهية الآخر والتعالي عليه. مما شكل أساساً للصراع بين الأمم والجماعات، ويحفظ لنا الشعر العربي أمثلة عديدة في التعصب والعصبية.
ليس التعصب انفعالاً عابراً، ولا دفاعاً مشروعاً عن فكرة أو عقيدة أو هوية، بل هو حالة عقلية تنشأ عندما يتوقف الإنسان عن مساءلة ما يؤمن به، ويغلق باب الحوار مع الآخرين، فيغدو اليقين سداً يحول بينه وبين الحقيقة. ومن هذه الزاوية ينظر أصحاب الفكر إلى التعصب بوصفه نقيضاً للعقل النقدي، وعدواً للتقدم الحضاري، لأنه يستبدل البرهان بالإيمان الأعمى، والحجة بالصوت المرتفع، والإنسان بالفكرة المجردة.
الواقع أن التعصب، بوصفه ظاهرة بشرية خالصة تنتمي إلى العلاقات الإنسانية، يمكن معالجته بمناهج وأساليب متعددة، في استطاعة علم النفس، وعلم الاجتماع، ومبادئ التربية، والعلوم البيولوجية، أن تساعد الإنسان على تجاوز هذا السلوك الذي عانى منه ردحاً من الزمن.
بينما تستطيع المعالجة الفلسفية أن تكشف الجوانب الخفية في السلوك المتعصب، وأن تزيح النقاب عن تلك البناءات التي تقوم عليها المشكلة، فهناك أبعاد عميقة تكمن وراءها، وربما كان المنهج الجدلي هو الأصلح في معالجة الموضوعات الإنسانية.
تكمن المشكلة في امتلاك الإنسان لعقيدة أو موقف فكري، تتحول تلك العقيدة إلى حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ويصبح الاختلاف معها خروجاً على الصواب أو خيانة أو كفراً. هنا يفقد العقل وظيفته، ويتحول إلى أداة لتبرير ما يؤمن به صاحبه، لا إلى وسيلة للبحث عن الحقيقة.
المتعصب لا يفكر لكي يعرف، بل يعرف مسبقاً ثم يبحث عما يؤكد معرفته. ولذلك لا يقرأ إلا ما يوافقه، ولا يسمع إلا من يشبهه، ولا يفسر الوقائع إلا بما يخدم قناعته. وهكذا تتحول المعرفة إلى دائرة مغلقة، ويغدو الحوار مستحيلاً، لأن أحد طرفيه لا يعترف بإمكان أن يكون مخطئاً.
من أخطر أشكال التعصب حين لا يقتصر على الدين أو السياسة، بل يمتد إلى كل مجالات الحياة. التعصب لحزب، أو لقومية، أو لنظرية فلسفية، أو لنادٍ رياضي، أو حتى لشخصية عامة. فجوهر التعصب واحد، مهما اختلف موضوعه، وهو الاعتقاد بامتلاك الحقيقة كاملة، وتجريد الآخرين من حقهم في الاختلاف.
تصدى علماء النفس إلى هذه الظاهرة في الكشف عن جذورها العميقة في النفس البشرية، البعض منهم مؤمن بأن التعصب ينشأ بطريقة غريزية ضد الانسان "المختلف". وأن بعض الأجناس البشرية أكثر تفوقاً بطبيعتها من الأجناس الأخرى.
بينما فسّر البعض التعصب على أساس مادي بوصفه مظهراً من مظاهر استغلال الإنسان. وليس في وسعنا أن نجزم أن هذا التفسير صالحاً في كل حالات التعصب. لكن المؤكد أن مواجهته تقوم على صراع أيديولوجي واجتماعي وسياسي، من أجل التحرر من كافة أشكال الاستغلال.
لهذا فإن المجتمعات التي يسودها التعصب تصبح عاجزة عن إنتاج المعرفة. فالعلم لا ينمو إلا في بيئة تسمح بالشك والسؤال والنقد. أما حين يصبح السؤال جريمة، والنقد إساءة، والاختلاف عداءً، فإن الإبداع يذبل، ويحل التقليد محل الابتكار. ولعل هذا ما يفسر ازدهار الحضارات عبر التاريخ، تلك التي فسحت المجال لتعدد الآراء، بينما تراجعت الحضارات التي أغلقت أبواب الاجتهاد وحاصرت حرية التفكير.
إن من الشائع، عند تحليل بنية التعصب، أن يقال عنه أنه ينشأ عند الأغلبية ضد الأقلية أولاً، غير أن حالات قليلة تخرج عن هذا النمط المألوف. أعني حالات تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تضطر هذه إلى ردود أفعال دفاعية ضدها، أو ممارسة تعصب مضاد أشد عنفاً من التعصب الأصلي.
شهد عصرنا الحالي نموذجاً فريداً من هذا اللون من التعصب في روديسيا، وجنوب أفريقيا. الأقلية البيضاء من أصل أوربي تمارس اضطهاداً جماعياً شاملاً ضد أغلبية أفريقية، من سكان البلد الأصليين، هذا اللون من التعصب يعد أشد ألوان التعصب شراسة.
على أن تاريخ اليهودية يمكن أن يعدّ مثلاً صارخاً، امتد عبر مئات السنين، لهذا اللون الفريد من تعصب الأقلية ضد الأغلبية، تعد الأقلية اليهودية من الوجهة السياسية، أقلية ضعيفة، ومع ذلك وهي في حضيض الضعف تمارس شتى أنواع الاستفزاز في المجتمعات التي تعيش فيها، ما يدفع المجتمع إلى اضطهادها رغماً عنه. ذلك أن اسطورة شعب الله المختار، مهما قيل عنها، قائمة في التراث الديني اليهودي، مع أن بعض المستنيرين يحاولون تفسيرها بمعانٍ غير عنصرية، لكن الشواهد تؤكد أن هذه الأسطورة يرتكز عليها التكوين العقلي اليهودي، تدفعه إلى التصادم مع مجتمعه.
وينقلب إلى وحشية مخيفة حين تتحول الأقلية إلى مركز القوة، كما يفعل الكيان الصهيوني اليوم.
يعتقد البعض بأن التعصب دليل قوة. وهو وهم شائع. فالواقع أن المتعصب يخشى الحوار لأنه يخاف اهتزاز يقينه، وأخطر نتائج التعصب أن يتحول الإنسان إلى أسير لهويته الضيقة، فلا يرى في الآخرين شركاء في الوطن أو في الرأي، بل خصوم ينبغي إقصاءهم. وعندما تسود هذه الروح، تصبح الكراهية لغة يومية، ويحل الانقسام محل التعايش. من هنا يبدأ التراجع الحضاري، فالأمم لا تنهض بالصراخ المتبادل، والتعصب ليس قدراً محتوماً، بل هو مرض ثقافي يمكن مقاومته إذا انتصرت قيمة العقل على سلطة الانفعال، وقيمة الحوار على منطق الإقصاء، وقيمة الإنسان على العصبيات الضيقة.
حين يتعلم الإنسان أن يشك بعقله قبل أن يدين غيره، وأن يراجع أفكاره قبل أن يهاجم أفكار الآخرين، يكون قد خطا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر إنسانية.
***
جمال العتابي








