يعتمد فيلم (الزائر)، المقتبس من قصة تحمل الاسم نفسه للقاصة العراقية - المصرية بثينة الناصري، على تقنية الومضة المباغتة أو النهاية التنويرية التي تظل عالقة في ذاكرة المتلقي ولا تغادرها بسهولة. ويمكن تسمية هذه النهاية الآسرة بـ "الانعطافة السردية" (Narrative Twist)، وليس "الالتواء السردي"، كما يعتقد بعض المترجمين.
وعلى الرغم من قِصر الفيلم الذي لا تتجاوز مدته 13 دقيقة و37 ثانية، فإنه ينطوي على موضوعات متعددة تستحق التأمل والتحليل، بدءًا من المناخ القوطي، مرورًا بثيمة العزلة والاضطراب النفسي، وانتهاءً بالسؤال الوجودي الذي يؤرّق المضيّف، فيطرحه على زائره بصيغة استفهامية تنطوي على مساءلة الذات ومراجعة التجربة، ولا تخلو من اللوم والتقريع: "هل حققتُ ذاتي؟".
ولا بدّ من الإشارة إلى أن شخصية المضيّف، التي جسّدها الفنان هشام زكري، تنطوي على محمولات ثقافية وفكرية تتجاوز حدود الحكاية المباشرة، وإن ظلت العزلة الثيمة الأكثر هيمنة على مجمل أحداث الفيلم، سواء أكانت عزلة نفسية أم اجتماعية أم فلسفية. فقد يمتلك المرء أسباب الراحة والنجاح الاجتماعي، لكنه يظل عاجزًا عن تحقيق ذاته الإبداعية، أو يسقط في أتون وحدة مقيتة لا يبددها النجاح المادي ولا الترف الطبقي، مهما تجسّدا في قصر منيف وسيارة فاخرة وأثاث وثير. فكل هذه المظاهر تفقد بريقها حين تغيب المرأة التي يحبها، أو الطفل الذي يتوق إليه، أو حين يفتقر إلى التواصل الإنساني مع الأهل والأصدقاء والأحبّة.
ومن هنا تنبثق إحدى الثيمات الأساسية للعمل؛ إذ لا يعود الزائر مجرد شخص غريب يطرق الباب، بل يغدو احتمالًا للخلاص من عزلة تطبق على المضيّف من الجهات الأربع، وصورة للآخر الذي يحتاج الإنسان إلى حضوره كي يستعيد صلته بالعالم الخارجي ويتحرر من التقوقع والسجن اللذين فرضهما على نفسه.
المناخ القوطي وسجن العزلة
ولكي نحيط القارئ الكريم بتتابع الأفكار التي ينطوي عليها سيناريو الفيلم، لا بدّ أن نتوقف أولًا عند المناخ القوطي (Gothic Atmosphere)، الذي وظّفته المخرجة بصيغة مخففة. فالمناخ القوطي، بوجه عام، أسلوب جمالي يهدف إلى خلق إحساس بالغموض والرعب والاغتراب والقلق النفسي، من خلال استحضار أجواء قاتمة ومشحونة بالعزلة والأسرار والمجهول.
ولو تأملنا فيلم (الزائر) لوجدنا أن البرد والأجواء الماطرة والشوارع المغمورة بالمياه حاضرة على امتداد أحداثه. ونرى المضيّف يتحدث عن الشاي والجاكيت والذكريات، في محاولة لاستدراجنا إلى عالم يبدو واقعيًا في ظاهره، لكنه ينطوي على إشارات متزايدة إلى اضطراب داخلي يتكشف تدريجيًا. فالبيت المغلق، والباب الذي يتأكد صاحبه من إقفاله، والمفتاح الذي ينسى مكانه، كلها عناصر تتداخل فيها دلالات الاحتماء والسجن، والأمان والخوف. كما أن استحضار أدب الرعب، ولا سيما أدب الكاتب الأمريكي إدغار آلان پو، يمنح الأجواء امتدادًا نفسيًا يعكس القلق الكامن في أعماق الشخصية.
أما العزلة، التي أشرنا إليها سلفًا، وما يتفرع عنها من الخوف والقلق النفسي والانطواء الذي قد يبلغ حد الاضطراب، فهي الثيمة المركزية التي تقوم عليها هذه القصة السينمائية المحبوكة. وقد نجحت الناصري في إقناعنا بوجود زائر يلتقي بمضيّفه ويتبادلان أطراف الحديث في شؤون شتى تتعلق بالحياة والعمل والحب والسفر وخيبات الأمل. ويبدو الزائر شخصية مستقلة تحلم بالسفر إلى بلاد الغربة والحصول على فرصة عمل تؤمّن له العيش الكريم الذي افتقده في بلده.
ويعزز المضيّف حديث زائره قائلًا: "يعمّي خلاص، سافر بلاد الغربة، وترجع تشتري بيت وعربية، وتحط فلوس بالبنك، وكل البنات بتحبّك، وكل البنات حلوين".
ثم نكتشف أن الزائر لا يبتغي سوى الفتاة التي يحبها، والتي ذهب من أجلها إلى سوق الملابس المستعملة واشترى الجاكيت، قبل أن يتوجه إلى والدها طالبًا يدها. غير أن الرد جاء صادمًا ومخيّبًا لآماله، إذ أجابه والدها بنبرة متعجرفة: "أنت مش من مستوانا!". وهنا يتجلى الصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء، وتُفتح أبواب النقد الاجتماعي على مصاريعها في هذا الفيلم الروائي القصير.
لقد نجحت بثينة الناصري في إثبات حضورها مخرجةً وقاصةً وسيناريست وكاتبة حوار، فضلًا عن امتلاكها رؤية إخراجية عميقة ومرهفة في آن واحد. كما نجح الفنان بسّام شاكر في تجسيد شخصية الزائر وإضفاء قدر من الاستقلالية والإقناع عليها الأمر الذي أهّله للوقوف بجدارة أمام شخصية المضيّف التي أداها الفنان هشام زكري، وهو شخصية محبوبة وقريبة إلى القلب.
ولا تكتفي الناصري بتصوير غربة الإنسان وعزلته داخل قوقعة المنزل الذي يعيش فيه، بل تتناول أيضًا الاغتراب المضاد الذي يواجهه الإنسان المنعزل حين يقرر العودة إلى المجتمع من جديد، ليكتشف أن سورًا شاهقًا قد شُيّد بينه وبين أفراده، وأن ثمة حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا منيعًا لا يقوى على تقويضه بسهولة. فالزائر يمثل توق الإنسان إلى التغيير والانعتاق من واقعه المرير، في حين يكشف المضيّف، الذي يحذِّره من أخطاء الاختيار لأنه لم يجد في نجاحه المادي ما يحقق له الاكتفاء الداخلي أو الطمأنينة المنشودة.
الذاكرة والانعطافة السردية
وثمة إشارة ثقافية أخرى تُغني الفيلم وتوسّع مداه، حين يذكر المضيّف أنه اقتنى، قبل عشرين عامًا، رواية "مائة عام من العزلة" للروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، لكنه لم يقرأها أو يتصفحها قط، على الرغم من رغبته القديمة في معرفة كيفية كتابة الرواية أو القصة القصيرة. فهو، كما يتضح من الحوار، يكتب رواياته وقصصه في ذهنه، لكنه لا يعرف كيف يدوّنها على الورق. إنه "يكتبها في خياله ويقرأها بنفسه، ويمارس دور المؤلف والقارئ معًا"، كما يقول زائره، مُعززًا بذلك وتيرة النقاش.
ويتزامن هذا الحوار مع طلب الزائر من مضيّفه أن يكمل القصة التي أثارها في بداية الفيلم عن الغريب الذي قد يطرق الباب في هذا المساء الماطر، ويحكي لهما قصة أغرب من الخيال. وقبل أن يتمكن المضيّف من الرد، يسمعان بالفعل طرقًا على الباب. لكن القادم لم يكن شبحًا أو شخصًا يريد بهما شرًا، وإنما هو السائق الشخصي ومدبّر المنزل، الذي يكشف لنا الحقيقة الصادمة التي تقول: لم يكن هناك أي زائر، وكان المضيف يحاور ذاته لا غير!
وتكمن المفارقة في أنَّ الغرفة المغلقة لم تتغير ماديًا طوال الفيلم، لكن دلالتها تنقلب تمامًا بعد انكشاف الحقيقة؛ فالمكان الذي اعتقدنا أنه يجمع شخصيتين يتضح أنه لم يكن يحتضن سوى شخص واحد. وهنا تتجلى براعة النهاية التنويرية (The Enlightening Ending)، أو الومضة المباغتة (The Sudden Flash Ending)، التي تفكك الوهم الذي بناه السرد تدريجيًا طوال الأحداث، والتي ظلت تتصاعد أمام سمعنا وبصرنا حتى اللحظة الحاسمة.
وتثير هذه النهاية الصادمة أسئلة عديدة، من بينها: هل يستطيع الزائر المتخيَّل أن يعوّض غياب التواصل الحقيقي، أم أنه ليس سوى محاولة يائسة لتأجيل مواجهة الذات؟ وهل كان المضيّف يحاسب نفسه على إخفاقه العاطفي، ويعزو أسبابه إلى الفوارق الطبقية والاجتماعية؟ وهل كان يوبّخ ذاته على أخطاء اختياراته في العمل والسفر والعلاقات الإنسانية، لأنه كان يتوهم أن الحياة ليست سوى سلسلة من المغامرات العابرة؟
فعلى الرغم من نجاحه في جمع الثروة وبناء المنزل وتأثيثه وشراء السيارة الفاخرة وسائر مستلزمات الحياة، ظل المضيّف معزولًا وأسير منزله الوثير، عاجزًا عن التواصل إلاّ مع ذاته المنغلقة، التي تخشى فتح الباب والنظر إلى ما يجري خارج السجن الذي صنعته لنفسها، حتى وإن كان العالم المحيط بها كئيبًا وممطرًا وغارقًا في فضاء قوطي ديستوبي موحش.
جدير ذكره أنّ القاصة بثينة الناصري قررت دراسة الإخراج السينمائي فأنجزت منذ عام 2022 وحتى الآن ستة أفلام روائية قصيرة وهي على التوالي: (حظ السلاحف) و(مفترق طريق) و(الزائر) و(عباية فينوس) و(طيارة ورق) و(الصمت الصاخب) وقد نالت عنها العديد من التنويهات والجوائز في مهرجانات دولية أثنت على موهبتها السينمائية وأشادت برؤيتها الإخراجية المتميزة.
***
لندن: عدنان حسين أحمد








