عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

سليم جوهر: عندما تفقد الحقيقة قيمتها

ان العلاقة بين المعرفة والواقع، أو بيان صلة الفكر بالحدث الاجتماعي تعني وعينا بالاشياء ومعرفتها بها ثم المواقف المتخذة تتأثر في ضوء الحدث الاجتماعي، وكيف تؤثر الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحيطة بوعينا ومواقفنا تجاه أي حدث. لذا فالمعرفة اﻻجتماعية تعني أن الناس في جماعات معينة طوروا أسلوبا خاصا في التفكير عبر سلسلة من المواقف تجاه أوضاع نموذجية معينة يتميز بها مركز الجماعة المشترك (1). وهنا علينا أن ﻻ نبحث عن صدق أو خطأ المعرفة تلك لأننا أن فعلنا ذلك اصبحنا ذوي تفكير أيديولوجي.

فالمعرفة التي تدرس تأثير الواقع على الوعي بدﻻ من التركيز على الأفكار التأملية والأولويات العقلية، اي تبحث عن أثر العنصر الاجتماعي في النسق المعرفي، إلى جانب العقل والنص الديني وغيرها من مصادر المعرفة (2). يهتم هذا الفرع من العلم بدراسة المعرفة وتأثرها بالمجتمع، وكيف تؤثر ومدى هذا التأثير. فسوسيولوجيا المعرفة تقوم بتحليل العلاقة بين المعرفة والواقع (3). اي دراسة ذلك التعالق بين المعرفة والواقع. فالتفكير وليد الواقع لانه مشروط اجتماعيا، اي انه متأثر بأنماط من المعرفة تتأثر بيساقها الاجتماعي، فالتفكير يتأثر بشكل قهري بعناصر ﻻ واعية. وهي تشكل أساس معرفي يتسالم عليه المجتمع في ظرف اجتماعي معين منتجا اتجاها معرفيا يرتبط اساسا بالوجدان أكثر منه بالمنطق والفكر، وتصبح هذه المعتقدات بديهية من الصعب معارضتها.

فسوسيولوجيا المعرفة تتحرى عن مكامن ارتباطها في الواقع الاجتماعي، من خلال دراسة العلائق بين أنماط الحياة الاجتماعية والمعرفة السائدة. وتحليل الاتجاه المعرفي استناداً إلى ظرفه الاجتماعي. فتحت اي ظرف أو في إطار تبلورت تلك الاتجاهات المعرفية، من خلال البحث عن الشروط الاجتماعية للمعرفة، أو دراسة النمط المعرفي في ضوء سياقه الاجتماعي. فالمواقف تتكون في ظل ظروف كثيرة التنوع وفي أوقات مختلفة (4). فالتركيبة الذهنية كما تظهر في أنماط المعتقدات بين الجماعات في عصر تاريخي معين هي "أيديولوجيا" حاكمة في ذلك السياق التاريخي "الذاكرة الجماعية".

فالذاكرة الجماعية، هي التي تصوغ طبيعة المواقف تجاه الاحداث وهي السردية، او الخلفية التي تصوغ المزاج الفردي والجمعي، وتحدد المواقف تجاه الاحداث التاريخية. ان محاولة اقصاء الذاكرة الجمعية (وطنية، دينية) كما يحلو للبعض هو محاولة لاستلاب هذه الجماعة من وضعها الاجتماعي. او محاولة تجريد الجماعة من وعيها بذاتها. فالحفاظ على ذاكرة جماعة بشرية شرط هويتها ووحدتها. فالمجتمع المتناسي هو مجتمع فاقدا هويته وعاجزا عن مواجهة مصيره، وفي المقابل ان تملك ذاكرة جديدة هو شرط التحرر الاجتماعي (5).

فلا تنبني الذاكرة الفردية خارج الذاكرة الجماعية، فحين نتذكر نستدعي تلك المعتقدات الراسخة كبديهيات وخاصة المتعلقة بوجود الفرد والجماعة وهويتها، نستدعي الصور الاكثر حضورا وبداهة، والأقل تعقيدا، وهي تخضع لمنطق داخلي مخصوص بها ولا تخضع لمنطق عام. فظروف الواقع اجتماعيا وثقافيا تتطلب استرجاع الذاكرة الجماعية والفردية من أجل بناء موقف راهن (6). هي "الأطر الجمعية للذاكرة": التي تنظم الذاكرة الفردية بحيث لا تخرج عن تلك الاطر، التي تتكون من مرجعيات اجتماعية وثقافية مشتركة، متعلقة بأفكار ومشاعر ترتبط بأشخاص ومجموعات وأماكن وتواريخ ولغة، ترتبط بالحياة المادية والمعنوية كلها للمجتمعات التي نحن جزءا منها. أنها علامات تهدينا لاتخاذ مواقف معينة في الزمان والمكان، وافكار تاريخية وجغرافية وسياسية ومعطيات من تجربة معاشة تؤثر بشكل عميق على اتجاهاتنا في تحديد مواقفنا إزاء أي حدث. والذاكرة الفردية متعلقة بالذاكرة الجمعية، وتتغير بحسب الحدث ووضعه واتجاهه، والذي يتأثر بحسب العلاقات التي نقيمها مع بيئات أخرى.

فالأطر الاجتماعية للذاكرة، أبنية ديناميكية تؤثر وتتأثر بمعطيات الواقع المتجدد الذي يتطلب الفرز، فحين لا تبقى للذاكرة أية وجاهة في الحياة الراهنة للمجموعة تختفي كليا، وتنسى المجموعة ذاك الذي ما عاد ينفعها بشيء (7). وهذا ما حصل مع انحسار التوجه المدني في مسير الاحتجاج اللاهوتي في إنتخابات عام (٢٠٢٥) وهو يخالف مع ما حصل في انتخابات عام 2001 من انحسار التوجه اللاهوتي امام الاحتجاج المدني. فالذاكرة لا تستدعي الماضي بل هي تنتج الحاضر ايضا، والحاضر هنا لا يستنسخ الماضي كله بل يحينه. اي يجعله حيا في الحاضر عندما يستدعيه. فبماذا يتعلق تأويل (الوطن، العقيدة) في سياق المعرفة السائدة، إذا لم يكن بموضوعها. فما هو موضوع معرفة (الوطن، العقيدة)، بملاحظة اختلاف الفهوم المرصودة للجدل الدائر. انه يدلل أن لا فهما واحدا أو متقارب للموضوع، بل نراه تأويل لنمط سائد من التفكير (ديني، علماني، قومي، محلي، كوني...الخ). فكل عارف لا يرى في دعواه للمعروف الا كتأويل أو (فهم اثر ما، وتفسيره، اي يعاد إنتاجه أو تشكيله) وفقا لمقتضيات حالة وعي العارف لما هو (وطن، عقيدة). وحالة الوعي أمر متغير تبعا للمحتوى الداخلي أو لعوامل خارجية مؤثرة، لكن يبقى فهمنا لذواتنا، اي لمعنى (الأنا) التي لدينا هي النقطة المرجعية لترتيب أفكارنا وانفعالاتنا وخبراتنا (8). وهذه الأنا تشعر عادة بالحنين إلى الماضي الذي يزيد من تقدير الذات إذا كان مرتبطا بشعور من السعادة والعكس بالعكس (9).

وهنا علينا أن نفرق بين الطريقة التي نشعر بها (كيف نشعر)، والحالة التي نفعل بها. بمعنى من شعر بفرح أو سعادة أو رضى عن قول. يختلف عمن شعر بالاستياء أو عدم الرضى. فالكيفية التي شعرنا بها، شكلت بشكل ما حالتنا أو طبيعة تصرفنا اتجاهها. اي ان فهمنا لطبيعة "حالتنا النفسية" اي فعلنا، وفهمنا لكيفية شعورنا "حالتنا" لما قيل أو لما سيقال مستقبلا هي الامر الحاسم لطبيعة وعينا في لحظة معينة. فالوعي في أحد جوانبه كيفية حسية تقترن بخبرة ذاتية. التي يظهر من خلالها العالم في تفاعلنا معه (10). فالوعي ليس بالضرورة شرطا للتفكير العقلاني والقرارات العقلانية، عندما لا يخضع للمعرفة بكونها البحث عن الحقيقة، بل من أجل السيطرة على الاخر من خلال الشك العدمي في نوايا المتكلم. فتصبح المعرفة بهذا الشكل تعبيرا عن إرادة هيمنة ﻻ عن إرادة الحقيقة.

فالوعي الذي يحركه الشك المنغمس في توجه تدميري يصبح الفهم لديه وسيلة للارتياب من النوايا، ﻻ تفكرا في حقيقة الكلام المنظور. أنه تعبير صارخ عن الأزمة الأخلاقية من جهة، وشكل قبيح عن ظاهرة الإنحطاط الفكري لمجتمع المعرفة حين تفقد الحقيقة قيمتها.

***

سليم جوهر

(1) . عقيل البندر،سوسيولوجيا المعرفة، دار الدليل، العراق-كربلاء، ط1-سنة 2023، ص٩٧

(2) . سوسيولوجيا المعرفة\ ص24.

(3) . كارل مانهايم، تر-محمد رجاء/الأيديولوجيا واليوتوبيا، ص٣٠٩، شركة المكتبات الكويتية، ط١-سنة ١٩٨٠

(4) . مانهايم، نفس المصدر، ص٣٤٦

(5) . دانيال هيرفيو ليجيه و جات بول ويلام، سوسيولوجيا الدين١، تر-يوسف طاهر الصديق، هيئة البحرين للثقافة-المنامة، د1-سنة 2018، ص٢٨٦-٢٨٧

(6) . سوسيولوجيا الدين١، ص٢٨٨

(7) . سوسيولوجيا الدين/ص٢٩٠

(8) . ديان تسيتكوفيتش و إيرينا كوزويك، حالات الوعي، تر-انوار يدر يوسف وهيثم ضياء العبيدي، دار امجد للنشر-عمان\الاردن، ط1-سنة 2023، ص٢٤

(9) . حالات الوعي/ص٢٥

(10) . سوزان شنايدر وماكس فيلمانز، في صحبة الوعي\موسوعة بلاكويل عن الوعي، تر-عبد الله بن سعيد الشهري، دار ابن النديم- وهران، دار الروافد-ييروت، ط2-سنة 2022، /ص١٩

في المثقف اليوم