أوركسترا
عدنان حسين أحمد: ثامر گُلاز.. سيرة رياضي ومدرب كرّس حياته للمستديرة الساحرة
تُشكِّل الإطلالات الثلاث للمدرّب الرياضي ثامر گُلاز إضافة إلى مُداخلَتيّ الكابتن فؤاد ذياب والمُدرِّب حازم صالح المادة الأساسية لهذا الفيلم الوثائقي الذي حمل أكثر من عنوان؛ الأول هو (ثامر گُلاز.. سيرة رياضي ومدرب) كما ورد في السيرة الذاتية لمخرج الفيلم مصطفى الهود، والثاني هو (السيرة الذاتية "ثامر گُلاز") كما ورد في مٌلصق الفيلم. وبغض النظر عن تعدد العناوين التي تحاول الجمع بين سيرة الرياضي والأديب والإعلامي ثامر گُلاز إلّا أنَّ مضمون الفيلم يتمحور حول سيرته الذاتية والرياضية ولا يتعداها إلى الجانبين الثقافي والإعلامي؛ فحياة گُلاز الأدبية والإعلامية تحتاج إلى وقفة طويلة ومتأنية لما تنطوي عليه من أفكار ورؤى ومواقف لا مجال لذكرها الآن والإحاطة بها في هذا المجال الضيق الذي تجاوز الـ 24 دقيقة بقليل. كما اشتمل الفيلم على أربع تعليقات صوتية لم تكن فيها المُعلِّقة تحرير الطائي مُوفقة على الإطلاق وكان عليه أن يختار شخصية إذاعية مُحترفة لقراءة التعليق الصوتي بما ينطوي عليه من إتقان وسلاسة وتدفّق يجذب المُتلقي إلى المعلومات والأفكار الواردة في النص المقروء. يتضمّن التعليق الأول (عرضًا لدراسة عطاء شخصية عراقية بعقوبية مؤثرة في المَشهد الثقافي والرياضي بديالى حيث يرونَ في سيرته المتوقدة كواحد من جيل الروّاد وأقطاب الرياضية الديالية).
يشتمل التعليق الصوتي الثاني على سيرته الذاتية وتاريخ ولادته عام 1950 والمراحل الدراسية التي مرّ بها بدءًا من الابتدائية، مرورًا بالمتوسطة والإعدادية، وانتهاءً بالمرحلة الجامعية حيث تخرّج في جامعة البصرة، كلية الآداب، قسم التاريخ عام 1975. ثم مارس التدريس حتى عام 1994 وأُحيل على التقاعد بإرادته بعد تحويل خدماته إلى موظف في ديوان التربية. ثم عاد إلى التدريس سنة 2010 وتقاعد سنة 2017. وخلال هذه السنوات عقد عشرات الصداقات مع الأدباء وفناني الدراما والرياضيين العراقيين في داخل الوطن وخارجه. ولا بد من الإشارة إلى أنَّ تحويل خدمات المدرِّسين في تلك الحقبة المشؤومة كانت تعود إمّا لأسباب سياسية أو لتبعية المدرسين الإيرانية وهو السبب ذاته الذي أُحيل فيه ثامر گُلاز من التدريس إلى موظف في ديوان تربية ديالى آنذاك.
ولع بالرياضة وشغف بالأدب والفن
يركِّز التعليق الصوتي الثالث على ولع ثامر گُلاز بكرة القدم منذ نعومة أظفاره، فقد لعب كرة القدم ضمن فرق المدارس الابتدائية والمتوسطة لكن موهبته تفجرت في المرحلة الإعدادية حيث لعبَ ضمن منتخب تربية ديالى المدرسي، ومنتخب محافظة ديالى، ومُنتخب الجامعات العراقية. ثم خاض في عالم تدريب كرة القدم منذ وقت مبكر سنة 1980 وكان الأول على العراق حيث رُشِّح على إثرها إلى أسكتلندا لكن ظروف الحرب حالت دون ذلك فالتحق بالخدمة الإلزامية لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر كشفت له مساوئ الحرب وفظائعها.
يسلّط التعليق الصوتي الرابع والأخير الضوءَ على مرحلة السبعينات من القرن الماضي الذي يصفه الكثيرون بالزمن الجميل حيث تركت هذه المرحلة بصمات مهمة في حياته الرياضية وحصوله على خبرة واسعة وعميقة مع اثنين من عمالقة الرياضة العراقية الراحلين وهما رشيد مطر ومحمود عيشة ومعاصرته لأبطال الملاعب والكرة والمدرّبين أمثال الأساتذة طارق لطفي وثامر مطر والحاج عبدالرزاق صفاوي وإياد حميد وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا. لا ينكر أحد من أقرانه الرياضيين أنه حقق تقدّمًا سريعًا في مضماره الرياضي وهيأ نفسه للسفر إلى أوروپا والإمارات العربية المتحدة والأردن. كما سافر إلى مونپليه الفرنسية ومكث فيها ثلاث سنوات حيث شاهدَ وعايشَ فيها نادي مونپليه الذي كان يلعب ضمن الدوري الممتاز الفرنسي، كما شاهد بعض المُباريات في ألمانيا قبل أن يعود إلى الإمارات ومنها يقفل راجعًا إلى محطته الأخيرة في مدينة بعقوبة التي لا يقوى على فراقها أبدًا. وظل ثامر گُلاز يسافر بين أوانٍ وآخر إلى كثير من الدول العربية والأجنبية ويحصد العديد من الشهادات والأوسمة المحلية والدولية حيث حصل على شهادة من الاتحاد العربي، وشهادات أخرى في الطب الرياضي، وقانون كرة القدم، وغذاء لاعبي كرة القدم. كما حصل على شهادات من الخبراء الأجانب والمُحاضرين العالميين المُنسّبين من قِبل الاتحاد الدولي (الفيفا).
كان أمام المخرج مصطفى الهود حلّان لا ثالث لهما؛ الأول ألّا يُكرر المعلومات التي وردت في التعليقات الصوتية على لسان الكائن السيري تحديدًا لأنها جاءت في التعليقات الصوتية الأربعة والعكس صحيح؛ أي أن تاتي المعلومة على لسان الراوية أو الكائن السيري ولا ضرورة لمجيئها في التعليقات الصوتية لأن التكرار مهما كان شكلهُ سيولِّد الملل والتذمر عند المُشاهِد خاصة حينما يكون الفيلم قصيرًا ولا يتجاوز الـ 24 دقيقة إلّا بثوانٍ معدودة.
قارئ نهم ومفوّه طليق اللسان
لا بد من الإشارة إلى أنَّ ثامر گُلاز هو أديب وإعلامي وقارئ نهم، كما أنهُ مفوّه وطليق اللسان فلا غرابة أن يكون حديثهُ سلسًا وعذبًا ومتدفقًا ولا يحتاج إلى مَنتجة أو تعديل إلّا لمِاما وأنّ ما يقوله يفي بالغرض المطلوب ولا داعي لتكراره في التعليقات الصوتية Voiceovers أو في أحاديث المتكلمين الآخرين المُشاركين في الفيلم.
ثمة ثلاث إطلالات للرياضي والمدرب ثامر گُلاز قال فيها كل شيء تقريبًا لكنّ أهمّ ما فيها هو تواضع هذا الرجل وسعيه الحثِّيث لترسيخ ثقافة التسامح وإضفاء اللمسات الإنسانية على حياته حيثما يكون وهذا لعمري من أصعب المهمات التي أوكلها لنفسه ونجح فيها إلى حد كبير. يصف حياته بأنها بسيطة جدًا ومتواضعة إلى أبعد الحدود. فقد وُلد في محلة (أم النوى) ببعقوبة في 14 - 2 - 1950. درسَ في مدرسة الأمين الابتدائية، ثم في متوسطة الانتصار، وأكمل دراسته في الإعدادية المركزية ببعقوبة، ثم قُبل في جامعة البصرة، كلية الآداب، قسم التاريخ. يأخذنا گُلاز في رحلة وصفية مكانية آسرة للحياة البسيطة الممتعة التي أشار إليها سلفًا حيث كانت المحبة الصادقة هي الآصرة التي تجمع بين سُكّان المحلة التي تفصلها عن نهر (خريسان) مجموعة من البساتين الوادعة الغنّاء.
يُحيطنا گُلاز في إطلالته الطويلة الثانية بكمٍ كبير من المعلومات حيث يقول بأنّ الجانب الرياضي أخذ منه قسطًا كبيرًا من الاهتمام لأنه كان هاويًا للرياضة وكرة القدم بالتحديد مثله مثل أقرانه الرياضيين لكنه بتواضع الكبار يقول بأنّ بوادر التميّز قد ظهرت عليه واستطاع أن يُمثل المدرسة في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية وقد حصل في المرحلة الأخيرة على كؤوس عديدة لأن الإعدادية المركزية كانت تضم نخبة من اللاعبين الممتازين الذين حققوا للمدرسة انتصارات متلاحقة أفضت به لأن يلعب ضمن منتخب التربية والمُنتخب المدرسي العراقي ومنتخب الجامعة.
مهارة عالية مُطعّمة بفكر تدريبي
يُذكِرنا گُلاز بأنّ العراق كان يفتقر إلى الدوري حيث كانت هناك بطولة الجمهورية التي تُقسّم فيها المحافظات إلى ثلاث مناطق؛ شمالية ووسطى وجنوبية وأفضل نتيجة حصلوا عليها هي أبطال المنطقة الوسطى ثم فازوا على المنطقة الشمالية، وخسروا أمام البصرة؛ بطل المنطقة الجنوبية. يُمرر گُلاز بين أوانٍ وآخر معلومة مهمة تشير إلى تفرّده، ففضلًا عن التميّز المهاري المُشار إليه سلفًا يقول بأنه (كان يمتلك فكرًا تدريبيًا) لأنه يجمع بين النَفَسين الرياضي والأكاديمي في آنٍ معًا، فهو مُدرس من جهة ومدرب رياضي لكرة القدم من جهة أخرى. دخل گُلاز دورات تدريبية متعددة من بينها دورة على مستوى القطر أشرف عليها الاتحاد العراقي في حزيران سنة 1980 وكان ترتيبه الأول على القطر حيث رُشح إلى أسكتلندا لكن اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية ألغى الترشيح فالتحق بسوح الحرب أسوة ببقية الشباب وخدم في الجيش لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر. لا يميل گُلاز للحديث عن نفسه كثيرًا وهذه سمة الكبار التي يفهمها ذوو الألباب والعقول الكبيرة.
يشير گُلاز إلى الأساتذة الروّاد من الرياضيين في بعقوبة الذين يعتبرهم الكابينة الأولى أمثال الأستاذ محمود حسين، ومحمود عيشة، ورشيد مطر، وعبدالستار خضر، وفاروق الأطرقجي؛ وهو من بغداد وكان يُدرِّس بالإعدادية المركزية حيث أنشأ نواة لكرة السلّة وأخذ بطولات كثيرة باسم نادي ديالى. أمّا الجيل اللاحق فهو جيل الأستاذ طارق لطفي وجبار عباس وحارث شاكر الذي أصبح الحكم العراقي الأول والحكم العربي وحكمًا في الدورات الأسيوية. أمّا الأستاذ لطفي فهو أبو الكرة الطائرة بديالى وحصل على دوري القطر ومثّل العراق باسم نادي ديالى سنة 1978 بالبطولة العربية. ولم ينسَ دور الأستاذ سعدون شفيق الذي يجمع أكثر من صفة فهو الأستاذ والمعلم والكاتب والصحفي والمعلّق ومدرّب الرياضة الذي درّب گُلاز شخصيًا الذي سيدخل عالم التدريب حاله حال المدربين الآخرين لكن النجاح حالفَ گُلاز الذي كان متفوقًا في الدورات وحظي بنوع مميز من الرعاية من قِبل الاتحاد المركزي ببغداد.
شهادات واعترافات دولية
يُحيطنا گُلاز في إطلالته الثالثة والأخيرة بالدورات الكثيرة التي دخلها وحصل على شهادات عديدة من بينها شهادة من الخبير الألماني فرانس تراب الذي يمثل الاتحاد الدولي (الفيفا) فقد علّمهم أصول كرة القدم وغيّر الكثير من المفاهيم التي كانت تدور في أذهانهم كمدربين. وكدأبه دائما فقد أشار گُلاز إلى أقرانه وزملائه في هذه الدورة أمثال اللاعب الدولي فلاح حسن، وحسن فرحان وأنور جسام وكاظم خلف وخلف كريم ونزار أشرف ويحيى علوان. ثم دخل في دورات أخرى أشرف عليها من الاتحاد العراقي الأستاذ عبدالقادر ثم استقدموا مدربين أجانب مثل الخبير الأسكتلندي جاك غاليغار والبرازيلي جواو هافيلانج وجوزيف سيپ بلاتر، وحصل على شهادة عليا من التضامن الأولمبي العالمي لكرة القدم بتوقيع من أنطونيو سمارانش، رئيس الاتحاد الأولمبي العالمي. ثم دخل دورات في المعاهد العربية والقومية وتعرّف إلى خبراء مثل عبده صالح الوحش وباسل عبدالمهدي وتيرس أديشو ولم تقتصر الدورات على كرة القدم وأصول اللعبة وتكتيكها وإنما دخلوا دورات في اللياقة البدنية وفي غذاء اللاعب وفي القانون والإصابات الرياضية وما إلى ذلك فأصبحت لديهم خبرة كبيرة في كرة القدم. ثم ظهر نهج آخر وهو دورات الاتحاد الآسيوي وحصل گُلاز على الشهادات الثلاث CBA وأصبح في أكثر من دورة مساعد آسيوي وحاضرَ في دورات كثيرة ومنحَ شهادات لبعض المدربين. وأكثر من ذلك فإنّ گُلاز لديه كتابات كثيرة ولقاءات إضافة إلى تحليلات تلفزيونية في مجال الرياضة وحصل في خاتمة المطاف على هُوية المدربين المحترفين العرب ووصل إلى درجة خبير وهو مُعين من قِبل الاتحاد المركزي ببغداد ويشغل منصب المدير الفني في الاتحاد الفرعي بديالى ويشرف على الفئات العمرية مثل البراعم والأشبال والناشئين والشباب، ويُعد لهم مناهج تدريبية ويُشرف على تدريبهم مع مدربين آخرين. ثم أخذ يدرب نادي ديالى الذي يعتبره النادي الأم وصاحب الفضل الأول والأخير عليه حيث أشرف على تدريب أعضائه حين كان النادي درجة ثانية ثم صعد للأولى قبل أن يرتقي للدرجة الممتازة بقرار وظل النادي بالدوري الممتاز لسنة 1992 حيث أبلى بلاء حسنا مع إخوانه المدربين الذين تناوبوا على تدريب نادي ديالى. لقد درّب گُلاز أكثر من أقرانه قياسًا بالعمر الزمني من باقي المدربين وكان عضوًا في الهيأة الإدارية ونائب رئيس النادي ما يقارب عشر سنوات أو أكثر لكن رحلاته واحترافه بالخارج أبعداه عن العمل الإداري وحينما عاد بدأ يسدد قسطًا بسيطًا من الدَين الذي يطوّق عُنُقهُ لناديه الأم.
استذكر الكابتن فؤاد ذياب بعض المعلومات التي سمحت له بالحديث عن شيخ المدربين ثامر گلاز . فقد قال عنه أنه مُدرب ومُحاضر أسيوي غني عن التعريف وقد كان أحد لاعبيه سنة 1989 ويُشرف الآن على الفئات العمرية بالنادي. وهو من لاعبي نادي ديالى القدامى وقد مثّل نادي ديالى خير تمثيل فهو لاعب من طراز خاص وصاحب شهادات عليا بالتدريب وقد احترف في الإمارات العربية المتحدة وعايشَ أحد الأندية الفرنسية ويجب أن نفتخر بوجود قامة كبيرة من هذا النوع، ونتمنى له الموفقية والعمر المديد وأن يبقى رمزًا من رموز الرياضة العراقية بديالى.
لا يبخل بالمعلومة ولا يتردد في تقديم النصائح
لا يختلف المُدرب حازم صالح في الإشادة بأخلاق گلاز العالية فقد صاحَبهُ لمدة طويلة وعاش معه كلاعب وكمدرب وقد زرعَ فيه الكثير من المواصفات القيادية، وهو صاحب فضل كبير على غالبية الرياضيين في محافظة ديالى وتمنى الراوية أن يأخذ هذا الرمز الرياضي استحقاقه الطبيعي لأنه يمتلك الكثير من المواصفات العلمية والواقعية التي تؤهله لأن يكون مستشارًا فنيًا في المحافظة فهو رجل ناجح ولا يبخل بالمعلومة على أحد ولا يتردد في تقديم النصائح الرياضية للجميع.
لا شك في أنَّ هذا الفيلم الوثائقي ناجح ولكن ما أربك نجاحه هو قراءة التعليقات الصوتية بطريقة غير احترافية وكان عليه أن يختار مذيعًا مُختصًا بقراءة التعليقات الصوتية بحيث يجذب السامع ولا يجعله ينفر من متابعة الفيلم. كما أنّ حديث الكابتنين فؤاد ذياب وحازم صالح لم يكن موفقًا هو الآخر فقد بانَ عليه التلكؤ اللغوي الذي يشي بفقدان السلاسة والعفوية في صياغة الجمل العربية التي تفتقر إلى الفصاحة والبيان.
لا بد من الإشارة إلى أنّ بداية الفيلم ونهايته كانتا ناجحتين ولم يقع في بعض الأخطاء التي سبق وإن ارتكبها في بعض أفلامه الوثائقية مثل (سليمان البكري . . معلِّم الأجيال) فقد انتهى الفيلم برمته في غرفة الاستقبال التي شهدت أحداث الفيلم ووقائعه بنجاح لكنه أخرج السائل والراوية إلى حديقة المنزل وأضاف للفيلم ما لم يكن بحاجة إليه على الإطلاق.
بقي أن نقول بأنّ المخرج الدؤوب مصطفى الهود قد أنجز حتى الآن أربعة أفلام روائية و13 فيلمًا وثائقيًا من بينها (جواد سليم) و (عمّتنا النخلة) و (أنمار الجرّاح.. هزار الدجلتين) و(ثامر گُلاز.. سيرة رياضي ومدرب).
***
لندن: عدنان حسين أحمد







