عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

عدنان حسين أحمد: طوابع فلسطين.. قوة ناعمة ضدّ الاحتلال والتهويد

تعتمد المُخرجة العراقية إيمان خضيّر في غالبية أفلامها على تقنية الدكيودراما أو (الدراما الوثائقية) للتغلب على النقص الحاصل في الوثائق أو الصور الأرشيفية. وسوف تبقى هذه التقنية لصيقة بها لسنوات طوالا رغم أنها تجد، بين أوانٍ وآخر، بعض المعطيات البصرية في محطاتٍ وقنواتٍ محلية وعربية وعالمية. وفيلم (تاريخ طوابع فلسطين) الذي أنتجتهُ (قناة الجزيرة الوثائقية) سنة 2010م هو فيلم دكيودرامي أيضًا تكثر فيه التعليقات الصوتية حتى تصل إلى 15 تعليقًا صوتيًا قرأتها المُخرجة بصوتها الاحترافي الجميل على مَدار الفيلم الذي بلغت مدته 28 دقيقة لا غير. ولو كانت الصور الأرشيفية والوثائق متوفرة وتفي بالغرض المطلوب لما احتاجت المُخرجة لهذا العدد الكبير من التعليقات الصوتية التي تشرح، وتُحلل، وتستخلص النتائج بحيث بدت الباحثة والمُخرجة وكاتبة السيناريو وكأنها تندرج ضمن (سينما المؤلف) الذي يسعى صاحبها لتحقيق رؤيته الإخراجية من دون الإتكاء على الآخرين.

ثمة منحىً آخرَ يمكن ملاحظتهُ في غالبية أفلام إيمان خضير الوثائقية وهو البحث الجاد والعميق الذي اكتسبتهُ، على ما يبدو، من عملها المُبكِّر في (قناة الجزيرة الوثائقية) التي يمكن أن نعتبرها مدرسة نوعية تمنح طلّابها أو المنضوين تحت لوائها خبرات كثيرة لا حصر لها. وربما يكون (البحث) هو العنصر الأبرز الذي تركز عليه، وتدعو منتسبيها للنهل منه والتزوّد به قبل الشروع بإنجاز أي فيلم يريدون الإحاطة به والاشتغال عليه.

وربما يكون عدد المتحدثين في فيلم (تاريخ طوابع فلسطين) هو الأقل بين أفلامها قاطبة، إذ اقتصر العدد على سبع شخصيات لا غير ففيها المتخصص في الطوابع، والباحث، والكاتب، وأستاذ الطباعة الحجرية، والفنان التشكيلي، وخبير الطوابع، ومُصمم الطوابع. غير أنّ التعليقات الصوتية الخمسة عشر ستغطي جوانب كثيرة سواء فيما يتعلّق بالطوابع الفلسطينية أو بالأحداث الجسام التي مرت بها القضية الفلسطينية منذ الاحتلال وحتى الوقت الراهن.

تعترف المُخرجة صراحة حينما تقول: (جعلتُ هذه الطوابع مثل المَدخل لكي أتكلم عن تاريخ فلسطين منذ بداية احتلالها من قِبل الكيان الصهيوني في عام 1948 حيث وجدتُ أنَّ أول طابع فلسطيني كان من إصدار الإنجليز في بداية القرن الماضي)(1).2697 Stamps

رسائل الألواح الطينيّة

لا تترك المخرجة إيمان خضيّر فيلمًا من أفلامها من دون أن تُحيطنا علمًا بخلفيته التاريخية الناجمة عن البحث المُشار إليه سلفًا. فعبداللطيف سلمان، المتخصص في الطوابع يتحدث عن السُعاة الذين ينقلون هذه الأخبار أو المعلومات. ثم يُحيطنا علمًا بأنّ البابليين والآشوريين والفرس قد عرفوا المراسلات التي تتم بواسطة الكتابة المسمارية على ألواح طينية مغلّفة بطبقة طينية أخرى مُجففة.

يتوقف الباحث أحمد سعيد عند شخصية الرسول الكريم محمد (ص) الذي أراد أن ينتقل بالدعوة الإسلامية إلى مديات أوسع فقرر أن يبعث الرُسل إلى الملوك والسلاطين المجاورين للجزيرة العربية وكتب لهم الرسائل لكن أحد خاصته أخبره بأنّ الملوك لا يقرأون الكتب والرسائل إلّا إذا كانت مختومة فقيل إن الرسول (ص) أمر بصناعة خاتم من الفضة كُتب عليه (محمد رسول الله) وقيل إنّ هذا أول خاتم في الحضارة العربية الإسلامية.

تعود بنا المخرجة في التعليق الصوتي الأول إلى عام 1840 حيث كانت المراسلات بين فلسطين وإسطنبول تتم بواسطة السُعاة أو القوافل أو الخيول أسبوعيًا أو شهريًا حتى عام 1867 حيث أصبحت هناك شُحنتان أسبوعيًا بين القدس ويافا ثم نابلس.

يؤكد الكاتب حمزة برقاوي، رئيس اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين بدمشق أنّ الحديث عن طابع فلسطيني أو عربي في تلك الأيام غير ممكن لأن المنطقة برمتها كانت خاضعة للحكم العثماني وأن دراسة الطابع سواء أكان ختمًا أم طابعًا ورقيًا لا بد أن يتم من خلال دراسة الطابع العثماني واستعماله في ذلك الوقت.

حسنًا فعلت المخرجة إيمان خضير في تعليقها الصوتي الثاني حينما عرّجت على ما كتبه قسطنطين بازلي(2)، قنصل روسيا في يافا عام 1838 في مذكراته التي يقول فيها: (كان البريد خاصًا بالتبادلات الرسمية ويتم عن طريق القوافل والذي يعود إلى نظام الدفاع العسكري عن المنطقة) .2698 Stamps

الأختام السلبية العثمانية

يشير خبير الطوابع، سامي الحسيني، إلى أنَّ المدن الفلسطينية المهمة موجودة في الأختام السلبية العثمانية وباللغة العربية ولا وجود للغة العبرية عليها، وهذا دليل ثانٍ على عروبة فلسطين بشكل لا يقبل الجدل مُطلقًا. ومن الطبيعي أن تحمل هذه الأختام والطوابع أسماء المدن التي يتواجد فيها مركز للبريد يقصده الناس ويتجهون إليه.

تشير المخرجة إيمان خضير إلى افتتاح سبعة مراكز بريدية في القدس ونابلس والخليل وغزة ويافا وبيت لحم وطبرية حتى وصل عددها في القرن التاسع عشر إلى 22 مركزًا. ولعل المعلومة المهمة في هذا التعليق هي صدور الطابع أول مرة على يد رولاند هيل (3))عام 1840 كدليل على دفع الرسوم المُستحقة سلفًا. يتحدث علي الخالد، عضو لجنة الطوابع والأستاذ في الطباعة الحجرية عن مطبعة هي الأقدم ولا يعتقد بأنّ الأحرف الرصاصية كانت أقدمَ من الحجر إطلاقًا ويؤكد على وجود فارق زمني لا يقل عن خمسين أو مئة عام بين اكتشاف المطبعة وظهور الأحرف الرصاصية التي طُبعت عليها الطوابع البريدية وأقدم الكتب الدينية مثل الإنجيل والقرآن.

لم يجرِ على الطوابع منذ 170 عامًا، كما يذهب، عبداللطيف سلمان، سوى تعديلين وهما وضع الصمغ وإيجاد ثقوب ما بين هذه الطوابع من أجل فصلها بسهولة.

يُحيطنا التعليق الصوتي الرابع بأنّ الطابع لم يدخل في مؤسسات الدولة العثمانية إلّا في عام 1864 بموجب فرمان من الباب العالي، أي بعد استعماله في أوروپا بـ 23 سنة. وحينما ضعُفت الدولة العثمانية وتحولت إلى رجل أوروپا المريض في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فأدى إلى نمو الأطماع الأوروپية في الأقطار العربية التابعة لها ومنها فلسطين وذلك لموقعها الإستراتيجي وأهميتها الدينية والتاريخية لمسيحيّي العالم ومسلميه ويهوده. استغل بعض الدول الأوروپية ضعف الدولة العثمانية فعقدت اتفاقيات حصلت بموجبها على امتيازات خاصة لتفتح مراكز بريدية مستقلة لا تخضع لرقابة السلطة العثمانية مكتفية بطوابعها وختمها البريدي ما عدا فرنسا التي أصدرت طوابع كُتب عليها كلمة ليفانت Levant وكلمة فلسطين.

في انتظار المسيح المخلِّص2701 Stamps

يشير الباحث أحمد سعيد إلى وجود قنصليات ببيروت ودمشق قبل القرن التاسع عشر ولكنهم يتحدثون دائمًا عن عام 1838 باعتباره تاريخًا لتأسيس أول قنصلية بريطانية في فلسطين هدفها حماية اليهود الموجودين هناك وتمكينهم شيئًا فشيئًا من الاستقرار في هذه البلاد واستعادة اليهود أو تحويلهم إلى المسيحية أو تجميعهم في الأقل في فلسطين في انتظار المسيح المخلِّص. وفي السياق ذاته يذكر خبير الطوابع سامي الحسني إلى أنَّ القناصل التابعين لهذه الدول الست كانوا يتمتعون بالحصانة ويكتبون بحرية.

شكّلت امتيازات القنصليات غطاءً لحماية اليهود وتزايد هجرتهم إلى فلسطين إذ كانت تعتبرهم أوروپيين ولا يُعاملون معاملة رعايا الدولة العثمانية الأمر الذي مكّن اليهود من شراء الأراضي وإنشاء المستوطنات فعقدوا اتفاقيات مع الصهاينة لتوزيع بريدهم الداخلي بالمجان مقابل توزيع بريدهم خارج فلسطين بالأجرة. كما ساهم مدّ خط الحجاز الحديدي الذي وضعت عليه اللمسات الأخيرة عام 1908 في تطوير الدولة العثمانية حيث كان الهدف منه وصول حجاج بيت الله الحرام بسهولة وليساعدها أيضًا على بسط سيطرتها.

إنَّ الانتقال من عصر النقل بواسطة الدواب إلى استعمال خطوط سكك الحديد هي ثورة كبيرة أفاد منها البريد كثيرًا حيث انتظم إرسال الرسائل من القدس الشريف إلى دمشق على مدار عشرين سنة منذ عام 1894 لغاية الحرب العالمية الأولى. واللافت للنظر أن الرسائل كلها لم تستغرق إلّا أربعة أيام فقط لوصولها إلى دمشق الأمر الذي يكشف عن وجود مثقفين وأشخاص عرب لديهم الإمكانية للتواصل بينما تذكر المصادر الصهيونية بأنّ تخلّف العرب لم يساهم في قيام دور إيجابي للخدمات البريدية في المنطقة بينما هذه الرسائل تُثبت العكس تمامًا.

دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا وكان وضعها متدهورًا وبدخول القوات البريطانية الغازية إلى فلسطين عام 1917 بقيادة الجنرال أللنبي(4)) توقفت الطوابع العثمانية نهائيًا.

يعاود حمزة برقاوي الحديث عن العدو الصهيوني الذي استهدف غزو فلسطين أن يظهر للعالَم بأنّ فلسطين هي أرض بلا شعب وأنَّ اليهود هم شعب بلا أرض وبالتالي برّر مقولة غزو فلسطين في كتابه المُعنون بـ (الدولة اليهودية) الصادر عام 1896 وجاء فيه أنَّ قيام دولة يهودية في فلسطين يشكِّل حاجزًا أمام البربرية وحينما نؤكد على الصعيد الفلسطيني وجود طابعٍ واتصالات بريدية بين المدن الفلسطينية فإننا نجيب بصورة غير مباشرة على أنّ فلسطين كان بلدًا متطورًا ولم يكن بربريًا وبعيدًا عن الحضارة كما ادّعى ثيودور هرتزل في كتابه المُشار إليه سلفًا(5).2699 Stamps

الطوابع الزرقاء

طلب الكولونيل وارن تصميم طابع كي يُستعمل للبريد العسكري ثم المدني لاحقًا بقيمة قرش ساغ مصري إذ لم تكن هناك عملة فلسطينية وكُتب عليها كلمتا (خالص الأجرة) وعُرفت بالطوابع الزرقاء.

تمّ في العام 1923، أي في ظل الانتداب البريطاني السعي لإيجاد طابع يحمل اسم فلسطين أول مرة على اعتبار أنّ الانتداب البريطاني كان يسعى لتثبيت وجود صهيوني في فلسطين فلم يكتف بأن تحمل الطوابع البريدية التي تمّ تصميمها آنذاك اللغتين العربية والإنگليزية فقط وإنما أصرّوا على استعمال اللغة العبرية أيضًا.

حينما عُيّن السير هربرت صموئيل (6) اليهودي الصهيوني كأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين فكانت أولى أعماله رسالة كتب فيها يقول: (يجب الاستمرار في استعمال طوابع خالص الأجرة بإضافة كلمة فلسطين باللغات الإنگليزية والعربية والعبرية على أن يتبع الاسم العبري الحرفان (آ إ) اللذان يختصران كلمتيّ (آرتس إسرائيل) التي تعني (أرض إسرائيل) تطبيقًا رمزيًا لوعد بلفور.

لم يمرّ الحدث بسهولة بل واجهت إدارة صموئيل احتجاجات الفلسطينيين العاصفة التي أثارت مخاوفهم من تطبيق وعد بلفور وأيضًا من بدء التنازلات التي ستُفرض عليهم من قِبل حكومة الاحتلال فرفع جمال الحسيني أمين سر اللجنة العربية قضية ضدهم إلّا أنّ المحكمة العليا ردّت الطلب بحجة عدم التدخّل بالشؤون السياسية للحكومة.

وافقت المفوضية الإسرائيلية في فلسطين على إصدار أربعة طوابع وهي القدس، وقبر راحيل، وقبّة الصخرة، وجامع مدينة طبرية.

تركز معظم التعليقات الصوتية على الطوابع البريدية، ثيمة الفيلم وموضوعته الرئيسة، وسنرى أنّ الفئات المستعملة للبريد العادي الخارجي والداخلي هي اثنان، ثلاثة، عشرة مليم، وهي الأكثر استعمالًا وتتضمن صورة لقبر راحيل وقلعة القدس بوصفهما الرمزين اللذين اقترحهما اليهود، أمّا الرمزان الإسلاميان فاستُعملا للبريد المُسجّل وللطرود، وهما الأقل استعمالًا وذلك لإظهار الرموز اليهودية على حساب العربية بهدف الحؤول دون إطلّاع العالم عليها ولإظهار الصراع على أنه إسلامي يهودي وليس عربيًا صهيونيًا.2702 Stamps

طوابع عربية مُوشّحة بكلمة فلسطين

لا يختلف اثنان على الجرائم الصهيونية المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني فقد استولت قوات الاحتلال الإسرائيلي على 80% من مساحة فلسطين ومَحَت أكثر من 400 قرية فلسطينية، وشرّدت نحو 750,000 فلسطيني، وجزأت فلسطين إلى ثلاثة أجزاء فانعكس ذلك بالضرورة على طوابعها فاستُعملت الطوابع الأردنية المُوشّحة بكلمة فلسطين في الضفة الغربية، أمّا في قطاع غزة فظلت الإدارة المصرية تستعمل الطوابع المصرية موشّحة بكلمة فلسطين. ما كان للشعب الفلسطيني أن يقف ساكتًا فبدأ النضال السياسي والعسكري وتمثل في ست ثورات وانتفاضات مسلّحة كان من أبرزها ثورة عام 1929 و 36 و 39 مستعملًا الطوابع كأحد أسلحة مقاومته للاحتلال والتهويد فأصدر الثوار طابعين لجمع التبرعات لرجال المقاومة باسم (بيت المال العربي) لإنقاذ الأراضي العربية من محاولة شرائها من قِبل الصهاينة.

للفنانين التشكيليين حصتهم في هذا الفيلم فالطابع، كما يذهب الفنان التشكيلي علي الكفري، وُجد من أجل دعم المقاومة الفلسطينية فكانوا يُصدرون الطوابع ويبيعونها، فالطابع لا قيمة له من الناحية التشكيلية فهو مجرد صورة وبألوان ميتة لأنّ معظم الطوابع كان بالأسود والأبيض ولم تكن لديهم القدرة المادية على طبعه بالألوان.

أصدرت المقاومة في عام 1938 أول طابع يحمل شعارات نضالية وسياسية تؤكد أيضًا هُوية فلسطين العربية بدلًا من طوابع حكومة الاحتلال ويعتبر اليوم هذا الطابع أثريًا ونادرًا. وفي عام 1960 التي أُعتبرت سنة اللاجئين الدولية أصدرت عدة دول عربية وأسيوية إضافة للأمم المتحدة عددًا من الطوابع تضامنًا مع شعبنا الفلسطيني.2703 Stamps

الرمز الكامن في الشجرة المُقتلَعة

يعاود الفنان التشكيلي علي الكفري حديثه عن المضامين الفنية للطوابع الفلسطينية ويأخذ من طابع الشجرة المُقتلعة أنموذجًا للمقاومة، فالطابع يبيّن للمُشاهد بأنّ هناك شعبًا يُقتلع من أرضه، وأنّ هذه الشجرة المُقتلعة تبدو وكأنها منارة يشعُّ منها الضوء. وأنّ هذا الطابع ليس صورة فوتوغرافية وإنما هو تصميم لفنان ينطوي بالتأكيد على رمز خاص يجب استخلاصه نقديًا.

يتوقف مُصمم الطوابع حسان أبو عيّاش عند طابع (النازحين) الذي يقوم بتصميمه منذ مدة وثيمتهُ الأساسية هي أُسرة تسير بشكل سريع لأنها مُلاحَقة من قِبل العدو الصهيوني ضمن خلفية تُمثّل الكرة الأرضية وهي بلون أبيض بينما الأُسرة النازحة قد تضمّخت بلون بنفسجي يمثل الحزن وقد أخذت الخلفية اللون الأخضر أو الأزرق. ويبدو هذا الموضوع ظاهرًا للعيان ويمكن للمشاهد أن يراه عن بُعد متر في الأقل، ولكن إذا أراد الفنان أن يُعطي ألوانا خفيفة لا تضادّ فيها فيمكن أن يمرّ المُشاهد من دون أن يرى الطابع.

بتصاعد الكفاح الفلسطيني المسلّح وبروز الهُوية النضالية بعد معركة (الكرامة) أصدرت الثورة الفلسطينية طوابع سياسية نضالية خارج الوطن لمعارك (مؤتة) و (حطّين) و (الكرامة).

يعود بنا علي الخالد، أستاذ في الطباعة الحجرية إلى خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأمم المتحدة حيث أظهر الطابع الفلسطيني الذي يحمل غصن الزيتون والحمامة البيضاء لكي يقول للعالم إذا أردتم السلام فنحن نعبّر عنه بالحمامة البيضاء وبغصن الزيتون، ونحن لسنا مخرِّبين، وثمة فرق كبير بين المخرّب وبين المقاتل الذي يسعى لتحرير وطنه من الاحتلال. وأشار الخالد بأنّ اللون الأخضر هو لون الخصوبة والعطاء والحياة، واللون الأبيض يمثِّل السلام والبراءة والنقاء أمّا علم فلسطين فينطوي على رموز عديدة معروفة.

لا يتفق الفنان التشكيلي علي الكفري تمامًا مع صدور طابع بهذه المناسبة لأنه، من وجهة نظره، لا يحق لعرفات ولا لغير عرفات أن يتنازل عن أرض فلسطين. ويتساءل الكفري: عن أي سلام يتحدث عنه عرفات ويحاول أن ينشره في العالم بينما القوات الإسرائيلية تحتلُ أرضه، وتشرّد شعبه؟

توضِّح المخرجة إيمان خضير في تعليقها الصوتي الرابع عشر بأنّ السلطة الفلسطينية أصدرت طوابعها الخاصة بعد اتفاقية أوسلو عام 1994 بفئات العملة المصرية المليم وذلك لرفض الإسرائيليين السماح باستعمال العُملة الفلسطينية مما اضطرها إلى عقد اتفاق مع الحكومة الأردنية لاستعمال عملة الفلس على طوابع السلطة الفلسطينية.

يلفت خبير الطوابع سامي الحسني انتباهنا إلى أنّ أهمية الطابع تنبع من المناسبة التي صدر فيها، فإذا كانت المناسبة وطنية مهمة فإنّ الطابع يستقطب الكثيرين ثم تأتي القيمة المادية بالدرجة الثانية. وانتبه الحسني على حين غرّة إلى طابع لهيلاريون كابوتشي (7) الذي لا قيمة له من الناحية المادية لكنه أخذ شهرته بسبب مواقف هذا المطران وسيرته النضالية المُشرِّفة.2700 Stamps

اللهفة لاقتناء الطابع الفلسطيني

يؤكد الباحث أحمد سعيد كجامع طوابع بأنه لو وجد أحدًا لديه طوابع سويسرية أو ألمانية يريد أن يبيعها فإنه لا يرغب بشرائها، ولكن حينما يقول له أحدهم بأنّ لديه طوابع فلسطينية فإنه سيتلهف لاقتنائها لأن فلسطين لها مكانة خاصة في وعي البشر وذاكرتهم الحيّة أينما كانوا.

لا يفوت المخرجة إيمان خضير أن تُنهي فيلمها الدكيودرامي (تاريخ طوابع فلسطين) نهاية مدروسة ومُعبِّرة حينما تسلّط الضوء على هيأة البريد التابعة للأم المتحدة التي أعلنت عن جائزة عالمية للطوابع تتحدث عن السلام حيث فازت الطفلة الفلسطينية، ابنة الحادية عشرة، بيان فايز أبو هلال بالجائزة. وتم طباعة العمل الفائز بـ 206,000 نسخة حيث يُظهر الطابع يدًا تحمل بداخلها حمامة السلام وغصن الزيتون ومعابد الأديان الثلاثة وتقول (بيان) في لقاء معها: (رسمتُها لطموحي وحلمي بتحقيق السلام بين الأديان لأنها تدعو إلى احترام الآخر وهي مقولة كبيرة وعميقة تلامس ضمير البشر ووجدانهم في كل مكان.

لا شكّ في أنّ صانعة فيلم (تاريخ طوابع فلسطين) تستحق الإشادة والثناء على الجهد الكبير الذي بذلته في إنجاز هذا الفيلم الوثائقي (الدكيودرامي) المميز الذي يلامس المشاعر الإنسانية العميقة في كل مكان فإنّ خير ما نختتم به هذا المقال النقدي هو ما قالته الروائية والصحفية العراقية إنعام كچه چي، المُقيمة بباريس، في وصف إيمان خضيّر بأنها: (مُخرجة مُجتهدة ومُناضلة يسارية دفعت الثمن اغترابًا طويلًا . . . تنسج أفلامها بدأب نملة وتواصل العمل في بلدٍ كل ما فيه فوضى)(8).2704 Stamps

لندن: عدنان حسين أحمد

......................

(1) - إيمان خضير: الصعوبات في قلة الأفلام الوثائقية، صحيفة الخليج، دبي، 14 نوفمبر 2011.

(2) - قسطنطين ميخائيلوفيتش بازيلي Konstantin Bazili، قنصل روسيا في يافا وصاحب كتاب (سوريا وفلسطيت تحت الحكم العثماني).

(3) - رولاند هيل Rowland Hill مدرس ومخترع ومصلح اجتماعي إنگليزي قام بحملة تهدف إلى إصلاح شامل للنظام البريدي لتسهيل النقل الآمن والسريع والرخيص للرسائل.

(4) -أدموند أللنبي Edmund Allenby ضابط إداري بريطاني وقائد قوة التدخل المصرية.

(5) - ثيودور هرتزل Theodor Herzl، كاتب نمساوي – مجري، وناشط سياسي، ومؤسس الصهيونية السياسية الحديثة، وأهم كتبه (الدولة اليهودية) Der Judenstaat الصادر سنة 1896.

(6) -هربرت صموئيل Herbert Samuel سياسي بريطاني يهودي أُنشئ تنشئة دينية لكن دراسته في أكسفورد غيّرت معتقداته جذريًا.

(7) -هيلاريون كابوتشي Hilarion Capucci  (1922 – 2017) رجل دين مسيحي سوري أصبح مطرانًا لكنيسة الروم الكاثوليك في القدس عام 1965. عُرف بمواقفه الوطنية المُعارضة للاحتلال الإسرائيلي، وعمِل سرًا على دعم المُقاومة الفلسطينية.

(8) - كجه جي، إنعام، طوابع غزة، الشرق الأوسط ، لندن، 12 نوفمبر 2023.