كلما اذهب لزيارة احد المعارض في المتحف الروسي في مدينة ملقا الإسبانية ينتابني شعور غريب كاني في احدى مراكز الشرطة في دولة اشتراكية. طبعا لأني فعلا عشت سنوات في دولة رومانيا الاشتراكية في فترة حرجة من حياة الشعب الروماني حيث الحالة الاقتصادية المتدهورة في بداية الثمانينات والعوز الشديد والحاجة حتى لنصف رغيف حار ورجال الأمن في كل مكان ناهيك عن انك تحس بأنك في سجن كبير وتنتظر ان يزورك رجال الأمن متى شاءوا . تلك الايام لا يصدقها احد ان رواه احدهم في رومانيا اليوم لان بعد الثورة عام ١٩٨٩ والتخلص من النظام الدكتاتوري الفردي فكل شيء تغير جذريا. حديثي قارئي الكريم ليس حول رومانيا بل وكما اسلفت عن الشعور في هذا المتحف. طلبت من السيدة الجالسة وراء مكتبها بالإسبانية ورجوتها اعطائي بطاقة دخول المتحف فنظرت الي متفحصة وجهي كما في الأفلام السينمائية وقالت ثمان اويرو فذكرت لها باني متقاعد. رفعت رأسها ونظرت الي مرة اخرى للتأكد باني شيخ كبير تعدى السبعين ومنذ سنوات ولكنها ابت ان تصدق عينيها وقالت؛ البطاقة الشخصية رجاء! للحقيقةً يجب ان اعترف دخل في نفسي غبطة وفرحت وفكرت ربما فعلا هيئتي تبين اني لا زلت شابا. لكني صحوت فجا من ذلك الحلم لأني أكاد امشي من الالام الظهر ومشاكل كبر السن والشيب غزى ما بقى من شعر راسي. على كل حال كان علي ان ابرز لها بطاقة المتقاعدين فنظرت إلى البطاقة وبدات بالقراءة بصوت عال. بطاقة للكبار في السن صادرة من …. ثم قالت بامتعاض أربع اويرو يعني نصف الثمن.
الحقيقة كنت قد أتيت لأرى معرض صور ومقتنيات راقصة الباليه (انا باڤلوڤا) وكل ما أتذكر من عالم الباليه هذا الفن الرفيع الذي يدفع بالإنسان في عالم من الخيال. هو اني أتذكر كنت قد دعوت احد اصدقائي من العراقيين وزوجته إلى احدى عروض الباليه للفرقة السوفيتية التي كانت تزور أوبرا بوخارست ونحن جالسون في المقصورة وبدا الموسيقى الرائعة لأوبريت بحيرة البجع وظهرت إلى المسرح مجموعة من الملائكة بملابس بيضاء وصوت الموسيقى يعلو ويعلو لأسمع وشوشة من زوجة صديقي تأمره بترك المكان: "كوم عيب شنو هذا اشو كلهم مصاليخ". قالتها ونهضت وخرجت من المكان مسرعة في حين بقى زوجها متسمر في مكانه خجلا لا يعرف ماذا يقول. اخيرا اعتذر مني ومن زوجتي وترك المكان ولم أراه بعد ذلك اليوم.
آنا مع البجعة ڤانيا، مجلة سكتش الاسبانية ١٩٣٦
لا تزال آنا پاڤلوڤا (1881-1931) واحدة من أبرز الشخصيات وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الباليه. اسمها مرادف للرشاقة والفن والتفاني والاحترام المطلق في مهنتها. في شوارع سانت بطرسبرغ الباردة، حلمت فتاة صغيرة من عائلة متواضعة بالرقص. ورغم أن الخبراء قالوا إن جسدها لم يكن "مثاليًا" للباليه - إذ كانت ذراعاها طويلتين جدًا وقدماها مقوستين للغاية - أثبتت آنا أن الشغف والتفاني قادران على التغلب على أي عقبة. في مدرسة الباليه الإمبراطورية المرموقة، وتحت إشراف الراقص ماريوس بيتيبا الشهير، طورت آنا أسلوبًا فريدًا غيّر عالم الرقص إلى الأبد. وُلدت هذه ألايقونة وهي ترقص الباليه منذ نعومة أظافرها فهي من مواليد مدينة الفن سانت بطرسبرغ، وتميّز مسارها الفني نحو الشهرة بتوجيهات الأسطورة ماريوس بيتيبا. أصبح دورها المحوري في باليه "البجعة المحتضرة"، الذي صممه ميشيل فوكين، عملاً أيقونياً أسر الجماهير بجماله المؤثر وعمقه العاطفي وفاها الآجل بشكل مأسوي مفاجئ اثر مرضها في هاگ، بلاد الأراضي المنخفضة (هولندا) في ٢٣ كانون الثاني/ يناير ١٩٣١ في فندق، Haag, Hotel Des Indes لم تكن هذه الفنانة ملكا لشعب او دولة بل ملكا للإنسانية جمعاء. في عام ١٩١٠، أسست آنا پاڤلوڤا فرقتها الخاصة، وعلى مدى عشرين عامًا، جالت أكثر من أربعين دولة، مقدمةً ما يزيد عن تسعة آلاف عرض. كان بإمكان راقصة الباليه أن تختار حياةً أكثر هدوءًا، وتبيع تذاكر عروضها في أفضل مسارح لندن وباريس ونيويورك، لكنها فضّلت تقديم فن الباليه لجماهير لم تطأ أقدامها مسارح العواصم الأوروبية الكبرى، رغم صعوبات الجولات الفنية في أوائل القرن العشرين. بين عامي 1910 و1920، قامت آنا پاڤلوڤا بجولة واسعة في أنحاء أوروبا الغربية والولايات المتحدة، حيث قدمت عروضها في مدن مثل باريس ولندن وبرلين ونيويورك وشيكاغو، وحققت شهرةً واسعةً غير مسبوقة. وفي الولايات المتحدة، اجتذبت عروضها جماهير متنوعة، من الهواة إلى المتخصصين، مما ساهم بشكل كبير في تأسيس مدارس وفرق الباليه في البلاد. بين عامي 1917 و1920، قدمت عروضًا في العديد من دول أمريكا اللاتينية، حيث زارت المكسيك وكوبا والأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وتشيلي. وخلال هذه الفترة، أضافت نسخة من رقصة "خارابي تابايو"، وهي رقصة مكسيكية تقليدية، إلى برنامجها الفني. وكان لهذا الأداء أثر بالغ، إذ حفّز العديد من الراقصين المحليين على بدء التدريب على الباليه الكلاسيكي، مما ساهم في تطوير هذا الفن في امريكا اللاتينية . بين عامي 1922 و1929، وسّعت مسيرتها الفنية لتشمل آسيا وأوقيانوسيا، حيث قدمت عروضًا في الهند والصين واليابان وإندونيسيا وأستراليا. في الهند، اقتبست قصة رادها وكريشنا، مُدمجةً عناصر من الرقص التقليدي والأساطير الهندوسية. أما في أستراليا، فقد كان لعروضها في سيدني وملبورن تأثيرٌ حاسمٌ على التطور اللاحق لفن الباليه. بيت اللبلاب IVY HOUSE أقامت آنا پاڤلوڤا فيها عام 1912، وسكنت في هذا المنزل في لندن واصبح المنزل مقرًا لإقامتها، والمنزل ملاذٌ يضم حدائق وبحيرة اصطناعية لبجعها، حيث وجدت فيه السكينة بعد جولاتها حول العالم. وقد عكس المنزل حساسيتها الفنية وحبها للطبيعة، كما كان بمثابة مركز إبداعي للبروفات والاجتماعات مع الفنانين والأرستقراطيين وغيرهم من الشخصيات البارزة، و بذلك كان صالونًا ثقافيًا دوليًا. كما غيرت آنا پاڤلوڤا جذريا أزياء الباليه الكلاسيكي في "الرقصات الروسية"، باستخدام التنورة المسطحة الصلبة والمزينة بالزهور أو أحجار الراين، مما سمح لتقنية الساقين والقدمين بالظهور، مما أدى إلى ظهور جمالية أصبحت لاحقا أيقونية في الباليه الروسي. كما استفادت من التراث الإسباني الغني بالملابس والرقص الفلامنكو و الفساتين المطوية للفنان الإسباني ماريانو فورتوني، مثل فستان دلفوس الشهير، الذي حرر الجسم من المشدات ووفر حرية كبيرة في الحركة، وهو مثالي للراقصات وظيفيا وجماليا. تأثرت الفنانة آنا پاڤلوڤا بالنزعة الاستشراقية التي كانت رائجة في أوائل القرن العشرين في أوروبا، فأدرجت عناصر بصرية مستوحاة من آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أعمالها. وأولت اهتماماً خاصاً للأزياء، فاختارت أقمشة فاخرة وحجابات ومجوهرات تستحضر هذه الثقافات، وإن كان ذلك من منظور غربي منمق. انا بافلوفا وإسبانيا: قدمت آنا پاڤلوڤا أولى عروضها في إسبانيا عام 1922 على مسرح ريال في مدريد، حيث لاقت استحسانًا كبيرًا. وفي شتاء عام 1930، قدمت أحد عشر عرضًا على مسرح ليسيو الكبير في برشلونة، بالتزامن مع اختتام المعرض الدولي لعام 1929. وكانت هذه زيارتها الأولى والأخيرة للمدينة، وكانت قبل أيام قليلة من وفاتها في لاهاي عام 1931 إثر إصابتها بالتهاب رئوي خلال جولتها. احتلت الأعمال ذات الطابع الإسباني مكانة بارزة في رصيدها الفني، حيث مزجت بين تعبيرية الرقص الإسباني وتقنية الباليه الكلاسيكي. ومن الأمثلة على ذلك باليه "أماريلا"، وهو عمل ذو طابع إسباني قدمته في جولاتها العالمية. كما قدمت مشاهد من باليه "دون كيشوت"، المستوحاة من الرواية الشهيرة للكاتب سرفانتيس وبتصميم رقصات من ابداع ماريوس بيتيبا وموسيقى لودفيج مينكوس. وقد ظهر هذا العمل التقليدي في التراث الروسي مرتديةً زيًا مميزًا لشخصية دولسينيا. ورغم أنها لم تقدم الباليه كاملاً، إلا أنها غالبًا ما قدمت مقاطع أو تنويعات أبرزت براعتها في كلا الأسلوبين، تاركةً انطباعًا لا يُنسى لدى الجمهور الإسباني. حتى في الولايات المتحدة الأمريكية حين صعدت آنا پاڤلوڤا على خشبة مسرح دار أوبرا مانهاتن، انطلق الجمهور الغفير بالموسيقى والرقص للترحيب بها. كانت قد عادت بعد موسم قضته في زيارة بلدان غريبة وشعوب مميزة، وعادت معها سمات الرقة والجاذبية المعهودة، حتى أنه عندما أدّت رقصة البيرويت الكلاسيكية، بدت وكأنها تمشي أو تحلق طائرة في السماء. كانّها تعلمت الطيران من پيتر پان، لأدرك المرء أنها لا تزال آنا المحبوبة. لكن سرعان ما اتضح أن إيفان كلوستين، المصمم المخلص لها ، كان لديه بعض السيناريوهات الجديدة في تصميم الرقصات؛ وأن ديكورات جديدة وأزياء زاهية الألوان كانت تنتظر أن تحل محل أضواء الكريستال. ومع ذلك، اختارت بافلوفا بحكمة أن تهبط على نيويورك عبر ضوء القمر المائل إلى البنفسجي في عرض "شوبينيانا"، وظهرت مرتديةً تنانير الباليه الكلاسيكية الرقيقة، وتجمعت حولها وصيفاتها كقطع قماش منفوخة، حملتها نسمة هواء إلى بستان السرو الرومانسي الذي رسمه بازيتي. وكان نوفيكوف النشيط هناك، يراقب كل حركة لها، وثيودور ستيلر، بالطبع، ليقود إيقاعًا مميزًا. آنا پاڤلوڤا كغيرها من الفنانين والأدباء وافاهم الأجل في المنفى وبعيدا عن اوطانهم في حين يعتبرون اليوم إرثا ثقافيا للإنسانية جمعاء ولا يهم باي لغة كتبوا، غنوا وعلى إيقاع اي موسيقي رقصوا؛ غجرية، إسبانية، روسية، هندية شرقية، مكسيكية واوربية فهي كلها اللغة المشتركة لشعوب الدنيا. آنا پاڤلوڤا كذلك انظمت الى جمهرة المنفيين وعلى الرغم من حبها العميق لوطنها روسيا، لم تعد إلى بلدها بعد الثورة البلشفية عام 1917، وماتت في الغربة اثر مرضها المفاجئ في بلاد الأراضي المنخفضة لتصبح شخصية رمزية للباليه الروسي عبر العصور
***
د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس
٢٠٢٦








