عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تقارير وتحقيقات

حكايات سلفادورية من مقهى "بان بان"

بدأت حكايتي مع السلفادور (El Salavdor) لحظة وطأت قدماي أرض صالة الوصول الجديدة في مطارها الدولي “سان أوسكار أرنولفو روميرو إي غالداميز”. فما إن استقرت قدمي على بلاط تلك القاعة الفخمة حتى أدركت أنني لست أمام مجرد بوابة جوية، بل أمام بيان سياسي صيغ بالزجاج والحديد، يروي قصة دولة قبل أن تنطق ألسنتنا بسؤالها. افتتحت القاعة الجديدة في يونيو/حزيران 2026، قبيل وصولي بأسابيع قليلة، بعد إنجازها في ثمانية أشهر وبتكلفة بلغت خمسين مليون دولار. كانت فسيحة، لامعة، شديدة التنظيم، ومصممة لتقول للزائر، منذ اللحظة الأولى، إن السلفادور لم تعد ذلك البلد الصغير الذي ارتبط اسمه طويلا بالحرب الأهلية والعصابات والهجرة والفقر. لم يكن المطار مجرد مشروع لتوسيع قدرته الاستيعابية أو تسريع إجراءات المسافرين، بل كان واجهة لمشروع الرئيس نجيب بوكيلي، وإعلانا ماديا عن الصورة التي تريد حكومته ترسيخها في الداخل والخارج: دولة آمنة، حديثة، واثقة بنفسها، وقادرة على الإنجاز بسرعة.  لكن ما إن خرجت من المطار وابتعدت عن لمعان زجاجه وأضوائه حتى بدأت صورة أخرى تتكشف أمامي. أدركت أن تلك الحداثة المبهرة ليست الحكاية كلها، بل الصفحة الأولى فقط من كتاب تضج صفحاته بالتناقضات.

 بدت زيارتي للسلفادور رحلة بين عالمين متجاورين: بلد صغير يتعانق فيه الطموح  مع المعاناة، وتتقابل فيه واجهات الحداثة  المعروضة مع شوارع أنهكها الفقر المعاش؛ من محطة جوية جديدة تتلألأ كأنها تنتمي إلى المستقبل، إلى محطات حافلات شعبية مكتظة بالوجوه المتعبة، ومن أحياء متآكلة ومبان تنوء تحت غبار السنين، إلى ساحات استعمارية باذخة تلمع كجزر من زمن آخر. وفي قلب العاصمة سان سلفادور (San Salvador)، تقف ساحاتها التاريخية شاهدة على هذا التناقض الأبدي. ففي ساحة الحرية (Plaza Libertad)، التي افتتحت عام 1911 تخليدا لاستقلال أمريكا الوسطى، يتربع نصب تعلوه هيئة ملاك يرمز إلى الحرية. وعلى مقربة منها، في النسيج التاريخي نفسه، تنتصب أبرز معالم العاصمة، ومنها الكاتدرائية لمتروبوليتانية (Catedral Metropolitana)، والمسرح الوطني (Teatro Nacional)، والقصر الوطني .(Palacio Nacional) غير أن المرء ما إن يشيح ببصره قليلا عن بهاء هذه المباني حتى تمتد أمامه الأسواق الشعبية المزدحمة والأحياء الفقيرة المتناثرة في محيط المدينة. هناك يمضي السلفادوريون العاديون في تفاصيل حياتهم اليومية تحت وطأة الفقر والضجيج، حاملين أملا عنيدا يراوغ اليأس ولا يستسلم له تماما.

 وفي قلب هذا المركز التاريخي، استوقفتني مكتبة السلفادور الوطنية الجديدة، المعروفة باسم “بينايس” (BINAES)، شامخة ككتلة مضيئة من الزجاج والصلب وسط المباني العتيقة. ويستقبل الزائر عند مدخلها لوح تذكاري يعلن أن هذا الصرح هدية من جمهورية الصين الشعبية إلى شعب السلفادور. ولا تبدو هذه العبارة مجرد تعريف بالجهة المانحة، بل إعلانا سياسيا ودبلوماسيا محفورا في واجهة المدينة. فالمكتبة، بضخامتها وحداثتها وإضاءتها المتوهجة، تكاد تطغى بصريا على ساحة خيراردو باريوس (Plaza Gerardo Barrios) المحيطة بها، بل تنافس بحضورها المهيب القصر الوطني والكاتدرائية وغيرهما من المعالم التي شكلت طويلا وجه العاصمة ورموز سلطتها. بدا المبنى كأنه لا يكتفي بالانضمام إلى المشهد العمراني، بل يعيد ترتيب موازين القوة داخله: الماضي ممثلا في القصر والساحات القديمة من جهة، وحاضر جديد تتجسد فيه لغة النفوذ الدولي ومشروعات التحديث من جهة أخرى.

 ومع ذلك، لم أر في هذا الصرح شاهدا على توجه ثابت أو أبدي نحو بكين، ولا تعبيرا حصريا عن الحكومة الحالية. فالمكتبة تذكر أيضا بأن التحالفات الدبلوماسية في البلدان الصغيرة قد تتبدل بتبدل الحكومات وموازين القوى والمنتصرين في الانتخابات. أمام ذلك الصرح المهيب، شعرت أن العمارة قد تحولت إلى لغة سياسية صامتة. فهذه ليست مكتبة فحسب، بل نصب للحداثة، وشاهد على تقلب التحالفات الدولية، ورسالة تقول إن القوى الكبرى لا تترك بصماتها في البلدان الصغيرة بالاتفاقيات وحدها، بل بالمباني التي تغير أفق المدينة وتكاد تحجب ما سبقها من رموز. هناك، حيث يتجاور الزجاج الحديث مع حجارة القصر الوطني، شعرت بأنني أمشي فوق طبقات متراكمة من الزمن السياسي؛ لكل طبقة دولة راعية، وحكومة، وعهد، ورؤية مختلفة للمستقبل.

 عد العاصمة، أمضيت أربعة أيام في مدينة سانتا آنا (Santa Ana)، متخذا منها قاعدة لاكتشاف غرب السلفادور. ومنها انطلقت إلى موقع تازومال (Tazumal) الأثري في مدينة تشالتشوابا (Chalchuapa)، أين تقف الأهرامات الداكنة شاهدة على ازدهار حضارة المايا وعلى عالم كان قائما هنا قبل وصول الغزاةالإسبان(los conquistadores) بقرون طويلة. وتندرج هذه الزيارة ضمن رحلتي البحثية حول الأطلال والمدن المفقودة عبر العالمين الوسيط والحديث المبكر.

ثم زرت خويا دي سيرين (Joya de Cerén)، وهي قرية زراعية قديمة دفنها ثوران بركاني تحت طبقات من الرماد، فحفظ مبانيها وأدوات سكانها وتفاصيل حياتهم اليومية طوال قرون. ولهذا تعرف خويا دي سيرين بلقب «بومبي الأمريكتين» (Pompeii of the Americas)، تشبيها بمدينة بومبي الإيطالية التي جمدها بركان فيزوف داخل لحظة من الزمن.لكن الفارق الإنساني بين الموقعين لافت. ففي حين عثر في بومبي على بقايا ضحايا الثوران، لم تكتشف في خويا دي سيرين جثث بشرية، مما يرجح أن سكان القرية تمكنوا من الفرار قبل أن يطمر الرماد منازلهم. وهكذا لم تحفظ لنا القرية موتهم، بل حفظت آثار حياتهم: الأواني، ومخازن الطعام، والأدوات الزراعية، والمطابخ، والبيوت المتواضعة التي تتيح لنا أن نرى كيف عاش الناس العاديون في عالم المايا. لم تكن خويا دي سيرين حكاية ملوك وقصور وجيوش، بل حكاية بشر يزرعون ويطهون ويخزنون محاصيلهم، ثم غادروا بيوتهم في لحظة خوف وتركوا وراءهم حياة كاملة حفظها الرماد.

 وبعد أيام من التنقل بين الأهرامات والآثار والقرى التي نهضت من تحت الرماد، كنت أعود إلى سانتا آنا وإلى مقهى بان بان (Café Ban Ban)، بالقرب من ساحتها التاريخية. كان الاسم مكتوبا بوضوح على لافتته، بسيطا وموسيقيا: بان بان. هناك، في ذلك المقهى الذي يشهد على حياة المدينة ونبضها اليومي، أخذت تفاصيل الرحلة المتناثرة تجتمع في ذهني: المطار الجديد، وساحات العاصمة، والمكتبة الصينية المهيبة، وأحياء الفقر، وأهرامات المايا، والحكايات التي سمعتها من السلفادوريين.

 وفي أمسيتي الأخيرة في السلفادور، جلست في مقهى بان بان أشارك أسرتي وأصدقائي المقربين، عبر هاتفي، بعض التسجيلات المصورة التي التقطتها خلال الرحلة. كانت اللقطات تنتقل من بهاء الساحات التاريخية إلى بؤس الأحياء المترامية حولها، ثم إلى صمت آثار تازومال وبيوت خويا دي سيرين التي أنقذها الرماد من النسيان، كأنها تختصر في دقائق قليلة سيرة بلد كامل. وأمام ذلك التناوب الموجع بين الروعة والحرمان، وبين الحاضر المضطرب والماضي المدفون تحت البراكين، لم أستطع مقاومة الرغبة في تدوين تأملاتي عن هذا البلد الصغير الذي حملني في رحلة حافلة بالدهشة والتناقضات والحكايات التي لا تنتهي.

وهنا توقف بي التأمل عند اسم هذا البلد العجيب: إل سالفادور (El Salvador)، أي «المخلص» أو «المنقذ»، في إشارة صريحة إلى السيد المسيح عليه السلام. وما إن تطأ قدمك أرضه حتى ترى كيف تتجسد دلالة الاسم في كل زاوية. فالتدين المسيحي، ولا سيما الكاثوليكي، يعلن عن نفسه بجرأة وجمال في آن واحد: كنائس تعانق السماء، وتماثيل لمريم العذراء تراقب المارة من واجهات المنازل، وصلبان من الحديد والخرسانة تتربع فوق التلال كأنها تبارك الأرض من علو.

وفي المتاجر الصغيرة والعربات الخشبية التي تبيع البوبوسا (Pupusa)، ذلك الطبق الوطني الشهير المصنوع من عجين الذرة والمحشو بالجبن أو الفاصولياء أو اللحم، تجد صور القديسين معلقة على الجدران، وأيقونات العذراء ترافق الباعة في سعيهم وراء الرزق اليومي. يبدو الإيمان هنا أكثر من مجرد مجموعة من الشعائر؛ إنه جزء من نسيج الحياة نفسها، حاضر في الطعام والعمل واللغة والزينة والذاكرة الجماعية. وقد تسلّل هذا التديّن من الكنائس والبيوت إلى واجهات المتاجر والبوتيكات الصغيرة وسيارات الأجرة، بل امتدّ إلى الحافلات الشعبية الشهيرة التي أطلق عليها السيّاح الأمريكيون اسم «حافلات الدجاج» (Chicken Buses). وهي في الأصل حافلات مدرسية أمريكية قديمة أُخرجت من الخدمة في الولايات المتحدة، ثم بيعت ونُقلت إلى بلدان أمريكا الوسطى، والتي وجدت موطنا جديدا وأُعيد استخدامها لنقل الركاب. ويكسوها أصحابها بألوان زاهية ورسوم وزخارف وعبارات دينية وآيات من الكتاب المقدس وصور القديسين والصلبان والورود، حتى لتبدو كلّ واحدة منها كأنها كنيسة متنقّلة تبشّر بالخلاص وهي تشقّ طريقها وسط زحام المدينة وفوضاها

ولو شاهد هذه الحافلات بعض أنصار الحداثة الشكلية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ممن اعتادوا مظاهر العصرنة الرتيبة، فلعلهم سيتوجسون من هذا الفيض البصري: ألوان صاخبة، وصلبان تزين كل ركن، وعبارات دينية مكتوبة بأحرف لاتينية ملونة فوق خلفيات مزدحمة. أما هنا، فلا يبدو المشهد نشازا، بل تعبيرا صادقا عن مجتمع لم يفصل تماما بين المقدس واليومي، ولا بين الإيمان والسعي في طرقات الحياة.

وفي مقهى بان بان، اختلط عبق القهوة برائحة الإسمنت والغبار. ففي محيط ساحة سانتا آنا كانت مشروعات الترميم تمتد في كل اتجاه: واجهات تنفض عنها غبار السنين، وأرصفة يعاد رصفها، وشوارع تعيد آلات البناء صياغتها. بدت المدينة كلها كأنها تمر بمخاض ولادة جديدة، تعيد تشكيل وجهها تحت قيادة رجل يثير من الجدل بقدر ما يثير من الإعجاب: نجيب أرماندو بوكيلي أورتيز .(Nayib Armando .Bukele Ortez). ولد بوكيلي في سان سلفادور في 24 يوليو/تموز 1981، وهو سياسي ورجل أعمال ينحدر من عائلة ذات أصول فلسطينية. فجده لأبيه ولد في القدس، وجدته من بيت لحم، وقد هاجرا إلى السلفادور في مطلع القرن العشرين. أما والده، أرماندو بوكيلي قطان، فقد اعتنق الإسلام وأصبح إماما وشخصية بارزة في المجتمع المسلم السلفادوري. وفي بلد يحمل اسم المسيح ويحكمه رئيس ذو جذور عربية وفلسطينية، يتجلى تناقض آخر من تناقضاته الكثيرة: كيف تجتمع رمزية «المخلص»، وسياسات حالة الاستثناء، ومشروعات التحديث والترميم، والذاكرة الفلسطينية، في بوتقة وطنية واحدة؟

ولعل أكثر ما أثار دهشتي في شخصية بوكيلي ذلك الانتقال الرمزي الحاد من ذاكرة عائلية فلسطينية تمتد جذورها إلى القدس وبيت لحم، إلى اصطفاف واضح إلى جانب إسرائيل بلغ حد الخضوع الكاريكاتوري للصهيونية، ولا سيما في ظل المأساة الإنسانية المتواصلة في غزة. ووهذا لعمري تناقض كاركاتوي فاضح يتجاوز شخص بوكيلي ليعكس موجة سياسية أوسع أعادت رسم خريطة أمريكا اللاتينية والوسطى خلال سنوات قليلة: خافيير ميلي في الأرجنتين، ودانيال نوبوا في الإكوادور، ونجيب بوكيلي في السلفادور، وخوسيه راؤول مولينو في بنما، وسانتياغو بينيا في باراغواي، ثم رودريغو باز في بوليفيا، وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، ونصري عصفورة في هندوراس، ولورا فرنانديز في كوستاريكا، وكيكو فوجيموري في البيرو، وأخيرا أبيلاردو دي لا إسبرييلا في كولومبيا. وعلى الرغم من اختلاف هذه الحكومات في درجات يمينيتها وبرامجها الداخلية، فإن كثيرا منها يلتقي عند التشدد الأمني، والقرب من واشنطن، والخطاب المحافظ، والميل إلى توثيق العلاقات مع إسرائيل. وكان التحول في تشيلي وكولومبيا لافتا على نحو خاص. فقد انتقل البلدان، بعد تغير قيادتيهما، من حكومتين عرفتا بانتقادهما الشديد للحرب الإسرائيلية على غزة إلى قيادتين يمينيتين تسعيان إلى إعادة بناء العلاقات مع إسرائيل. ولم تعد السياسة الخارجية، في هذا السياق، انعكاسا لموقف أخلاقي ثابت بقدر ما أصبحت امتدادا للهوية الإيديولوجية للحكومة المنتخبة ولعلاقتها بواشنطن.

في تلك الأمسية، جرني شاب إلى حديث شيق بعدما لاحظ فضولي، فسألني من أين أتيت. وحين أخبرته أنني قادم من تونس، تلألأت عيناه باهتمام لم أتوقعه. ثم عرفني بنفسه: أنيبال باكيرو إيرنست .(Aníbal Bakero Ernest) استوقفني اسمه الكامل. فاسمه الأول أحالني فورا إلى حنبعل، القائد القرطاجي الذي خرج من الأرض التي تعرف اليوم بتونس، والذي أصبح اسمه في الإسبانية واللغات الأوروبية «أنيبال» (Aníbal وفجأة، بدا الاسم كأنه جسر صغير ممتد بين ضفتي تاريخ بعيد: بين قرطاج وأمريكا الوسطى.أما «باكيرو» (Bakero)، فقد أيقظ في أذني صدى اسم «أبي بكر»، بما يحمله من حضور راسخ في الذاكرة العربية والإسلامية. ومع ذلك، كان هذا التشابه كافيا ليجعل الاسم يبدو مألوفا وغريبا في آن واحد: «أنيبال» يعيدني إلى قرطاج، و«باكيرو» يوقظ في داخلي صدى «أبي بكر»، وكأن اسم رجل سلفادوري التقيته مصادفة قد جمع، في لحظة واحدة، شظايا من تاريخ البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي وأمريكا الوسطى.

لم أكن أبحث عن إثبات نسب لغوي بقدر ما كنت أنصت إلى ما أثاره الاسم في الذاكرة؛ فالأسماء، حتى حين لا تجمعها قرابة حقيقية، تستطيع أن تخلق قرابة وجدانية بين الغرباء. وهكذا غدا اسم «أنيبال باكيرو» جسرا متخيلا يمتد بين قرطاج وبلاد الأندلس وأمريكا الوسطى، جامعا بين أمكنة وأزمنة لم أتصور أن تلتقي يوما على طاولة مقهى في السلفادور.

ثم انتقل حديثنا إلى اسم بوكيلي وأصوله الفلسطينية، وإلى أثر الهجرات العربية التي وصلت إلى أمريكا اللاتينية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. أدركت أن الأسماء لا تسافر دائما بالطريقة نفسها؛ فبعضها حملته الكتب والذاكرة الكلاسيكية، وبعضها الآخر حمله المهاجرون في جوازاتهم وصلواتهم وحكاياتهم العائلية. لكنها حين تستقر في أرض جديدة تكتسب حياة جديدة من دون أن تفقد تماما صدى موطنها الأول. في تلك اللحظة، وسط مدينة بعيدة في أمريكا الوسطى، شعرت أن إرث الفينيقيين والقرطاجيين، ثم تاريخ الأندلس والهجرات العربية اللاحقة، قد أصبح فجأة قريبا. لم تعد المسافات بين تونس والسلفادور تقاس بآلاف الكيلومترات، بل باسم يتردد على طاولة في مقهى.تحدث أنيبال عن بلاده بفخر مشوب بالحذر. حدثني عن الأيام القاسية التي عاشها السلفادوريون تحت وطأة عصابات المارا، وعن الخوف الذي كان يسكن الأزقة والمنازل ومحطات الحافلات. وتحدث عن «الحدود غير المرئية» التي كانت تفصل بين الأحياء، بحيث قد يعني عبور شارع واحد الانتقال إلى منطقة تسيطر عليها عصابة أخرى، وقد يتحول الخروج من المنزل إلى مغامرة محفوفة بالموت.

ثم تحدث عن التحول الذي أعقب فرض بوكيلي حالة الاستثناء في مارس/آذار 2022، وعن عشرات الآلاف الذين اعتقلوا للاشتباه في انتمائهم إلى العصابات أو ارتباطهم بها، وعن أيام أصبحت تمر من دون تسجيل جرائم قتل. كان صوته يحمل ارتياح من استعاد شيئا كان يظنه مفقودا إلى الأبد، لكنه كان يحمل أيضا ذلك الحذر الذي يرافق الحديث عن السلطة حين تصبح قوية إلى هذا الحد. ولم يكن أنيبال وحده من روى لي هذه الحكاية. فكل سائق أوبر صادفته تقريبا كان يحمل رواية عن حي كان محظورا، أو قريب نجا من عنف المارا، أو جار دفع حياته ثمنا لرفضه الخضوع للعصابات. كانوا يتحدثون عن شعور بالحرية لم يعرفوه منذ عقود: حرية السير ليلا، وفتح متجر صغير، وزيارة قريب يسكن في حي آخر، وترك الأطفال يلعبون خارج المنازل.

ومع أن الحديث عن الوجه الآخر للسياسة الأمنية، بما يتضمنه من اعتقالات تعسفية محتملة، وغياب للإجراءات القانونية الكافية، وتركيز للسلطة، لم يكن سهلا في المناخ السياسي الراهن، فإن التحول الأمني نفسه كان ملموسا. كان حاضرا في نبرات الناس، وفي نظرات ارتياحهم، وفي الطريقة التي يروون بها الماضي كما لو كان كابوسا ابتعد أخيرا، وإن لم تتضح بعد الكلفة الكاملة للاستيقاظ منه.

 أشار أنيبال خصّيصا إلى حي لا كامبانيرا (LaCampanera) في مدينة سويابانغو (Soyapango) والذي صفه بأنه كان من أخطر أحياء السلفادور، ومكانا حكمته طويلاأخطر عصابتين متنافستين في السلفادور وهما مارا سالفاتروتشا (Mara Salvatrucha – MS-13) وعصابة الحي الثامن عشر (Barrio 18). أما اليوم، وفق ما يرويه السكان، فقد عادت عائلات إلى منازلها، وأصبح الأطفال يلعبون في ملاعب جددت، وصارت النساء يسرن في الشوارع بأمان أكبر. ذلك الشعور بالأمان هو مفتاح الشعبية التي يتمتع بها بوكيلي. فبالنسبة إلى كثير من السلفادوريين، لا يقاس حكمه أولا بالنظريات الدستورية أو بتقارير المنظمات الدولية، بل بسؤال يومي شديد البساطة: هل أستطيع أن أخرج من منزلي وأعود حيا؟ ومن عاش سنوات تحت سلطة العصابات يدرك أن هذا السؤال، على بساطته، قد يطغى على كل الأسئلة الأخرى.

 وهكذا اكتملت أمامي صورة بدأت في المطار: صالة وصول جديدة تعلن ولادة دولة حديثة، ومدن ترمم واجهاتها، وشوارع استعادت قدرا من الأمن؛ وفي الجهة الأخرى، أحياء فقيرة، وأسواق مزدحمة، وسجون امتلأت بعشرات الآلاف، وأسئلة ثقيلة عن الحرية والعدالة وحدود السلطة. إنه مشروع سياسي مكتوب بالحجر والإسمنت، لكنه مكتوب أيضا في وجوه الناس، وفي صمتهم، وفي الحكايات التي يختارون روايتها أو يخشون البوح بها.

 وفي مقهى بان بان، كان ا الزوار الغرباء والميسورون المحليون يجلسون إلى طاولات متقاربة، بينما تمتد مشروعات الترميم خارج النوافذ لتعيد تشكيل المدينة. وفي العاصمة تحمل المكتبة الحديثة بصمة الصين، ويحمل الرئيس اسما ذا إيقاع عربي ووعدا سلفادوريا، وتجوب حافلات الدجاج الشوارع باسم المسيح، وتختلط أيقونات العذراء برائحة البوبوسا والقهوة والغبار. وفي أطراف البلاد، تظل أهرامات المايا قائمة، بينما تحفظ قرية تحت الرماد تفاصيل حياة أناس رحلوا منذ قرون. هناك شعرت بأنني أقف عند مفترق طرق تاريخي، أشاهد شعبا يعيد كتابة حكايته بيديه، فيما تحاول السلطة أن تختار لتلك الحكاية عنوانها وصورتها الأولى. حكاية تبدأ في مطار لامع يشبه إعلانا سياسيا، ثم تنساب إلى شوارع يختلط فيها الأمل بالخوف، والإيمان بالفقر، والأمن بأسئلة الحرية، قبل أن تعود إلى أهرامات صامتة وبيوت حفظها الرماد من النسيان.

***

نزار فاروق هِرْمَاس

أستاذ دراسات الشّرق الأوسط وجنوب آسيا-جامعة فيرجينيا

 

غابرييل غارسّيا مركيز بتنّورة!.. تعانق كبرىَ الجوائز فى الآداب الاسبانيّة "بلانيتا"

فازت الرّوائية التشيلية إيزابيل أيّيندي بجائزة "بلانيتا" فى الآداب الإسبانية لعام 2026 عن روايتها التي تحمل عنوان "الساعة التي تسبق الفجر"، التي تعتبر تتمّة لروايتها السابقة المعروفة "بيت الأرواح" إذ تعود أحداثها الى هذه الرواية الشهيرة، والى شخصيتها الاساسية "ألبا ترويبا " بعد الاحداث التي شكّلت تلك الرواية. وتبلغ قيمة هذه الجائزة المرموقة مليون يورو، وهي تعتبر من أكبر وأشهر الجوائز الادبية وأعلاها من حيث قيمتها المادية فى اسبانيا، وتليها مرتيةً جائزة سيرفانتيس الشهيرة.

وقد تسلّمت الكاتبة التشيلية هذه الجائزة المرموقة فى 15 من شهر اكتوبر الجاري بمدينة برشلونة خلال حفل ترأسه العاهل الاسباني فليبي السادس وحرمه الملكة ليتيثيا، وتعتبر هذه الجائزة فى نسختها الخامسة والسبعين منذ إنشائها ولقد حازها العديد من الكتاب والادباء من اسبانيا ومن بلدان امريكا اللاتينية الناطقة بلغة سيرفانتيس رجالاً ونساءً. وقد حطّمت هذه الجائزة هذا العام الرقم القياسي من حيث عدد المشاركين فيها إذ بلغوا 1.424 مشاركاً.

واشارت الروائية الفائزة بهذه الجائزة الهامة للصحافيين : ان روايتها " بيت الأرواح" كتبت منذ 45 عاماً، وتعالج رواية " السّاعة التي تسبق الفجر" مرحلة جديدة فى حياة شخصيتها الرئيسية "ألبا" بعد ان عانت حياة العنف والتنكيل خلال الدكتاتورية، حيث تسلّط هذه الرواية الأضواء الكاشفة على إشكاليات الذاكرة، والعائلة، والحب، والنساء، والقدرة عل إعادة بناء الذات بعد ان أنهكها العنف.

حياة حافلة بالمغامرات والعطاءات

ولدت ازابيل أيّيندي في الثاني من شهر أغسطس 1942 في العاصمة البيروفية ليما، ووالدها هو ابن عمّ الرئيس التشيلي الأسبق سيلفادور أيّييندي، ثم انتقلت مع والدتها الى العاصمة التشيلية سانتياغو، حيث أمضت بها خمس سنوات، وبعد ذلك انتقلت مع والدتها إلى بوليفيا، حيث كان زوج أمها الجديد يعمل دبلوماسيًا أيضًا فى هذا البلد.بعد بوليفيا انتقلت عائلتها للعيش فى لبنان، حيث قضت ثلاثة أعوام فى بيروت، ثم عادت العائلة من جديد إلى تشيلي.

عملت أيّيندي في منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة في سانتياغو، كما عملت في بروكسيل وعواصم اوربية أخرى.عادت بعد ذلك إلى بلدها الاصلي تشيلي عام 1966، ومُنذ عام 1967 طفقت تعمل في هيئة تحرير مجلة " باولا"، وفي مجلة مامباتو للأطفال. انضمّت إزابيل أيّيندي منذ شبابها المبكر إلى صفوف الكتاب اليساريين الذين اشتهروا في فترة انتشار الفكر اليساري الذي كان يناضل من أجل التحرّر، والدفاع عن مساواة المرأة وحقوقها.

من أشهر رواياتها "ابنة الحظ" التي تعالج قصة مواطنة تشيلية وهي" إلزا سوميرز" التي كانت تعيش في (فالباراييْسو) عام 1849 وهو العام الذي اكتشف فيه الذهب في كاليفورنيا، هاجر خليلها "خواكين أندييتا" إلى شمال القارة بحثاً عن الكنز الموعود، وتقرّر (إلزا) أن تذهب وراءه في رحلة جهنمية شاقة، متخفية في مركب شراعي بحثاً عن خطيبها في أرضٍ لا يؤمّها سوى الرجال، وبعض المومسات اللائي حضرن إلى هذه المنطقة القاحلة في خضم حمىّ البحث عن الذهب والثروة. ستعمل الظروف القاسية التي ستواجهها، وتعيشها على تحويل هذه الشابة البريئة إلى امرأة غير عادية صعبة المراس، سيساعدها طبيب صيني يُدعى " تاو شين" في رحلة لا تنسى من خلال مغامرات وأسرار وتناقضات الحياة.

ذكرى جدّها التي لا تغيب عن فكرها

لاحظ النقاد ان إزابيل أيّيندي غالباً ما تبدأ كتابة رواياتها في تاريخ الثامن من شهر يناير، وعندما سُئلت عن سرّ ذلك قالت: «في الثامن من ينايرمن عام 1981 علمتُ أن جدي يُحتضر فبدأت أكتب رسالة، هذه الرسالة سرعان ما تحوّلت إلى رواية "بيت الأرواح".وقبل ذلك ظلّ مقتل سلفادور أليندي عام 1973 عالقاً في ذهنها، وصورة بارزة في عالم إبداعاتها الروائية وكتاباتها على العموم، وبعد النجاحات المتوالية التي حققتها رواياتها في عالم الإبداع السردي أشيع في تشيلي احتمال نوبل ثالث لهذا البلد بعد مواطنتها الشاعرة غابرييلاّ ميسترال وهي أوّل امرأة تحصل على نوبل في الآداب في أمريكا اللاتينية عام 1945 والشاعر بابلو نيرودا الذي فاز بهذا التكريم العالمي نفسه عام 1971، (أنظر مقاليْن لي عن هاذين الموضوعيْن نُشرا مؤخّراً فى " القدس العربي")، إلاّ أنها علقت على ذلك مبتسمة ًحينها وقالت: «إن ذلك ما زال بعيداً عنيّ، فأنا ما زلت في منتصف الطريق بالنسبة لهاذين المبدعيْم الكبيرين ". وها هي ذي نبوءتها تتحقّق بحصولها اليوم على جائزة " بلانيتا" الاسبانية الكبرى التي نحن بصددها، وهي مرشّحة دائمة للحصول على جائزة نوبل الى اليوم.

فى البحث عن الهويّة اللاّتينية فى المجتمع الامريكي

وفى روايتها «قصص حواء قمر» (1984) تحكي لنا إزابيل أييّندي قصة امرأة تنحدر من أبناء وبنات القمر، وهي قبيلة من قبائل السكان الأصليين من هنود أمريكا اللاتينية الذين عانوا شراسة وضراوة المستعمر الاسباني الغازي، وأبرزت في هذه الرواية عذابات ومعاناة شعب يقف في صراع دائم حول كيانه ووجوده وهويته، وتاريخه وتقاليده وموروثاته.

وفي كتابها "خطة غير متناهية" (1992) يتفجّر مدى الطموح الذي يعتمل في نفس هذه الأديبة، ويحكي لنا هذا الكتاب قصة غريغوري رايفيز وهو أمريكي أبيض نشأ في الحيّ المكسيكي في لوس أنجليس في كاليفورنيا، وتغطي القصة مرحلة زمنية تمتدّ من الحرب العالمية الثانية إلى بداية الثمانينيات، وليس في نية الرواية كما يبدو للقارئ من أول وهلة تقديم «شهادة عصر»، بل إنها تحكي ببساطة قصة ذات دوافع ونوازع وظواهر اجتماعية، حيث نلتقي مع شخصيات مثل «غريغوري رايفيز» ووالده «شارل رايفيز»، ومع «أولغا» وهي مهاجرة و«كامن موراليس» وعائلتها المكسيكية، وكلها شخصيات تعيش نوعا من الذوبان في المجتمع الأمريكي، حيث يعيش المرء حسب تقاليده، مشدوداً إلى ماضيه، إلاّ أنه في الوقت ذاته يتوق إلى تحقيق اندماج كلّي أو على الأقل جزئي في هذا المجتمع، وإن لم يتحقق ذلك معه، فعلى الأقل مع أولاده، يتم القص في هذه الرواية على لسان الغائب مع إدخال نوع من المونولوج على منوال رواية «بيت الأرواح»، ما يجعل القارئ مشدوداً إلى هذه الرواية، وهو أوّل عمل روائي تعالج فيه الكاتبة أييّندي وسَطاً غير أمريكي لاتيني، أي غير وسطها التقليدي المعتاد. ويبدو الجانب السحري في هذه الرواية في النشاط الذي يقوم به «شارل رايفيز» كداعية بهائي، و«أولغا» كساحرة، وبالجملة تصبح هذه الرواية بحثاً عن الهوية الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تجسّم الرواية أو تعكس تصادماً وتطاحناً بين الثقافة الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم اللاتيني، وهي أيضا سياحة أو رحلة إلى عالم الجحيم الشخصي لرجل يجد خَلاصه، وملاذه وعزاءه في الحبّ، وهو آخر ما يمكن أن ينتشله المرء من معمعة الحياة وأتونها.

أيّيندي روائيّة من معطف ماركيز!

تقول إزابيل أيّيندي عن نفسها: "بدأتُ الكتابة في سنّ كانت تتجه فيه النساء التشيليات عادة إلى حياكة الجوارب لأحفادهنّ "، وعندما ظهرت أول رواية لها عام 1982 وهي ذات الوجه الشاحب، والاسم الذي يرنّ بالمأساة، انهال عليها النقد تقريظاً وقدحاً في آنٍ، والغريب أن هذه الصحافية والأديبة، حققت نجاحاً لم يكن متوقعاً، ولم يكن في الحسبان، وانطلق الجدل حول باكورة أعمالها الروائية التي تحمل عنوان «بيت الأرواح»، حيث حققت بهذا العمل الروائي بين ليلة وضحاها انتشاراً واسعاً وذيوعاً كبيراً، وثار بعد ذلك نقاش واسع آخر حول اللغة الواقعية السحرية الصقيلة التي استعملتها هذه الكاتبة الأمريكية اللاتينية في هذه الرواية، دون أن تصل آنذاك إلى مستوى الكتاب الكبار المشهود لهم بهذا الجانب الإبداعي في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسهم القاص المكسيكي خوان رولفو، كما غالى بعض النقاد في اتهامها بمحاولة (استنساخ) رواية الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز الشهيرة «مئة عام من العزلة». كانت أييّندي تقول عن ماركيز: "كان كل كتاب له يحصل على شهرة وشعبية لا حدود لهما، لذلك، يمكن القول إنه استحوذ على قلوب العديد من القراء، وانتشرت كتبه في جميع أرجاء العالم، لقد تحدث غارسيا ماركيز للعالم أجمع عن قارتنا، عن أمريكا اللاتينية، وجعلنا نتعرف على أنفسنا، وفي صفحات كتبه ورواياته كنا نرى أنفسنا وكأننا ننظر في مرآة». وتقول عن روايته الذائعة الصّمت (مئة عام من العزلة) «عندما بدأت في قراءة هذه الرواية، امتنعت عن الذهاب إلى العمل، بل مكثت في البيت أقرأها حتى انتهيت منها. كان كما لو أنه يروي لي قصتي الشخصية. إذ اكتشفت أن عائلتي كانت موجودة في الكتاب، وكان هناك بلدي والناس الذين أعرفهم، بل حتى جدتي كانت موجودة في هذا الكتاب، فقد نشأتُ أنا أيضا في بيت جدي وجدتي مثله، كان هناك كثير من أوجه الشبه بيننا".

وتؤكّد الناقدة المكسيكية "بياتريس مايير" عن روايتها (بيت الأرواح): «من مميّزات هذه الرواية عرضها وسردها الإخباري العائلي المتواتر، وتجسيدها للحقيقة انطلاقاً من الواقع والغضب والحنق والعنف والسّخط المتفجر فيها، بأسلوبها المميّز فى كتابة الروايات.

إزابيل أيّيندي وبلديّها الشّاعر الكبير نيرودا

وتقول إزابيل أيّيندي عن لقائها كصحافية مع مواطنها الشاعر بابلو نيرودا قبل أيام قليلة من رحيله: «كان بابلو نيرودا، الأديب التشيلي الثاني الذي فاز بجائزة نوبل للآداب في بلدها بعد الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال. كان ذا شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم، وترجم شعره إلى مختلف لغات الأرض. وعندما داهمه المرض، عاد إلى بلده تشيلي، وبالضبط إلى مقر إقامته في "الجزيرة السوداء" لأنه كان يريد أن يموت ويدفن في منزله، حيث يوجد قبره في الوقت الراهن، قبل الانقلاب العسكري عام 1973 بفترة وجيزة، زرته في منزله، تناولنا الغداء ثم قلت له: «هل يمكنني أن أجري معك المقابلة الآن، لأنّ الوقت قد تأخر، وعليّ أن أعود الى سانتياغو؟» فقال: أية مقابلة؟ فقلت له: لقد جئت لأحاورك. عندئذٍ قال لي: على كل حال. فأنا لن أجعلك تجرين مقابلة معي. لأنك أسوأ صحافية في هذا البلد. أنت تكذبين طوال الوقت. ولا يمكنك أن تقولي الحقيقة. ولم تكوني أبدا موضوعية. وأنا متأكد من أنه إذا لم تكن لديك قصة، فأنت تختلقينها، لماذا لا تتحوّلين إلى كتابة الأدب، حيث تعتبر كل هذه المساوئ من المحاسن؟ إنني أنصحكٍ بذلك، ومنذ ذلك اليوم قرّرت أن ألج عالم الأدب والكتابة من أوسع أبوابه واختلاق القصص والحكايات ولقد اصبحت أيّيندي فيما بعد بالفعل من رواد تيار الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية.

بين إزابيل أيّيندي وإدوَاردُو غاليانُو

تعرّفت أيّيندي على صاحب الكتاب الذي ملأ الدنيا وشغل القرّاء «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» الكاتب الأروغوائي الكبير إدواردو غاليانو، فقالت عنه: غاليانو يمكن له أن يقصّ عليك ما لا نهاية له من القصص والحكايات بدون انقطاع، وبكلّ سهولة وسلاسة ويسر وجاذبية، وذات مرة تقطعت بنا السبل في أحد الشواطئ في جزيرة كوبا ولم نعثر على وسائل النقل للعودة من حيث أتينا. وهكذا لعدة أيام استمتعت كثيراً وبلا حساب بالإصغاء لقصص فريدة، وحكايات مذهلة، فهو يتمتع بموهبة خارقة في رواية القصص، الشيء الذي جعل مؤلفه «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» كتاباً عظيماً يتميز بأسلوب جذاب، وكأنه قصة من قصص، أو حكاية من حكايات، أو مغامرات القراصنة المشوّقة… هناك قصة له فى هذا الكتاب السِّفر أحببتها كثيرا، جاء فيها: "كان هناك رجل عجوز يعيش بمفرده، وكانت تحاك حوله إشاعات مفادها أنه يخفي كنزاً باهظا في منزله، وذات يوم دخل اللصوص إلى بيته خفية، وصاروا ينقبون في كلّ مكان عن الكنز، وعثروا على خزانة بقبو سكناه، فأخذوها معهم، وعندما فتحوها وجدوها ملأى برسائل الحب، وكاد اللصوص أن يضرموا النيران في تلك الرسائل، إلا أنهم قرروا في ما بعد إعادتها إلى صاحبها، فصاروا يبعثون بها إليه واحدة، واحدة، كان العجوز يترقب بفارغ الصبر وصول ساعي البريد إلى منزله، وهو يحمل إليه رسالة جديدة في يده، وفي كلّ مرّة كان يشعر بسعادة عارمة لا حدود لها لتلقيه رسالة جديدة من تلك المرأة".

من أعمال هذه الروائية الفريدة: بيت الأرواح، عن الحب والظلال، إيفا لونا (حكايات إيفا لونا (قصص قصيرة)، الخطة اللانهائية، باولا (كتاب تذكاري)، آفروديت (وصَفات، قصص، وأفروديتيات أخرى)، ابنة الحظ، صورة عتيقة، مدينة البهائم، بلدي المُتخيل، مملكة التنين الذهبي، غابة الأقزام (وهي روايات للأطفال والبالغين)، وسواها من الاعمال الاخرى، ومن الجوائز الادبية التي حصلت عليها فى بلدها قبل جائزة بلانيتا الاسبانية الجائزة الوطنية للآداب**

***

د. محمد محمد الخطابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

** تحريراً فى (Torremolinos) بُرج الطواحين مالقة فى 20 اكتوبر 2026.

 

18 دورة من المعرفة والثقافة

لم يعد معرض أربيل الدولي للكتاب مجرد مناسبة سنوية لعرض الكتب وبيعها، بل أصبح واحداً من أبرز الملتقيات الثقافية في العراق وإقليم كوردستان، وفضاءً يجمع القراء والكتّاب والمفكرين والناشرين من بلدان مختلفة. وعلى مدى 18 دورة، استطاع المعرض أن يرسخ حضوره في الحياة الثقافية، وأن يمنح أربيل فرصة لاستقبال تجارب أدبية وفكرية متنوعة، تلتقي فيها اللغات والثقافات تحت سقف الكتاب.

تنظم مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون المعرض بالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب في إقليم كوردستان، وبمشاركة دور نشر ومؤسسات ثقافية من داخل العراق وخارجه. ويقام المعرض في أرض معرض أربيل الدولي داخل متنزه سامي عبد الرحمن، حيث يجد الزائر آلاف العناوين في الأدب والفكر والتاريخ والسياسة والفلسفة والعلوم، فضلاً عن الندوات والحوارات والأمسيات الشعرية وتوقيع الكتب الجديدة.

18 دورة.. مسيرة ثقافية متواصلة

وصل المعرض في عام 2026 إلى دورته الثامنة عشرة، التي افتتحت في 21 أكتوبر وتستمر حتى 31 أكتوبر، تحت شعار «أنا كوردستاني». وتشهد هذه الدورة مشاركة نحو 400 دار نشر ومؤسسة من 18 دولة، تعرض أكثر من مليون عنوان، إلى جانب برنامج ثقافي وفني يتضمن أكثر من 90 فعالية، بمشاركة كتّاب ومثقفين وفنانين وباحثين.

أما الدورة السابعة عشرة، التي أقيمت في أبريل 2025، فحملت شعار «العالم يتكلم كوردي»، في إشارة إلى أهمية اللغة الكوردية وحركة الترجمة والانفتاح على ثقافات العالم. وشارك فيها أكثر من 350 دار نشر من 22 دولة عربية وأجنبية، كما استضافت الكاتب المصري محمد سلماوي، وشهدت ندوات ولقاءات تناولت الأدب والترجمة وصناعة النشر.

وبالوصول إلى الدورة الثامنة عشرة، يكون المعرض قد واصل مسيرته التي بدأت قبل سنوات، متجاوزاً مرحلة الحدث المحلي إلى مساحة ثقافية تستقطب اهتماماً عراقياً وعربياً ودولياً. غير أن توثيق الدورات الأولى يحتاج إلى الرجوع إلى أرشيف الجهة المنظمة، حتى لا تُنسب شعارات أو فعاليات أو تواريخ إلى سنوات لم تثبتها المصادر المتاحة.3406 Book Fair

من الدورة الأولى إلى الثامنة عشرة

انطلقت الدورة الأولى عام 2006، وشكّلت بداية مشروع ثقافي مهم في مرحلة كان العراق فيها يواجه تحديات أمنية وسياسية كبيرة. وفي عام 2012، أقيمت الدورة السابعة بمشاركة 330 دار نشر من 13 دولة، فيما تجاوز عدد العناوين المعروضة مليوني عنوان في الدورة السادسة، بحسب تقارير صحفية آنذاك.

وفي عام 2015، وصلت الفعالية إلى دورتها العاشرة، بمشاركة نحو 220 دار نشر من 27 دولة، وعرض أكثر من 700 ألف عنوان. وفي عام 2019، احتضنت أربيل الدورة الرابعة عشرة، بمشاركة نحو 300 دار نشر، في تأكيد على استمرار المعرض رغم الظروف الصعبة التي مر بها العراق والمنطقة.

وفي عام 2023، أقيمت الدورة السادسة عشرة، بمشاركة أكثر من 300 دار نشر من 14 دولة، فيما شهدت دورة 2024 مشاركة نحو 300 دار نشر من 10 دول، وفق تقارير صحفية تناولت المعرض.

أما دورة 2025، فقد جاءت بشعار «العالم يتكلم كوردي»، بينما اختارت دورة 2026 شعار «أنا كوردستاني»، لتسلط الضوء على الهوية الثقافية الكوردية والتنوع الذي تتميز به المنطقة.

الكتاب بوصفه جسراً بين الثقافات

تكمن أهمية معرض أربيل الدولي للكتاب في أنه يتيح للقارئ الوصول إلى مؤلفات بلغات متعددة، ويمنح دور النشر فرصة للتواصل مع جمهور جديد، كما يوفر للكتّاب مساحة لعرض أعمالهم ومناقشة قضايا الأدب والفكر والسياسة والمجتمع. وتمنح الندوات والحوارات وتوقيعات الكتب المعرض قيمة تتجاوز البيع والشراء، لأنها تفتح المجال أمام تبادل الآراء والتجارب.

ومع ذلك، فإن الحفاظ على مكانة المعرض يتطلب الاهتمام بتشجيع القراءة بين الشباب والطلاب، وتوفير الكتب بأسعار مناسبة، ودعم الكتاب الكوردي والعربي، وتوسيع حضور المؤلفات العلمية والفكرية المتخصصة.

إن وصول معرض أربيل إلى دورته الثامنة عشرة ليس مجرد رقم في سجل الفعاليات، بل دليل على استمرار الحاجة إلى فضاءات تجمع الناس حول المعرفة. فالمدن لا تُبنى بالعمران وحده، وإنما بما تمنحه لعقول أبنائها من فرص للتعلم والتفكير والحوار. ومن هنا، تظل قيمة المعرض الحقيقية في الكتاب الذي يصل إلى قارئ جديد، والفكرة التي تفتح باباً للنقاش، والعلاقة التي تنشأ بين ثقافات مختلفة داخل مدينة تؤكد، عاماً بعد عام، أن للثقافة مكاناً أساسياً في مستقبلها.

***

رمزي ميركاني

الجامعة الجزائرية بحاجة إلى إعادة تأسيس

 - واسيني الأعرج: الريميتي امرأة مقاومة

يقول واسيني الأعرج أن تكتب رواية وتواجه سيلا من الصراعات وتجد نفسك تتساءل إن كان الروائي مهمٌّ عند القارئ أم يعاني من مشكلة القراءة ومحدوديتها، فالرهان الأدنى بالدرجة الأولى متناقض بين رواية الأمير والشيخة الريميتي التي هي امرأة عاشت اليتم والفقر والبؤس لكنها خرجت من العدم ووصلت إلى العالمية، كانت في نظر واسيني معجزة لأنها عانت لتصل إلى هذه الشهرة لم يصل إليها فنان مخضرم، فهل يمكن أن نقول عنها أنها” مدرسة” في فنّ “الراي” طالما تخرّج على يديها مغنّو الرّاي كالشاب مامي وحسني والشاب خالد؟ ولولاها هي ما وصل هؤلاء الثلاثة إلى النجومية، ففي زمن الريميتي كان المجتمع الجزائري مقسّم لا يوجد اختلاط بين المرأة والرجل، خاصة في الأعراس

ينتقد واسيني الأعرج الذين تهجّموا على روايتة الريميتي وشخصية هذه المرأة بالذات ليشير من الأخلاق أن لا نحكم على الآخر، ونحن لا نعرف شيئا عنه، وكان من المفروض على الذين أحدثوا ضجة عبر مواقع التواصل الإجتماعي أن يقرأوا الرواية قبل الحكم عليها، يعبر هذا عن موقف صاحب الرواية الذي كما قال هو موقف "أخلاقيٌّ "لأن فنّها كان عفويا وهو يُعَبِّرُ عن الثقافة الشعبية ، وهذا النوع من الثقافة يحتاج إلى بحث دقيق وعميق، لكن للأسف انه لا أحد فكر في إنجاز فيديو مع الشيخة الريميتي وهو الإهمال بعينه، هكذا اضاف واسيني الأعرج الذي بدا أكبر المدافعين ليس عن روايته هو، وإنما عن امرأة عاشت التهميش فلا أحد تذكرها من الكتاب والإعلاميين حتى خرجت روايته إلى النور، خاصة وأن الشيخة الريميتي أول من افتتح مهرجان الراي وكانت آخر سهرة لها بقاعة الزينيث قبل أن تتوفى بسكتة قلبية، وقد وصفها واسيني الأعرج بالمرأة المقاومة، وفي هذا يقول واسيني الأعرج إن النقد الأدبي اليوم ضيّع هويته والجهد النقدي وإن انتقل إلى الجامعة والندوات لكنه ظل حبيسا داخلها (أي الجامعة)، لأن الأكاديمي لم ينتقل إلى الوسائط الإجتماعية،حتى نقده لم يكن موضوعيا ، من وجهة نظر هذا الروائي فإن الجامعة الجزائرية بحاجة لى إعادة تأسيس.

عن الرواية التاريخية يقول واسيني الأعرج أن الرواية تستفيد من المادة التاريخية لكنها لا تكون التاريخ نفسه لأن المادة التاريخية متعلقة بالشخصية التاريخية وتخلق مناخا صحيحا، فهي حفّاظ الذاكرة، في سؤال الحضور إن كانت هناك دار نشر تتكفل بترجمة رواية الريميتي وإن أمكن تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي أوضح واسيني الأعرج أن ترجمة رواية إلى فيلم سينمائي تحتاج إلى موافقة السلطات العليا ثم البحث عن مخرج سينمائي محترف، ويبدو أن الرسالة التي أراد أن يوجهها واسيني الأعرج هي أن الشعب الذي يجهل تاريخه وثقافته وبالأخص ثقافته الشعبية محكوم عليه بالضياع وفقدان الهوية، فالثقافة الشعبية حسب رأيه مادة خام ولابد من إعادة لها الإعتبار ولاشك أن الذين انتقدوا الريميتي وتهجموا عليها لم يقرأوا الرواية.

الندوة تميزت بنقاشات ساخنة طرحها كل من الدكتور عبد الله حمادي والأديب محمد زتيلي، تناولا فيها الحديث عن الأدب وأنواعه ، وماهو الفرق بين الأدب الرسمي والأدب الهامش هذا الأخير كما سمّاه الدكتور عبد الله حمادي بـ: "الأدب المسكوت عنه" وهو أدب لا يمثل الثقافة الرسمية لأن السلطة لم ترسّمه كنوع من أنواع الأدب الجزائري، خاصة وأن هذا النوع من الأدب يزيل الستار على كل ما هو مخفي ولا تريد السلطة إظهاره أو كشفه أمام الراي العام ، وكان ينتظر ظهور أقلام حرة وجريئة في الطرح ، إلى أن ظهر النقد الثقافي للأدب الهامش، ولذا ينبغي تجاهل ردود الفعل التي ورثت النظرة القديمة لأن الكثير يخاف من ردود السلطة، حول فن الراي أشار الأديب محمد زتيلي إلى ما شهدته الساحة الثقافية في الجزائر من انفتاح منذ مجيء الشاذلي بن جديد في ظل الموجة السياسية التي ظهرت في الساحة واستجاب لهذه الموجة مغنو الراي أمثال الشاب خالد والشاب مامي وحتى الزهوانية باستثناء الشيخة الريميتي التي رفضت التنازل عن أغنية الهامش بعد أن حسّنت من لغتها، وجعلتها تراث إنساني

 أمّا عن سؤالنا إن كانت رواية الريميتي هي خروج عن المألوف أو تكسير الطابوهات إن صح التعبير، أو أنها تأتي في طابع حداثي يكون فيه الكاتب أو الروائي متحررا من كل قيود الكتابة، يرى واسيني الأعرج أن الرواية هي سيرة حياة فنانة واجهت صراعات عنيفة جعلتها تتحدث عن ظروف الحياة القاسية، وهو لم ينتظر رواية الريميتي لكي يكسر بها الطابوهات، للإشارة أن ندوة واسيني الأعرج جاءت خلال بيع بالتوقيع لروايته الأمير والشيخة الريميتي وذلك في إطارالموسم الجديد للنادي الأدبي الذي تنظمه دار الثقافة مالك حداد بحضور زوجته الكاتبة والروائية زينب الأعوج ووجوه ثقافية، تحت إشراف مدير الثقافة ومديرة دار الثقافة مالك حداد سناء دريدي، وكانت فرصة للوقوف على المحطات التي رافقت مسيرة واسيني الأعرج الإبداعية ، ولوحظ أن رواية الريميتي أخذت حصة الأسد من النقاش.

***

علجية عيش

 

والمدرسة العمومية والسيادة المعرفية

احتضنت مدينة مراكش، اليوم، لقاءً ثقافياً نظمته جمعية أصدقاء المدرسة العمومية، خُصّص لتكريم الباحث والإعلامي الدكتور مصطفى غلمان، ومناقشة كتابه الفكري الجديد «مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات»، بمشاركة الدكتور إبراهيم أعراب والدكتور محمد أقديم، وتسيير الحقوقية والكاتبة الدكتورة سناء زعيمي، بحضور مجموعة من المثقفين والإعلاميين والكتاب.

وشكّل اللقاء مناسبة لقراءة مضامين الكتاب ومناقشة أطروحاته المرتبطة بتحولات الوعي في البيئة الرقمية، وتأثير الشبكات والمنصات الإلكترونية في تشكيل المعارف والقيم والتمثلات الاجتماعية، إلى جانب ما تطرحه هذه التحولات من أسئلة ثقافية وتربوية وهوياتية.

وتناولت المداخلات عدداً من القضايا التي يثيرها الكتاب، من بينها العلاقة بين التكنولوجيا وإنتاج المعنى، وأثر الخوارزميات في توجيه الانتباه وتداول المعلومات، فضلاً عن التحولات التي تعرفها علاقة الإنسان بالحقيقة والمعرفة في ظل الانتشار الواسع للوسائط الرقمية. كما أتاحت المناقشة مساحة لتبادل وجهات النظر بشأن حدود تأثير المنصات الرقمية في استقلالية التفكير وبناء الوعي النقدي.3378 ghalman

وفي تفاعله مع المداخلات، استحضر الدكتور مصطفى غلمان المنطلقات الفكرية التي اعتمدها في مقاربة موضوع الشبكات الرقمية، مركزاً على أبعادها الاجتماعية والثقافية والتربوية، وعلى دورها في إعادة تشكيل أنماط التواصل وإنتاج المعرفة. وتندرج هذه المقاربة ضمن مساءلة أوسع للتحولات التي تفرضها البيئة الرقمية على الأفراد والمؤسسات، ولا سيما المدرسة ومؤسسات التنشئة الثقافية.

كما استدعى غلمان المنطلقات الفكرية التي اعتمدها في مقاربة موضوع الشبكات الرقمية، مركزاً على أبعادها الاجتماعية والثقافية والتربوية، وعلى دورها في إعادة تشكيل أنماط التواصل وإنتاج المعرفة. كما شدد على أهمية الثقافة والمدرسة العمومية في مواجهة اختلالات التحول الرقمي، معتبراً أن الرهان التربوي يتجاوز تعليم استخدام الأدوات التقنية إلى بناء التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التحقق من المعلومات وفهم آليات اشتغال الخوارزميات. وربط غلمان هذا التوجه بمسألة السيادة المعرفية والتكنولوجية، من خلال تطوير البحث العلمي، وحماية البيانات، وتعزيز حضور اللغة العربية في المحتوى الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح للمجتمع الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى فهمها والمشاركة في إنتاجها وتوجيه آثارها.3379 ghalman

وفي السياق برزت خلال اللقاء أسئلة تتعلق بقدرة المنظومة التربوية على مواكبة التحولات الرقمية، وتعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، وتطوير آليات التعامل مع تدفق المعلومات ومصادرها. وامتد النقاش إلى قضايا الهوية والقيم وشروط الحفاظ على استقلالية الفرد في فضاء رقمي تتداخل فيه الاعتبارات التقنية والاقتصادية والثقافية.

ويأتي هذا اللقاء في سياق النقاش الفكري المتواصل حول آثار الرقمنة والذكاء الاصطناعي في المجتمع، وما تثيره من رهانات تتصل بإنتاج المعرفة وتداولها، وبالعلاقة بين التكنولوجيا والإنسان. كما أتاح الاحتفاء بكتاب «مستعمرات الضوء» فرصة لتقديم أطروحاته أمام جمهور ثقافي، وفتح المجال أمام قراءات ومقاربات متعددة لموضوعاته.

وفي ختام اللقاء، عبّر الدكتور مصطفى غلمان عن تقديره لمبادرة جمعية أصدقاء المدرسة العمومية، وللمشاركين في مناقشة الكتاب، مشيراً إلى أهمية الحوار الثقافي في اختبار الأفكار وتوسيع مجالات النقاش بشأن قضايا الراهن الرقمي.

ويعالج كتاب «مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات» قضايا مرتبطة بتحولات الوعي في العصر الرقمي، وعلاقة الشبكات بإنتاج المعنى وتوجيه الانتباه وإعادة تشكيل الممارسات الثقافية والاجتماعية، في إطار مقاربة فكرية تسعى إلى مساءلة آثار التكنولوجيا في الإنسان والمجتمع.

***

مراكش/ خاص

في أمسية أدبية احتضنها قاعة القيصر في مبنى الرومر بمدينة فرانكفورت، دخل اسم شيدا بازيار تاريخ الأدب الألماني من بابه الواسع، بعدما أُعلن في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026 فوزها بـجائزة الكتاب الألماني عن روايتها الجديدة «Die Lücken»، أو «الفجوات». وبذلك أصبحت بازيار صاحبة «رواية العام» في الأدب الألماني، في واحدة من أبرز الجوائز التي تُمنح للرواية المكتوبة بالألمانية.      

الجائزة، التي تبلغ قيمتها 25 ألف يورو للفائزة، جاءت بعد منافسة بين ستة أعمال وصلت إلى القائمة القصيرة، اختارتها لجنة تحكيم من بين 205 روايات صدرت بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 وسبتمبر/أيلول 2026. أما الأعمال الستة في القائمة النهائية فكانت لفرانزيسكا غانسلر، وفاليريا غوردييف، وإلياس هيرشل، وبيغي ميلر، ودانا فوينكل، إلى جانب بازيار. 

كاتبة بين عالمين

ولدت شيدا بازيار عام 1988 في مدينة هرمسكايل بولاية راينلاند-بفالتس الألمانية، بعد أن فرّ والداها من كردستان إيران إلى ألمانيا عام 1987. درست الكتابة الأدبية في جامعة هيلدسهايم، وعملت لسنوات في مجال التربية والتعليم الشبابي، قبل أن يتفرغ حضورها تدريجياً للكتابة. 

لكن تجربتها الأدبية تنفتح بوضوح على قضايا المنفى والهجرة والهوية والتعدد الثقافي، كما تحضر شخصيات من خلفيات إيرانية وكوردية في أعمالها، ولا سيما في روايتها الفائزة. 

هذه الخلفية العابرة للحدود انعكست بقوة في مشروعها الروائي. ففي روايتها الأولى «الليل هادئ في طهران» التي صدرت عام 2016، تتبع بازيار مصير عائلة إيرانية عبر أربعة عقود، من الثورة الإيرانية إلى حياة المنفى في ألمانيا ثم العودة إلى إيران. وقد نالت الرواية عدداً من الجوائز، كما وصلت ترجمتها الإنكليزية إلى القائمة القصيرة للجائزة الدولية للبوكر لعام 2026.

أما روايتها الثانية «ثلاث صديقات» الصادرة عام 2021، فقد وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألماني، لتؤكد أن بازيار لم تكن اسماً عابراً في المشهد الأدبي الألماني، بل صوتاً يتبلور باستمرار حول أسئلة الهجرة والانتماء والعنصرية والصداقة والهوية.   

«الفجوات» .. رواية عن الذاكرة التي لا تموت

في روايتها الثالثة، «الفجوات»، تعود بازيار إلى ألمانيا نفسها، ولكن من بوابة الماضي. المكان هو قرية متخيلة تحمل اسم هايمسباخ في منطقة الهونسروك، وهي منطقة تستند جزئياً إلى البيئة التي نشأت فيها الكاتبة.

لكن القرية في الرواية ليست مجرد مكان جغرافي؛ إنها أرشيف حي للذاكرة الألمانية. ففي جدرانها وسِيَر سكانها تختبئ نحو تسعين عاماً من التاريخ: من صعود النازية وتدمير حياة العائلات اليهودية، إلى أولئك الذين استفادوا من النظام النازي ثم أعادوا تقديم أنفسهم بعد الحرب بوصفهم مجرد «متفرجين» أو أبرياء، وصولاً إلى عائلات مهاجرة ولاجئة تصل إلى المكان بعد عقود بحثاً عن الأمان والانتماء. 

وهنا تكمن قوة الرواية: فهي لا تتعامل مع التاريخ بوصفه ماضياً منتهياً، بل بوصفه شيئاً يسكن الحاضر ويؤثر في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم بعضاً.

تسأل الرواية، في جوهرها، سؤالاً بسيطاً وشائكاً في آن واحد: متى يصبح الإنسان من أهل المكان؟

هل يكفي أن يعيش المرء في قرية أو مدينة لسنوات طويلة كي يصبح جزءاً منها؟ أم أن هناك ذاكرة خفية، وطبقات من التاريخ، وحدوداً غير مرئية تحدد من ينتمي ومن يبقى غريباً؟

من يملك حق رواية التاريخ؟

من أبرز ما لفت لجنة تحكيم جائزة الكتاب الألماني في «الفجوات» الطريقة التي بنت بها بازيار عالمها السردي. فالرواية تستخدم راوية ميتة، وتتحرك في بنية أشبه بالفسيفساء بين فترات زمنية وشخصيات متعددة، كما تمزج بين العناصر التخيلية والتوثيقية، وبين الشخصيات المتخيلة والشخصيات التاريخية. 

هذه التقنية لا تبدو مجرد لعبة شكلية، بل تخدم سؤال الرواية الأساسي: كيف يمكن استعادة ما حاول المجتمع نسيانه أو إخفاءه؟

فالذاكرة، في عالم بازيار، ليست خطاً مستقيماً. إنها فجوات وثغرات وأصوات متقاطعة، وما لا يُقال قد يكون أحياناً أكثر حضوراً مما قيل.

ولهذا وصفت لجنة التحكيم الرواية بأنها «رواية ضد اللامبالاة»، معتبرة أن مصائر الشخصيات تكشف ما يقارب قرناً من التناقضات في الحياة الألمانية، ولا سيما العلاقة بين الذاكرة التاريخية وبين شعور الأشخاص ذوي خلفيات مهاجرة بأنهم ينتمون إلى المكان الذي يعيشون فيه.    

الماضي الألماني بعيون الحاضر

تمنح بازيار في «الفجوات» صوتاً لأكثر من طبقة من المجتمع: عائلات يهودية فقدت كل شيء، أشخاص استفادوا من النظام النازي، ثم عائلات إيرانية وكوردية تبحث بعد عقود عن ملاذ في ألمانيا.

بهذا المعنى، لا تكتب الكاتبة رواية تاريخية بالمعنى التقليدي، بل تعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر والهجرة. فالسؤال عن النازية لا ينفصل عن سؤال العنصرية المعاصرة، كما أن سؤال «الوطن» لا يمكن فصله عن سؤال: من يُسمح له بأن يشعر بأنه في وطنه؟

وتشير حيثيات الجائزة إلى أن الرواية تستكشف تحديداً الطريقة التي يمكن بها للجيران والمجتمع المحلي أن يقرروا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما إذا كان الأشخاص ذوو الخلفيات المهاجرة يشعرون بأنهم في بيتهم أم لا.    

من «طهران» إلى «الوطن»

يمكن النظر إلى مسيرة شيدا بازيار الأدبية باعتبارها رحلة من سؤال المنفى إلى سؤال الوطن.

في «الليل هادئ في طهران» كان السؤال يدور حول الثورة، والرحيل، والعودة، وما الذي يحدث لعائلة تحمل وطنها في ذاكرتها بينما تعيش في بلد آخر. وقد وصفت الجائزة الدولية للبوكر الرواية بأنها قصة عن الثورة والقمع والمقاومة والحرية، تمتد على أربعة عقود من تاريخ عائلة إيرانية.      

أما في «الفجوات»، فقد انتقل السؤال إلى قلب ألمانيا نفسها: ماذا يعني أن تكون من أهل مكان يحمل تاريخاً لم يُواجه بالكامل؟ وهل يمكن بناء إحساس جديد بالوطن من دون مواجهة ما حدث في الماضي؟

إنها نقلة لافتة من المنفى إلى الوطن، ومن تجربة الوافد إلى تفكيك فكرة الوطن ذاته.

كاتبة لجيل جديد من ألمانيا

تكمن أهمية بازيار أيضاً في موقعها داخل جيل أدبي ألماني بات أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة: جيل لا يرى الهوية الألمانية باعتبارها تجربة أحادية اللغة أو أحادية الذاكرة، بل باعتبارها فضاءً تتقاطع فيه الهجرة والمنفى والاستعمار والعنصرية والتاريخ الأوروبي والبحث عن الانتماء.

ومع ذلك، فإن بازيار لا تكتب من خارج الأدب الألماني؛ إنها تكتب من داخله وبالألمانية، وتعيد من خلال اللغة الألمانية نفسها طرح أسئلة عن ألمانيا وتاريخها ومجتمعها.

وهذا ما يجعل فوزها بجائزة الكتاب الألماني أكثر من مجرد تتويج لرواية ناجحة. إنه أيضاً اعتراف بمسار أدبي استطاع أن يحوّل التجربة العابرة للثقافات إلى جزء من النقاش المركزي حول الأدب الألماني المعاصر.

جائزة لرواية لا تنسى

عندما أعلنت لجنة التحكيم فوز «الفجوات»، أشادت تحديداً بقدرة الرواية على خلق حركة بين الأزمنة والمسافات، وعلى الجمع بين القرب والابتعاد، وبين الخيال والوثيقة. وخلصت إلى أنها رواية تقف في مواجهة اللامبالاة.   

وهذه ربما هي العبارة الأكثر دلالة على تجربة شيدا بازيار: الأدب لديها ليس وسيلة لاستعادة الماضي فحسب، بل وسيلة لمنع الحاضر من أن يصبح متصالحاً مع النسيان.

من طهران إلى ألمانيا، ومن حكاية عائلة لاجئة إلى قرية تخفي أسرارها، ومن سؤال الهوية إلى سؤال الذاكرة، قطعت شيدا بازيار مسافة أدبية واضحة خلال ثلاثة أعمال روائية.

واليوم، مع حصولها على جائزة الكتاب الألماني لعام 2026، لم تعد «الفجوات» مجرد رواية جديدة في موسم أدبي مزدحم؛ لقد أصبحت عملاً يضع الذاكرة والهجرة والتاريخ والمسؤولية في قلب النقاش حول معنى الوطن.

وفي هذا تكمن دلالة فوز بازيار: ليست الجائزة احتفاءً بصوت أدبي جديد فحسب، بل اعترافاً بقدرة الرواية على فتح الأبواب التي يغلقها التاريخ، وإعادة طرح الأسئلة التي يفضل المجتمع أحياناً أن يتركها في الظل.

***

رمزي ميركاني

لروح الفنان عباس الحربي والفنان منير العبيدي وإبداع مسرحي على خشبة مسرح كسولا بور هاوس

في أمسية فنية حملت الكثير من الوفاء والحنين، قدّمت فرقة المرحوم الفنان عباس الحربي عملها المسرحي الجديد «أوبريت الوداع» على خشبة مسرح كسولا باور هاوس في سيدني، من تأليف وإخراج الفنان الشاب ريسان الزهيري، في عرض جمع بين المسرح والدراما والموسيقى، واستعاد محطات من حياة الفنان الراحل عباس الحربي ورفيقه المخرج الراحل منير العبيدي، اللذين تركا بصمات واضحة في المشهد الفني العراقي في أستراليا.

جاء العرض في صورة عمل مسرحي متكامل، اتسم بجودة الأداء والإخراج وجمالية الديكور، ونجح في تقديم تجربة فنية استحضرت سيرة فنانين كرّسا سنوات طويلة لخدمة المسرح والفن، وقدّما العديد من الأعمال الناجحة على المسارح الأسترالية.

ويُعد الراحل عباس الحربي من الفنانين الذين جمعوا بين التمثيل والتأليف، وله تجربة طويلة في الكتابة الدرامية، ومن أعماله التلفزيونية المعروفة مسلسل «الحواسم»، إلى جانب عدد من النتاجات الفنية الأخرى التي أسهمت في إثراء المشهد الدرامي العراقي.3284 abas

أما «أوبريت الوداع»، فقد جاء بوصفه رسالة وفاء من فرقة عباس الحربي إلى مؤسسها الراحل، واستطاع المخرج والمؤلف ريسان الزهيري أن يحوّل هذه الذكرى إلى عمل فني نابض بالحياة، مستفيداً من عناصر المسرح المختلفة في بناء المشاهد وتقديم الشخصيات واستحضار أجواء الراحلين.

وقد تألق الزهيري في أدائه التمثيلي إلى جانب مهمته في التأليف والإخراج، ونجح في التواصل مع الجمهور الذي تفاعل مع مشاهد العرض بالتصفيق، في لحظات عكست حجم التأثر بما قدمته الفرقة من مشاهد إنسانية وفنية.

ولم يقتصر «أوبريت الوداع» على العرض المسرحي فحسب، بل تخللته كلمات وشهادات من عدد من الشخصيات والجهات المشاركة، بينها كلمات لشخصيات من البرلمان وبلدية ليفربول، إضافة إلى كلمةمنظمة استارس القتها السيدة ياسمين يحيى وكلمة  منتدى الجامعيين العراقيين الاسترالي القاها الدكتور البروفيسور أحمد الربيعي، فضلاً عن كلمة الإعلامي والكاتب وديع شامخ مدير الصالون الثقافي، والتي تناولت أهمية التجربة الفنية ودور المبدعين العراقيين في المهجر.

وفي ختام العرض، جرى تكريم المشاركين من الممثلين والممثلات وتوزيع الجوائز والشهادات التقديرية، تقديراً لجهودهم في إنجاح العمل، قبل أن يكون مسك الختام مع أجواء موسيقية وفنية جميلة، من خلال الأغاني والعزف على آلة العود للفنان أنمار الشاعر، ليكتمل بذلك المشهد الاحتفالي.

لقد أثبتت فرقة المرحوم عباس الحربي من خلال هذا العمل أن المسرح لا يكتفي بتقديم المتعة الفنية، بل يستطيع أن يكون مساحة لحفظ الذاكرة وتكريم المبدعين واستعادة سيرتهم للأجيال الجديدة.3285 abas

ويحسب للفنان ريسان الزهيري أنه استطاع أن يجمع بين التأليف والإخراج والأداء في تجربة مسرحية حملت بصمة واضحة، وقدمت نموذجاً لعمل فني يقوم على الوفاء للماضي والانفتاح على المستقبل.

«أوبريت الوداع» لم يكن مجرد عرض مسرحي، بل كان تحية وفاء لفنانين تركا أثراً في ذاكرة المسرح العراقي في أستراليا، ورسالة تؤكد أن المبدع قد يغيب جسداً، لكن أعماله وذكراه تبقى حاضرة على خشبة الفن وفي ذاكرة الجمهور.

كل التوفيق لفرقة المرحوم عباس الحربي، وللفنان ريسان الزهيري، في مواصلة مسيرتهم وتقديم أعمال مسرحية جديدة تواصل حضور الفن العراقي على مسارح أستراليا.

***

اعداد خليل الحلي - سيدني

رئيس تحرير صحيفة العهد

(اجمع جذورا فكاري الصغيرة)... انكيا كاونا

لم اكن انوي ترك الأندلس والقدوم إلى وطني السويد مع بدأ الخريف والمطر الذي لا يترك السماء ولكن لظروف عدت لأشارك في المهرجان التاسع للشعر في مدينة يونشوبنگ السويدية. هذا المهرجان الذي كتبت عنه منذ بداياته الأولي حيث قدمت العديد من الشعراء لقارئ العربية.

اليوم بدأ المهرجان بكلمات عذبة من السيدة أنيت هوگلوند وهي من المهتمات بالشأن الثقافي في المدينة وكنا لسنين طوال نجلس معا في مجلس هيئة الثقافة للمدينة المنتخب من خلال الانتخابات النيابية والذي يصادف هذه السنة نهاية الأسبوع الحالي.

قدمت المقيمين على المهرجان وهم بالإضافة إلى السيدة انيت هناك الشاعر ڤيكتور روخاس، ماني كاسبين و ايڤا أدين. كما قامت بتقديم جميع الشعراء المشاركين في هذه الدورة وبعد افتتاح المهرجان استمع الحاضرين على موسيقى حيث بدا الشاعرة الكولومبية انكيا كاونا بإلقاء الشعر بالإسبانية وترجم إلى السويدية وكادت ان تبكي وهي تذكر فلسطين والجدير بالذكر ان افتتاح المهرجان تم برعاية السفير الكولمبي في المملكة.

خدعة صغيرة

احمني من نفسي

الصمت الكبير السهل الذي لا يزال يسكن الظل بين اشجار العرعر والأكاذيب الذكية احمني من الرياح المضادة فالنسيم لم يعد يحمل ذلك النقاء الصدر الناعم

القانون الوحيد هو كذلك الشق التجاعيد من خلالها تتوارى الحكومات3239 tawfeq

جاءت الشاعرة المغربية جليله لتلقي بكلمات تدخل القلب مباشرة وكما كتبت لي حيث أنشدت قائلة:

"لم احلم ان أكون شاعرة"

.... الشمس تشرق مليئة بالمحبة على الورقة الندية في قمة الشجر

قسوة الخريف الجاف نظرة الوداع الجريحة

الصمت ينشد بأنواعه في الأفق

وعلى أوتار قيثارتي تستريح بألحانها الأشعار المسافرة.

اما الشاعرة السورية سوزانا إبراهيم فقالت للماء

*

… كالثلج تسقط الماء فاقدا الوعي

.... ثم عادت إلى الوطن معاتبة

أنا الوطن لقطيع من الطيور المهاجرة.

اما الشاعر النرويجي جون ستولا ريتلاند فأبدع في كلمات تدخل الأفئدة وهو القائل؛

الكون منحني عدسة يكبر كل شيء يحمل الطفل بها نظرة إلهية.3238 tawfeq

اما الشاعرة الفرنسية لورا التي جاءت من بلد الشاعر رامبو الذي تغنى بعمال بابل فأنشدت قائلة بالفرنسية:

وضع الأشعار في جيبه غاب يمينا باتجاه النهر مباشرة باتجاه الجزيرة مثقل بالكلمات.

ولم يغيب الشاعر البولندي ميشال سوبرا عن المهرجان والذي فرح بلقائي حين ذكرت له باني ساعد مادة عن المهرجان الذي يستمر لعدة ايام وكانّه يتحدث عن الحرب كتب يقول:

الملجأ

على الأقل هناك مخرجين للملجأ تجد بالمنظار المخرج الكبيرً، السهل ومخرج ضيق خفي.

وراء العدو بين أشجار البتولا الميتة

اما الشاعرة اليونانية اگاثي ديمتروف فقد استهلت شعرها من الماضي من الإغريق القديم لتقول:

اپولو

ظلال الصدأ على الرخام.. ذهبي على الخزف.. لان جمالك أناني ...يحيد عنه النظر.

جميع الشعراء قدموا قصائدهم بلغاتهم الوطنية بينما قامت السيدة ايڤا بترجمتها إلى السويدية وحتى اشعار الشاعر النرويجي جون رغم ان اللغة النرويجية قريبة من السويدية ويفهمها السويديين بسهولة.

انتهى المهرجان بموسيقى من امريكا اللاتينية بينما ودع الجميع الشعراء على أمل اللقاء يوم غد في مسرح المدينة الكبير " اسپيرا" الواقع على ضفاف بحيرة الكاهن الجميلة

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - يونشوبنگ

٢٠٢٦

مدينة يونشوبنگ السويدية كانت يوما ما في الماضي مجرد سوق يلتقي فيه الفلاحون لمقايضة ومبادلة البضائع وتبادل الحوار الحضاري الإنساني. تاريخيا كانت المدينة يوم ما حدود مع مملكة الدنمارك عند مكان تسمى يونا باكا ولا تزال البناية التي وقع فيها السلام بين المملكتين قائمة في مركز المدينة وقرب بناية البلدية القديمة. وقد حرق ابناء المدينة مدينتهم مرتين ولم يبقى من القصر الملكي وسط المدينة إلا جدار احتفظ به حين انشاء عمارة سكنية في المنطقة يمكن زيارته ورؤية الآثار والجدير بالذكر بان المنطقة باكملها كانت عامرة يوما ما لذا يكتشف يوميا من الحفريات أماكن تراثية كان اخرها وليس الأخيرة كنيسة اكتشفت في الشارع الرئيسي للمدينة خلال اجراء صيانة للشارع اجري توثيق المكان من قبل دوائر الآثار المعنية.

الاقليم الذي يحمل اسم المدينة كذلك من الأقاليم التي تنتشر فيها الكنائس لذا سمى من قبل العامة أورشليم السويد وتقع على الساحل الجنوبي لبحيرة فترن وهي بحيرة للماء العذب يمكب شرب مائه لانه لا يوجد اي مصنع على سواحلة وتمتد 150 كيلومتر شمالا وترتبط ببحر بلطيق بقناة مائي يسمى (يوتا كنال)  كانت تستعمل للتجارة البحرية مع اوربا. اليوم قناة سياحي ومن الاماكن المرغوبة للسياح وقد صور العديد من الافلام السينمائية عند هذا القنال.

تقع هذه الساحة، الامل في المركز الشرقي لمدينة يونشوبنگ. كانت هذه الساحة الصغيرة تُسمى في الأصل "ليلا تورجيت" أو "تريكانتين". وكان يمتد منها زقاق صغير شمالًا باتجاه بحيرة (مونك خو) اي بحيرة الراهب، وكان يُسمى "هوبيتس غراند". سُميت الساحة نسبةً إلى هذا الزقاق، وقد أُطلق عليها هذا الاسم عام ولادتي ١٩٥٤.

لا يوجد توثيق دقيق لاسم الزقاق، حاليا تسمى زقاق الحدادين وكان الترماي يسير من هذا الزقاق في يوم من الايام وهي من الأزقة التراثية وبيوتها كانت معظمها من خشب وقد احترقت العديد من تلك البيوتات التراثية وإنشاءات مبادي حديثة مكانها ومع الأسف وقد كنت شاهدا على الأقل لحريقين منها احداها حصل في مطعم للبيتزا والآخر على الشارع الرئيسي. الجدير بالذكر بان البلدية حاولت دائما المحافظة على التصميم المعماري لبيوت الزقاق ونحت في الاونة الأخيرة بتحويل واجهات العديد من البنايات إلى أشكال مقاربة للأصل

. ولكن تُروى قصة عن احد الشباب المجهولين رفض خطبته لفتاة فقرر الانتحار في هذه البحيرة وأنهى حياته. في هذه الساحة، شُيّد مبنيان مصرفيان فخمان من خمسة طوابق حوالي عام ١٩٠٠: وكان فيها المقر الرئيسي لبنك مدينة يونشوبينگ والمقر الرئيسي لبنك سمولاند (المقاطعة الصغيرة) ، الساحة على شكل قطعة أرض مثلثة الشكل بين شارعي أوسترا ستورگاتان (الشارع الشرقي الكبير) وشارع الحدادين المار الذكر . كانت الجهة الغربية تُطل على عقار تملكه آنذاك السيدة كارولينا كروكنبرگ، .بُني منزل كروكنبرغسكا حوالي عام ١٩٠٢ باتجاه الرصيف. في عام ١٩٤٢، هُدم مبنى أركين بالكامل، وشُيّد مبنى مصرفي من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأصفر، صممه كيل ويستين، في الفترة ما بين عامي ١٩٤٣ و١٩٤٤، وهو مبنى هاندلسبانكن (البنك التجاري) قبل ان ينتقل الىً شارع قرب مكتبة ومتحف المدينة .

كان للمبنى المصرفي واجهة مقوسة تُطل على قناة هامنكانالن (قناة الميناء)، وواجهات أخرى تُطل على شارعي أوسترا ستورغاتان وساحة الامل. هُدِم مبنى بنك الادخار عام ١٩٦٢ بعد هبوط أرضي، واستُبدل عام ١٩٦٥ بمجمع مبانٍ جديد لبنك يونشوبينغ كاونتي للادخار ووكالة حماية البيئة، من تصميم المعمارين يوهان ووليرت وفولك هيديروس. وفي عام ١٩٦٧، تم تدشين تمثال "رؤية الأمل" البرونزي للفنان رون كارلسون. اليوم تقام العديد من الفعاليات السياسية والمظاهرات في هذه الساحة وخاصة في فترة الصيف وسنوات الانتخابات العامة والتي ستجري في 15 ايلول القادم.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي

يونشوبنگ السويد 2026

حديقة الحيوانات التي أتحدث عنها تقع في وسط مدينة فينخورلا الاسبانية الساحلية افتتحت عام 1978 رغم ان الدخول إلى هذه الحديقة يكلف الكثير بالنسبة لذوي الدخل المحدود امثالي الا ان زيارتها يضيف إلى الخزين المعرفي للزائر الكثير فهو سيدخل إلى مجاهل غابات الأمازون وأفريقيا واسيا ويجد بحق جميع الأشجار والبيئة الحقيقية لتلك الحيوانات والأسماك والزواحف وحتى الحشرات.

الحديقة واقعة وسط مدينة فينخورلا السياحية ليست بعيدة عن مركز المدينة ومحطة القطار. الخزين المعرفي خاصة للتلاميذ الذين كانوا يرون تلكم الحيونات فقط في الصور في كتب المناهج الدراسية مهمةً جدا. لانهم يبرونهم احياء يرزقون ناهيك عن المعلومات حول البيئة التي يعيشون فيها وحتى الأشجار والكهوف. لكن تلك الزيارة متعبة وتحتاج إلى يوم كامل لانها مدينة باكملها ورغم وجود بعض المسطبات إلا انها ليست بكافية. وهناك ادلاء اي مرشدين سياحيين ينتشرون في المكان ويعطون الزائر معلومات إضافية لتلك المكتوبة في اللوحات التعريفية.3113 andulos

تمساح النيل الشهير الذي حنطه المصريون القدماء

الحديث عن بيئة الحيوانات مهمة جدا فقد لاحظت ان هناك محاكاة للبيئة الطبيعية الحيوانات من بحيرات وشلالات كبيرة وسواقي لانهار ماعدا الأحواض المائية الكبيرة للأسماك والحيوانات البحرية الأخرى. لكنني يجب ان اعترف باني لم اشاهد كل ما موجود في هذه الحديقة لامر مهم وهو عدم وجود اللوحات الإرشادية للمكان بحيث يجد المرء كل تلك الأماكن وبسهولة فالتفرعات الكثيرة يربك الزوار وتراهم يدورون في متاهة. كان بإمكان تخطيط الطرق المؤدية إلى أماكن الحيوانات في الممرات بألوان مختلفة على الأرضيات، كما في بعض المستشفيات بحيث يقود المرء إلى المكان المحدد. لكن في هذه المتاهات قد تجد أماكن تحت الأرض وفي الكهوف

. كما ان هناك متاحف للمعومات حول الإبحار وسفر السفنه ووجدت إسطرلاب قديم تعود الآلة إلى حقبة الإسلامية في الأندلس.

حديقة الحيوانات في العالم كانت مخصصة في البداية للملوك وحاشيته وتعتبر حديقةً الحيوانات في قصر( شون برون) في العاصمة النمساوية فينا من أقدم حدائق الحيوانات في العالم. الجميل في هذه الحديقة الحيوانات تعيش حرة في أماكن شبيهة ببيئات مختلفة وطبيعية وليست في أقفاص حديدية وهناك كادر كبير يعملون في هذه الحديقة.

***

تقرير: توفيق آلتونچى - الأندلس

٢٠٢٦

.....................

للمزيد؛

https://www.bioparcfuengirola.es/ar/

توقيع كتاب "استراليات"

شهدت مدينة لاكمبا في سيدني مساء الأربعاء الموافق 22/7/2026 احتفالية ثقافية وأدبية متميزة بمناسبة توقيع كتاب “استراليات” للكاتب والصحفي الفلسطيني المخضرم هاني الترك، والذي يضم نخبة من المقالات التي نشرها على مدى خمسين عاماً في صحيفة التلغراف اللبنانية، موثقاً من خلالها محطات مهمة من حياة الجاليات العربية في أستراليا، ورؤيته الفكرية والثقافية والإنسانية.

وحضر الحفل جمع غفير من الإعلاميين والصحفيين والكتاب والشعراء والمثقفين، إلى جانب شخصيات اجتماعية وأبناء مختلف الجاليات العربية، كما حضرت مستشارة السفارة الفلسطينية، في مشهد عكس المكانة الأدبية والإعلامية التي يحظى بها الكاتب هاني الترك.3043 hany

وأدارت فقرات الحفل الإعلامية والإذاعية المتألقة سوزان حوراني، التي رحبت بالحضور الكريم، وقدمت لمحة عن المسيرة الطويلة والحافلة للكاتب، متوقفة عند أبرز إبداعاته ومقالاته التي أسهمت في إثراء الصحافة العربية في أستراليا، متمنية للجميع أمسية ثقافية ممتعة.

واستُهلت الكلمات بكلمة الشاعر والصحفي الأستاذ أنطوان قزي، رئيس تحرير صحيفة التلغراف اللبنانية، الذي أشاد بالمحتوى الفكري والبحثي الذي تضمنه كتاب “استراليات”، مؤكداً أن مقالات هاني الترك، التي امتدت على مدى خمسة عقود، شكلت مرجعاً مهماً في توثيق حياة الجاليات العربية، كما أشار إلى أن الكاتب نال أرفع وسام مدني أسترالي تقديراً لعطائه وإسهاماته في خدمة المجتمع والثقافة.

ثم ألقت الإعلامية وداد فرحان، رئيسة تحرير صحيفة  بانوراما، كلمة مؤثرة أكدت فيها أن الكتاب يجسد رحلة طويلة من العطاء والتحديات في ميدان الصحافة، وأن هاني الترك كان ولا يزال مدافعاً عن القيم الإنسانية، مؤمناً بأن العدالة والكرامة الإنسانية هما البوصلة التي وجهت فكره وكتاباته، والتي تركت أثراً عميقاً في نفوس أبناء الجاليات العربية في أستراليا.

كما تحدث الباحث والمؤلف خالد غنام، مشيداً بالدور الثقافي الذي اضطلع به الكاتب في ترسيخ الهوية العربية وإبراز حضورها في المجتمع الأسترالي، مؤكداً أن مؤلفاته ومقالاته تمثل جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية للجالية.3044 hany

وألقى الدكتور عماد برو كلمة تناول فيها الجوانب الإنسانية والمهنية في شخصية هاني الترك، واصفاً إياه بصاحب المواقف الشجاعة ورجل المبادرات، الذي حافظ على استقلالية قلمه وصدقية رسالته الإعلامية طوال مسيرته.

وتخللت الأمسية فقرات فنية قدمها الفنان بشار حنا، حيث عزف وغنى مجموعة من الأغاني باللغتين العربية والإنجليزية، أضفت على الحفل أجواءً من البهجة والتفاعل بين الحضور.

وفي لفتة وفاء وتقدير، قامت صحيفة التلغراف اللبنانية ممثلة برئيس تحريرها الأستاذ أنطوان قزي بتكريم الكاتب هاني الترك، تقديراً لمسيرته الإعلامية والأدبية الحافلة بالعطاء والإنجاز.

واختُتمت الاحتفالية بكلمة مؤثرة ألقاها الأستاذ هاني الترك، أعرب فيها عن بالغ شكره وامتنانه للحضور الكريم، ولكل من شارك في إنجاح هذه المناسبة، كما خص بالشكر المتحدثين الذين عبروا بكلماتهم الصادقة عن تقديرهم لمسيرته الطويلة.

وفي ختام الأمسية، جرى قطع كعكة الاحتفال بهذه المناسبة الثقافية المميزة، قبل أن يتوجه الضيوف إلى مأدبة الضيافة التي أعدت بهذه المناسبة، وسط أجواء سادتها المحبة والتقدير، لتبقى هذه الاحتفالية محطة مضيئة في سجل النشاط الثقافي للجالية العربية في أستراليا، وتكريماً مستحقاً لأحد أبرز رواد الصحافة العربية في المهجر.

***

تقرير: خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد

مهرجـان معهد الفنون الجميلة في دهوك الـ 27 - الفترة: 6 - 9 حزيران 2026.

عاش الوسط الثقافي والفني في مدينة دهوك على مدار اربعة ايام اجواء حماسية ابداعية استثنائية، تزامنا مع انطلاق فعاليات المهرجان السنوي السابع والعشرين لمعهد الفنون الجميلة، والذي احتضنته قاعات وحدائق المعهد المفتوحة تحت شعار بليغ الدلالة: "الخلق - الابتكار - بوجوه الحرية"، ليتحول هذا الحدث الاستثنائي الى منصة حية لتفجير طاقات شبابية واعدة لم تتجاوز عتبة العشرين من عمرها، بل ان بعضهم ما زال في السادسة عشرة، يخطون بثقة اولى خطواتهم الاحترافية نحو تشكيل ملامح المستقبل الفني الكوردي والعالمي، مدفوعين بآلية تنظيمية عالية المستوى اظهرت الاقسام الرئيسية من خلالها قدرة فائقة على مزج الفلكلور الكوردي الاصيل بروح الحداثة والمعاصرة، لتتحول الاقسام الى خلايا نحل موجهة ومحفزة لتلك المواهب اليافعة التي تقاسمت ادوار البطولة بين العلن وخلف الكواليس.

وقد افتتح قسم الموسيقى فعالياته بوصلات موسيقية وغنائية منوعة شكلت وجها حقيقيا للابداع الكوردي المتجدد، حيث تجلت في هذه المحطات قدرات الشباب العالية في مجالات الشعر والتلحين، والاداء الغنائي، والعزف الآلاتي المنوع لتقديم نتاج ابداعي حقيقي يبشر ولادة وجوه فنية قادمة وبقوة الى الساحة الثقافية من خلال مزج الارث النغمي المحلي بالتقنيات اللحنية الحديثة، توازيا مع ما شهده القسم التشكيلي في اروقة العرض وحدائق المعهد من نضج الافكار التي طرحها الطلبة عبر لوحات تشكيلية بابعاد وافكار عالمية تميزت ببراعة فائقة في تحريك الفرشاة واستخدام التقنيات اللونية الجمالية الفائقة، ولم يقتصر الابتكار على الرسم بل رافقه خلق فني لافت في مجال النحت قدم فيه الشباب والشابات مجسمات وتماثيل تنم عن وعي فني حداثي جمالي وفلسفي عميق، مما جعل حدائق وصالات العرض تزدان باعمال تركت الزائرين في حالة من الدهشة والذهول امام هذا العمق الفكري المبكر.

وفي ذات السياق الابداعي، اعلن قسم المسرح بكل ثقة عن بداية ظهور جيل جديد لا يمتلك موهبة الاداء التمثيلي فحسب، بل برزت فيه وجوه شابة وصغيرة من الطالبات والطلاب في مجال الاخراج المسرحي والسينوغرافيا والادارة الفنية؛ حيث انطلق العرض الاول باشراف الاستاذ روژ حكمت واخراج الطالبة ديرين عادل، التي استطاعت اعداد نص الكاتب البولوني سلافومير مروجيك وتحوير فكرته الرمزية والواقعية بذكاء مدهش ليتلاءم مع الواقع المعاش بشكل عام، موظفة الفكرة في قالب واقعي ساخر يقدم نقدا قاسيا للسلطة والعلاقات الانسانية ليوضح كيف يلتهم القوي الضعيف وان البقاء للاقوى في ظروف عبثية باحثة في ثنائية الوجود والحرية، وقد جسد هذا العمل تمثيلا مجموعة من الشباب الواعد وهم سيبان سكفان، وڤان كه كو، وتورين شعبان، واحمد وليد، وبه روز دلخوش، وئامه د غازي مع مجموعة من الكومبارس، وبمصاحبة رؤية موسيقية وضعها انس احمد، وبدعم لوجستي من مدير المسرح ساهي محي الدين، واشراف الاضاءة للاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد، وتنفيذ هندسي للاضاءة من قبل سامان بهزاد وروژهات نژیار ومحمد جهور، بينما تميز العرض بتصميم ازياء واعد صاغته هلبين وحيد ليعكس الهوية البصرية للشخصيات، مدعوما بديكور مميز وتشكيل فراغي صنع باشراف الاستاذ دلير زاهر ومجموعة من الطلاب البارعين ليتكامل العرض المسرحي بكل مقاييس الاتقان.

ولم يقل العرض الثاني ابداعا واسهاما في خلق انموذج مسرحي متكامل ورائع عن سابقه، اذ جاء باشراف الاستاذ فرست طاهر واخراج واعداد الطالبة ليلى سلمان، والتي واجهت ظرفا تعجيزيا استثنائيا بعد اعتذار احدى الطالبات في الرمق الاخير من البروفات، فما كان منها الا ان تصدت للدور بنفسها وادته ببراعة فائقة على خشبة المسرح، حيث اعدت عملا مستوحى من ادبيات الكاتب وليم سارويان الذي تتناول اعماله قضايا الهوية والاغتراب والبحث عن معنى الحياة بمزيج من السخرية والدفء الانساني، متهيئة لملائمة هذا النص العالمي مع واقع الاقليم بشكل مدهش ساهم في ابرازه اداء مسرحي اصيل ممزوج بالحداثة لثلة من الوجوه الشابة من قسم المسرح ومشاركة شاب من قسم الموسيقى، وجسد الادوار كل من مزكين يونس، ولاوه ند محمد، وريناس زبير، وليلى سلمان، ورمضان يونس، وهاكوب باسل سركيس الذي تولى ايضا صياغة المناخ الموسيقي، مدعومين بادارة مسرحية من ژێكر جمعة محمد وبمساعدة سمند محمود، واضاءة اشرف عليها الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد مع مجموعة مساعدين، وديكور من ابداعات الطلاب جانه ر عارف وسيداد وارهيل وبه يوه ند صلاح، وبتقنية الداتاشو والمؤثرات البصرية التي نفذها هه فكار مشختى احمد، مع رؤية قماشية وتصميم ملابس متناغم تولته لولاف عمران.

أما العمل المسرحي الثالث فقد جاء باشراف الاستاذ شيرزاد عبدالله واخراج الطالبة لارفين بشير تحت عنوان "لحن في البحر"، والذي يعد من ابرز نصوص مسرح العبث الماخوذة عن الكاتب سلافومير مروجيك، حيث استطاعت المخرجة توظيف الفكرة بشكل رائع مزجت فيه الواقعية الجدلية بالسخرية السوداء والقاسية لتشريح غريزة البقاء من خلال قصة ثلاثة اشخاص يتقطع بهم السبل على متن قارب في عرض البحر بعد نفاد مؤونتهم، فيبحثون عن حل للبقاء عبر تضحية احدهم ليكون طعاما للاخرين في نقد لاذع يوضح كيف تلتهم القوة الفئات الاضعف حتى في اكثر الظروف عبثية، وقد ادى شخصيات العمل بحرفية عالية الممثلون نيبەل علي، وئه‌رجان هيثم، وان به‌ره‌فان، تساندهم ملابس بتعبيرات درامية من تصميم سندس سعيد وموسيقى تعبيرية لـ خالد هفال، وبتنظيم اداري وتقني قاده مدير المسرح ريان زياد والمساعد ره فند طاهر، وديكور من تنفيذ محمد سالم، واضاءة متقنة باشراف الاستاذ كاوة عزو وڤەدەر سعيد ومجموعة من الطلبة البارعين الذين ساهموا بقوة في اظهار العمل بشكل رائع ومتكامل.

وفي الختام، اثبت المهرجان الـ 27 لمعهد الفنون الجميلة في دهوك انه ليس مجرد نشاط سنوي عابر، بل هو مصنع حقيقي للخامات الادبية والفنية الشابة التي تمتلك مستقبلا واعدا؛ اذ اطلقت هذه الطاقات التي لم تعد تتجاوز العشرين عاما صرخة ابداعية جمالية وفلسفية تؤكد قدرتها الفائقة على تقديم فن كوردي وفن عالمي اصيل وراقي، وهو ما يستوجب الالتفات اليهم ومد يد العون والرعاية المستدامة لتطوير هذه المشاريع ومواصلة رفد الحركة الثقافية بالطاقات المتجددة.

لم يكن نجاح المهرجان محض عشوائية، بل نظم بفضل الدور الفعال للإدارة ورؤساء الأقسام والمدرسين الذين أشرفوا على الأعمال في ظروف صعبة، هم من وضحوا الآلية المنظمة التي سمحت بتفجير الطاقات الشبابية، وحافظوا على دمج الفلكور الكوردي الأصيل مع الحداثة في كل قسم.. تنسيقهم بين الموسيقى، التشكيل، والمسرح، ودعمهم البروفات والإخراج والتمثيل، جعل المهرجان صانعا لخامات فنية شابة ذات مستقبل واعد.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان العراق

في عصر الذّكاء الاصطناعيّ في مؤتمر دولي

عُقد في رحاب فندق أولمبيك بدالي إبراهيم في الجزائر العاصمة، المؤتمر الدولي الموسوم: «التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، وقد استمر الملتقى على مدار يومين:17و18ماي2026م، ويُعدُّ هذا المؤتمر استمراراً لمؤتمرات سابقة نظمها المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر، وتنضوي ضمن اهتمامه بقضايا اللُّغة العربية و الذّكاء الاصطناعيّ،  ومُواصلة لشتى الأنشطة العلميّة الجادة التي نهض بها المجلس من مؤتمرات وندوات ومُحاضرات ولقاءات علميّة، ومشاريع بحثية، وبرامج معرفيّة.

وقد شارك في هذا اللّقاء العلمي الدولي العديد من الباحثين من الجامعات الجزائرية، و من مُختلف دول العالم، وقد تقدّم للمشاركة في محاور هذا الملتقى باحثون من عدة دول تشمل: مصر، ونيجيريا، وتونس، وكندا، وإسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكيّة، وضمّ الملتقى العشرات من الباحثين الذين التفوا مع بعضهم ليتدارسوا قضايا التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، وقد كان فرصة لتبادل الحوارات والنقاشات؛ فهذا اللقاء العلمي يؤكد تصميم المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر على إثراء المعرفة الرصينة، وتوجهه نحو البحث العلمي الجاد من خلال مؤتمرات وندوات علميّة وطنية ودولية؛ يُشارك فيها المختصون الذين يثرون بدراساتهم آفاق المعرفة الإنسانية المتنوعة.

وقد ركز الدكتور صالح بلعيد؛ رئيس المجلس الأعلى للُّغة العربية بالجزائر، في كلمته الاستهلالية على أهميّة عقد مؤتمر دولي بهذا الحجم، وذكر أن نظرة مُتأنيّة في ديباجة هذا المُلتقى الدولي ومحاوره الخمسة؛ تجعلنا نكتشف أهميّة هذا المُلتقى الذي يسعى إلى تفعيل آليات المنظومة التّعليميّة التي هي عُمدة التّعليم بدءاً من مرحلة القاعدة إلى التّعليم المهني والجامعي ومُختلف المدارس التي تُلقّن العلوم.

وأشار في مُستهل كلمته الافتتاحية إلى أن العالم اليوم بات يُعوّل على غرس صناعة المُتخرّج القادم في ملمح تلميذ الحاضر، وهذا ما يستهدفه هذا المُلتقى في ظلّ المعرفة التّربويّة/ العلميّة الحديثة التي تعتمد على الذّكاء الاصطناعيّ، وما يعرفه من ظهور تخصّصات تربويّة تتجاوز حدود التّربيّة في معناها التّلقيني القديم، إلى الابتكار في استيعاب الأفكار وحُسْن الدّراية، وإيجاد الوظيفة، والبحث عن الإبداع، مع ما يتبع ذلك من حُسْن التدبير في الجمع بين الإتقان ومهارة تدبير حرفة المُعلّم والمُتعلّم والمِهْني والمُسيّر وبناء المُؤسّسة واستغلال المُحيط...

وقد نبَّه الدكتور صالح بلعيد في سياق كلمته إلى أن هذا اللّقاء العلمي الدولي يقترحُ أفكاراً في صناعة التّعليم البينيّ الذي يستثمر فيه المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر بقُوّة؛ لأنّ عماد التقدّم في كلّ الدّول النّاجحة والنّاهضة والمُتطّورة؛ يتمثّل في إعطاء التّعليم المجال العالي في ميزانياتها وفي مُتابعة آفاقها.

كما ركز في كلمته على مجموعة من النقاط التي يرى بأنها مُهمّة، ومن بين النقاط التي ذكرها؛ أهميّة النّفعيّة التّعليميّة بالتّقاطع بين العلوم: اعتماداً على مُخرجات بعض الدّراسات البينيّة التي اعتمدت أدوات حديثة في البحث، مثل الاستبانات والمُقابلات والخروج من الاختصاص الضّيق والتّكامًل المنهجي، واعتماد التّفاعُل بين المُعلّم والمُتعلّم، وتطوير أدوات التّعليم الافتراضي، واعتماد تطبيقات الذّكاء الاصطناعيّ، ويرى الدكتور صالح بلعيد في كلمته أن الآفاق مُبشّرة بتحسين الفهم الإنسانيّ للعمليات التّعليميّة؛ ممّا يُعزّز نجاح التّعلّم الذّاتي، ويُتيح للمُتعلّم فُرصاً أفضل للوصول إلى المُحتوى المعرفي؛ بما يتناسب مع مُحيطه واحتياجاته، ممّا يجعل التعليم أكثر تفاعلاً وقوة، ومن بين العناصر التي يعتقد أنها تستحق الاهتمام التّكامل بين الإنسان والتّكنولوجيّة، والنّظرة الإيجابيّة إلى مُستقبل الويب، وضرورة دمج الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ في الأنظمة التعليمية، والاستشراف.

ومن بين المُداخلات التي أُلقيت خلال اليوم الأوّل من الملتقى، مُداخلة الدكتور السيد محمد عبد الحميد ربيع من مصر عن: «نموذج مُقترح لبيئة تعلّم ذكيّة قائمة على الواقع المُعزّز والذّكاء الاصطناعيّ لمُحاكاة التّغيّرات المناخيّة في مجال الموارد الجويّة»، ومداخلة الدكتور عبد الناصر بوعلي من الجزائر عن: «درس تطبيقي في التّعليم البيني حول موضوع الشجرة تجربة بمدرسة ابتدائية بمدينة تلمسان». وقد بدأها ببيان الإطار المفاهيمي للتعليم البيني؛ إذ يعد نهجاً تعليمياً وتدريبياً يقوم على دمج تخصصين أو أكثر، أو مجالات معرفيّة مُتعدّدة، في إطار دراسي واحد، بغية مُعالجة مُشكلات معقدة لا يمكن حلها ضمن حدود تخصُّص منفرد، ويهدف هذا النوع من التعليم إلى تعزيز المهارات الحياتية، وتنمية التفكير النقدي، وردم الفجوة بين المعارف النظرية، ومُتطلبات الواقع وسوق العمل، كما يُعرف التعليم البيني بأنه مُقاربة تربوية تنهض على تكامل المعارف والمهارات المُستمدة من تخصصات مُختلفة في سياق تعلّم موحد، ويهدف إلى بناء فهم أعمق وأكثر شمولية لدى المُتعلم، ويستند هذا النهج على فكرة وحدة المعرفة، وتداخل الحُقول العلميّة؛ بما يُساعد على إنتاج معرفة وظيفية قابلة للتطبيق في الحياة اليومية، وقد حدد الأهداف المتوخاة من التعليم البيني في:

-تحقيق التكامل المعرفي بين المواد الدراسية بدلاً من تقديمها في صُور منفصلة.

- دمج المعرفة من خلال الرّبط بين مكوناتها وتكاملها.

-تنمية القدرة على التفكير الإبداعي والنقدي، وعرض القضايا بصور مركبة.

-تعزيز التكامل بين التخصصات المختلفة.

-الإسهام في تحقيق جودة التعلُّم والبحث العلمي، بتجاوز التجزئة المعرفية.

-تنمية مهارات التعاون و العمل الجماعي، وربط التعلمات بواقع المتعلم ومحيطه الاجتماعي.

-ربط المعرفة العلميّة بسياقات ذات صلة مُجتمعية.

-تشجيع العلم النشط القائم على الفهم وإكساب المهارات.

أما مُتطلبات تطبيقه؛ فتقتضي تكوين المعلمين تكويناً عميقاً ومُستمراً، وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة، مثل: الحواسيب والسبورات الذكية، والمنصات الرقمية، ومرونة المناهج الدراسية، بما يسمح بالتكامل بين المواد، ودعم التنسيق بين المعلمين، ومن أبرز العوائق التي ذكرها الدكتور عبد الناصر بوعلي ضيق الزمن المدرسي، ونُقص التكوين، وصعوبة التنسيق بين المواد.

ومن بين المداخلات التي ألقيت في اليوم الثاني من المُلتقى الدولي، مداخلة الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب واللُّغات بجامعة باجي مختار بعنابة، عن: « استراتيجيات التدريس في التعليم البيني القائم على الذكاء الاصطناعي -ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية أنموذجاً-»، وقد جاء في ملخص مداخلته: « ينهض التعليم البيني على الجمع بين تخصصات متعددة ومتنوِّعة؛ وذلك من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية وإثرائها برؤى مُعمّقة ومتجدِّدة، لا تكون حكراً على تخصص واحد؛ مما يُؤدي إلى إيجاد حلول للمُعضلات العلميّة التي اعتاص حلها ومعالجتها؛ من خلال الاقتصار على تخصص واحد فقط،  ويُركز الباحث في دراسته على الجمع بين تقنيات البودكاست والذكاء الاصطناعيّ في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية لخدمة التعليم البيني؛ إذ تنهض تقنيات البودكاست بتقديم تسهيلات ثقافية كبيرة، نظراً لما تنشره من مُحتويات عن طريق مقاطع الفيديو، التي تتوفر على الصوت والصورة والمضامين والسرعة؛ ولذلك لا يُمكن صرف النظر عن توظيفها لخدمة العلوم الإنسانية والاجتماعية، و الإسهام في نشر اللُّغة العربية على أوسع نطاق، وتحبيب الجماهير فيها؛ فالبودكاست المدعوم بالذكاء الاصطناعي يُعد تقنية مُستحدثة ومُعاصرة، و يكتسي أهمية بالغة نظراً للإنجازات التي يقوم بها من بث إذاعي يظل محفوظاً، إضافة إلى القدرة على التواصل مع الجمهور، وخدمة التعليم البيني».

ومن بين ما ورد في مقدمة مداخلته: إن الهدف الرئيس للتعليم البيني هو خلق الاندماج العلمي والتلاحم المعرفي بين ميادين علميّة متباينة، وتبادل المهارات والكفاءات في فروع معرفية تُلبي مُتطلبات أسواق العمل عبر استثمار مقاربات علميّة متعدِّدة، وينتج عن هذا التمازج بين المعارف؛ الإحاطة بقضايا علميّة مُستحدثة عبر مُقاربتها من جوانب مختلفة، و خلق بيئة تدريسية تقوم على الأخذ والمنح، وتصنع التواصل المعرفي بين مجالات متباينة، وينتج عنه إحداث رؤى جديدة ناجمة عن الاحتكاك والتداخل بين خلفيات معرفيّة مختلفة، وتحسين إدراك المشكلات العلميّة المُتسمة بالتعقيد بطرائق لا تُتيحها التخصصات المستقلة والمنفردة، ومن شأنه أن يُنمِّي التفكير ويُجاري التحوُّلات العلميّة المُتسارعة؛ ومن شأنه كذلك تخطي المجالات المعرفيّة العتيقة والتقليدية، وبتر حواجز الانغلاق الفكري والمعرفي، وخلق بيئة تعليميّة مُحفِّزة؛ وعندما يقوم التعليم البيني على الذّكاء الاصطناعيّ فإنه يُعوِّض ويدعم الإنسان عند نهوضه بمهامّ مُتنوِّعة في ميادين مُتزايدة الاتّساع من النشاطات والأعمال.

وقد استعرضت الدكتورة أسماء بن مالك من جامعة تلمسان موضوع: « من التّخصص إلى البينيّة: دور الذّكاء الاصطناعيّ في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة»، وقد توصلت في مداخلتها إلى عدة نتائج من بينها أن الدراسات الترجمية أسهمت في الانتقال بالترجمة من مجرد ممارسة لغوية إلى مجال علمي قائم على أسس نظرية، ومنهجية متعددة، ولم يعد تكوين المترجم في الجامعة الجزائرية قائماً على المقاربة التخصصية الضيقة؛ بل اتجه نحو تبني مقاربة بينية تجمع بين اللسانيات والترجمة والتكنولوجيا، وقد أدى تطور الذكاء الاصطناعي خاصة الترجمة الآلية العصبية، إلى إحداث تحوُّل نوعي في تدريس الترجمة، من خلال إدماج أدواته في العملية التعليمية، وساهم الذكاء الاصطناعي في تحديد إستراتيجيات تدريس الترجمة، عبر الانتقال من التلقين إلى استراتيجيات قائمة على التحليل، وحل المشكلات والتعلم الذاتي.

وقد عقد بعض المشاركين في الملتقى الدولي جلسة ختامية اتُخذت فيها بعض المُقررات، ورُفعت بعض المقترحات والتوصيات، ومنها:

-إعادة هيكلة المناهج الدراسية الحالية وفق رؤية بينية تكاملية، بحيث تُبنى الوحدات التعليمية على أساس ربط المفاهيم من تخصصات مختلفة، بدلاً من تقديمها بشكل منعزل.

-توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي(كخوارزميات التعلم الآلي وتحليل الشبكات المعرفية) لتحليل المناهج، واكتشاف نقاط التقاطع بين المواد الدّراسية المختلفة، واقتراح وحدات بينية جديدة.

-بناء منصات تعليمية ذكيّة تعتمد على أنظمة توصية متعددة التخصصات، تقترح على كل متعلم مساراً تعليمياً بينياً مخصصاً وفق خلفيته المعرفية واهتماماته.

-تصميم أنظمة تقييم تكيفية بينية تقيس قدرة المتعلم على الربط بين التخصصات، وحل مشكلات مركبة، وليس فقط استرجاع معلومات من تخصص واحد.

-تطوير اختبارات ذكيّة تدفع المتعلم إلى توظيف معارف من علوم متعددة في آن واحد.

- إعداد برامج تدريبيّة مُكثفة للمعلمين والأساتذة تشمل: كيفية تصميم دروس بينية، وكيفية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في ذلك.

- إنشاء شبكة بحثيّة دوليّة تعنى بالتعليم البيني و الذكاء الاصطناعي، تضمّ الباحثين من الدول المُشاركة.

والحقيقة أن تنظيم هذا الملتقى الدولي:«التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ»، بإحكام وإتقان، وتنظيم محكم من لدن المجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر؛ يؤكد أننا في حاجة إلى شدّ الأنظار نحو المُستقبل، وتطلعات المُستقبل، واللقاءات التي تمّت بين المشاركين، والنقاشات التي دارت في جلسات المؤتمر؛ استثارت الأفكار والهمم إلى أشياء مهمّة جداً، تستحق المدارسة والتأمل والبحث والاستثمار في زمن الذكاء غير الطبيعي، وقد تمّيز هذا المؤتمر باهتمام منظميه بالحوار، وعدم الاكتفاء بإلقاء البحوث؛ لذلك لا يشعر المُستمع لما دار من جلسات في هذا الملتقى الدولي بالملل، بل إن الحوار كان حافزاً له لمزيد من المعرفة والاطلاع؛ من خلال تسجيل بعض الملاحظات والنتائج الدقيقة التي قُدمت في جلسات الملتقى على مدار يومين متواصلين.

ويُلاحظ المتأمل في المداخلات والأبحاث التي قُدمت في هذا الملتقى الدولي، أنها قد اتسمت بالتنوُّع؛ فقد تعددت الزوايا التي نظر من خلالها الباحثون إلى التّعليم البينيّ في عصر الذّكاء الاصطناعيّ، ولا يملك من شارك في هذا المؤتمر الدولي المتميّز، إلا أن يُقدم عبارات الشكر والثناء والتقدير للمجلس الأعلى للّغة العربية بالجزائر، لجهوده المبذولة في إنجاح هذا المؤتمر، الذي يُقدم سمعة طيبة عن هذا المجلس الرصين؛ الذي دأب منذ عدة سنوات على تنظيم فعاليات علميّة متميّزة؛ مما يفتحُ المجال واسعاً لكل صاحب فكرة بأن يُدلي بدلوه، و يسعى إلى تقديم إضافة في دروب المعرفة عن طريق البحث العلمي الجاد والرصين.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة

كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر

دأبت جمعية ابن عرفة الثقافية على تنظيم مجلس ثقافي منذ سنوات عديدة وقد اهتم ميعادها الشهري الذي انعقد بمكتبتها صباح السبت  6 جوان 2026  بموضوع اليوميات ويشرف على هذا المجلس الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله عضو الهيأة المديرة للجمعية وقد دعا الأديبة الدكتورة نجوى عمامي  المختصة في هذا الجنس الأدبي الجديد ودعا كذلك الدكتور فاروق العمراني لتقديمها وهو أستاذ متميز للأدب الحديث بالجامعة التونسية وعضو بيت الحكمة بتونس وقد حضر هذا المجلس جمهرة من الأدباء والمثقفين والمبدعين من بينهم الدكتور الحكيم رضا الماجري  والأديب أحمد جليد والأديبة مسعودة بوبكر والدكتور  فتحي فارس والشاعر حكيم  زرير والشاعرة فاطمة عبد القادر والخطاطة سامية الضاوي والفنان عازف الناي رشيد بن جوهرة الذي راوح فقرات الجلسة بشجي نغاماته  وقد كتب الأستاذ عبد العزيز مداولات هذا الميعاد فأحسن نقل ما دار فيه قائلا:

قبل "الميعاد"، وفي إحدى مقاهي المدينة العتيقة بتونس العاصمة أو "البلاد العربي" كما يسمّيها البعض ترشّفنا القهوة مع الدكتور محمد رضا الماجري، الدكتور فاروق العمراني، الكاتبة مسعودة بوبكر والدكتورة نجوى عمامي.

و" البلاد العربي" هي فضاء عامر بالتاريخ وجمال المعمار، يروي رحلة التونسي مع الحضارة والفن والثقافة

وواصل قلمه قائلا:

"الميعاد" الخامس والثلاثون احتفى بـ "يوميات" الدكتورة الباحثة نجوى عمامي من خلال كتابها "اليوميات الخاصّة في الأدب العربي الحديث".

وهو في الأصل موضوع أطروحة دكتوراه تحصلت عليها الباحثة من كليّة العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة بتونس.

وللكاتبة عديد الكتب تناولت اليوميات نذكرها:

- كتاب "قراءة في يوميات الشابي"، سنة 2021.

- كتاب "يوميات فتاة حالمة"، سنة 2024.

- كتاب "دفتري...صديقي"، سنة 2026.

- كتاب "اليوميات الخاصّة في الأدب العربي الحديث"، سنة 2024.

في رحاب جمعيّة ابن عرفة الثقافيّة قدّم الدكتور فاروق العمراني

في مداخلته كتاب الدكتورة نجوى عمامو وعرض أقسامه والكتاب صادر سنة 2024 عن دار خريّف للنشر في 278 صفحة.

مقدّمة الكتاب بقلم الدكتور محمد القاضي وممّا جاء فيها ما يلي:

" إنّ هذا البحث، بما صرّح به وبما اكتفى بالتلميح إليه، يعدّ خطوة مهمّة في طريق تجنيس اليوميات في الأدب العربي، ومحاولة جريئة للتصدّي لهذا الجنس الهجين المتردّد الذي يلتقي فيه العام والخاص، والذاتي والموضوعي، والمرجعي والتخييلي، كما يرتقي باللحظة العابرة إلى مصافي الخلود.

 ولعلّ الأسئلة التي طرحتها نجوى عمامي في هذا العمل تبيح لنا أن نزعم أن هاجسها هذا لن ينتهي بهذا الكتاب، بل سيتواصل في دراسات أخرى قدّمت المؤلّفة في هذا البحث عيّنة منها تثبت سعة اطلاعها، وعمق مقاربتها، وقدرتها على التوغّل في أنحاء النّصوص."

ثمّ تناول الدكتور العمراني أقسام الكتاب الذي قسّمته الكاتبة إلى 4 أبواب نذكرها كما يلي:

- الباب الأوّل: اليوميّات الخاصّة في النّقد الفرنسي.

- الباب الثاني: اليوميّات الخاصّة في النقد العربي.

- الباب الثالث: نشوئيّة اليوميّات في الأدب العربي.

- الباب الرّابع: خصائص اليوميّات في الأدب العربي.

الحوار حول الكتاب كان ثريّا وطرحت عديد الأسئلة أجابت عنها الباحثة نجوى اعمامي.

ومن مداخلات الحاضرين نذكر:

الشاعر سوف عبيد تساءل عن الاعتماد على المراجع الفرنسيّة دون غيرها لدى الباحثين التونسيين.

الدكتور الباحث فتحي فارس مختصّ في الكتابة عن الذّات، من كتبه نذكر منها:

- التخييل الذّاتي في السرد العربي المعاصر.

- ظلال الذّات في الرّواية التّونسيّة.

الأستاذ فارس طرح عديد النقاط منها: تقارب اليوميّات من الشّهادات، وأهميّة يوميّات السّجون التي دوّنت مآسي انسانيّة.

الكاتبة مسعودة بوبكر التي أصدرت 3 كتب في اليوميّات وهي: "حقيبة وذاكرة"، "بين الأطلسين"، "غزّة يوميات النبض المكلوم"، وممّا قالت عن كتاب "دفتري ...صديقي.." للكاتبة نجوى عمامي ما يلي:

"...تختلف نصوصنا وتناولها لكن يجمعنا فيما أعتقد، هاجس بالمقام الأوّل الرّغبة في إبقاء شيء منّا، من تفاصيلها التي يلاحقها النسيان محوا وطلسا..." 

كالعادة كانت تقاسيم الفنان رشيد بن جوهرة حاضرة، مع التقيّد بتعليمات أستاذنا الجليل الدكتور محمد رضا الماجري الذي يحبّذ النغمات التونسيّة الأصيلة .

***

سُوف عبيد

 

مراكش تكتب تاريخها بالصورة والضوء

في لحظة ثقافية احتفت بذاكرة الصورة وأسئلة المكان، أسدل المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش الستار على دورته الثانية، التي اختارت هذه السنة شعار “السينما والمدينة العتيقة”، في محاولة جمالية وفكرية لإعادة التفكير في العلاقة المركبة بين الفن السابع والفضاءات التاريخية، وبين الذاكرة البصرية والتحولات العمرانية والإنسانية التي تعيشها المدن العتيقة المغربية.  وعلى امتداد أربعة أيام، من 20 إلى 24 ماي الجاري، تحولت مراكش، بأزقتها وأسوارها وطبقاتها الرمزية، إلى فضاء مفتوح للحوار بين السينما والتاريخ، وبين الصورة والهوية، حيث نجح المهرجان في بناء برنامج متعدد الروافد، جمع بين العروض السينمائية والندوات الفكرية والورشات التكوينية واللقاءات المفتوحة مع أسماء وازنة في المشهد الثقافي والسينمائي المغربي.

 وقد توجت هذه الدورة، التي أبرقت تواشيح تسييرها الكاتبة والباحثة أمل عباسي، بتكريم الفنان المغربي الكبير محمد مفتاح، أحد أبرز الوجوه التي صنعت ملامح الدراما والسينما المغربية والعربية لعقود طويلة، والذي ظل حضوره الفني مشبعا بكثافة الأداء وعمق الشخصية وقوة التعبير الإنساني.  وجاء هذا التكريم بمثابة احتفاء بمسار فني استثنائي، استطاع من خلاله محمد مفتاح أن يمنح للشخصية المغربية والعربية بعدا دراميا وإنسانيا متفردا، سواء عبر السينما أو التلفزيون أو المسرح.2809 cinema

 وفي شهادة مؤثرة، استعاد الناقد السينمائي والصحفي حسن نرايس المحطات الأولى في تشكل التجربة الفنية لمحمد مفتاح، متوقفا عند بناءاته الذاتية المبكرة، وتحولاته الإبداعية، وقدرته على تشييد شخصية فنية متعددة الطبقات داخل تاريخ التمثيل المغربي والعربي. كما أبرز نرايس القوة الرمزية للأدوار التي جسدها الفنان المحتفى به، والتي جعلت منه أحد الوجوه الأكثر حضورا وتأثيرا في الصورة الدرامية العربية المعاصرة.

 وتعزيزا لهذا التكريم، شهد المهرجان عرض فيلم “خيط الروح” للمخرج حكيم بلعباس، وهو عمل سينمائي ينفتح على أسئلة الذات والذاكرة والهوية، ويكشف عن حساسية بصرية وشاعرية عالية في الاشتغال على التفاصيل الإنسانية والهواجس الوجودية، حيث بدا محمد مفتاح داخل الفيلم وكأنه يعيد كتابة ملامحه الفنية بصوت داخلي عميق، يزاوج بين الصمت والتأمل والانكسار الإنساني.

 وكان المهرجان قد افتتح فعالياته بتكريم جيل آخر من نجوم الشاشة المغربية، ممثلا في الفنان ربيع القاطي، الذي يمثل أحد أبرز وجوه السينما المغربية الجديدة، بما يحمله من وعي جمالي واشتغال متجدد على الأداء والشخصية. وتم بالمناسبة عرض فيلم “نوبة العشاق” للمخرج كمال كمال، وهو عمل سينمائي يحتفي بالذاكرة الشعبية والوجدان الجماعي، ويعيد تركيب العلاقة بين الحب والموسيقى والتحولات الاجتماعية داخل الفضاء المغربي.

 ولم يقتصر المهرجان على العروض والتكريمات، بل راهن أيضا على البعد التربوي والتكويني، من خلال تنظيم ورشات فنية سينمائية داخل مؤسسات تعليمية بمراكش، أطرها كل من الفنان الحبيب احمدان والناقد السينمائي بوبكر الحيحي، حيث انفتحت هذه اللقاءات على أسئلة الصورة والكتابة البصرية وتقنيات الأداء، في أفق ترسيخ ثقافة سينمائية لدى الأجيال الصاعدة، وربط المدرسة بالفعل الثقافي والإبداعي.2810 cinema

 كما شكلت الندوات الفكرية والموائد المستديرة أحد أبرز معالم هذه الدورة، إذ احتضن المهرجان ماستر كلاس حول “السينما وذاكرة المدينة” بمشاركة الكاتب ورئيس مهرجان السينما والذاكرة بالناظور عبد السلام بوطي ورئيس مهرجان السينما والتاريخ بمراكش مصطفى غلمان، حيث تمت مقاربة العلاقة بين السينما بوصفها أرشيفا بصريا، والمدينة باعتبارها خزانا للذاكرة الجماعية والتحولات الرمزية.

 واحتضنت الدورة أيضا ندوة وطنية حول “تمثل المدينة العتيقة في السينما المغربية”، بمشاركة النقاد والباحثين أشرف الحساني وعبد الصمد الكباص ورشيد نعيم، فيما تولى تسيير اللقاء الباحث عبد اللطيف لقليدة. وقد انصبت المداخلات على الكيفية التي تحولت بها المدينة العتيقة داخل السينما المغربية إلى شخصية قائمة الذات، تختزن الذاكرة والهشاشة والتحولات الاجتماعية، وتعيد إنتاج العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان.

 وفي امتداد لهذا التفاعل بين الصورة والعمران، عرف المهرجان تقديم كتاب “بجعد.. التراث المعماري والعمراني للمدينة العتيقة” للمهندس عبد الغني خلدون، بمشاركة كل من محمد ايت لعميم ومحمد صلاح بوشتلة، حيث شكل اللقاء مناسبة للتفكير في الذاكرة المعمارية بوصفها جزءا من الهوية الثقافية والجمالية للمدن المغربية.

  كما شهدت الدورة عرض الفيلم الروائي “أفراح صغيرة” للمخرج محمد رشيد الطريبق، في لقاء أطره الناقد السينمائي محمد اشويكة، حيث انفتح النقاش على رهانات السينما المغربية الجديدة وأسئلتها الجمالية والإنسانية.  وهكذا، استطاع المهرجان الوطني للسينما والتاريخ بمراكش، في دورته الثانية، أن يرسخ حضوره كأحد المشاريع الثقافية الطموحة التي تسعى إلى تجاوز البعد الاحتفالي التقليدي للمهرجانات، نحو بناء فضاء للتفكير الجماعي في السينما باعتبارها أداة للمعرفة والتأويل وحفظ الذاكرة. فقد أبانت مختلف فقراته عن قدرة واضحة على خلق تلاقح حقيقي بين الفن والتاريخ والعمران والتربية، بما يمنح للمهرجان هوية خاصة داخل المشهد الثقافي المغربي.

 ومن بين أبرز التوصيات التي يمكن استخلاصها من هذه الدورة، ضرورة توسيع انفتاح المهرجان على التجارب السينمائية المتوسطية والإفريقية المهتمة بذاكرة المدن، وإحداث منصة دائمة لتوثيق الأفلام المرتبطة بالمدن العتيقة المغربية، فضلا عن تعزيز الشراكات مع الجامعات ومؤسسات البحث في مجالات السينما والتراث والدراسات الحضرية. كما برزت الحاجة إلى إطلاق برامج للتربية على الصورة داخل المؤسسات التعليمية، وتشجيع الشباب على إنتاج أفلام قصيرة تستلهم الذاكرة المحلية والفضاءات التاريخية.  وبذلك، لا يبدو المهرجان مجرد تظاهرة سينمائية عابرة، بل مشروعا ثقافيا يتجه تدريجيا نحو بناء “براديغم” جديد في الفعل الثقافي المغربي، قوامه إعادة وصل السينما بأسئلة المجتمع والذاكرة والهوية، وتحويل الصورة إلى أفق للتفكير في الإنسان والمكان والتاريخ.

***

مراكش - خاص

باحثون وخبراء يقاربون تحولات الأسرة المسلمة في الغرب وتحدياتها المعاصرة

انعقدت الندوة العلمية الدولية الموسومة بـ: "وضعية الأسرة المسلمة في أوروبا والغرب: دراسات في القيم والسياقات والتحولات السوسيو-ثقافية والقانونية والسياسية" يومي 22 و23 ماي 2026، في إطار علمي وأكاديمي سعى إلى مقاربة واقع الأسرة المسلمة في السياقات الغربية من زوايا متعددة، جمعت بين الأبعاد الفقهية والتربوية والقيمية والاجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية.

وافتُتحت أشغال الندوة، حضوريا وعن بُعد، بالمركز الثقافي “الأنصار” بمدينة سانت بيترس ليو بضواحي بروكسيل، بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمة ترحيبية باسم مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ألقاها الدكتور التجاني بولعوالي، أبرز فيها أهمية المشروع البحثي المتعلق بالأسرة المسلمة في الغرب، وضرورة بناء معرفة علمية رصينة تسهم في فهم التحولات التي تعرفها الأسرة المسلمة في البيئات الغربية.

كما عرفت الجلسة الافتتاحية كلمات للجهات الشريكة، حيث قدم الدكتور محمد ظهيري كلمة باسم جامعة كومبلوتنسي بمدريد، فيما ألقى الأستاذ حسن ودان كلمة المركز الثقافي “الأنصار”، بينما قدم الدكتور محمد قروق كركيش كلمة اللجنة المنظمة نيابة عن أعضائها. وقد ترأس هذه الجلسة الأستاذ إبراهيم السليمان، فيما تولى الأستاذ ياسين البقالي مهمة التقرير.

الجلسة العلمية الأولى: الأسرة المسلمة في بلجيكا بين الواقع والتحولات

تلت الجلسة الافتتاحية مباشرة أعمال الجلسة العلمية الأولى، التي تمحورت حول موضوع: "وضعية الأسرة المسلمة في بلجيكا: الواقع والتحديات والتطلعات"، بمشاركة الباحثين الأستاذ محمد والزين والدكتور التجاني بولعوالي.

قدم الأستاذ أحمد والزين، من جامعة لوفان لانوف ببلجيكا، مداخلة بعنوان: "الأسرة المسلمة في بلجيكا والحاجة إلى التعليم الإسلامي"، سلط فيها الضوء على دور التربية والتعليم في الحفاظ على الهوية الدينية والقيمية للأجيال المسلمة الناشئة.

أما الدكتور التجاني بولعوالي، من كلية اللاهوت والدراسات الدينية بجامعة لوفان الكاثوليكية، فقد تناول في مداخلته الموسومة بـ: "الأسرة المسلمة في بلجيكا بين التحولات السوسيولوجية والتحديات القيمية"، أبرز التحولات الاجتماعية والثقافية التي تعرفها الأسرة المسلمة في السياق البلجيكي، وما تطرحه من أسئلة قيمية وهوياتية.

وقد ترأس هذه الجلسة الدكتور عبد السلام الزهيري، فيما تولى الأستاذ سعيد زروالي مهمة التقرير.

واختُتم اليوم الأول بحفل عشاء تكريمي نظمّه المركز الثقافي “الأنصار”، بحضور المشاركين والضيوف من مختلف الفئات، كما تم توزيع شواهد المشاركة والحضور على المتدخلين والمساهمين في هذه الفعالية الأكاديمية الدولية، التي لقيت استحسانا وتقديرا من الحاضرين والمتابعين عبر تقنية التناظر المرئي.2794 Seminar

اليوم الثاني: مقاربات فقهية وقانونية وسوسيولوجية للأسرة المسلمة في الغرب

تواصلت أشغال الندوة في يومها الثاني عبر تقنية التناظر المرئي، من خلال ثلاث جلسات علمية وازنة قاربت موضوع الأسرة المسلمة من زوايا معرفية وتخصصية متعددة.

الجلسة الثانية: فقه الأسرة ونقل القيم الإسلامية في البيئات الغربية

انعقدت الجلسة العلمية الثانية تحت عنوان: "فقه الأسرة المسلمة ونقل القيم الإسلامية والتربوية في بيئات غربية"، بمشاركة أربعة باحثين متخصصين.

وافتتح الدكتور عبد الحق الكواني، عضو الهيئة العلمية للمجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا، أشغال الجلسة بمداخلة حول: “الإطار المرجعي لفقه الأسرة المسلمة في السياق الأوروبي”.

كما قدمت الدكتورة أسماء خبطة، من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، مداخلة بعنوان: "الأم المسلمة في الغرب: رهانات التنشئة بين استمرارية الهوية وضغوط الاندماج”، ناقشت فيها الدور المحوري للأم في حفظ الهوية الدينية والثقافية داخل الأسرة.

وتناولت الدكتورة إلهام حاكمي، من جامعة محمد الأول بوجدة، موضوع: "النسوية التأويلية وتفكيك الأسرة المسلمة: نقد لنقل المفاهيم الجندرية إلى السياق الإسلامي في الغرب”.

فيما اختتمت الأستاذة إيمان غوزال، من جامعة ابن زهر بأكادير، مداخلات الجلسة بمحاضرة حول: "دور مؤسسة الأسرة والوالدين في التربية وتأسيس الهوية الإسلامية”.

وقد ترأست الجلسة الأستاذة ماجدة بوعزة من ألمانيا، فيما تولت الأستاذة نوال المختوم من تطوان مهمة التقرير.

الجلسة الثالثة: التحديات القانونية للأسرة المسلمة في الغرب

أما الجلسة العلمية الثالثة، التي ترأسها الدكتور عبد الملك هيباوي من ألمانيا، وقررت مجرياتها الأستاذة سارة الهادي من جامعة محمد الخامس بالرباط، فقد خُصصت لموضوع: "الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات القانونية: دراسات لحالات واقعية”.

وافتُتحت بمحاضرة للأستاذة ليلى لاماني، من كلية الشريعة بآيت ملول التابعة لجامعة ابن زهر، بعنوان: "الأسرة المسلمة في مواجهة التحديات القانونية: زواج المغاربة المقيمين بالخارج أنموذجا”.

كما قدم الباحث زكرياء زغلي، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، مداخلة حول: "التحديات التي تواجهها الأسرة المسلمة بألمانيا: الإرث نموذجا”.

واختُتمت الجلسة بمحاضرة للأستاذة ابتسام كليولة، المتخصصة في القانون الدولي الخاص بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بعنوان: "كفالة الطفل في القانون الدولي الخاص: دراسة مقارنة”.2795 Seminar

الجلسة الرابعة: الهوية والاندماج وتحديات البيئة متعددة الثقافات

وتواصلت أشغال الندوة مع الجلسة العلمية الرابعة، التي ترأسها الدكتور محمد ظهيري من جامعة كومبلوتنسي مدريد، وقررها الأستاذ عبد الكريم الغازي من ألمانيا، تحت عنوان: "تأثير البيئة المتعددة الثقافات على الأسرة المسلمة وتحديات العنصرية والإسلاموفوبيا والنسوية والهوية”.

وفي مستهل الجلسة، قدم الدكتور حميد الهاشمي، الباحث والأستاذ بالجامعة العالمية بلندن، مداخلة بعنوان: “استكشاف الاندماج الاجتماعي: دراسة تحليلية لتوجهات المهاجرين العرب في بريطانيا”.

كما حاضر الدكتور محمد قروق كركيش، من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حول موضوع: "الأسرة المسلمة في الغرب وتحديات الحفاظ على الهوية الدينية: مقاربة سوسيولوجية تحليلية”.

واختُتمت الجلسة بمداخلة للباحث عبد الفتاح آيت بلخير بعنوان: "تحديات وإكراهات تعايش الأقليات المسلمة بأوروبا: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وتبادل الهدايا معهم”.

جلسة ختامية وعرض للكتاب الجماعي

وفي ختام أشغال الندوة، انعقدت الجلسة الختامية برئاسة الدكتور عبد الإله كافا، من الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، وتقرير الأستاذ حسن آيت ناصر من جامعة ابن طفيل.

وشهدت الجلسة تقديم الكتاب الجماعي الخاص بمشروع “وضعية الأسرة المسلمة في أوروبا والغرب”، الصادر حديثا بتعاون بين مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا ودار “عالم الكتب الحديث” بالأردن.

كما ألقى الدكتور التجاني بولعوالي، رئيس مركز اجتهاد للدراسات والتكوين، كلمة ختامية استعرض فيها أهم مخرجات الندوة وآفاق تنزيل توصياتها، إضافة إلى الإجراءات العملية المتعلقة بالباحثين المشاركين في المشروع.

وقد شكلت هذه الندوة العلمية الدولية محطة أكاديمية مهمة لإثارة النقاش العلمي الرصين حول واقع الأسرة المسلمة في الغرب، ورصد التحولات التي تعرفها، واستشراف سبل تعزيز حضورها القيمي والاجتماعي والثقافي في المجتمعات الغربية.

***

إعداد: الدكتور محمد قروق كركيش

عن مركز اجتهاد للدراسات والتكوين في بلجيكا

احتضت الجمعية الثقافية المندائية في مالمو مَساء يوم السبت المصادف (09 /05/ 2026) أمسية ثقافية متميزة للأستاذ الباحث (د. رفعت لازم مشعل الخميسي) وَالموسومة (اضطهاد الشعب المندائي) وكذلك حفل لتوقيع كتابه الجديد الذي يحمل نفس اسم المحاضرة، كانت محاضرة رائعة متميزة سرد فيها الباحث، وعلى مدى ساعتين ونصف من الحديث المتواصل، عن مجمل الانتهاكات والمجازر التي تعرض لها الشعب المندائي ، خلال 2000 عام، متطرقاً للمصادر التوثيقية العديدة المتنوعة التي احتواها كتابه الضخم، وكذلك أوضح وشرح بشكل مفصل عن ترجيحه بل قناعته التامة بتسميتنا (بالشعب المندائي) بدل (طائفة مندائية) وأننا ننتمي ( للعرق الأري) وليس (السامي) لقد وثقت المحاضرة وبثتْ بثاً مباشراً، على موقع الجمعية الثقافية المندائية في مالمو، اعتقد أن الكتاب والمحاضرة، سيكون لها وقعاً قوياً لما طرح  فيها مِنْ أراءٍ وتحليلاتٍ عميقةٍ دقيقةٍ جديدةٍ رصينةٍ .

حضرَ الأَمسية جمهورٌ مِنْ أبناءِ الديانةِ المندائيةِ وعدد مِنْ الضيوفِ الأكارمِ مِنْ أهالِي مدينةِ (مالمو) مِنْ المهتمينَ بالثقافةِ وتاريخِ الأديان.

وقبل بداية الجلسة تفضلت مشكورة الناشطة الثقافية وعضوة الهيئة الإدارية في الجمعية الثقافية المندائية بمالمو، السيدة الفاضلة الست (اقبال رشيد) بكلمة جميلة رشيقة مرحبة بالحضور الأفاضل ومعرفة بالأمسية والمحاضر ومدير الجلسة مع تمنياتها بقضاء أوقات جميلة مفيدة.

وكانَ لكاتبِ هذهِ السطورِ (يَحيىَ غَازي الأَميرِيّ) شرف أدارة الجلسة وتقديم أ.د. (رفعت لازم مشعل الخميسي) فِي هذهِ الأمسيةِ.

أودناه نص الكلمة التي ألقيتها في بداية الأمسية:

سَيِّدَاتِي، آنِسَاتِي، سَادَتِي الحضُورُ الكِرَامُ: ضيُوفُنَا الأَكَارِمُ، طَابَ مَسَاؤُكُمْ

أرَحِبُّ بالجميعِ أجملِ تَرحِيبْ، وأتمنى للحضور والمستمعين الأفاضل قضاء اوقات ممتعة مفيدة!

وَيُسعِدني وَيُشرِفُني أن أقدمَ في أمسيةِ هذا المساء صديقي العزيز الأستاذ الدكتور (رفعت لازم مشعل الخميسي) في أمسيته المهمة والمتميزة والموسومة (اضطهاد الشعب المندائي) وكذلك الاحتفال معاً بصدور كتابه الجديد الذي يحمل نفس عنوان المحاضرة.

أقول لكم بصراحة لقد كانت ليَّ مفاجئة مبهرة كبيرة وانا أقلب صفحات الكتاب الضخم القيم (اضطهاد الشعب المندائي) لِكمْ المعلومات الدقيقة العميقة التي دونت بين صفحات أوراقه الــ (380) صفحة.

فأسأل نفسي: كم مقدار الوقت الذي بذله لإنجاز هذا العمل؟

وكم من مقدار الجهد الكبير المضني بالبحث والتقصي والتدوين والمتابعات المضنية سواء بالمقابلات الشخصية او مع الوفود الرسمية لجمع واستنساخ الوثائق الرسمية من أرشيف السلطات البريطانية و(العثمانية) التركية او بالمراسلات والاتصالات بمختلف الشخصيات والمؤسسات ذات العلاقة بموضوع بحثه، والاهم من هذا متابعته الدقيقة لمعظم ما كتب عن اضطهاد الشعب المندائي من كتب ودراسات صدرت باللغة العربية والإنكليزية، ومن ضمنها (الإزهارات) أو (التذيلات) أو (الهوامش) بكتبنا الدينية المندائية. فكل خبر، أو حدث، أو قصة، أو حكاية، أو منشور مدون فيه شكل من اشكال الاضطهاد والاعتداء كان يتابعها بدقة وعناية وفحص وتمحيص وتدقيق ليضع مع كل كلمة يدونها أصل مصدرها!

سيداتي وسادتي الحضور الأكارم: هذه الأمسية الثقافية والتي اعتقد انها بالغة الأهمية بما سيطرح فيها، مما مدون بين صفحات هذا المنجز من وثائق دامغة كثيرة ومتعددة، لانتهاكات وجرائم صارخة، وقسم من هذه الجرائم تصنف جرائم ضد الإنسانية وجرائم تطهير عرقي مورست ضد الشعب المندائي المسالم الاعزل!

وكذلك من اراء متداولة جديدة قديمة، ثبتها الكاتب حول الفرق بين تسميتنا المتداولة (طائفة دينية) وما يثبته في منجزه أننا (شعب) بكامل مقومات الشعب؛ وكذلك اننا شعب متجانس واحد ينتمي للعرق (الأري) بمواصفات أنثروبولوجية واحدة والتي ثبتت من خلال المواصفات الشكلية، والجسدية، والرأسية، والوجهية. 

المندائيون في العراق جزءاً عريقاً أصيلاً ضارب بالقدم من مكونات شعب بلاد الرافدين، لكن رياح العسف والظلم والاقصاء والاضطهاد ولغة الموت والوعيد والرعب والتهديد المستمر التي عوملوا فيها، جعلتهم يعيشون منعزلين في الاهوار القصية بعدين عن المدن الكبيرة، وبعد التغيير الذي حصل بالعراق بعد سقوط الحكم العثماني ودخول القوات البريطانية واحتلالها للعراق، سادت فترة قصيرة من سنين الاستقرار- خلال الحكم الملكي والحكم الجمهورية الأولى-  تنفس فيها الشعب المندائي الصعداء، فنزحوا من الأرياف والاهوار القصية  للمدن والعاصمة، فدخل ابناءه المدارس، وشاركوا في النشاطات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحصلوا على بعض الحقوق التشريعية الدستورية المسلوبة كمكون اصيل من بلاد الرافدين، وبعد (شباط 1963) سريعاً بدأت تسود البلاد - سياسة القمع السياسي والفكري، ففتحت لهم السجون والمعتقلات أبوابها، فنالهم ظلم وحيف كبير.

وثم تلتها سلسلة دوامة (الحروب) وما يرافقها من موت ودمار وخراب وتلتها سنوات عجاف من الحصار الجائر، فانهار الوضع الاقتصادي سريعاً لعموم سكان البلاد؛ فحل الفقر والعوز والجهل ترافقه الاوبئة والامراض.

 وبعد التغيير في العراق (2003) حلت الفوضى والنهب والسلب والفساد والمليشيات المسلحة المنفلتة، والمافيات المنظمة وعصابات للقتل والترويع لا حصر لعددها وخصوصا في فترات غاب فيها القانون بالبلاد تماماً - افزعت من سلم من الموت – من المندائيين- فعجلت هذه الويلات المروعة وهذا الوضع المستمر بالانهيار والتدهور بالتعجيل (بهجرتهم غير المنتظمة) ففروا من بلدهم مجبرين مذعورين فتوزعوا على كل القارات لاجئين! وكذلك وضع اخوتنا في (إيران) ليس أفضل منا حالاً، لا بل نالهم أكثر منا ظلماً وتمييزاً واضطهاداً، في عهديّ (حكم الشاه بهلوي) وبديله (الجمهوري الإسلامي) القابض على السلطة الآن.

أن الخوض في مثل هذا العنوان (اضطهاد الشعب المندائي) ليس نزهة أو بحث سهل، بل هو موضوع بمنتهى الرهبة والحساسية وفيه كثير من المتاعب والخطر، وكما يقول المثل (الدخول في عش الدبابير) فهو محفوف بالمخاطر!

وهو مبحث يحتاج الدقة بالمعلومات والمصادر ويستلزم بذات الوقت الشجاعة والمثابرة والحرص؛ الحرص على حياة من يزوده بالمعلومات ايضاً، انها من الاعمال المشابهة حديثاً لعمل الاستقصاء الصحفي! وأقولها بالفم المليان أنه عمل شجاع نبيل.

لقد احتوت صفحات الكتاب على ملفات لجرائم وانتهاكات واعتداءات تقشعر لها الابدان، وعلى كم هائل من الويلات والمصاعب والمصائب والمجازر والنكبات التي ضربت برياحها العاتية الشعب المندائي المسالم الأعزل، في المنطقة التي استقروا فيها (العراق وإيران) وانت تتصفح الكتاب ستقرأ كم أزهقت وغيبت ودمرت من النفوس والآمال والارواح على مدى العصور والدهور!

الذي يقلب صفحات الكتاب (380) صفحة؛ المفهرس بعناية اكاديمية منهجية بحثية، والمقسم الى (8) أبواب، تضم ستة وعشرون فصلاً؛ سيعيش صدمة كبيرة لحجم الدمار الكبير والاضطهاد المروع، والمجازر البشعة، التي لحقت بأهلنا المندائيين المسالمين، في جنوب بلاد الرافدين والمدن الإيرانية المجاورة لها- الحويزة وشوشتر وشيراز- وغيرها.

وعلى مدى عدة مئات من السنين وقع المندائيين بين فكيّ (اضطهادين) لا يقل بشاعة الواحد عن الاخر؛ اضطهاد سلطات الدولة التي - تحكمهم العثمانية والصفوية - بحكامها الظالمين الجائرين المستمدين قسوتهم واستبدادهم من ظلم وجور بعض (فتاوي السلطات التنفيذية التكفيرية الإسلامية، والتي تبيح وتسمح بتكفير وقتل المندائيين، الفتاوي التكفيرية بشقيها (السني والشيعي) والتي دونها الباحث في كتابه بالصفحة (158).

وبين النشاط التبشيري المسيحي الكاثوليكي للكنيستين (الأوغسطينية والكرمليّة) والقوات العسكرية البرتغالية المسيطرة على الخليج العربي، والذين اتخذ نشاطهم على (المندائيين)عدة اشكال بين الترغيب والترهيب لغرض تنصيرهم وتهجيرهم من بلادهم وارضهم الى بلدان نائية أخرين!

  لكن أبشع المذابح المدونة في الكتاب تجدها مفصلة في الفصل العاشر والحادي عشر والثاني عشر والتي حدثت في العمارة 1480، ومذبحة الحويزة 1732، وكذلك المذبحة التي طالتهم في مدينة شيراز الإيرانية. ومذابح مدينة (شوشتر/تستر) الأربعة المتتالية: الأولى عام 1732، الثانية عام1807، الثالثة عام 1849، الرابعة عام 1870

ولتعريفِ الحضور الكريم بضيفنا العزيز سوفَ أسردُ بشكلٍ مختصرٍ جداً، شيئاً عن نشاءته وسيرته الدراسية والأكاديمية والوظيفة وكذلك النشاطات الكثيرة المتواصلة والمستمرة فيما يخص بالذات الشأن المندائي.

السيرة الأكاديمية للمؤلف د. رفعت لازم مشعل

مكان الولادة: العراق ميسان / قلعة صالح، 1946-09-16 تأريخ الولادة

 أكمل الدراسة الابتدائية فى مدينة قلعة صالح / ميسان، عام 1958

 أكمل الدراسة المتوسطة والاعدادية في مدينة المقدادية / ديالى عام 1964

حاصل على شهادة البكالوريوس في علوم الاحصاء الدورة الا ولى في العراق، عام 1968

حاصل على شهادة دبلوم عالي في علوم الاحصاء من هولندا/ لاهاي، عام 1973

 حاصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في علوم الا حصاء من إنكلترا / جامعة برادفورد عام 1980

عمل أستاذ في جامعة بغداد / كلية لإدارة والاقتصاد / قسم الاحصاء / طيلة الاعوام من 1981 إلى 2007

حاصل على لقب أستاذ عام 2004 ( Professor )

عمل أستاذ في جامعة صنعاء الجمهورية العربية اليمنية، للأعوام 1991-1994

عمل أستاذ في جامعة حضرموت الجمهورية العربية اليمنية، للأعوام 2002-2003

2007-2006عمل أستاذ في الجامعة الهاشمية / عمان / المملكة الأردنية الهاشمية، للأعوام

أصدر العشرات من البحوث العلمية المنشورة في مجلات رصينة، للأعوام 1981-2007

 صدر له كتاب منهجي مقرر يدرس في أقسام الإحصاء في الجامعات العراقية، عام 2001 م، الموسوم القياس المتقدم وهو يدرس لغاية الآن، في الجامعات العراقية.

النشاط المندائي للمؤلف

عضو في المجلس الروحاني الأعلى للصابئة المندائيين في العراق والعالم، منذ عام 1985

 عضو فعال في الوفد الرسمي الديني الذي قام بزيارة الفاتيكان ومقابلة البابا في روما، عام 1990

عضو في مجلس عموم الصابئة المندائيين في العراق لعدة دورات، منذ عام 1997

عضو في مجلس شؤون الصابئة المندائيين في العراق للدورات 1999-2000

عضو في اللجنة السياسية العليا للصابئة المندائيين في العراق، سنة 2004

عضو في اللجنة الاستشارية العليا للصابئة المندائيين في العراق، بموجب كتاب سكرتارية مجلس العموم دي العدد 623

والمؤرخ في 2003/5/27م، أي بعد شهرين من احتلال العراق

 ألقى عدد من المحاضرات الثقافية عن الصابئة المندائيين في نادي التعارف منها بتاريخ 1997/5/9 عنوان "الصابئة المندائيون نبع التوحيد)

ألقى عدد من المحاضرات الدينية الثقافية عن الصابئة المندائيين في مندي القادسية منها بتاريخ2/2/2004 بعنوان (دراسة في الفكر الصابئي المندائي)

رئيس تحرير جريدة "المندا" الصادرة في بغداد للأعوام 2004-2006م

ضمن سلسلة موسوعة الشعب المندائي صدر كتاب بعنوان (جذور الشعب المندائي)، وهي دراسة انثربولوجية احصائية عن أصل الشعب المندائي / صدر في مالمو / عام 2020 عن دار ميزر للنشر والتوزيع

وكذلك ضمن سلسلة موسوعة الشعب المندائي، صدر كتاب الجديد (اضطهاد الشعب المندائي)، وهو دراسة معمقة وموثقة، عن اضطهاد الشعب المندائي عبر تاريخه المجيد

 فأهلاً وسهلاً بالأستاذ الكاتب والباحث د. رفت لازم مشعل، الناشط المندائي المشابر، وكل الحديث للأستاذ الفاضل فليتفضل مشكوراً.

أبتدأ المحاضر أ. د. (رفعت) مرحباً بالحضور الكريم، وتمنى ان ينال اعجاب الحضور بما سيطرح من معلومات جديدة، وبما مر به الشعب المندائي عبر العصور، من أحداث اغلبها مروعة، وقد أثنى كثيراً على كلمة التقديم التي قرأتها وقدمته بالأمسية فيها.

وبعدها أشار قبل البدء بحديثه عن الكتاب وما يحتويه الى انه قد كتب في الصفحة (7) من الكتاب (تنبيه وتنويه قبل الاطلاع على محتويات هذا الكتاب) وسوف أستل منها بعض الفقرات:

((أولا: لابد لي من التأكيد أن ما أعرضه وأسرده وأشرحه في ثنايا هذا الكتاب، هو عن معاناة "الشعب المندائي"، كأفراد أو مجموعات، وليس عن الدين المندائي الشعب الذي تعرض إلى مختلف أنواع الممارسات الإجرامية البشعة والتي امتدت. طوال السنوات الماضية من تاريخه العريق المجيد.

  ثانيا: إن ما يرد لاحقاً من إشارة إلى أحداث وجرائم وممارسات إجرامية، إنما هي ممارسات لسلطات تنفيذية قمعية تتخذ من الأديان وسيلة لتحقيق أهدافها ومخططاتها ومآربها. وليس المقصود فيها عقيدة أو شريعة أو طقوس هذه الأديان التي ترد أسماؤها في محتويات هذا الكتاب إن الإساءة إلى شعائر وعقائد وطقوس الأديان، ليس من قيمي ومبادئي الشخصية، وليس في عقيدتي المندائية التي أتشرف بأني أحد أبناءها، والتي تدعو دائماً إلى المحبة، والخير، والسلام، والمساواة.

لذلك أوكد أني لا أتهم أو أدين أو أنتقد أيا من عقائد أو شرائع أو طقوس هذه الأديان، والتي يرد ذكرها في هذا الكتاب. وإنما أجرم وأدين سلطاتها التنفيذية التي تقوم بهذه الممارسات وأرجو أنْ لا يقيم أو يفسر أو يشار إلى خلاف ذلك.

 ثالثاً: إن ما أذكره في هذا الكتاب عن كل ما يتعلق بشأن العقيدة الدينية للشعب المندائي، هي وجهة نظري الشخصية وقناعاتي التي أتبناها وأعتز بها، ورجال الدين المندائيين ومجالسهم الرسمية، ليس لهم علاقة بما أطرحه بشأن هذا الموضوع، وهي ليست فتوى أو موقف ديني رسمي مندائي فرجال الدين المندائيين، والمجالس التي تجمعهم، هم الأدرى والافهم في الحديث عن الدين المندائي، وبيان الموقف الرسمي في هذا الشأن.))

بعدها واصل حديثة مستعيناً بشاشة كبيرة تنقل ما يود تناوله للحضور لزيادة الفائدة والاطلاع.

بعد حوالي ساعة ونصف من الحديث المتواصل للأستاذ للمحاضر والانتباه والتفاعل الكبير من الحضور الذين شد لكم المعلومات والقصص والاحداث المرعة، فتحت باب المناقشات والمداخلات والاسئلة، وخصص لها نصف ساعة، والتي زادت من حيوية المحاضرة وفائدته. والتي شارك فيها (8) أشخاص بالأسئلة والاستفسارات المتنوعة، أجاب عنها المحاضر، السادة الافاضل المشاركون في المداخلات والاسئلة (أبو سامر/ ماجد ورسن، أبو زيد/ عباس الزهيري، واثق السليم، محمود قصي الخميسي، باسم طالب عبد السادة، أبو سارة/ وجدي ناشي الخميسي، حسان الكيلاني، سلام الخميسي.)

في ختام الأمسية قدمت للضيف المحاضر باقة ورد باسم الهيئة الإدارية للجمعية الثقافة في مالمو. 

  قام مشكوراً بالتسجيل والبث المباشر للأمسية الأخ والصديق العزيز (مناف حلو جابر) له منا أجمل التحايا.

https://www.facebook.com/mandaeska.kultur/videos/952273167425218

***

بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

مالمو / مملكة السويد في 11-05-2026

في سياق أكاديمي يتقاطع فيه التفكير القانوني مع التحولات الرقمية المتسارعة، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمدينة قلعة السراغنة، يوم الإثنين 30 مارس الجاري، لقاءً علمياً متميزاً أطره الباحث والإعلامي الدكتور مصطفى غلمان، حول موضوع: “العدالة الرقمية: هل يستطيع القانون مواكبة هيمنة المنصات؟”، وذلك في إطار الاحتفاء بصدور مؤلفه الجديد “مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات”. وقد عرف هذا اللقاء حضوراً وازناً لثلة من الباحثين والأكاديميين، إلى جانب شخصيات دبلوماسية بارزة، من ضمنها قنصل المغرب بإمارة موناكو السيد أحمد بن سعدي، والسيد لوران أنسلمي، وزير العدل ووزير الخارجية السابق بإمارة موناكو، ورئيس ديوان الأمير ألبرت.2594 mustafa

واستُهلت أشغال هذا اللقاء بكلمة افتتاحية ألقاها عميد الكلية الدكتور محمد الغالي، أبرز فيها راهنية الموضوع المطروح، مؤكداً أنه لا ينحصر في حدود العدالة القانونية بصيغها التقليدية، بل يمتد إلى مساءلة عميقة لموقع العدالة في عالم رقمي سريع التحول، تحكمه أنماط تقنية وهوياتية جديدة. وأشار إلى أن هذه التحولات تتقاطع مع سياقات عولمية متسارعة، تتسم بسيولة غير مسبوقة، وتنتج أشكالاً جديدة من التوترات الجيوسياسية والثقافية، مما يفرض إعادة التفكير في أسس التنظيم القانوني. كما شدد على أن طرح سؤال العدالة في هذا السياق يقتضي الحذر من مخاطر الأخبار الزائفة والجرائم المستحدثة، والدفع نحو بناء تقاليد قانونية قادرة على الاستجابة لهذه التحديات.

وفي السياق ذاته، جاءت مداخلة الدكتور سعيد عبد الرحمان بنخضرة، المنسق البيداغوجي لماستر الحكامة القانونية الرقمية وحماية المعطيات، لتؤسس لرؤية تعتبر الرقمنة إطاراً شاملاً لإعادة بناء مفهوم العدالة، لا بوصفها معطى ثابتاً، بل كحقل دينامي يتفاعل مع التحولات الثقافية والإنسانية. وأبرز أن العدالة الرقمية ينبغي أن تُفهم ضمن أفق التداولية الرقمية، باعتبارها مجالاً يعيد تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، ويستدعي مقاربات متعددة التخصصات، قادرة على استيعاب تعقيدات الواقع الجديد، بما ينسجم مع خصوصيات المجتمع وتطلعاته.

في هذا الأفق، جاءت محاضرة الدكتور مصطفى غلمان لتفتح أفقاً إبستمولوجياً عميقاً انطلاقاً من سؤال مركزي: هل ما يزال القانون قادراً على تنظيم العالم الرقمي، أم أن المنصات أصبحت الفاعل الذي يعيد كتابة قواعده؟ وقد بيّن أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد امتداد للعدالة التقليدية، بل تحولت إلى مفهوم مركب يشمل عدالة الولوج إلى التكنولوجيا، وعدالة الفرص داخل المنصات، وعدالة الخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتوزيع الانتباه.2593 mustafa

وأكد أن المنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد وسائط تقنية، بل تحولت إلى سلطات فعلية تمارس أدواراً اقتصادية واجتماعية وتنظيمية، دون أن تخضع لنفس آليات المساءلة التي تخضع لها الدولة. وفي هذا السياق، استحضر التحول من “حكم القانون” إلى “حكم الكود”، حيث أصبحت الخوارزميات تمارس سلطة تقريرية تؤثر في الإدراك والسلوك، في غياب شفافية كافية.

كما أبرز المحاضر أن القانون يواجه أزمات بنيوية في مواكبة هذه التحولات، تتجلى في بطء التشريع، وتآكل مفهوم السيادة أمام الفاعلين العابرين للحدود، وغموض المسؤولية داخل الفضاء الرقمي، إضافة إلى انحياز الخوارزميات. وهي تحديات تجعل من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين القانون والتكنولوجيا، بما يسمح بإعادة بناء توازن جديد بين الضبط والحرية.

وفي استحضار للتجارب الدولية، أشار إلى تعدد النماذج في تنظيم المجال الرقمي، بين مقاربة أوروبية تميل إلى التقنين الصارم، ونموذج أمريكي قائم على حرية السوق، وآخر صيني يقوم على سيطرة الدولة، وهو ما يعكس اختلاف الرهانات الفلسفية والسياسية في التعامل مع المنصات.

وخلص إلى أن تحقيق العدالة الرقمية يظل رهيناً بجملة من الشروط، من بينها تعزيز شفافية الخوارزميات، وإخضاع المنصات للمساءلة، وحماية المعطيات الشخصية، وإشراك المجتمع المدني، إلى جانب تطوير أطر قانونية مرنة. غير أن الرهان الأعمق يظل أخلاقياً وفلسفياً، يرتبط بإعادة التفكير في موقع الإنسان داخل هذا العالم الرقمي.

وقد اختُتم اللقاء بنقاش علمي ثري، عكس انخراطاً عميقاً للحضور في مساءلة الإشكالات المطروحة، حيث تنوعت التدخلات بين مقاربات قانونية وفلسفية وسوسيولوجية، تمحورت حول تحديات تحقيق العدالة الرقمية، وحدود تدخل الدولة، ومخاطر الهيمنة الخوارزمية. كما طُرحت تساؤلات دقيقة حول موقع المجتمعات النامية في هذا التحول، وإمكانية بلورة نموذج وطني يوازن بين الانفتاح التكنولوجي وحماية السيادة الرقمية.

وفي المجمل، أكد هذا اللقاء أن العدالة الرقمية لم تعد مجرد قضية تخصصية، بل تحولت إلى سؤال حضاري مركزي، يفرض إعادة التفكير في أسس العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين القانون والسلطة، داخل عالم يعاد تشكيله على نحو غير مسبوق.

***

القلعة/ خاص

 

توافد واسع للمندائيين إلى مندي الأجيال في سيدني

في أجواء إيمانية مفعمة بالخشوع والسكينة، شهد اليوم الثالث من مناسبة عيد البرونايا توافد مئات المندائيين والمندائيات إلى مندي الأجيال في منطقة وليشيا في سيدني، لأداء طقوس المصبتا (الصباغة) المباركة، إحدى أهم الطقوس الدينية في الديانة المندائية. ومنذ ساعات الصباح الأولى، توافدت العائلات المندائية إلى المندي للمشاركة في هذه الشعائر الروحية التي أقيمت بإشراف تسعة من رجال الدين الأفاضل، الذين بذلوا جهوداً كبيرة في أداء الطقوس الدينية وخدمة أبناء الطائفة، وسط أجواء يسودها الإيمان والتآخي.2543 bradda

وشهد هذا اليوم أيضاً إقامة دارات للنساء والرجال، حيث شارك الجميع في أداء الطقوس والتواصل الاجتماعي الذي يميز هذه المناسبة الدينية المباركة. كما حرصت العديد من العوائل على تقديم الضيافة والطعام للمصطبغين، صدقةً وثواباً على أرواح موتاهم، في تقليد إنساني يعكس روح التكافل والمحبة بين أبناء الطائفة.

وقد أشاد الحضور بالجهود الكبيرة التي يبذلها كادر مندي الأجيال في تنظيم هذه المناسبة وتوفير مختلف الخدمات لأبناء الطائفة، بما يسهم في إنجاح مراسم البرونايا وإقامة الطقوس الدينية بسلاسة وتنظيم.

وفي ختام هذا اليوم المبارك، عبّر أبناء الطائفة عن شكرهم وتقديرهم العميق لرجال الدين على ما يقدمونه من جهد متواصل في خدمة المندائيين والحفاظ على تراثهم الديني والروحي.

صباغة مباركة للجميع، سائلين من الهيي قدمايي أن يعيد هذه الأيام المباركة بالخير والسلام على أبناء الطائفة المندائية في كل مكان

***

خليل الحلي - رئيس تحرير صحيفة العهد

لم يكن اختتام فعاليات مراكش ألفية الأعلام والعمران في دورتها الثانية مجرد إسدال ستار على تظاهرة ثقافية، بل كان إيذانًا بلحظة وعي جماعي، يُعاد فيها التفكير في معنى التراث، لا بوصفه ماضيًا منقضيًا، بل باعتباره طاقة رمزية حيّة، قابلة لأن تُستنبت في الحاضر وتُستثمر في أفق المستقبل. فمن داخل كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض، تبلورت رؤية ترى في التراث ممارسةً معرفية، لا حنينًا، ومسؤوليةً تربوية، لا مجرد احتفاء.

في كلمته الافتتاحية، شدد الدكتور أحمد شحلان، الأمين العام للتظاهرة، على أن العلاقة بالتراث لا تستقيم إلا إذا أُضيئت بنقد العقل وحرارة الوعي، عبر تثمين خصوصياته المحلية والحضارية، وتوحيد الرؤية حول مقوماته العمرانية والفكرية. فالتراث، كما أكد، لا يُختزل في استحضار الشخوص والأمكنة والأزمنة، بل في إعادة قراءته، وتثبيته في مناهج الحياة اليومية، وتوجيهه ليكون رافعة للتربية، ومصدرًا للوعي، وفضاءً لفضيلة الفخر والانتماء.

وأمام حضور وازن من مثقفين وأكاديميين وإعلاميين، من مدعوي مؤسسة أحمد شحلان للدراسات والأبحاث في معارف الغرب الإسلامي، عبّر شحلان عن أفقٍ استشرافيّ يروم توحيد الرؤية حول أدوار الآداب والفكر المغربي وفنونه في صناعة حداثة متجذرة، تنطلق من معرفة دقيقة بتاريخ البلاد وهويتها الخاصة، دون القطيعة مع أسئلة الراهن أو إغفال دور الشباب في امتلاك هذه المعارف وتوطينها في المنجز المعاصر.2389 ghalman

وشهدت القاعة الكبرى للندوات وقفات تكريمية متعدّدة، لوجوه علمية وثقافية وفنية وقضائية وطبية ودبلوماسية، أسهمت، كل من موقعه، في إثراء الذاكرة المراكشية والمغربية. فجاء التكريم بوصفه فعل اعتراف رمزي، يُعيد وصل الأفراد بسيرورتهم التاريخية، ويمنح المنجز الفردي معنى جماعيًا، تتقاطع فيه المعرفة بالالتزام، والذاكرة بالفعل.

أما الجلسات العلمية، الموزعة على خمسة محاور، فقد فتحت أفق التفكير في الجامعة، والعمران، والفن، والقضاء، والطب، والدبلوماسية، باعتبارها حقولاً متداخلة في تشكيل الوعي الحضاري. فمداخلة الدكتور محمد الكنيدري أعادت الاعتبار للدور التاريخي والعلمي لجامعة القاضي عياض، بوصفها مؤسسة أنتجت الفكر وأسهمت في تدبير الشأن العام. فيما قارب الأديب والمؤرخ محمد رابطة الدين رفقة المهندس المعماري محمد مكريف، عبقرية صومعة الكتبية، لا كمَعْلَم حجري، بل كنصّ بصري مشحون بالرموز، يعكس تلاقي السلطة، والدين، والفن، والزمان.

وفي فضاءات المحاورة، تحولت الشهادات الحية للمكرمين إلى لحظات بوح واستذكار، أعادت طرح سؤال التجربة بوصفها معرفةً مكتسبة، كما في مسار الفنان محمد حمادا، أو الإعلامي والأكاديمي مصطفى غلمان، حيث تداخل الإبداع مع الالتزام الثقافي والمؤسساتي. كما أضاءت مداخلات النقيب عمر أبو الزهور والمحامي عبد الصمد الطعارجي مسار المرأة في القضاء المغربي، باعتباره مسار توهج بطيئًا، لكنه عميق الأثر، يستدعي الأرشفة والاعتراف والتأريخ.

ولم يغب البعد الإنساني العميق عن الملتقى، إذ استحضرت مداخلة الدكتور جمال الدين الأحمدي تاريخ الأوبئة في المغرب، كاشفة عن الوجه الخفي للمعاناة الجماعية، وعن تلازم المرض بالفقر والجفاف والاستعمار، في تذكير صارخ بأن التاريخ لا يُقرأ فقط من زاوية المجد، بل أيضًا من شقوق الألم.

أما المداخلة الدبلوماسية للسفير المكي كوان، فقد أعادت تعريف العمل الدبلوماسي كمسؤولية أخلاقية وصوت وطني، ينتقل من العفوية إلى الوعي، ومن الرأي إلى الموقف، في انسجام تام مع المرجعية الثقافية والهوياتية للدولة.

وهكذا، لم يكن هذا الملتقى تجميعًا لأصوات متفرقة، بل نسيجًا معرفيًا واحدًا، تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، والفكر بالممارسة، والاحتفاء بالمساءلة. لقد أكد، في عمقه، أن التراث ليس ما نملكه، بل ما نُحسن توجيهه، وأن الأمم لا تبنى فقط بما تتذكره، بل بما تحوّله من هذا التذكر إلى وعي، ومن الوعي إلى فعل، ومن الفعل إلى مستقبل قابل للحياة. في المحصلة العميقة، يعلن هذا الملتقى أن التراث ليس ذاكرة تُستدعى عند الحاجة، ولا زخرفًا رمزيًا يكتفي بالتزيين، بل هو فعل وعيٍ مستمر، ومسؤولية تاريخية لا تكتمل إلا حين تتحول المعرفة إلى ممارسة، والانتماء إلى مشروع، والاحتفاء إلى سؤال نقدي مفتوح. إن استشراف المستقبل لا يتم بالقفز على الماضي، بل بإعادة قراءته قراءة حية، تُحرّره من الجمود، وتمنحه قابلية الإسهام في صناعة الغد. وبهذا المعنى، يصبح الفكر، والفن، والعمران، والقانون، والطب، والدبلوماسية، وجوهًا متعددة لرهان حضاري واحد: بناء إنسانٍ قادر على فهم تاريخه دون الارتهان له، وصناعة حداثته دون التنكر لجذوره. إنها دعوة صريحة إلى أن نجعل من الذاكرة قوة اقتراح، ومن الهوية طاقة انفتاح، ومن الثقافة أفقًا للتجدد الدائم، حيث لا يُختتم التفكير، بل يبدأ.

***

مراكش/ خاص

حينما يكون الشتاء في بغداد ذو نكهة مطعمة بالقهوة فيشار بالبنان إلى مقهى " بُنْ رضا علوان " حيث يخيم السكون في حضور الاخرين، وتصمت الأفواه لتعلن فناجين القهوة قرع القطعة التي يضع عليها فنجان القهوة بمختلف الأطعمة. هو تجمع ثقافي " مقهى رضا علوان " يجمع رجالات ونساء بغداد من الفنانين والكتاب والأدباء والممثلين ورجال القضاء ممن تقاعد من الخدمة وبدأ يرتاد مقهى " رضا علون"، أو بعض من العراقيين ممن عاشوا في دول المهجر وعادوا لزيارة العراق ليكون هذا المقهى العريق.. الجديد في ملبسه ومظهره، ملتقى من شمَ رائحة وعبق بغداد، فالمقهى القديم في تراثه وتاريخه، الحديث في بنائه والخدمات التي يقدمها لمن يرتاده، حيث يرقى في خدماته لمقاهٍ عرفت بعراقتها مثل مقهى " ريش " في القاهرة والذي ضم كبار الكتاب والأدباء والشعراء ومنهم نجيب محفوظ وغيره من عمالقة الأدب والفن، أو مقهى الروضة في دمشق الذي كان يرتاده الشاعر العراقي مظفر النواب، أو " مقهى تيمهورتن " في كندا حتى عد هوية ثقافية كندية، أو مقاهي باريس الشهيرة ومن ارتادها وابرزهم الفيلسوف الفرنسي " جان بول سارتر " منها مقهى فلور، ومقهى لي دو ماغو حيث كان يقضي وقته في الكتابة ومناقشة الأفكار مع سيمون دي بوفوار وغيرهم من المفكرين والفنانين، وتعد هذه المقاهي اليوم معالم ثقافية تاريخية وهي في حي سان جيرمان، أو مقهى " فازا " و " مقهى سفياس" في السويد.2258 caf eredaalwan

لقد أحتفل زبائن مقهى رضا علوان قبل أيام في شهر كانون الأول – ديسمبر بمرور ستة عقود ونصف " 65 " عامًا على تأسيس هذا المقهى المشهور بالبن الأصيل.

لم يعد مقهى " رضا علوان " شهيرًا فيما يقدمه من " بُنْ " أمتاز بطعمه واصالته ونكهته فحسب، بل وجود حياة بغدادية لم تفزع من التطور السريع لهذه المدينة العريقة عبر التاريخ في مواجهة الموت خلال عقدين من الزمن التي تحولت إلى بؤر خطرة، حيث كانت بغداد تنأى بنفسها بعيدة عن كل طارئ وفساد في الفكر والقرار الحضاري، لكن بغداد حملت حضور الموت داخل نطاقها، وأحتفظت بنفسها حية داخل نطاق الموت، فنهضت من جديد لتواكب التطور الذي ابعدها عدة عقود من الحرب والتجويع والحصار ثم فوضى ما بعد الدكتاتورية، نهضت بغداد وأولى علامات نهضتها هذا التجمع الثقافي الفكري في مقهى رضا علوان بكل فروعه في الكرادة والاعظمية وشارع الضباط في زيونه والمنصور وغيره من الفروع الآخرى.

عُد مقهى رضا علوان في بغداد محفل ثقافي فلسفي أدبي تراثي ففيه يتحول الجانب السلبي إلى إيجابي بدرجة متساوية لأن البيئة الثقافية السائدة تجعل سمة الإحترام هي السائدة بين الرجال والنساء، بين المتعلم بثقافة متخصصة، والمتعلم بفنون الحياة المختلفة والمتنوعة، حيث يجد رواد هذا المقهى تلك الشريحة من المجتمع العراقي التي ابتعدت عن ضوضاء الشارع إلى صمت لا يكسره غير قرع فنجاين القهوة، وما أجمله حين يلاطف صوت الموسيقى الهادئ المتسرب عبر آذان لا يرتفع فيها صوت غير همسات المتحدثين بكلمات ثقافية، أو أدبية أو هموم الحياة خارج قاعات المقهى التي أمتلأت بالمقاعد ثنائية الكراسي مع المنضدة المدورة أو المربعة، أو ثلاثية الكراسي، أو رباعية الكراسي، وفي بعض الأحيان ضمت مقاعد بغدادية بأقمشة من تراث العراق من شماله إلى جنوبه بألوانها الزاهية، ومما يلفت الإنتباه ان صاحب المقهى ولنقل الوريث الشرعي لهذا المقهى الاستاذ "علاء رضا علوان" يجالس الحضور ويقدم ضيافته مع كل مجموعة يجلس معها، وفي أحيان كثيرة يكون شريك في الحوار، أو منصت للاستماع لتلك الحوارات الراقية وهذا عمق العلاقة بين رواد المقهى وصاحب المحفل الحضاري الثقافي.

يشعر الزائر أن " مقهى رضا علوان" البغدادي به عمق من الحضارة في يومنا الحاضر، يرسل فكره إلى حضارة سومر وأكد وآشور، وإلى حضارة بغداد الرشيد، وحضارة الملتقى الفكري الديني بالمذاهب التي شكلت تأويل النص القرآني بما يتناسب تطور الحضارات فكان الشيخ عبد القادر الكيلاني، وأبو حنيفة النعمان، وأحمد بن حنبل، والجنيد البغدادي، والامامين في الكاظمية علامة حضور في هذه المدينة العريقة بتاريخها وأرثها وثقافتها الجاذبة عبر التاريخ لكل زائر، فأقام فيها وأنتمى لها وأصبح من أهلها.

هذا الملتقى جمع المثقف اليساري المعاصر مع المتدين بأي مذهب من المذاهب الاسلامية بلا حوارات دينية، أو سياسية، والأكثر عجبًا أن المقهى ضم جماعات بغدادية أصيلة يشكل حضورها وجودًا ضمن نسيج بغداد الأصيل هم النصارى – المسيح الذين اشتهرت بغداد بوجودهم وتآلفهم مع الاقوام الأخرى التي سكنت بغداد فكان الحوار في هذا المقهى ينبثق عنه معرفة جديدة تسعى إلى شفاء النفوس من بقايا عقود الحروب والحصار والفوضى ما بعد الدكتاتورية، هذا الحوار الهادئ يرفع غشاوة اللبس في ما يعتقده البعض بأنه الصحيح وغيره خطأ، هذا الحوار الذي يخفف من شدة الاختلاف وهو ما نراه يؤدي إلى الحكمة في أجواء هذه المقهى – المحفل الثقافي العريق وفي اعتقادنا وممن حضر إلى هذا المكان العريق بأنه سيكون يومًا خليقًا للتأمل بقضايا الواقع العراقي الذي بدأ ينهض من جديد لكل من المثقف ورجل السياسة، ورجل الدين، والمتقاعد من الوظيفة، واليساري، والمعلم بكل مراحل الدراسة من الابتدائية إلى الدراسة المتوسطة، إلى الدراسة الثانوية ثم الدراسة الأكاديمي الجامعية، فضلا عن حضور طلبة الدراسات العليا، لا باعتبارها معلمًا حضاريًا – ثقافيًا فحسب، بل لأن الهدوء وصمت المكان جدير بإنتاج أفكار متقدمة في التخصص العلمي للدراسات العليا.. لذا علينا في مقهى رضا علوان أن نترك الجدل النظري جانبًا، وأن نقبل على الوقائع عن كثب لعلنا نصل إلى رأي حاسم ينطلق من ملتقى مقهى رضا علوان في البناء والمعاني والتي تنطوي عليها ثقافة جديدة في المجتمع البغدادي.

***

د. اسعد الامارة

أُسدل الستار على الدورة الثانية عشرة لمهرجان الجزائر الدولي للفيلم الذي انطلقت فعّالياته للمدة من    4 - 10 ديسمبر 2025 بمشاركة 50 فيلمًا في المسابقات الرئيسة الأربع التي جمعت بين الأفلام الروائية والوثائقية الطويلة والأفلام القصيرة إضافة إلى المسابقة التقنية المُستحدثة. كما أفردَ القائمون على المهرجان تكريمات وإشادات لعدد من التجارب المكرّسة والمواهب الإبداعية الشابة.

جرت وقائع الحفل الاختتامي في المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي بحضور عدد من الشخصيات الرسمية المهمة إضافة إلى عدد غير قليل من الشخصيات الثقافية والفنية الجزائرية والعربية والعالمية.2208 alglers

مُنحت جائزة الجمهور، في مُستهل حفل توزيع الجوائز، للفيلم الروائي القصير (حركة الفهود السود الأمريكية في الجزائر) Black Panthers of Algeria للمخرج الجزائري محمد أمين بن لولو . يتمحور الفيلم على تأثير حركة التحرر الأفرو - أمريكية على الثورة الجزائرية ودور الجزائر كمركز لحركات التحرر العالمية. كما حصل فيلم (عسّاسات الليل) Gardiennes de nuit للمخرجة والمونتيرة الفرنسية - الجزائرية نينا خدة. تدور قصة هذا الفيلم الروائي القصير على فتاة شابة تبلغ من العمر عشرين عامًا ترافق جثمان جدتها إلى الجزائر وما إن تصل إلى هناك حتى تُثنيها العائلة عن حضور الجنازة.أمّا لجنة تحكيم المسابقة التقنية فقد أسندت جائزة اللجنة إلى فيلم (الضحية صفر) The Victim Zero للمنتج والمخرج الجزائري أمين بن ثامر وهو إنتاج مشترك بين الجزائر وفرنسا وتونس. يركز الفيلم على شبكة إجرامية خطيرة تستغل المدمنين بطريقة بشعة حيث يحصلون على المخدر مقابل جلب أطفال من محيطهم الاجتماعي.

ارتأت لجنة تحكيم المسابقة التقنية أن تمنح فيلم (مشية الغُراب) The Walk of Crow  تنويهًا خاصًا للمخرج الجزائري خالد بن طبّال. يتناول الفيلم ثنائية الحضارة القادمة من الغرب والتمسك بالأصول العربية المحافظة على حُب الوطن وتراث الآباء والأجداد. فيما نال فيلم (الوشاح الأسود)  Black Scarf للمخرج الإيراني علي رضا شاه حسيني تنويهًا خاصًا أثار فيه مشاعره العميقة فشكر القائمين على المهرجان ولجنة المسابقة وكل الذين دفعوه لإنجاز هذا الفيلم المحرِّك للمشاعر والأحاسيس. يتمحور فيلمه على مجموعة من التلاميذ يطلبون من معلّمهم شيئًا بسيطًا يغيّر كل شيء بشكل غير متوقع في قرية هادئة معزولة. فيما افتخر المهرجان بمنح الجائزة التقنية الكبرى لفيلم (العودة إلى المدينة) Back to Town للمخرج الجزائري جمال لكحل. تدور ثيمة الفيلم حول شابين يحلمان بتأسيس فرقة روك ويلتقيان بعجوزين سبعينيين أسسا فرقة Play-boys فيحدث بينهما تفاعل جميل يشعل شغفهم بالمسرح من جديد بعد مرور خمسين عامًا. كما منحت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية تنويهًا خاصًا لفيلم (حيو المغنية المتمردة) Haiyu Rebel singer Mariem Hassan للمخرجين الأربعة آنا كلارا أهرين،ابراهيم ب. علي، محمد سالم وارد وأليكس فيتش. يوثِّق هذا الفيلم حياة المغنية الصحراوية مريم حسن بوصفها مصدر إلهام وكفاح لشعب الصحراء الغربية من أجل الحرية.2209 alglers

فيما أسندت لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي جائزتها لفيلم ( لا أحد يُولد ليُداس) No Man Is Born to Be Stepped On) للمخرجة الجزائرية - الفرنسية ناريمان بابا عيسى والمخرج الفرنسي - البرتغالي لوكاس روكسو. يوصف هذا الفيلم بأنه (تصويري وصوتي يجمع بين الطابع الجمعي والشاعري ويقدّم تجربة حسيّة في الذاكرة الشعبية البرازيلية) أمّا الجائزة الكبرى للفيلم الوثائقي فقد فاز بها فيلم (عنّاب) Annab للمخرج الجزائري عبد الله قادة. يرصد الفيلم حياة الفلاحين بمدينة (عنابة)، شمال شرقي الجزائر وتشبثهم بالأرض رغم تهديد الإرهاب الذي سينتكس بعد مدة من الزمن.

أسند الجمهور جائزته إلى الفيلم الروائي الطويل (حَدّة) Hadda للمخرج الجزائري أحمد رياض الذي يتنقّل بين الإخراج والإنتاج والتمثيل. تعود بنا قصة هذا الفيلم إلى (حَدة) الممرضة التي أقامت في بيت مهجور وحوّلته إلى مكان لتطبيب الجرحى كما تعلِّم الفتيات على الإسعافات الأولية وتربط القرى بجبهات القتال إبّان حرب التحرير. كما مُنحت جائزة الابتكار التقني للفيلم الروائي الطويل (الساقية) La Saguia للمخرج الجزائري نوفل كلاش المعروف بتقنية التحريك ثلاثي الأبعاد. يدور هذا الفيلم حول مأساة الجزائريين خلال الثورة التحريرية في منطقة ساقية سيدي يوسف التي تقع على الحدود الجزائرية التونسية حيث تضرر كلا الطرفين جراء القصف الوحشي الفرنسي.

تُوِّج الفيلمان الطويلان (أحلام عابرة) Passing Dreams   للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي و (قرية قرب الجنة)  The Village Next to Paradise للمخرج الصومالي مو هاراوي بجائزة الابتكار التقني لأنهما يسلّطان الضوء على قوّة السرد السينمائي وتنوّع الرؤى التي حملتها أفلام هذه الدورة. يدور فيلم مشهراوي حول الطفل سامي الذي يقوم برحلة تمتد إلى يوم وليلة بحثًا عن حمامته في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية. بينما تتمحور قصة فيلم (قرية قرب الجنة) على رجل يسعى لتأمين حياة أفضل لعائلته فيضطر إلى نقل ابنه إلى مدرسة بعيدة عن قريته على أمل الحصول على شهادة تتناسب مع موهبة الطفل وذكائه الحاد في تلك المضارب. أمّا الجائزة الكبرى للفيلم الروائي الطويل فقد حظي بها فيلم (رُقْية) للمخرج الجزائري يانيس كوسيم المعروف بأسلوبه الذي يجمع بين الواقعية والتجريب. وفي فيلم (رُقْية) يعود أحمد إلى قريته عام 1993 إثرَ حادث سيارة  يُفقده الذاكرة فلا يتعرّف على أفراد أسرته. ثم يلجأ إلى راقٍ عجوز يفتح له الباب على رعب نفسي ورمزي مرتبط بالذاكرة والماضي الدموي للجزائر.2210 alglers

وما دمنا في إطار الجوائز والتكريمات فقد كرّم القائمون على المهرجان جمهورية كوبا بوصفها ضيف شرف المهرجان وتسّلم درع التكريم السفير الكوبي هيكتور إيغارزا كابريرا وأكدّ على أنّ المهرجان السينمائي الجزائري هو بمثابة (فضاء قوي لتعزيز التبادل والتقارب الثقافي بين الشعبين اللذين يجمعهما تاريخ مشترك عريق). كما شمل التكريم شخصيات أربع فنية وسينمائية  وهم المُخرج والمُنتج الفلسطيني حنّا عطا الله، والمترجمة إيلين مختفي، والمخرجة الألمانية مونيكا ماورر والسينارست والشاعر الجزائري توفيق فارس.

تألفت لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة من خمسة مخرجين ونقاد سينمائيين وهو المخرج الجزائري كريم طرايدية رئيسًا وعضوية المخرج الكوبي أوكتافيو فراغا غيرا والمخرج التشيكي بيتر فاتسلاف والمخرج الإيطالي روكو كالاندرييلو والسينمائية الموريتانية سعاد حسين. بينما تألفت لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية من المخرجة الألمانية مونيكا ماورر رئيسًا وعضوية الناقد السينمائي سليم البيك وعضوية المخرج الهندي بارثو سين- غوبتا. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الروائية القصيرة فتألفت من الناقدة السينمائية اللبنانية - الفرنسية هدي ابراهيم  والسينمائي السوداني طلال عفيفي والفنانة والكاتبة الجزائرية نورة حمدي. بينما تشكّلت اللجنة الرابعة والأخيرة وهي لجنة التحكيم التقنية من ثلاثة سينمائيين وهم المخرج والسينارست رشيد بن علّال رئيسًا وعضوية مدير التصوير حمودي العقون ومهندس الصوت كمال مكسر. وعلى الرغم من احترافية أعضاء اللجان الأربع إلّا أنّ غالبية الجوائز قد ذهبت صوب الأفلام الجزائرية التي حصلت على حصة الأسد بينما خرجت بعض الأفلام المهمة بلا جوائز مثل فيلم (قصة الخريف) للمخرج المصري كريم مكرّم، و (أناشيد آدم) للمخرج العراقي - الأمريكي عُدي رشيد.

***

الجزائر: عدنان حسين أحمد

تنطلق فعّاليات الدورة الثانية عشرة من (مهرجان الجزائر الدولي للفيلم) للمدة من 4 لغاية 10 ديسمبر/ كانون الأول / 2025 في تظاهرة سينمائية متميزة بذل فيها القائمون على المهرجان جهودًا كبيرة من أجل أن تكون السينما حلقة وصل ثقافية بين الشعوب، وفضاءً رحبًا يجمع المخرجين والمنتجين والفنانين ونقّاد السينما والصحفيين والجمهور أمام الشاشات الكبيرة على مدى أيام المهرجان الستة.

وبين فيلم الافتتاح (غطّاسو الصحراء) (نسخة مُرمّمة)1952 للمخرج طاهر حناّش وفيلم الاختتام (صوت هند رجب) 2025 للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة يعرض المهرجان 99 فيلمًا روائيًا ووثائقيًا وقصيرًا ليصبح العدد (101) فيلم تنقسم إلى قسمين رئيسيين حيث يُشارك 50 فيلمًا في المسابقات الرسمية الثلاث كالآتي: 16 فيلمًا روائيًا طويلًا و14 فيلمًا وثائقيًا و20 فيلمًا قصيرًا. أمّا القسم الثاني الذي يضمّ 49 فيلمًا خارج المسابقات الرسمية، ما عدا فيلميّ الافتتاح والاختتام، فتتوزع بالشكل الآتي: 6 أفلام كوبية بوصفها ضيف شرف المهرجان، و8 أفلام فلسطينية، و22 فيلمًا من بانوراما الجزائر و10 أفلام من بانوراما الجنوب العالمي و3 أفلام تمثل (سينما العلوم والمعرفة) وهي الفقرة الجديدة التي أضافها المهرجان في دورته الثانية عشرة. وسوف تُعرض هذه الأفلام (المئة وواحد) في خمس قاعات عرض وهي على التوالي: (قاعة ابن زيدون، قاعة بيتا -كوسموس، قاعة السينماتيك، قاعة المسرح البلدي الجزائر العاصمة، وقاعة الجزائرية).2175 algiers

مسابقة الأفلام الروائية

تتضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة 16 فيلمًا وصفها القائمون على المهرجان بـ (ستة عشر عالما، حيث يلتقي الحميمي بالتاريخ، في تشكيلة تعكس تنوّع الرؤى في الجنوب العالمي، من ضفاف المتوسط إلى أقاصي آسيا) وهي على التوالي: (رقيّة) للجزائري يانيس كوسيم، و(بين وبين) لمحمد لخضر تاتي، و(عشّاق الجزائر) لمحمد شارف الدين قطيطة، و(الساقية) لنوفل كلاش، و(ورقة 200 دينار)لـ لمين عمّار خوجة، و(بعد النهاية) للأرجنتيني بابلو سزار، و(القرية بجوار الجنة) لمو هاراوي، و(ود) للتونسي الحبيب مستيري، و(أناشيد آدم) للأمريكي من أصول عراقية عُدي رشيد، و(أبولون نهارًا، أثينا ليلًا) للتركي أمين يلدريم، و(حيث يوجد الحب، لا يوجد ظلام) للفرنسي ستيفان لي مرافوفيتش، و(الرجل الذهبي) للكازاخستاني توردبيبك مايدان، و(أحلام عابرة) للفسطيني رشيد مشهراوي، و(قصة السقوط/قصة الخريف) للمصري كريم مكرم، و(الحرير الأحمر) للمخرج الروسي أندريه فولغين، و(حدة ) للجزائري أحمد رياض. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة فتتألف من المخرج الهولندي من أصول جزائرية كريم طرايدية رئيسًا وعضوية الكوبي أوكتافيو فراغا غيرا، والتشيكي بيتر فاتسلاف، والإيطالي روكو كالاندرييلو والناقدة الفنية الجيبوتية سعاد حسين.2176 algiers

مسابقة الأفلام الوثائقية

أما مسابقة الأفلام الوثائقية فتشتمل على 15 فيلمًا وهي على التوالي: (أكناو) للجزائرية حورية حمادوش و(عنّاب) للجزائري عبدالله قادة، و(مَنْ سيطرق باب منزلي) لمايا نوفاكوفيتش من البوسنة والهرسك، و(العودة إلى المدينة) للجزائري لجمال لكحل، و(يوميات لبنان) للبنانية مريم الحاج، و(هايبو المغنية المتمردة) لآنا كلارا أهرين، وابراهيم ب. علي، ومحمد سالم ورّاد، وألكس فيتش، و(خدمة الموت) للجزائري الخير زيداني، و(سودان تُذكِّرنا) للتونسية هند مدب، و(أغنية السامي من أجل البقاء) للأمريكي يارا لي، و(مع حسّان في غزّة) للفلسطيني كمال الجعفري، و(السيد والخادم) للإيطالي روبرتو كارو، و(لا يولد أي إنسان ليداس) للبرازيلية ناريمان بابا عيسى ولوكاس روكسو، و(نانكوازو) خورخي فونتيس للكوبي خورخي فونتيس، و(رفعتُ عيني للسماء) للمصريين ندى رياض وأيمن الأمير. أمّا لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية فتتألف من المخرجة الإيطالية مونيكا ماورر، والفلسطيني سليم ألبيك، والهندي بارثا سين غوبتا. وفيما يتعلق بمسابقة الأفلام القصيرة فإن العدد قد بلغ 20 فيلمًا نذكر منها (على قيد الحياة) لمحمد مصباح و(الوشاح الأسود) لعلي رضا شاه حسيني، و(عساسات الليل) لنينا خدة، و(سرّ جدتي) لنورهان عبد السلام، و(الفهود السود في الجزائر) لمحمد أمين بن لولو، و(عالحافة) لسحر العشي، و(الخسارة) لروول مونخي، و(مشية الغراب) لخالد بن طبال، و(المجهول) لأحمد زيتوني، و(سيكا) لعيسى تياندرابيوقو. أمّا لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة فتتألف من هدى ابراهيم رئيسًا، وهي ناقدة سينمائية لبنانية مقيمة في باريس وعضوية طلال عفيفي منتج سوداني ونورة حمدي وهي فنانة وكاتبة جزائرية مقيمة في باريس أيضًا.

***

الجزائر / عدنان حسين أحمد

من بغداد إلى مراكش..

في حفل مهيب وبحضور عدد من الأساتذة والباحثين المشاركين في المؤتمر الدولي حول "التكنولوجيا الرقمية: صون الهويّة والثقافة الوطنية"، ووسط تفاعل وحماسة طلابية، كرّمت جامعة القاضي عيّاض خمسة مبدعين بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة (مراكش – المغرب) بالتعاون والمشاركة مع مؤسسة كش بريس الإعلامية، لدورهم المتميّز في إغناء الحركة الفكرية والثقافية على الصعيدين العربي والعالمي، ولمساهمتهم في الدفاع عن قيم الحريّة والسلام والعدالة.

والمكرّمون الخمسة هم:

1-  المفكّر والأكاديمي العراقي د. عبد الحسين شعبان.

2-  المفكّر والإعلامي السوري د. صبحي حديدي.

3-  المحامي البريطاني من أصول أفغانية د. مالك منصور.

4-  رئيس المجلس الأعلى للغة العربية بأفريقيا د. حسب الله مهدي فضلة من تشاد.

5-  المحامي والأكاديمي المغربي د. محمد حركات.2164 ghalman

الجدير بالذكر أن المؤتمر الذي انعقد في الجامعة ما بين 21 – 23 نوفمبر / تشرين الثاني 2025، وشارك فيه نخبة من الخبراء والأكاديميين من المغرب وتركيا ومصر وموريتانيا وتونس وتشاد وسوريا والعراق، ونظمت على هامشه حلقات نقاشية وندوات وورش عمل وتوقيع كتب، التأم بافتتاح د. مصطفى غلمان رئيس مؤسسة كش بريس الإعلامية ومدير مركز عناية بالمغرب ود. محمد الغالي عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، تناول عددًا من المواضيع بخصوص مفهوم الحكامة الرقمية والطغيان الرقمي والقانون والذكاء الاصطناعي والتعليم والهويّة الثقافية والرقمية والإعلام والمحاماة والعدالة والتراث والخطاب الرقمي والفن والذكاء الاصطناعي وصراع المعنى في العصر الرقمي والدين والهويّة في زمن التحوّل الرقمي.

وفي سؤال وجّهناه إلى المفكّر والأكاديمي العربي د. عبد الحسين شعبان، قال بخصوص فاعليات المؤتمر: إنه لأمر مهم أن تبحث الدول العربية ودول الجنوب وعموم البلدان النامية في مخاطر استخدامات الذكاء الاصطناعي من جانب القوى المتنفّذة في العلاقات الدولية، لاسيّما تلك التي تملك مقدّرات الذكاء الاصطناعي، الذي يُعدّ ثورة حقيقية فاقت كلّ ما سبقها وكل ما سيأتي بعدها إنما هو من نتاجاتها واكتشافاتها، خصوصًا ونحن على عتبة الطور الخامس للثورة الصناعية.

وأشار شعبان إلى أن العالم خلال القرون الخمسة ونيّف المنصرمة شهد اكتشافات كبيرة ساهمت في تطوير البشرية، ولعلّ أهمها اكتشاف الطباعة والمحرّك البخاري والكهرباء والبنسلين والحمض النووي، إلّا أن الذكاء الاصطناعي هو التتويج الحقيقي لكلّ ما أنجبته البشرية، ففي ضربة زر واحدة يمكن الوصول بلحظات إلى أكثر من ثلاث مليارات إنسان، أي نحو نصف البشرية.

وفي سؤال آخر حول حيثيات الذكاء الاصطناعي قال شعبان وهو العراقي، إن فضله يعود إلى الخوارزمي الذي عاش في بغداد قبل ما يزيد عن ألف عام، وهو عالم الرياضيات ومكتشف اللوغاريتميات، إضافة إلى كونه عالم فلك وجغرافيا، ولكن الاستخدام الحديث للذكاء الاصطناعي، وعلى أساس نظرية الخوارزمي كان في بريطانيا حين تمّ فك رموز شيفرة الجيش الألماني النازي خلال الحرب العالمية الثانية على يد العالم ألين تورينغ في العام 1943، وقد تطوّر هذا الاكتشاف ليصبح بعد الكومبيوتر والحواسيب والطفرة الرقمية "الديجيتال" وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام واتّساع وسائل التواصل الاجتماعي ليصبح ثورة كبرى صبّت فيها جميع روافد الثورات العلمية السابقة عبر تقنيات فائقة السرعة متجاوزة القدرات البشرية.

وإذا كانت ثمة مخاوف كما يقول العالم العراقي من استخدامات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية فيما يتعلّق بالحروب وتطوير الأسلحة بما فيها المحرمة دوليًا، وكذلك في الجرائم ونشر الكراهية والتعصّب ووليده التطرف بما يؤدي إلى العنف والإرهاب، فضلًا عن التلاعب بمقدرات الأمن الوطني وخصوصيات الناس وتزويرها وتشويهها بما يسبب الفوضى ويُضعف الهويّة لحساب القوى الدولية المتنفذة، أقول فإن فوائده كثيرة إذا ما جرى وضع ضوابط قانونية وأخلاقية له، على الصعيدين الداخلي والدولي، وتتجلّى هذه الفوائد العظمى في مجالات الصحة، لاسيّما في تشخيص الأمراض واكتشاف علاجات ناجعة قبل استفحالها، إضافة إلى الإنذارات المبكّرة بخصوص تغيّرات المناخ، ناهيك عن مجالات التعليم والصناعة والزراعة والتواصل بين البشر وتحسين حياتهم.

لذلك يدعو شعبان إلى إعداد مدوّنات وطنية ودولية، وإقامة تحالفات بين المستضعفين كي لا يُستغلوا من جانب المتصارعين الكبار، لاسيّما على المستوى الدولي، علمًا بأن الصراع المحموم والماراثوني بين الولايات المتحدة والصين بدأ، ولا يعرف إلّا الله أين سينتهي.

ويواصل شعبان قوله: من يمتلك مفاتيح الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم، مثلما قيل في الحرب العالمية الأولى من يضع يده على النفط سيسيطر على العالم، وهو قول صحيح، لأن هذا الأخير سيكون عاملًا حاسمًا في الحرب، ويشكل مادة أساسية لوقود المركبات وبنزين الطائرات والغواصات، ويُعتبر الصراع في القرن العشرين كلّه، إنما هو صراع حول النفط ومصادر الطاقة من الإنتاج إلى الأسواق والاسعار وطُرق المواصلات وغير ذلك. وبالطبع سيكون الذكاء الاصطناعي هو المفتاح السحري في الهيمنة على العالم، حيث ستتحكّم الآلات والروبوتات بالعالم إن لم يجرِ وضع تقنينات لها، خصوصًا حين يتمّ تلقيمها بالمعلومات، إذْ عند حدوث أية أخطاء فيمكن أن تؤدي إلى فناء البشرية أو تدمير قسمها الأكبر وترك العالم في خراب كامل خلال فترة قصيرة، لهذه الأسباب فهو يدعو إلى إحداث توافق دولي وتفاهم أممي يكون فيه لدول الجنوب صوتًا لا ينبغي تجاهله.

وقد اختتم شعبان محاضرته التي ألقاها في المؤتمر بالتحذير من الاستهانة بهذا التطوّر العاصف، والذي يفوق حدود التصوّر البشري، حيث ستتحكّم بنا وتسيطر على عقولنا وتتزوج نسائنا أو تتزوج رجالنا، كما تقول ناشطات نسويات، إن لم يتم أنسنة الذكاء الاصطناعي، بحيث يحترم حق الحياة والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والحيلولة دون توظيفه بالضدّ من ذلك، وإلّا فإن الكارثة ستحصد كلّ شيء في طريقها ويكون الذكاء الاصطناعي عامل هدم بدلًا من كونه عامل بناء وتنمية وعمران وتقدم وخير وعدل.

وأكّد شعبان إلى أن المؤتمر اتّخذ طائفة من القرارات والتوصيات فيما يتعلّق بوضع ميثاق وطني لحماية الهويّة الثقافية رقميًا، خصوصًا حماية اللغات الوطنية والذاكرة المشتركة والرموز المتميّزة، الأمر الذي يقتضي إدماج التربية والتعليم والجامعات في عملية التفكير النقدي والمعرفة النقدية القادرة على مواكبة التحولات الرقمية، وإصلاح الإعلام وإدماجه بالذكاء الاصطناعي كأداة للتدقيق والتحليل والتربية على المواطنة، وكلّ ما من شأنه إحداث وعي جديد وتكوين ثقافة تكنولوجية متينة وعقلانية وهدفها خدمة الإنسان.

***

قلعة السراغنة/ خاص

اختُتمت بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، يوم السبت 22 نونبر 2025، أشغال المؤتمر الدولي الأول حول "التكنولوجيا الرقمية.. صون الهوية والثقافة الوطنية"، الذي نظم بشراكة بين الكلية ومؤسسة "كش بريس" الإعلامية، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء المهتمين بقضايا الرقمنة والتحولات الثقافية.

وعرف المؤتمر، الذي امتد ثلاثة أيام، نقاشاً واسعاً حول أثر التكنولوجيا الحديثة على الهوية الوطنية، في سياق عالمي تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتزايد فيه المخاطر المرتبطة بإعادة تشكيل الوعي الجماعي، وتغيير أنماط إنتاج الثقافة وتداولها. واعتبر المشاركون أن تحديات العصر الرقمي لم تعد تقنية فحسب، بل تشمل أسئلة جوهرية تتعلق باللغة والذاكرة والانتماء، بما يجعل حماية الهوية ضرورة استراتيجية لضمان استمرار السردية الوطنية وسط عالم يعيد إنتاج الثقافة وفق شروطه الخاصة.2161 ghalman

وصدر في ختام المؤتمر بيان تضمن حزمة من التوصيات العملية، همّت ثمانية محاور رئيسية:

في محور الهوية الوطنية، دعا المشاركون إلى إعداد ميثاق وطني للهوية الرقمية، وإطلاق برنامج للأمن الثقافي الرقمي يرصد التهديدات، إضافة إلى دعم الإنتاج الثقافي الرقمي المحلي.

وفي مجال التعليم والجامعة، أوصى البيان بإعادة تصور وظيفة المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي، وإحداث تخصصات جامعية في فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير مناهج تراعي المهارات الرقمية والخصوصية الثقافية.

أما على مستوى التشريع والحقوق الرقمية، فقد طالب المؤتمرون بتحيين الإطار القانوني المرتبط بالذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية، واعتماد مدونة للأخلاقيات الرقمية توازن بين حرية التعبير ومحاربة الانتهاكات الرقمية.

وفي الجانب المعرفي والفكري، دعت التوصيات إلى تشجيع الأبحاث الفلسفية والسوسيولوجية حول أثر التكنولوجيا على الإنسان، وإحداث مرصد وطني لتحولات القيم الاجتماعية في الفضاء الرقمي.

وشملت التوصيات أيضاً محور اللغة والتراث، حيث تمت الدعوة إلى رقمنة التراث الوطني وتعزيز حضور اللغتين العربية والأمازيغية في الفضاء الرقمي ودعم الذكاء الاصطناعي المحلي.

وفي مجال الإعلام والمجتمع، شدد البيان على ضرورة إصلاح المنظومة الإعلامية بإدماج أدوات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز التربية على المواطنة الرقمية، وحماية الفضاء العمومي من التضليل والخطابات المتطرفة.

كما أوصى المؤتمر بتقوية السيادة الرقمية عبر تطوير أدوات وطنية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، واعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، وتشجيع الابتكار الرقمي المحلي.

أما في ما يخص العدالة الرقمية، فتم التأكيد على ضرورة تقليص الفجوة الرقمية بين الجهات، وتمكين النساء والشباب من فرص البحث والابتكار، وتعزيز خدمات الدولة الرقمية لترسيخ ثقة المواطنين في المؤسسات.

واعتبر البيان الختامي أن هذه التوصيات تشكل "أجندة وطنية أولية" لمواجهة تحديات العصر الرقمي وصون الهوية المغربية في زمن الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى استمرار العمل الأكاديمي والمؤسساتي من أجل تطوير هذه الرؤية وتعزيزها في الدورات المقبلة.

وختم المنظمون بالإعلان عن تطلعهم إلى تنظيم نسخة ثانية من المؤتمر بآفاق بحثية أوسع وأسئلة أكثر جرأة، وبما يعزز حضور المغرب كفاعل في إنتاج المعرفة الرقمية لا كمستهلك لها.

***

قلعة السراغنة/ خاص

المجلس الفكري الـ12 بمراكش

 خــــــاص: التأم أمس بمراكش، المجلس الفكري ال12 الذي يحتفي فيه حماة اللغة العربية للائتلاف الوطني من أجل لغة الضاد والمؤسسة الإعلامية المغربية كش بريس، بالمشاريع الثقافية الرائدة، منفتحة على التجارب والنصوص المتاخمة للعمق والتغيير وقنص المعنى.

النسخة الجديدة من المجلس استضافت الروائي والسيميائي المغربي جمال بندحمان، من أجل تسليط أضواء ثرى حول مثنيه السرديين: "محنة ابن اللسان" و"يوبا أعراب"، حيث شارك اللقاء كل من المترجم والناقد محمد ايت لعميم، والباحث والإعلامي مصطفى غلمان، والأكاديمي والناقد عبد العزيز لحويدق، والباحث والكاتب عبد الحكيم الزاوي.

في مستهل المجلس الفكري الثاني عشر لتنسيقية الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بمراكش، أشرقت الجلسة الافتتاحية بكلمةٍ دافئة ألقتها الشاعرة والباحثة فوزية رفيق، لتضع الحضور في عمق الرؤية الفكرية التي تؤطر هذا اللقاء الثقافي الرفيع.

انطلقت رفيق من الوعي العميق بأدوار الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، باعتباره مشروعًا رساليًا ينهض بمهمة صون اللغة والهوية ونشر المعرفة العربية، وبناء جسورٍ حقيقية بين المجتمع والنخب الفكرية. ورأت أن مثل هذه المجالس الفكرية ليست مجرد تظاهراتٍ ثقافية، بل هي أفعال مقاومة رمزية ضد النسيان وضدّ التفاهة، لأنها تُعيد للغة ألقها، وللثقافة المغربية عمقها الإنساني والحضاري.

وأكدت الشاعرة أن مشروع حماة اللغة العربية لم يعد حلماً مؤجلاً أو شعاراً عاطفياً، بل تحول إلى رؤية ممتدة في الوعي الجمعي، تسعى إلى ملامسة جذور الهوية داخل المجتمع المغربي، وتغرس في الأجيال القادمة حبّ الكلمة وإيمانها بالمعنى. فهذه اللقاءات، تقول رفيق، ليست ترفاً فكرياً، بل رسالة مستمرة لإحياء روح الانتماء وتوطين المعرفة، حيث تتحول اللغة إلى أفق للكرامة وفضاء للفعل الثقافي الحر.

وفي لحظة شديدة التأمل، وقفت الشاعرة عند دور المثقف ومسؤوليته التاريخية في مواجهة الإكراهات الراهنة، معتبرة أن الصبر على المعيقات المادية والظروف الموضوعية هو جزء من جوهر الفعل الثقافي الصادق، وأن المثقف لا يُقاس بما يملك من أدوات، بل بما يحمله من قيمة ورسالة وإيمان بالإنسان. كما ذكّرت بأن المنح الربانية لا تأتي إلا لمن آمن بالعطاء والإيثار والمثابرة، لأن الثقافة ـ في جوهرها ـ حركة أخلاقية قبل أن تكون إنتاجًا معرفيًا.

بهذا الحضور الشاعري المتوهّج، افتتحت فوزية رفيق المجلس بلحظةٍ من النور والوعي والوفاء للغة العربية، لتمنح النقاش اللاحق عمقه الروحي والمعرفي، قبل أن يتوالى على المنبر عدد من النقاد والمفكرين لتناول تجربة الدكتور جمال بندحمان في روايتيه «محنة ابن اللسان» و "يوبا أعراب" ، في لقاءٍ احتفى بالمعنى، واحتفى بقدرة الفكر المغربي على إعادة صياغة العالم من داخل اللغة والرمز.2119 gnam

في حكمة العلامة ومكر المعنى، المشروع النقدي لجمال بندحمان

في البداية، جاءت مداخلة الإعلامي والباحث مصطفى غلمان، سابرة لاستكشاف كنه المشروع الفكري والنقدي للدكتور جمال بندحمان بوصفه أحد أبرز الوجوه التي أسهمت في ترسيخ الدرس السيميائي المغربي وإغنائه بأفقٍ فلسفي وتأويلي مغاير. فبندحمان، حسب غلمان، لا يتعامل مع السيميائيات كأداة لتحليل النصوص فحسب، بل كـ تفكير في شروط المعنى ومصائره داخل الوعي والثقافة.

وأضاف المتدخل، أنه من خلال أعماله المرجعية "الأنساق الذهنية في الخطاب الشعري وسيمياء الحكي المركب وصولًا إلى السيميائيات وآليات تشييد المعنى، بلورة رؤية تجعل من العلامة كائنًا معرفيًا يتقاطع فيه الفكر واللغة والوجود. فالمعنى عنده لا يُقرأ، بل يُبنى عبر فعل التأويل والإنصات.

وأكد على أن مشروع بندحمان النقدي يتسع في اتجاه الرواية، حيث تتحول أعماله السردية (محنة ابن اللسان ويوبا أعراب) إلى مختبر فكري يعيد من خلاله مساءلة العلاقة بين اللغة والهوية، بين الحكي والذاكرة، بين الكائن والعالم. فالرواية هنا ليست محض تخييل، بل تجربة فلسفية في مقاومة النسيان والعدمية.

وشدد على أن خصوصية مشروع بندحمان تكمن في نقله السيميائيات من التحليل الأدبي إلى التأمل الوجودي، ومن النظر في النص إلى التفكير في الإنسان ذاته. مبرزا أن العلامة في تصوره ليست رمزًا لغويًا جامدًا، بل حدثًا أنطولوجيًا يختزن صراع الكائن مع الغياب والمعنى.

وقال غلمان، إنه "في عالم تتآكله التفاهة وتُغمر فيه اللغة بالاستهلاك، يقدم بندحمان نموذجًا لما يمكن تسميته بـ النقد كحكمة للقراءة، حيث يصبح الفكر رحلة للبحث عن الإنسان الممكن، والمعنى فعل مقاومة ضد الصمت والفراغ. وهكذا يتجلى مشروعه كأحد أنضج التعبيرات عن الوعي المغربي المعاصر وهو يؤسس لثقافة تُصغي للعلامة وتحتفي بالمعنى في زمن العدم".

يوبا أعراب… حين تصنع الجغرافيا وعي الأمة

وتحت عنوان "حين تنتصر الجغرافيا على التاريخ – الشعب يبتلع القبيلة في رواية "يوبا أعراب" أبدع الأكاديمي والمترجم محمد أيت لعميم، قراءة فاحصة مستنيرة لرواية "يوبا أعراب"، يقترح منظورًا حادًّا ومغايرًا للعلاقة بين الجغرافيا والتاريخ، حيث تتحول المجاليات الطبيعية والرمزية إلى فاعل سردي يتجاوز دور الإطار أو الخلفية، ليصبح هو المحرّك الخفي لتكوّن الهوية ومصير الجماعة. فالجغرافيا، في هذا العمل، وفق منظور ايت لعميم، ليست معطى ساكنًا، بل قوة مولّدة للمعنى والتاريخ معًا، تُعيد ترتيب العلاقات بين الذاكرة والانتماء، وتضع القبيلة أمام امتحان الاندماج في وعيٍ شعبيٍّ جديد يتجاوز الانغلاق والحدود.

يرى أيت لعميم أن الرواية تنبني على جدلية الأرض والذاكرة، حيث تذوب القبيلة بوصفها بنية مغلقة في نهر الشعب الذي يتحرّك بوعي جمعي نحو مستقبل مفتوح، فيغدو المكان بوعيه الجغرافي والرمزي، بطلًا يتفوّق على سطوة التاريخ نفسه. وهنا ينتصر الفعل الجماعي على الحكاية الفردية، ويغدو الانتماء الجغرافي فعلًا تحرّريًا يخلخل ثوابت السلطة والهوية والدم، ليعيد بناء المعنى على أساس المشاركة لا الوراثة.

من هذا المنظور، تقرأ "يوبا أعراب" كـ رواية تحوّل وعبور، لا تروي فقط سقوط القبيلة، بل ولادة وعي جديد بالأرض والإنسان، وعيٍ يجعل من الجغرافيا مساحة للتعايش والتجدد، لا سجنًا للانتماء. فالمكان هنا ليس مجرد مسرح للأحداث، بل كائن دلالي نابض يحتضن التحول ويعيد تشكيل البنية الاجتماعية والرمزية في آن.

وهكذا، كما يشير أيت لعميم، ينتصر النص لما هو جماعي وشعبي ضدّ ما هو مغلق ووراثي؛ إنه انتصار الجغرافيا على التاريخ، حيث تتبدّد الحدود بين القبيلة والوطن، ويصبح الشعب هو الامتداد الطبيعي للذاكرة، والمكان هو اللغة التي تكتب بها الذات المغربية حكايتها الكبرى.

محنة ابن اللسان.. مختبر الحداثة السردية المغربية

أما ورقة الباحث والكاتب عبد الحكيم الزاوي، والمعنونة ب" الرواية المغربية وحداثة الأشكال السردية – رواية "محنة ابن اللسان" نموذجًا، فقد قدمت تأملًا عميقًا في تحولات السرد المغربي الحديث، بوصفها تجسيدًا لمرحلة جديدة من الوعي الجمالي والفكري في الكتابة الروائية. فالرواية، في منظور الزاوي، لا تُقْرأ بوصفها حكاية فحسب، بل كـ بنية فكرية وجمالية مركبة تعيد صياغة علاقة الأدب بالواقع، والذات باللغة، والمعنى بالتاريخ.

يرى الزاوي أن «محنة ابن اللسان» تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ حداثة الأشكال السردية المغربية، تلك التي تجاوزت الخطية الكلاسيكية نحو بناءٍ متعدد الطبقات، تتقاطع فيه الأزمنة، والأصوات، والمرجعيات الثقافية. فالرواية لا تقدّم زمنًا سرديًا متصلًا، بل زمنًا مجروحًا ومتشظيًا، يعكس قلق الذات أمام تحولات المجتمع، وصراعها مع فقدان اللغة كأداة للفهم والهوية.

ويوضح الزاوي أن الرواية تتحول إلى مختبر للوعي المغربي المعاصر، إذ تستثمر تعدد الأصوات لا كمجرد تقنية سردية، بل كاختيار فكري يؤمن بأن الحقيقة لا تُقال بصوت واحد. فكل شخصية في الرواية تمثل شظية من الذات الكبرى، وكل صوت يعبّر عن توتر بين الفرد والجماعة، بين الرغبة في القول واستحالة القول في زمن ينهار فيه المعنى.

كما يشير إلى أن «محنة ابن اللسان» تؤكد قدرة السرد المغربي على ابتكار لغته الخاصة في مقاربة الواقع، لغة تتقاطع فيها الفلسفة والشعر والسياسة، لتصوغ نصًا مفتوحًا على التأويل، ويمزج بين الجمالية والوظيفة المعرفية للنص الأدبي. فهي رواية تكتب الوجود من داخل اللغة، وتحوّل "المحنة" إلى سؤال عن الكينونة، عن علاقة الكاتب بلغته، وعن مصير الإنسان حين يفقد لسانه الذي يترجم العالم.

هكذا، في منظور ذات المتحدث، "لا تمثّل الرواية مجرّد تجديد شكلي، بل تحوّلًا أنطولوجيًا في وعي الكتابة ذاتها؛ إنها لحظة انعتاق السرد المغربي من التبعية للأنماط الغربية، نحو تأسيس تجربة سردية محلية تنبثق من رحم الثقافة المغربية، لكنها تنفتح على أفق كوني، حيث يصبح الأدب فعل تفكيرٍ في العالم ومرآة لتمزّق الإنسان الحديث بين المعنى والعدم".

التمثيل الجمالي في يوبا أعراب: من الصورة إلى الرؤية

المداخلة الأخيرة، صاغها قلم الأكاديمي والباحث عبد العزيز لحويدق، فقرأها عنه بالنيابة الباحث هشام لماني، في موضوع: رواية "يوبا أعراب: جمالية الصورة المركبة"، حيث يقدّم جمال بندحمان عملاً سرديًا يزاوج بين الفكر والجمال، ويجعل من الحكاية وسيلة للتأمل في سؤال الهوية والانتماء. الرواية تبني عالمها من فسيفساء لغوية وثقافية وتاريخية، حيث تتقاطع الأزمنة والأصوات، ويتحوّل التخييل إلى مختبر فلسفي للبحث عن المعنى، بحسب قول لحويدق.

وأضاف أن العنوان نفسه “يوبا أعراب” يختزل الأطروحة: لا نقاء في الهوية، بل تفاعل خلاق بين الأمازيغي والعربي، بين الذات والآخر. وتقدّم الرواية عبر دروس الماء والرمل والزربية والجسد رؤية تؤمن بأن الجمال في التعدد، والوحدة في التنوع.

وجماليا يؤكد الباحث المتحدث، تتخذ الرواية من الرحلة بنية سردية تعكس التحول والانفتاح، وتناهض الهويات المغلقة والخطابات الأحادية. فهي نصّ يتخطى المرجع ليؤكد أن الحقيقة متحركة، والهوية سيرورة لا تنتهي، وأن الانتماء إلى الجغرافيا والإنسان أعمق من أي أصل واحد أو نسب صافٍ.

من النقد إلى البوح: لحظة بندحمان الختامية

وفي أجواء استثنائية غمرتها الثقافة والفن، ارتفق المجلس فعالياته على وقع موسيقى أبدعتها الفنانة نزهة الجعايدي، التي أسرت الحضور بنغماتها التي تشبع الروح وتوقظ حواس المعنى، لتصبح الموسيقى جسرًا بين الفكر والوجدان، وبين النص الأدبي واللحظة الحية.

وفي ختام الملتقى، أطلّ المحتفى به الدكتور جمال بندحمان على المنصة بكلمة ختم بها اللقاء، حملت مزيجًا من البوح الصادق والرؤية النقدية العميقة. تحدث عن تجربته الأكاديمية والنقدية، مسلّطًا الضوء على منهجيته في السيميائيات، وعلاقته بالسرد والكتابة الروائية، مؤكّدًا أن الرواية بالنسبة إليه ليست فرعًا عن النقد، بل امتداد له في فضاء جمالي يسمح باختبار اللغة والمعنى داخل سياق التجربة الإنسانية.

وأشار بندحمان إلى أن أعماله الروائية، من قبيل "محنة ابن اللسان"يوبا أعراب"، ليست مجرد نصوص تخييلية، بل فضاءات تأملية تتجاوز حدود الحكي لتصبح أدوات لفهم الذات والهوية واللغة في تفاعلها مع المجتمع والتاريخ. كما أكد أن النقد السيميائي لديه يتعدى التحليل النصي، ليكون وعيًا بالإنسان من خلال علاماته، ومقاومة للنسيان وللفوضى الدلالية.

واختتم كلمته بدعوة إلى تمكين الفكر المغربي من استعادة حضوره، وإلى اعتبار الكتابة والممارسة النقدية مسؤولية ثقافية وأخلاقية، تؤكد على دور المثقف في بناء الوعي المجتمعي، والحفاظ على الذاكرة الجمعية، وإعادة بناء الأمل بالمعنى. وقد تفاعل الحضور مع كلمته بحفاوة، مدركين أن المجلس لم يكن مجرد لقاء أكاديمي، بل احتفاء بالمعنى والحوار الثقافي، وتجسيدًا حيًا لتلاقي الفكر والفن.

***

 

شهدت بغداد في الليالي السابقة 10-16/10/2025 حدثًا سنويًا يتلقى فيه المسرحيون العرب من بقاع مختلفة، فضلاً عن الحضور العالمي، لعديد من الفرق المسرحية المشاركة في المهرجان، ولا يزال المسرحيون العراقيون والعرب يترنّون أبصارهم بمحبة للمراحل التي يشهدها المهرجان في كل عام، والأمل بتطور ملحوظ عبر دورات أكثر احترافية تليق بالعراق ومسرحه، فضلاً عن الأصوات الحقيقية التي تسعى مخلصة لتعضيد كل فعل ثقافي يعزز من تفعيل الحركة الثقافية والمسرحية في البلد. وما يدفع إلى غض الطرف عن كثير من الإخفاقات التي تحدث مع كل دورة هو المبدأ القائل: "أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام".

ولكن هذا يتساوق فعلاً مع الدورات الأولى للمهرجان والفترة الزمنية المتوترة سياسيًا واقتصاديًا التي كان يشهدها البلد آنذاك، على أن يتم تجاوزها في الدورات اللاحقة. ومع تجاوز العتبات الأولى من التأسيس والتطور الملحوظ في الوضع السياسي والاقتصادي للبلد، لتكن ثمة مواجهة حقيقية لترصين المهرجان عبر تشخيص مواطن القوة بعيدًا عن المدافعين بحماس عن المهرجان وإدارته بـ"أضراس الملكيين أكثر من الملك"، ومواطن الخلل بعيدًا عن المتربصين والمأزومين من الإدارة وفريقها.

ما يميز هذه الدورة أنها تحمل اسم الفنان الدكتور ميمون الخالدي، وهي بادرة طيبة على عكس ما اعتدنا عليه من أن تسمى الدورات بأسماء الرواد الراحلين. والفنان الدكتور الخالدي من الشخصيات التي لها حضور فاعل ومؤثر في الحركة المسرحية العراقية والعربية، وهو اختيار صائب.2063 masrah

على صعيد التسويق والترويج للمهرجان، جاءت هذه الدورة بنتائج طيبة عبر مشاركة المهرجان في منصات عديدة محلية وعربية، فضلاً عن التنسيق مع الدائرة الإعلامية في الهيئة العربية للمسرح عبر بث جميع فعاليات المهرجان بالبث المباشر عبر منصاتها، وهذا أمر محمود يوسع من رقعة المتابعين لفعاليات المهرجان في مناطق جغرافية متعددة.

كما تجلّت التماعات جمالية لافتة للمسرح الشرقي في مهرجان بغداد الدولي في دورته السادسة، من خلال عروضٍ نوعية أعادت سمت (المسرح في الشرق) بوصفه مصدراً أصيلاً للجمال والمعنى المسرحي بعيدًا عن سطوة النموذج الغربي. وقد مثّل العرض الإيراني "جسيمات الفوضى" أحد أبرز هذه التجارب، إذ قدّم رؤية جمالية مغايرة اتكأت على تعدد فضاءات العرض والأسطح المرنة، حيث تشكلت داخل الخشبة خشباتٌ فرعية متداخلة أتاحت مستويات متعددة للتمثيل، في حين انطلقت فكرة العرض من بيئة تراثية محلية لإحدى المدن الإيرانية التي لها امتدادات تاريخية، رسّخت أصالته وانتماءه الثقافي. ورغم اختلاف اللغة، إلا أنّ الصور البصرية عالية الدقة والإيحاء كانت كفيلة بنقل المعنى والتجربة إلى المتلقي دون وسيط لغوي.

أما العرض الهندي "رقصة النسيج"، فقد كان بدوره انعكاسًا حقيقيًا لهوية المسرح الهندي، إذ اعتمد لغة درامية بصرية مكثفة أغنت المتفرج عن النص اللغوي المباشر، وقدّمت نموذجًا متفردًا في تلاحم الحركة والإيقاع والرمز، وقدم تصورًا بانوراميًا لافتًا عن النموذج المسرحي في الهند.

إنّ مثل هذه العروض تُبرز بجلاء ملامح (المسرح في الشرق) بوصفه ظاهرة جمالية وفكرية قلّما نجد لها حضورًا في المهرجانات العربية، التي لا تزال تخضع في الغالب لهيمنة النموذج الغربي. وقد أشار الناقد عبد الرحمن بن زيدون إلى تكريس النموذج الغربي وتأثيره الكبير في المسرح العربي، بقوله: "لقد سيطرت عليهم فكرة رئيسة واحدة، وهي أن الفن الذي ينقلونه إلى بلادهم العربية هو النموذج المسرحي الوحيد الذي عرفته البشرية". وهي رؤية اختزالية حدّت من انفتاح المسرح العربي على نماذج الشرق الغنية. ولعلّ مهرجان بغداد الدولي، في دورته السادسة، استطاع أن يكسر هذا القيد من خلال انتقائه لعدد من العروض الشرقية عميقة الجذور في تقاليدها وأعرافها وميثولوجياتها، ومشبعة بعناصر الأداء الراقص والأزياء المحلية، لتعيد التأكيد على أنّ المسرح في الشرق قادر على أن يقدم أفقًا جمالياً مغايرًا يُثري المشهد المسرحي العربي ويعيد وصل الجمال بالهوية.

  ومن جانب آخر، لا تزال ثمة مناطق هشة لم تقترب من الاحتراف رغم توفر المقومات اللازمة لصلابتها، ابتداءً من الاختلاط المستمر لرئيس المهرجان في جميع المهرجانات العربية والإقليمية، إلا أنها لم تكن جلية في مهرجان بغداد المسرحي في دورته السادسة. وتجنبًا للحديث عن تكرار الضيوف في كل دورة، فهذه قضية زئبقية، وللمهرجان وإدارته فلسفة خاصة بهم ولهم الحق فيما يرون. كما لا افضل الحديث هنا عن الحضور الفعلي للشباب في حلقات المهرجان وجلساته حتى لا تفسر بتفسيرات شخصية، ولكن يمكن أن نتساءل: ما هي الغاية من دعوة مئات الضيوف دون أي مهام تُذكر؟ ان ورد هذا السؤال هنا، فهو لا يقلل من أهمية الضيوف وأسمائهم، كلهم محترمون ومؤثرون وفاعلون، ولكن ما الغاية من دعوة ثلثي ضيوف المهرجان دون أي مهمة؟ ألم يثقل ذلك من كاهل المهرجان؟ كون المهرجان ملزم بتوفير سمات الدخول و الطيران والإقامة والإعاشة والنقل الداخلي.

هل عجزت إدارة المهرجان حقًا عن إيجاد محاور معرفية أو فكرية يمكن من خلالها استثمار هذا الحضور العراقي والعربي الواسع للضيوف؟ أليس من الأجدى تحويل هذا التجمّع الكبير إلى مساحة حوارية مفتوحة تُنتج معرفة نقدية حول التجربة المسرحية العراقية عبر الندوات، والحوارات الفكرية، والقراءات النقدية، والبحوث التي تتناول العرض العراقي من زوايا عربية متعددة؟ إنّ غياب هذا النوع من التفعيل لا يشير إلى نقص في الموارد، بل إلى غياب في الرؤية، إذ يتحول الحضور إلى شكل بلا مضمون، والضيافة إلى فعل احتفالي لا يتصل بالوظيفة المعرفية التي يفترض أن ينهض بها المهرجان.

وإذا كانت هذه الظاهرة مألوفة في بعض المهرجانات العربية، فإنّ المقارنة مع مهرجانات مهمة مثل القاهرة التجريبي، وقرطاج، والهيئة العربية للمسرح، تكشف عن فارق في إدارة الحضور. اذ لا يُستدعى الضيف لمجرد التمثيل الرمزي أو الحضور البروتوكولي (وإن كان ذلك موجودًا فهو لا يتعدى عدد أصابع اليد)، بل يُستثمر وجوده بوصفه فاعلًا معرفيًا يشارك في صناعة المعنى. فكل مدعو يحمل مهمة محددة: إلقاء ورقة فكرية، أو تقديم قراءة نقدية، أو التعقيب على عرض مسرحي، أو الإسهام في ورشة أو ندوة أو مائدة مستديرة.

من هنا يتضح أن الدعوة في تلك المهرجانات ليست إجراءً شكليًا، بل تجسيدًا لفعل المشاركة، حيث يتحول الحضور إلى شكل من أشكال التبادل الثقافي والمعرفي. أما في مهرجان بغداد الدولي للمسرح، فإن تضخّم عدد المدعوين دون تحديد مهامهم يضع المهرجان أمام مفارقة دلالية، فكلما ازداد عدد الضيوف، تناقصت فاعلية وجودهم، وتحوّل الكثرة إلى عبء على الموازنة بدل أن تكون رافدًا للتجربة.

وهكذا، لا تكمن المشكلة في استضافة الضيوف بحد ذاتها، بل في غياب استراتيجية تحويل الضيافة إلى فعل إنتاجي. فالمهرجان، بوصفه مؤسسة ثقافية، مطالب بأن يخلق من الحضور معنى، ومن التنوع معرفة، ومن اللقاء مساحة لإعادة التفكير في التجربة المسرحية العراقية من منظور الآخر. دون ذلك، ستظل الضيافة فعل كرمٍ ثقافيٍ نبيلٍ، لكنها بلا أثر بنيوي في الجسد المسرحي نفسه.

***

د. وسام عبد العظيم عباس

قرب حديقة The White House تلتقط مجموعة مِنَ الصور التذكاريّة والفيديوهات دونَ مضايقاتٍ أو ممنوعات، بينما النّاس المُحتشّدة مِن مختلف الولايات والبلدان كأنّها في مُظاهرة عيدٍ!. بعضهم يحملون أعلام بلدانهم والبعض الآخر يصدح مع مكبرات الصّوت نشيد بلاده الوطني، ويخفق في الأعالي علم أمريكا احتفالاً بنهاية الحرب في شرقنا.

لم يكن الرئيس ترامب متواجدًا في مقر إقامته، سُمحَ لنا التصوير عند أقرب بوابة وأمام الشرفات المُطلّة مِن سكناه!، ليس كما يحدث في العراق وبلدان الشّرق العربي، حمايات وعنتكات- مشقات، ومحاذير وومنوعات وأسوار مرتفعة وعوائق واحتياطات أمنيّة، وربّما اعتقالات وسفك دماء!!.

تّعرّجُ فيما بعد إلى or tours Washington Monument وتدلّف على الشاطئ، هُناكَ ودنما شعور تفتح الذّات وتستنشق جرعة هواء واشنطيًّا نقيًّا!.

هكذا تزور ولايّة DC  Washington ، للبقاء بضعةِ أيامٍ لتطير فيما بعد إلى وجهتكَ الّتي تصبو إليها.

حلاقة شعر الرأس تضامنًا

في الصّباح الباكر، تطأ قدمكَ دروب عاصمة أمريكا للرياضة وأنتَ تتلو في سِركَ صلاتكَ الشخصيّة.

ولمن لا يعرف، تعود تسمية هذه الولاية نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج واشنطن 1791. في واشنطن وغيرها مِن مدن العالم، لم يعد تنوع الشّعوب أمرًا غريبًا، ولكن هذه الولاية لا تمت بصلةِ شبهٍ إلى سان دييغو أو نيوورك أو أريزونا ومشيغان.. على خلاف ما يُشاع بين تشابه الولايات الجغرافي والسكانيّ!.

ثمّة مناطق بحريّة جذابة ومساحات خضراء تشرح صدركَ، النّاس هُنا ودودة، الكثير منهم يُعاني البدانة، بسبب شيوع الأكلات السريعة، ربُّما لأنَّ رخصَ ثمنها يحفز على شرائها!!. الطرقاتُ نظيفةٌ والخدمات جميلة، والأمكنة أنيقة والمعالم المعماريّة مُدهشة. القطارات والباصات متوفرة بكثرة كأستراليا وأوروبا، ثمن التذاكر رخيص للغاية، كما هي الحال مع ايجار السيارة اليومي؛ بينما ثمن الوجبات في المطاعم العربيّة والافغانيّة جنوني ومبالغ فيه، وليسَ على غرار المطاعم الأمريكيّة أو المكسيكيّة...

لم يصادفني الكثير مِن ناطحات السّحاب كما خُيّل لي، وإنّما الأبنية المعماريّة لها تصاميم هندسيّة وجماليّة. ما لفت انتباهي تبادل التحيّة مع الفنانة (شمس الكويتيّة بعبارة حبيبي شلونكَ)، لعلَّ قد يخلق مِن الشبه أربعين!!.

وكذلكَ ثمّة مؤسسة إنسانيّة نصبت خيمتها وطاولتها في ركن شارعٍ سقط مِن ذاكرتي في حي SQ MCPHERSON في " السيتي" وضعت بضع كراسي لحلاقة شعر المارة (zero) في الهواء الطلق، تضامنًا مع مرضى السرطان ودعمًا لهم، لاسيّما الأطفال. شيءٌ ما في داخلي دفعني لحلاقة شعر رأسي بِلا تفكيرٍ أو ترددٍ! لعلّها إنسانيّتي أو نزعة كهنوتيّة اعتدت عليها، ومِن ثُمَّ عانقتهم بودٍّ والتقطتُ حزمة مِنَ الصورِ مع ثلّة مِن الأطفال والبالغين المتساقط شعرهم بسبب هذا الداء اللعين.

ولا مشاحة أن قُلتها صريحة واضحة بالفمِ الملآن، لا لبس فيها: إعلاميًّا للبيت البيضاوي هيّبة تصنُّ وترنُّ، قد يفتقدها على أرض الواقع!!.2050 yousif

تواصل فنّ التسكّع، المكانُ خلاّب والنّاسُ لطفاء، يلقون عليكم التحية ويوزعون الابتسامات، ولكن قلّما تجد الفرق الموسيقيّة تعزف في الطرقات.الجيش في خدمة الشّعب، أسوقُ لكم مثالاً للتوضيحِ عن هذا الأمر: ففي محطات القطارات لا يترددون في تقديم لكَ المساعدة متى ما أحتجت لها أو توجيهكَ إلى نقطة وجهتكَ. بينما الدراجات الهوائيّة بامكانكَ استجارها بشكلٍّ شخصي مِن أيّ رصيفٍ.

بعد سياقة هانئة في رحابٍ أمكنة فيها روعة بناء! تصفُّ سيارتكَ، وتترجل منها لترتادُ حديقة مُخصصة لفرحِ النّاس وللقراء، أشبه ما تكون بِدارِ استراحةٍ الالتقاط الالنفاس وتناول لقمة أو احتساء جرعة قهوة أو ماءًا أو مكانًا للتواعد وتبادل اللقاءات وأطراف الحديث أو لممارسة الرياضة...

تنتقي مكانكَ بنفسكَ كالعادةِ، تفتحَ حاسبوكَ لتدوّون مشاهداتكَ الثقافيّة، فتقع على مسامعكَ موسيقى (يا شوك) للفنان هيثم يوسف، تستطيبكَ الموسيقى والأجواء، لأنّني لستُ مِنَ المؤمنين أنَّ للكلمةٍ اشلاءًا، بل بذورًا، تزرعها في مدن العالم، كمن يغرس نبتة في تربة الوجود. وأنتَ تكتبُ تُطالعكَ عيون كثيرة لأناس تمارس فنّ التسكّع، تحدق فيكَ وهي تطلقُ شهقةُ دهشة أو تعجب، وكأنّكَ كُلّما أبتعدت عن النّاس شعرت بقيمتكَ!.

ومسكُها رحيل

وبينما كانتِ الرُيحُ تمشط الأعشاب، كنتُ قد أغمضتُ عينيِّ في لحظة استكانة، وإلاّ بعائلةٍ عراقيّة صحبة عائلة عربية أخرى، لم يجمعني بها سابق معرفة، تلقي عليَّ التحيّة دونَ سابق انذارَ، التقطت معي الصور فتشرفت بها!.

عاملة النظافة في الحديقة، أهدت لي ولسواي وردة جميلة، تكريمًا للزوار، تقبّلتها، على الرغم مِن حُبّي للورود والتعاطي بها، ولكن قناعتي أنَّ ليس بالورد وحده يحيا الإنسان، وليس بها فقط يزداد الكون جمالاً ورونقًا وإنسانيّة.

إنَّ الرسالة الّتي أريدها أن تصلُّ للقرّاء مؤادها:

أقّليّة مِن حملة القلم يشبهون نصوصهم وكتابات مُشاهداتهم الثقافيّة والأدبيّة، والقّلائل أيضًا الذين لا فصام أدبيًّا بينَ ما يكتبون ويعيشون ويقولون وينشرون...، وليس غروًا إذا قلتُ: أنا واحدٌ مِن هؤلاءِ.

حقيقةً في ولاية واشنطن العاصمة المركزيّة للولايات المتحدة، لا يطالعكَ مناظر لأناس متوترة أو مجهدة بأقاويل أو أحاديث لا طائل منها أو ضغوطات عمل أو دفوعات حياة، هكذا بعضُ المُدنِ تحبها وتعشقكَ مِنَ أولِّ نظرة ووطأة قدم وخطوة، وثمّة مدنِ بِلا وجهةٍ، ولكنّي هُنا ليس مِن منطلقِ النقد أو المغالاة أذهب للقولِ:

نحنُ ملّة الكُتّاب والأدباء والشّعراء والمثقفين... في عملية( تدوير ثقافيّة، أدبيّة، دينية...)، بحاجة ماسةٍ لأجواء، نُصدَّر فيها كتابات للقرّاء عن أدب الترحال والرحلات، " كتابات مانع حمل"؛ لكي لا يحمل إنسان الألف الثّالث ويتحمل أعباء الحياة وتنال منه تحدياتها.

وأنتَ تنهض برأس محلوقٍ وتذهب إلى سيارة BMW قد استأجرتها، تصطحبكَ للمطارِ لترحال آخر، تجد ظلّك بقي جالسًا على كُرسيّ هزازٍ رغمَ البرد، خلف شمسٍ تداعب غزالة، حمامة، زهرة...!!.

حقيقةً، واشنطن التي آسرت عقلي وقلبي، هي واحدةٌ مِنَ المدنِ وقد تعدَّ أجمل ولايّة أمريكيّة فتنتُ بها، الّتي تعلم كيفَ تستقبلكَ، فتعرف بدوركَ كيفَ يكون لكَ فيها خطوة وبصمة وكلمة!. فقط جربوا أن تزوروها.

***

الأب يوسف جزراوي

أقامت منصة مبادرة حملة ثقافة المحبة والسلام، التي أُطلقت بالتعاون بين دار الكتب والوثائق العراقية ومجلة سماء الأمير الإلكترونية الرقمية، المشغل التفاعلي الحضوري السادس بعنوان "إشاعة وتعزيز ثقافة المحبة والسلام ومكافحة الكراهية في بيئة العمل الإعلامي الرسمي"، لموظفي شعبة العلاقات والإعلام في الدار، صباح يوم الاثنين الثالث عشر من تشرين الأول 2025 ، بدعم من المدير العام للدار السيد بارق رعد علاوي.

قدّمت المحاضرة الإعلامية أسماء محمد مصطفى، صاحبة فكرة المبادرة والمشرفة عليها، مؤكدة أن تعزيز ثقافة المحبة والسلام واحترام التنوع الثقافي في بيئة العمل الإعلامي الرسمي يمثل ركناً أساسياً لضمان إنتاج محتوى مهني وموضوعي ومسؤول، يعكس القيم الوطنية ويعزز التعايش الاجتماعي.

وقالت إن بيئة العمل القائمة على الاحترام والتعاون بين الموظفين تساهم في رفع كفاءة الأداء الإعلامي وتقليل الصراعات الداخلية، وتضمن انسجام الرسائل الرسمية مع قيم الدولة والمجتمع. فالصحافي أو الموظف الإعلامي الذي يعمل في أجواء إيجابية يكون أكثر قدرة على صياغة محتوى يعبر عن القيم الإنسانية ورسائل الوحدة الوطنية والتسامح والتعايش واحترام المكونات كافة.2031 asma

تضمن المشغل عرضاً موجزاً لأهداف الحملة وأهميتها في بيئة الوظيفة، ولا سيما مجال العمل الإعلامي الرسمي، أعقبه تطبيق كتابي للموظفين المشاركين عبّروا فيه عن تفاعلهم مع الموضوع.

تحت عنوان "المحبة والسلام أساس المهنية" ذكرت مسؤولة شعبة العلاقات

والإعلام في الدار السيدة ميمون صبيح براك أن المحبة والسلام أساس العمل المهني، فهما عنصران جوهريان في بيئة العمل الإعلامي الرسمي لضمان إنتاج محتوى إعلامي رصين وموضوعي. وأوضحت أن الزميل الذي يشعر بالاحترام والأمان النفسي يكون أكثر قدرة على تقديم أفضل أداء، وأن بيئة العمل الإيجابية في وسائل الإعلام الرسمية تعكس قيم التعاون والوحدة الوطنية.

وأشارت إلى أهمية أن تكون بيئة العمل خالية من الصراعات، قائلة إن المحبة والسلام يحدّان من الصدامات والتوترات المهنية، ما يجعل المؤسسات الإعلامية الرسمية أكثر قدرة على التركيز على رسالتها الوطنية وإنتاج محتوى يعبر عن القيم الإنسانية العليا ويعزز ثقة الجمهور.

وفي ورقته المعنونة "ثقافة المحبة والسلام تنبض في دار الكتب والوثائق" أكد محرر الأخبار السيد أيمن كامل جواد أن بث روح المحبة في بيئة العمل الإعلامي يجعل من التعاون أساساً ومُنطلقاً لترسيخ مفاهيم التنوع الثقافي وقبول الآخر، ويشكل في الوقت نفسه سداً منيعاً أمام خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي.

وأشار إلى أن إشاعة ثقافة المحبة والسلام في المؤسسات الحكومية، ولا سيما دار الكتب والوثائق التي تختزن ينابيع الثقافة والمعرفة، تسهم في ترسيخ قيم التسامح والحد من الصراعات، وتعزز قدرة المؤسسات على التركيز في المسار المهني الذي يقود إلى إنتاج أعمال إعلامية إبداعية تغرس المفاهيم الإنسانية لبناء مجتمع متماسك نابض بالمحبة والسلام.

وركز المصور جعفر صادق عبد الأمير في ورقته على أهمية احترام التنوع الثقافي داخل المؤسسات الرسمية والإعلامية وأقسام العلاقات والإعلام، معتبراً ذلك ضرورة مهنية تتيح للموظفين تبادل الخبرات والخلفيات المتنوعة بما يعزز جودة المحتوى الإعلامي الرسمي. وأكد أن التعامل الإيجابي مع اختلاف الأعراق والمعتقدات والخلفيات الاجتماعية يعكس صورة الدولة كمؤسسة تحترم جميع مواطنيها وتدعم التعايش السلمي.2032 asma

وأشار المصور أحمد عودة كاظم في ورقته إلى أن إشاعة ثقافة المحبة والسلام في المؤسسات الحكومية، ولا سيما في مجال العمل الإعلامي، تشكل دافعاً للإبداع وتزيد من الإنتاجية وتلاقح الأفكار عبر التعاون بين الموظفين.

وأوضح أن بيئة العمل الخالية من الصراعات الهدامة تجعل المؤسسة أكثر نجاحاً وقدرة على إبراز صورتها الإيجابية، مشدداً على أهمية سيادة الاحترام بين الموظفين داخل المؤسسة الرسمية وقسمها الإعلامي لما لذلك من أثر مباشر في جودة العمل.

وبيّن أن المحتوى الهادف والمؤثر يبتعد عن التحيز والخطاب السلبي أو خطاب الكراهية، مختتماً بالقول إن المحبة والسلام بين موظفي المؤسسة ينعكسان إيجابياً على المجتمع ككل، إذ تجعل رسالتها أكثر فاعلية في بناء مجتمع متماسك متسامح ومتعاون ومتوافق مع توجهات الدولة في نشر مبادئها بين مواطنيها.

***

ـ إعلام دار الكتب والوثائق

 

صناع أفلام عالميين"أوقفوا الساعات، أطفئوا النجوم"

مقدمة: أطلقت مجموعة كبيرة من محترفي صناعة السينما، معظمهم من الإيطاليين، بمن فيهم المخرجون: ماركو بيلوتشيو وماتيو غاروني وأليس روهرواشر، نداءً لمهرجان البندقية السينمائي لاتخاذ موقف أكثر فعاليةً لمناصرةً القضية الفلسطينية.

وكانت المجموعة، المنضوية تحت شعار "فينيسيا من أجل فلسطين" Venice4Palestine، قد نشرت يوم السبت 23 أغسطس / آب 2025 رسالةً مفتوحةً تحثّ فيها المنظمة الأم للمهرجان، بينالي البندقية، وأقسامه الموازية المستقلة "أيام البندقية" و"أسبوع النقاد الدولي"، على "أن يكونوا أكثر شجاعةً ووضوحًا في إدانة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والتطهير العرقي في جميع أنحاء فلسطين الذي تمارسه الحكومة والجيش الإسرائيلي".

في رسالتهم على هامش مهرجان البندقية السينمائي الذي انطلق يوم الثلاثاء 26 آب 2025، أوضح أعضاء المجموعة: تُحثّ المؤسسات وقطاعات السينما والفن والثقافة والتعليم على التحلّي بمزيد من الشجاعة والوضوح في إدانة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والتطهير العرقي في جميع أنحاء فلسطين الذي ترتكبه الحكومة والجيش الإسرائيلي. كما تدعو الرسالة أيضا إلى توفير مساحات وفرص طوال فترة المهرجان للترويج للمبادرات المتعلقة بفلسطين، وذلك عقب حراك 30 أغسطس الذي دعمته أيضا شبكة "فنانون بلا بافاليو"، حتى لا يصبح المهرجان "معرضا فارغا حزينا"، كما ورد في رسالة V4P، "بل يغتنم الفرصة ليعود من جديد مكانا للحوار والمشاركة الفاعلة والمقاومة، كما كان في الماضي"..

وفيما خاطبت الرسالة العديد من الجهات السينمائية والثقافية والإعلامية. ومنها: بينالي البندقية، مهرجان البندقية السينمائي، أيام البندقية، أسبوع النقاد الدولي، والعاملين في مجالات السينما والثقافة والإعلام. أيدت العديد من الشخصيات المرموقة في السينما والفن والموسيقى والثقافة ـ الإيطالية والدولية الرسالة التي حملت نصا قيميا في مغزاه التعبيري، وإنسانيا في مضمونه الأخلاقي تحت عنوان"أوقفوا الساعات، أطفئوا النجوم". جاء فيه:

إنّ العبء ثقيلٌ جدًا على مواصلة العيش كما كان من قبل. منذ ما يقرب من عامين، تصلنا صورٌ جليةٌ لا تخطئها العين من قطاع غزة والضفة الغربية. في ذهولٍ وعجز، نواصل مشاهدة عذابات إبادة جماعية ترتكبها دولة إسرائيل في فلسطين. لن يستطيع أحدٌ أبدًا أن يقول: "لم أكن أعرف، لم أكن أتخيل، لم أكن أصدق".

لقد رأينا كل شيء.

ما زلنا نرى كل شيء.

لكن مع تسليط الأضواء على مهرجان البندقية السينمائي، نُواجه خطرَ المرور بحدثٍ كبيرٍ آخر لا يكترث بهذه المأساة الإنسانية والمدنية والسياسية. "يجب أن يستمر العرض"، يُقال لنا، بينما نُحثّ على صرف أنظارنا - كما لو أن "عالم السينما" لا علاقة له "بالعالم الحقيقي".

ومع ذلك، فمن خلال تلك الصور تحديدًا، التي التقطها زملاؤنا، وربما حتى أصدقاؤنا،علمنا بالإبادة الجماعية، وبالهجمات العنيفة، بل القاتلة، على مخرجي الأفلام وطواقمها في الضفة الغربية، وبالعقاب الجماعي الذي مورس على الشعب الفلسطيني، وبجميع الجرائم الأخرى ضد الإنسانية التي ارتكبتها الحكومة والجيش الإسرائيليان. لقد أودت هذه الصور بحياة ما يقرب من 250 إعلاميًا فلسطينيًا حتى الآن.

يُفترض أن يحتفي البينالي ومهرجان البندقية السينمائي الدولي بقوة الفن كوسيلة للتغيير، والشهادة، وتمثيل الإنسانية، وتنمية الوعي النقدي. وهذا تحديدًا ما يجعل الفن وسيلة استثنائية للتأمل والمشاركة الفاعلة والمقاومة.

ردًا على التصريحات الفاترة والغامضة، أو الأسوأ من ذلك، المريحة، الصادرة عن أجهزة السلطة والإعلام والثقافة، صرح أعضاء المجموعة: نتخذ موقفًا واضحًا لا لبس فيه: لقد حان الوقت ليس فقط للتعاطف، بل أيضًا للمسؤولية. الدلالات واللغات، والكلمات والصور، ليست مجرد أدوات ـ ثانوية - وخاصةً لمن يؤمنون بالفن، بل هي شكل أساسي وضروري للمقاومة. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من الأفضل لنا أن نستسلم للدليل القاطع على أن كونك صانع أفلام أو صحفيًا اليوم لم يعد له معنى.

وفيما كشفت رسالة مجموعة محترفي صناعة السينما الكثير من المستور من جرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني ـ عبروا، أيضا، عن موقفهم الأخلاقي بشدة ووضوح بالشكل التالي: لهذا السبب، نحن - ناشطون وعاملون في مجالات السينما والإعلام والأخبار - نؤمن ـ بأنه يجب أن يتوقف هذا العرض ولو لمرة واحدة: يجب أن نكسر جمود اللامبالاة ونفتح طريقًا للوعي. لذلك، نطالب البينالي والمهرجان وأيام البندقية وأسبوع نقاد البندقية باتخاذ موقف واضح ودعم مطالبنا. كما نؤكد على ضرورة توفير مساحات لاستضافة سرديات متنوعة لفلسطين.

نناشد كل من يستطيع ويرغب في إحداث ـ تغيير - على أي مستوى في البندقية، لتكون الأضواء كلها موجهة نحو عالم السينما: علينا جميعًا واجب إبراز قصص وأصوات أولئك الذين يتعرضون للمجازر حتى في ظل لا مبالاة الغرب المتواطئة.

نحث جميع أعضاء عالم الثقافة والإعلام على استخدام شهرتهم وأي وسيلة أخرى متاحة خلال المهرجان لخلق خلفية دائمة للحوارات والمبادرات لدعم حقيقة التطهير العرقي والفصل العنصري والاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية والاستعمار وجميع الجرائم الأخرى ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل لعقود، وليس فقط منذ 7 أكتوبر.

ندعو العاملين في مجال السينما إلى تصور وتنسيق وتنفيذ أعمال معًا، خلال المهرجان، تُعطي صوتًا لانتقاد سياسات الحكومة المؤيدة للصهيونية: معارضة نُعبّر عنها من خلال الإبداع، بفضل مهاراتنا الفنية والتواصلية والتنظيمية.

بصفتنا فنانين ومحبي فن، ومحترفي صناعة سينمائية، ومنظمين ومراسلين صحفيين، نحن القلب النابض لهذا المهرجان، ونؤكد بحزم أننا لن نكون متواطئين، ولن نلتزم الصمت، ولن نتجاهل، ولن نستسلم للعجز أو لمنطق القوة.

هذا ما يفرضه علينا عصرنا ومسؤوليتنا كبشر. لا سينما بدون إنسانية.

فلنضمن أن يحمل هذا المهرجان قيمًا قيّمة، وألا يتحول مرة أخرى إلى معرض غرور حزين وسطحيّ.

لنفعل ذلك معًا - بشجاعة ونزاهة. فلسطين حرة!

***

عصام الياسري

الصفحة 1 من 7

في المثقف اليوم