عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

النفاق: إطهار المرء خِلاف ما يُبطن

والنفاق آلية دفاعية بمارسها البشر من أجل البقاء، وتفرضها الظروف التي لا قدرة له على تغييرها، أو تطويعها لإرادته.

وكلما كانت البيئة قاسية وشديدة الطغيان، كلما تنامى سلوك النفاق وتطور.

ولا يوجد مجتمع في الدنيا تولته يد من حديد لم تستولده نفاقا مستشريا، فما حيلة الضعيف لكي يبقى في الحياة، غير أن يبدو على عكس ما يُبطن.

وتدفع للنفاق المصلحة والخوف وضعف الشخصية والإنتهازية ويتسبب بتدمير الثقة ونشر الفساد وضعف العدالة، وتفكيك العلاقات وإفساد الوعي العام.

ومن وجهة نظر سلوكية، لا يمكن وصم أي مجتمع بالنفاق، لأنه ظاهرة بشرية عامة، تفرضها الظروف الموضوعية والذاتية، وما أكثر المنافقين في أي مجتمع مهما كان متطورا.

فعندما تعبر القوة عن نفسها فستفرز حالات سلوكية متنوعة، مرهونة بخيط البقاء الذي يوفر لها أسباب العيش في النار دون أن تحترق.

ومن الآيات:

"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"

" يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"

ومن الأحاديث النبوية:

"آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"

ومن الأقوال في النفاق:

"النفاق أن ترتدي ثوب الفضيلة وقلبك لا يعرف منها شيئا"

"المنافق لا يملك وجها واحدا بل وجها لكل مصلحة"

"النفاق تجارة مربحة في المجتمعات التي تشتري الكلام ولا تفحص الأفعال".

ومن الأمثال الشائعة:

"بالوجه مراية وبالكفه سلاية"

والمنافق يقول ما لا يفعل ويظهر الود ويخفي الغدر، بحضورك يمدح وبغيابك يقدح، يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي.

وكلها طباع بشرية عامة لا تخص مجتمعا بعينه، بل تمليها الظروف السائدة في أي مجتمع.

إذا قسَتِ الظروفُ نمى النفاقُ

ليردَعَها فيستُرُها الوفاقُ

تعددتِ الوجوهُ في أرضِ جَورٍ

وأوْجَبَها لها فِعلٌ يُطاقُ

ومَن شَرِبَ الوَجيعَ بها لهيباً

أتاهُ الخوفُ والقولُ الصَداقُ

***

د. صادق السامرائي

إن بناء المجتمعات المتقدمة لا يبدأ من المؤسسات وحدها، ولا يتحقق بالتطور المادي والتكنولوجي فحسب، بل يبدأ من الإنسان، من فكره ووعيه وقيمه، ومن الأسرة التي تشكّل اللبنة الأولى في بناء المجتمع. وفي قلب هذه الأسرة تقف المرأة الواعية بدورها العظيم، بما تمتلكه من فكر وثقافة وحكمة، وبما تؤديه من مسؤولية في تربية الأجيال وصناعة العقول وغرس المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والمتقدمة.

فالمرأة ليست مجرد أم ترعى أبناءها، أو زوجة تدير شؤون أسرتها، بل هي شريكة في بناء الإنسان وتشكيل وعيه، وصاحبة أثر عميق في تكوين شخصيته وتوجيه سلوكه. فمن وعيها تنطلق كثير من المفاهيم التي يتعلمها الأبناء في سنواتهم الأولى، ومن أسلوبها في التربية والحوار تنشأ لديهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الحياة بعقل متفتح ونظرة متزنة.

فالأسرة الواعية هي البداية الحقيقية للمجتمع المتقدم، والمرأة الواعية إحدى أهم ركائز بنائها.

إن وعي المرأة لا يقتصر على ما تحمله من شهادات علمية أو ما تمتلكه من معلومات، بل يتجلى في طريقة تفكيرها، وفي قدرتها على فهم الحياة ومتغيراتها، وفي أسلوب تعاملها مع أفراد أسرتها والمحيطين بها. فالوعي ثقافة وسلوك، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على احتواء الخلافات ومعالجة المشكلات بعيدًا عن التعصب والانفعال، وهو إدراك عميق بأن التربية ليست أوامر تُفرض على الأبناء، بل قيم تُغرس في نفوسهم، وقدوة يرونها في تصرفات الكبار قبل أن يسمعوها في كلماتهم.

والمرأة التي تدرك أهمية دورها التربوي تحرص على أن تنشئ أبناءها على الحوار لا الخوف، وعلى الثقة بالنفس لا الاتكالية، وعلى احترام القانون وحقوق الآخرين لا تجاوزها. وتعلمهم أن النجاح لا يتحقق بالأماني وحدها، بل بالعلم والعمل والاجتهاد، وأن الاختلاف بين الناس لا يبرر الكراهية، وأن الأخلاق هي الأساس الذي يمنح المعرفة قيمتها الإنسانية.

ومن هنا، فإن أثر المرأة الواعية يتجاوز حدود منزلها؛ فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة أسرية قائمة على الوعي والاحترام والمسؤولية، يحملون هذه القيم معهم إلى المدرسة ومكان العمل والشارع وسائر مؤسسات المجتمع. وهكذا تنتقل التربية السليمة من الأسرة إلى المجتمع، وتتحول القيم التي غُرست في الطفولة إلى سلوك اجتماعي يسهم في تعزيز الاستقرار، والحد من المشكلات، ونشر ثقافة التعاون والتسامح واحترام الآخر.

إن تقدم المجتمع يبدأ حين يتحول الوعي داخل الأسرة إلى ثقافة عامة في حياة الناس.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تؤديه المرأة في توجيه الأسرة نحو مواكبة التطورات العلمية والثقافية والاجتماعية. فالعالم يتغير باستمرار، وتظهر في كل مرحلة تحديات جديدة تحتاج إلى عقل واعٍ قادر على الفهم والتكيف والاختيار السليم. والمرأة المثقفة تدرك أن التربية لا تتوقف عند حدود ما ورثناه من عادات وتقاليد، بل تحتاج إلى مراجعة واعية تميز بين القيم الأصيلة التي ينبغي الحفاظ عليها، والممارسات التي تحتاج إلى تصحيح وتطوير.

إنها تحافظ على هوية أسرتها، وفي الوقت نفسه تفتح أمام أبنائها أبواب المعرفة، وتشجعهم على القراءة والتعلم والتفكير المستقل، وتمنحهم المساحة للتعبير عن آرائهم ومناقشة أفكارهم. وبهذا تسهم في إعداد جيل لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يمتلك القدرة على فهمها وتوظيفها في حياته، جيل يعتز بجذوره، وينفتح على العالم، ويشارك في صناعة المستقبل بدلًا من الوقوف على هامشه.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن المرأة الواعية تستطيع أن تكون عنصرًا فاعلًا في نشر الثقافة الإيجابية، وتعزيز الروابط الإنسانية، والمساهمة في معالجة القضايا التي تواجه مجتمعها. فهي، من خلال عملها وعلاقاتها ومشاركتها في المبادرات التعليمية والثقافية والاجتماعية، تستطيع أن تنقل أثر وعيها إلى محيط أوسع، وأن تسهم في ترسيخ قيم المسؤولية والتعاون والمواطنة الصالحة.

وكلما أُتيحت للمرأة فرص اكتساب المعرفة وتطوير قدراتها، واتسعت مساحة مشاركتها في اتخاذ القرارات داخل الأسرة والمجتمع، أصبحت أكثر قدرة على توظيف إمكاناتها في خدمة التنمية والتقدم. فالمجتمع الذي يحترم وعي المرأة ويستفيد من خبرتها لا يمنحها حقها فحسب، بل يستثمر في طاقات إنسانية قادرة على الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

ومن المهم أن ندرك أن مسؤولية بناء الأسرة المتماسكة لا تقع على المرأة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بينها وبين الرجل، تتكامل فيها الأدوار وتتوزع فيها المسؤوليات على أساس التعاون والاحترام المتبادل. فالمرأة الواعية تحتاج إلى شريك يدرك أهمية الحوار والتفاهم، وأسرة تؤمن بأن التربية مسؤولية مشتركة، ومجتمع يقدّر العلم والثقافة ويهيئ للأجيال بيئة تساعدها على النمو السليم.

إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس بما تمتلكه من أبنية شاهقة أو إمكانات مادية فحسب، بل بما يتحلى به أفرادها من وعي وأخلاق، وبما يسود بينهم من احترام للقانون، وتقدير للعلم، وحفاظ على الحقوق، وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. وهذه القيم لا تولد فجأة، بل تتشكل عبر سنوات من التربية والتوجيه والممارسة، وتبدأ جذورها الأولى في الأسرة التي تُعد المدرسة الأولى للإنسان.

ومن هنا تتضح مكانة المرأة الواعية في معادلة التقدم الاجتماعي؛ فهي تسهم في بناء شخصية الفرد، وتساعد على ترسيخ ثقافة الأسرة، وتشارك في تشكيل ملامح المجتمع من خلال ما تغرسه من قيم وما تقدمه من فكر وعمل. وليس المقصود أن تتحمل وحدها مسؤولية صلاح المجتمع أو تقدمه، بل أن يُعترف بدورها الحقيقي بوصفها شريكًا أساسيًا في هذه المسيرة الإنسانية.

ختامًا، إن المرأة الواعية لا تبني أسرتها بالحضور والرعاية وحدهما، بل تبنيها بالفكر والحكمة والقدوة الحسنة، ولا يقتصر أثرها على تربية أبنائها، بل يمتد إلى الإسهام في تكوين مجتمع أكثر نضجًا واستقرارًا وتقدمًا. فحين تنمو المعرفة في عقل المرأة، وتترسخ القيم في سلوك الأسرة، وينتقل الوعي من جيل إلى آخر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحدياته وتحقيق نهضته.

فالمرأة الواعية ليست مجرد جزء من بناء المجتمع، بل هي شريك في تشكيل وعيه، وعنصر فاعل في تقدمه، وصوت من أصوات الحكمة التي تحتاج إليها الأجيال. وإن بناء مجتمع متقدم يبدأ من أسرة واعية، والأسرة الواعية تنمو بالعلم والثقافة والحوار، وبامرأة تدرك أن رسالتها لا تنتهي عند حدود بيتها، بل تمتد بقدر أثرها في الإنسان الذي تصنع معه مستقبل الوطن.

***

   ذكرى البياتي

 

تُعدّ ظاهرة الرياء واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تفشّت في العديد من المجتمعات في العصر الحديث، وللأسف، شاعت ثقافة الرياء في مجتمعنا العراقي وتغوّلت بشكل كبير، إذ أسهم الفساد في استقطاب أعداد كبيرة من المنافقين، رغبةً في الحصول على الجاه والمنزلة والتفاخر وحب الظهور، أو تحقيق منافع شخصية غير مشروعة، أو بدافع نفسي يتمثل في الرغبة بالتعويض عن الشعور بالدونية وأحيانًا بالحقارة، وتحقيق نوع من التوازن النفسي.

وحين أصبح الفساد ظاهرة تنخر مفاصل الدولة والحياة العراقية عمومًا، وباتت رائحته تزكم الأنوف، أخذ العراقيون يتندّرون بعدد من الطرائف التي تتعلق بفساد الطبقة السياسية، وهي طرائف تكشف عن عمق الازدواجية التي يعيشها بعض أفراد هذه الطبقة، وعن الرياء الذي يطبع سلوكهم وتعاملهم، من زيف في الالتزام، وتظاهر بنبذ الحرام، وغير ذلك من الادعاءات التي أثبتت الممارسة كذبها وبطلانها،

ومن هذه الطرائف أن السياسي العراقي، عندما يدخل أحد المطاعم في بلاد الغرب، يكون أول سؤال له عن نوع اللحوم المتوفرة وطريقة ذبحها، إذ يتظاهر بالحرص على ألّا يتناول لحمًا ما لم يكن مذبوحًا على الطريقة الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه يتناسى مال السحت الذي حصل عليه بطرق الفساد والرشوة وغيرها، والذي مكّنه من الوصول إلى تلك البلاد!، وهذه الازدواجية في السلوك المشين لها جذور تاريخية؛ فقد ذكرت كتب التاريخ العديد من الحكايات التي تتحدث عن الورع الزائف، وتستنكر التناقض الأخلاقي والديني الذي يصل أحيانًا إلى حدّ التطرف. ومن ذلك الحكاية التي تروي أن جماعة ذهبت في موسم الحج إلى عبد الله بن عمر، وسألوه عن حكم قتل البق في الأشهر الحرم، فتأمل عبد الله قليلًا ثم سألهم: "من أي البلاد أنتم؟" فقالوا: "من الكوفة"، فانتفض واقفًا وصاح: "لعنكم الله! أتقتلون الحسين وتسألون عن حشرة البق؟" .

وبغضّ النظر عن مدى صحة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن دلالتها الرمزية واضحة في الكشف عن مفارقة أخلاقية تقوم على التشدد في مسألة صغيرة، مع التغاضي عن جريمة كبرى، وهذا يؤكد أن الرياء ليس سلوكًا حديثًا، بل ظاهرة رافقت المجتمعات البشرية منذ نشأة الحضارات الأولى . فقد تناولت الرياء أدبيات تاريخية كثيرة، ليس بوصفه سلوكًا أخلاقيًا فرديًا مذمومًا فحسب، وإنما بوصفه أداة للبقاء السياسي، والترقي الاجتماعي، وتحقيق الوجاهة الدينية، ففي مصر القديمة، تذكر بعض الدراسات التاريخية أن حاشية الفراعنة بالغوا في تقديس الملك وإظهار الطاعة العمياء والولاء المطلق في النقوش والنصوص، ليس حبًا فيه بالضرورة، بل تزلفًا للحصول على المكاسب والمناصب وحمايةً للمصالح، وفي الحضارة الرومانية ظهر نوع من الرياء الاجتماعي والسياسي ارتبط بما عُرف بنظام الزبائنية، حيث كان بعض الأفراد الأقل شأنًا يتملقون النبلاء والأثرياء ويتبعونهم بوصفهم حاشية لإظهار الولاء، مقابل الحصول على الدعم المالي أو الحماية والمساندة، أما في الفلسفة اليونانية، فقد قاد الفيلسوف ديوجين الكلبي موقفًا فكريًا وسلوكيًا ناقدًا للرياء الاجتماعي في أثينا، إذ رأى في كثير من عادات المجتمع وتقاليده نوعًا من التصنع، وعاش حياة زهد وقناعة جعلت من سلوكه نفسه وسيلة لفضح زيف بعض ادعاءات النخبة الأثينية، وقد نال الرياء اهتمام المفكرين وعلماء الاجتماع، واتخذوا منه موقفًا نقديًا صارمًا، ومن بينهم المفكر والمؤرخ العراقي علي الوردي، الذي ربط كثيرًا من مظاهر الرياء المجتمعي بما سماه ازدواج الشخصية، وأولى هذه الظاهرة أهمية كبيرة في مؤلفاته، ومنها كتابه المعروف "وعّاظ السلاطين"، متناولًا مظاهر التناقض بين القول والممارسة، وبين القيم المعلنة والسلوك الفعلي.

ولعل من أكثر صور الرياء وضوحًا ما نلمسه في بعض الممارسات الثقافية والاجتماعية، إذ نجد من يكتب عن الفساد، وفي الوقت نفسه يكون غارقًا في علاقاته ومصالحه المرتبطة به، ومستعدًا لبيع قلمه ومواهبه بأبخس الأثمان. كما نجد من يتحدث عن الثقافة والحداثة والمدنية والتحرر، لكنه لا يتورع عن المجاهرة بالولاء المطلق لقيم القبيلة أو الحزب، ويحارب المختلفين معه في الرأي والتوجه

و تتجلى خطورة الرياء في التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وذلك عندما يتحدث الفاسد عن النزاهة، والكاذب عن الصدق، والانتهازي عن المبادئ، والمتعصب عن التسامح . واتخاذ هذا السلوك وسيلة لتزييف الوعي وتجميل القبح ومنح السلوك المنحرف غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

 ***

ثامر الحاج أمين

ليس الجوار مجرد علاقة مكانية تنشأ من تقارب البيوت وتجاور الأبواب، بل هو علاقة إنسانية وأخلاقية واجتماعية تتداخل فيها المصالح والمشاعر والحقوق والواجبات. فالجار ليس شخصًا يسكن بمحاذاة بيتنا فحسب، وإنما هو أقرب الناس إلينا حين تفاجئنا الشدائد، وأول من قد يسمع استغاثتنا إذا ألمّت بنا نازلة، وأكثر الناس اطلاعًا على تفاصيل حياتنا اليومية، بما فيها من أفراح وأحزان وأسرار. ولهذا أدركت المجتمعات القديمة، وفي مقدمتها المجتمع العربي، أن استقرار الحياة لا يتوقف على جودة المسكن واتساعه، بل يتوقف أيضًا على طبيعة العلاقة الجيران أفرادا وجماعات وعائلات ودول وشعوب فالإنسان لا يعيش في جزيرة معزولة، والدول، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع تغيير حقائق الجغرافيا أو الهروب من مقتضيات التاريخ. وبهذا المعنى جاء المثل العربي : «الجار قبل الدار» و«الجار القريب خير من الأخ البعيد»، لتؤكد أن القرب ليس مسافة مكانية فحسب، وإنما مسؤولية متبادلة تفرضها ضرورات الحياة المشتركة. وغير ذلك من الحكم والامثال التي زخرت بها الذاكرة البشرية ومنها: الجار الصالح يهب السلام، والجار السوء يجلب الخصام! مثل أوروبي إذا كان جارك بخير، فأنت بخير! حكمة إفريقية. يمكنك أن تختار أصدقاءك، ولا يمكنك اختيار جيرانك! وعندما يشتعل الحريق في بيت جارك، فإن بيتك في خطر! أو الحكمة اليونانية القديمة؛ السلام مع الجيران هو درع حماية أقوى من الحصون والجدران ." حكمة يونانية قديمة والجار القوي يسند الجار الضعيف! ومن جاور السعيد سُعد! ..الخ من الحكم والامثال والخبرات التي زخرت بها ذاكرة الشعوب وتجاربها الجوارية.

فالجوار السليم لا يعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف دون عدوان، وصيانة الخصوصية دون قطيعة، والتعاون دون وصاية.

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن الخصومة بين الجيران لا تستنزف المتحاربين وحدهم، بل تمتد آثارها إلى الأجيال والاقتصادات والأمن الإقليمي.

وما تحتاجه الشعوب ليس تطابق المصالح أو المعتقدات، وإنما حكمة الاعتراف المتبادل، والاحتكام إلى القانون، وتغليب الحوار على القوة. فالنار التي تشتعل في بيت الجار لا تتوقف دائمًا عند حدوده، والسلام الذي يحمي الجار يعزز أمن الجميع. إن حسن الجوار ليس مجاملة عابرة، بل استثمار في المستقبل والجغرافيا قد تفرض الجيران، لكنها لا تفرض العداوة.

وقد زخرت الثقافة ال«الجار قبل الدار»، ليختزل خبرة اجتماعية طويلة في كلمات قليلة، ويضع الإنسان قبل المكان، والعلاقة الأخلاقية قبل الامتيازات المادية. فما قيمة الدار الواسعة إذا تحولت الحياة فيها إلى قلق دائم بسبب جار سيئ الطباع، أو خصومة لا تنطفئ، أو نزاع على حدود أو ممر أو صوت أو حق مشترك؟ وما قيمة جمال المكان إذا فقد ساكنه الطمأنينة التي تمنح الحياة معناها؟ إن الدار قد تُشترى بالمال، أما السكينة التي يصنعها حسن الجوار فلا تُشترى بسهولة.

وبهذا المعنى يمكننا فهم الحكمة العربية التي تقول: «ليس حسن الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى». والمقصود هنا أن حسن الجوار لا يقتصر على الامتناع عن الإساءة، بل يتطلب قدرًا من التسامح، واحتمال الهفوات، والتغاضي عن الزلات التي لا تستحق أن تتحول إلى معارك يومية. فالناس مختلفون في طباعهم وعاداتهم وطرائق عيشهم، وما يراه أحدهم أمرًا عاديًا قد يراه غيره مصدرًا للضيق. ولو جعل كل جار من كل هفوة قضية كرامة، ومن كل اختلاف مناسبة للخصام، لتحولت الأحياء إلى ساحات للنزاع، ولغدت الحياة المشتركة عبئًا لايطُاق.

والصبر على الأذى لا يعني التفريط في الحقوق، ولا القبول بالاعتداء المتكرر، ولا السكوت عن الظلم. فثمة فرق بين التسامح مع هفوة عابرة والتساهل مع سلوك مؤذٍ متعمد؛ وبين الترفع عن صغائر الأمور والتنازل عن الحقوق الأساسية. إن الحكمة في الجوار تقوم على التوازن بين صيانة الكرامة وتجنب التصعيد، وبين المطالبة بالحق واختيار الوسيلة التي لا تحول الخلاف المحدود إلى قطيعة طويلة الأمد.

ولذلك كان الترفع عن العورات، أي ستر العيوب وعدم تتبع الخصوصيات، من أرفع مراتب الأخلاق في علاقة الجيران. فالجار يعرف من أحوال جاره ما قد لا يعرفه غيره؛ يسمع أصوات بيته، ويلاحظ تغيرات حياته، وقد يطلع بحكم القرب على مواطن ضعفه وأزماته. وهذه المعرفة ينبغي أن تكون مصدرًا للرحمة والمساعدة، لا وسيلة للابتزاز أو التشهير أو الانتقام.

وبهذا انشد حاتم الطائي:

أُغاضي كَريمَ النَفسِ في خَلَواتِهِ

.وَأَغفِرُ عَوراءَ الكَريمِ إِذا عَثَر

وَأَمنَحُهُ نُصحي وَأَرعى ذِمامَهُ

وَأَستُرُ مِنهُ كُلَّ ما ساءَني بَطَر

وَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمُؤتيكَ نُصحَهُ

وَلا كُلُّ مُؤتٍ نُصحَهُ بِلَبيبِ

وَلَكِن إِذا ما اِستَجمَعا عِندَ ماجِدٍ .

فَحَقٌّ لَهُ مِن طاعَةٍ بِنَصيبِ

أو قوله في اولوية الجار ونجدته دائماً:

أَيَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَةَ مَالِكٍ

إِذَا مَا صَنَعْتِ الزَّادَ فَالْتَمِسِي النَّدَى

لَعَمْرُكِ مَا أَبْقَى النَّدَى بَعْدَ قُرْبِهِ

لِمَنْ كَانَ يَبْغِي المَجْدَ وَالجُودَ مَقْعَدَا

أَرَى الجَارَ حَقاً هُوَ الأَوَّلُ بِالقِرَى

إِذَا مَا أَتَى بَعْدَ الهُدُوءِ لِيَرْقُدَا

إن الكريم لا يجعل من زلة غيره مناسبة لإذلاله، ولا يتخذ من أسراره سلاحًا في لحظة غضب، ولا ينسى فضائل العلاقة كلها بسبب خطأ عابر.

فهذا ابو العتاهية ينصح ؛

اصْبِرْ عَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِهِ

صَبْرَ الحُسَامِ إِذَا مَا فَلَّهُ الغَرْبُ

وَاحْمِلْ لِجَارِكَ مَا تَلْقَى مِنَ الأَذَى

إِنَّ الحِمَالَ لِثِقْلِ المَجْدِ مُسْتَعْبُ

إن حسن الجوار، بهذا المعنى، هو فن إدارة الاختلاف في المسافة الأقرب إلى حياتنا اليومية. فليس مطلوبًا أن تتطابق الآراء، أو تتشابه الأذواق، أو تتوحد أنماط العيش، وإنما المطلوب أن يتعلم الناس كيف يختلفون من دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة، وكيف يطالبون بحقوقهم من دون أن يهدروا كرامة الآخرين، وكيف يحافظون على حدودهم الخاصة من دون أن ينسوا أن بينهم مصالح مشتركة لا تستقيم الحياة من دون احترامها.

وبهذا انشد الشاعر الجاهلي مسكين الدارمي

نَارِي وَنَارُ الجَارِ وَاحِدَةٌ

وَإِلَيْهِ قَبْلِي تَنْزِلُ القِدْرُ

مَا ضَرَّ جَاراً لِي أُجَاوِرُهُ

أَنْ لا يَكُونَ لِبَيْتِهِ سِتْرُ

أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ

حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الخِدْرُ

وإذا كان حسن الجوار يبني الطمأنينة ويعزز الثقة، فإن الخصام بين الجيران يفعل العكس؛ إذ يبدأ في كثير من الأحيان بخلاف محدود، ثم يتسع بفعل سوء الظن، وتبادل الاتهامات، وتدخل الآخرين، واستدعاء وقائع قديمة لا علاقة لها بأصل المشكلة. وهكذا يتحول خلاف على موقف سيارة أو حدود أرض أو ضوضاء أو ممر مشترك إلى نزاع شخصي تتراكم فيه الأحقاد، وتصبح فيه كل حركة قابلة للتأويل، وكل كلمة سببًا لمواجهة جديدة.

وأولى مخاطر هذا الخصام أنه يسلب الإنسان شعوره بالأمان في المكان الذي يفترض أن يجد فيه راحته. فالبيت ملاذ من ضجيج العالم، لكن الخصومة مع الجار قد تجعل صاحب البيت يترقب ما يحدث حوله، ويحسب حسابًا لكل لقاء، ويتوجس من كل صوت أو تصرف. وقد يجد نفسه مضطرًا إلى تغيير عاداته اليومية تجنبًا للاحتكاك، أو يعيش أفراد أسرته في توتر دائم لا ذنب لهم فيه.

والأخطر أن الخصومة لا تبقى دائمًا بين شخصين؛ فقد تنتقل إلى الزوجات والأبناء والأقارب، ويكبر الأطفال وهم يرثون عداوة لم يختاروها، ويُطلب منهم أحيانًا أن يخاصموا أبناء الجيران لمجرد أن آباءهم مختلفون. وعندئذ تتحول المشكلة من خلاف عابر بين بالغين إلى ذاكرة اجتماعية تتوارثها الأجيال، وتُغذّي أحكامًا مسبقة يصعب التخلص منها.

ومن مخاطر الخصام أيضًا أنه يبدد رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه الحياة المشتركة. فالثقة بين الجيران ليست قيمة معنوية فحسب، بل مورد عملي له أثر مباشر في جودة الحياة. الجار الذي نثق به يمكن أن يتفقد منزلنا عند غيابنا، أو يساعد طفلًا يحتاج إلى المساعدة، أو يسعف مريضًا، أو يقدم العون في ظرف طارئ. أما حين تنقطع الثقة، فإن كل طرف يفقد موردًا إنسانيًا قريبًا، وقد يجد نفسه وحيدًا في أوقات كان يستطيع فيها الاعتماد على الآخرين.

فالخصام مع الجار يضعف مكانة الفاعل في محيطه، لا لأنه يفقد حليفًا في مواجهة الأعداء فحسب، بل لأنه يساهم في عزل نفسه عن شبكة العلاقات التي تمنح الحياة الاجتماعية تماسكها. وليس المقصود أن يتنازل عن حقه خوفًا من الوحدة والعزلة، وإنما أن يدرك أن العلاقات الإنسانية أوسع من لحظة الغضب، وأن خسارة الثقة قد تكون أثقل من المكسب المؤقت الذي يحققه الانتصار في مشادة كلامية.

وبهذا أنشد المقنع الكندي:

وَإِنْ زَجَرُوا بَعِيراً لِي صَفَحْتُ

وَإِنْ هَدَمُوا لِيَ بَيْتاً بَنَيْتُ

وَإِنْ هَبَطُوا بَطْنَ وَادٍ لِخَيْرٍ

سَبَقْتُهُمُ بِالفَعَالِ المَجِيدِ

إن أخطر ما في الخصومة بين الجيران أن القرب الذي كان مصدرًا للألفة والأمان قد يتحول إلى نافذة للعداوة والأذى. فالجار بحكم الجوار يعرف من أسرار جاره وتفاصيل حياته ما قد لا يعرفه أقرب الناس إليه؛ فإذا فسدت العلاقة، تحولت المعرفة التي تصون الثقة إلى سلاح للتشهير والانتقام.

وهنا تُختبر أخلاق الإنسان ومروءته؛ فليس كل ما نعرفه يجوز أن نكشفه، وليس كل ما نستطيع فعله يليق بنا أن نفعله. ثمة فرق بين المطالبة بالحق والرغبة في الانتقام، وبين العتاب الذي يصلح العلاقة والتشهير الذي يهدمها.

ولا تقف خسائر الخصومة عند المشاعر، بل تمتد إلى استنزاف المال والوقت، وتبديد الطمأنينة، وإفساد العلاقات الأسرية والاجتماعية. وربما بدأ الخلاف بكلمة عابرة، ثم تضخّم بفعل العناد والرغبة في الغلبة.

لذلك، ليس الصلح ضعفًا، ولا الاعتذار هزيمة، ولا التسامح تفريطًا بالحقوق. فالحكمة أن تتمسك بحقك دون أن تتخلى عن إنسانيتك، وأن تختلف مع جارك دون أن تحوّله إلى عدو؛ فليس الانتصار أن تهزم جارك، بل أن تنتصر على رغبة الانتقام في داخلك.

وبهذا المعنى انشد الشاعر الحكيم عبد الله البردوني:

لماذا العدوّ القصي اقترب؟

لأن القريب الحبيب اغترب

لأن الفراغ اشتهى الامتلاء

بشيء فجاء سوى المرتقب

لأنّ الملقّن واللاعبين

ونظّارة العرض هم من كتب

فلا الصدق يبدو كصدق ولا

أجاد أكاذيبه من كذب

أن حسن الجوار ليس حكرًا على المتدينين أو المنتمين إلى ثقافة بعينها؛ فهو قيمة إنسانية مشتركة تحتاج إليها المجتمعات على اختلاف معتقداتها وأصولها. وقد تتباين المرجعيات التي يستند إليها الناس في تفسير هذه القيمة، لكنهم يلتقون عند الحاجة إلى احترام الخصوصية، والامتناع عن الإضرار بالآخرين، والتعاون في الشدائد، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية.

يقول الشاعر الجاهلي خرنق بن بدر مفتخرا بقومه:

لا يَبْغُونَ عَلَى الجَارِ لَهُمْ

وَهُوَ مَخْذُولٌ قَلِيلُ النَّاصِرِ

يُكْرِمُونَ الجَارَ مَا دَامَ فِيهِمُ

وَيَذُودُونَ عَنْهُ كُلَّ ضَائِرِ

وفي المجتمعات الحديثة، حيث تتعدد الثقافات واللغات والخلفيات الاجتماعية، تزداد أهمية هذه القيم. فقد يعيش في المبنى الواحد أناس يختلفون في عاداتهم ومعتقداتهم وأوقات عملهم وطرائق تربيتهم لأبنائهم. ولا يمكن أن تستقيم الحياة المشتركة إذا اشترط كل طرف أن يعيش الجميع وفق عاداته الخاصة، أو اعتبر كل اختلاف اعتداءً على هويته. المطلوب هو التفاهم على قواعد عادلة تحمي حقوق الجميع، وتسمح لكل فرد بممارسة حياته ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.

وَأَكْرِمْ جَارَ بَيْتِكَ مَا أَقَامَا

فَإِنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ سَرِيعَا

وَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ خَلَلاً لِجَارٍ

إِذَا مَا كَانَ لِلْحُقُوقِ سَمِيعَا

ختاما نكرر التأكيد أن حسن الجوار ليس مجرد أدب اجتماعي أو فضيلة أخلاقية نتجمل بها أمام الآخرين، بل هو اختبار حقيقي لقدرتنا على العيش المشترك، واحترام الاختلاف، وصيانة الحقوق والكرامات. والتسامح لا يعني بالضرورة أن نحب جارنا أو يحبنا بقدر ما علينا أن نجتهد لاحترامه حتى ولو بالقدر الضئيل.

إن الوقاية من الخصام تبدأ من التفاصيل الصغيرة: تحية صادقة، وكلمة طيبة، واحترام للخصوصية، وتسامح مع الهفوات، وحوار هادئ قبل أن تتحول الخلافات العابرة إلى عداوات مستحكمة. وإذا وقع الخلاف، فإن الحكمة تقتضي أن نناقش التصرف بدلًا من إدانة صاحبه، وأن نبحث عن حلول تحفظ الحقوق بدلًا من البحث عن انتصارات زائفة تُرضي الغرور وتُفسد الحياة. فالصلح ليس هزيمة، والاعتذار ليس انتقاصًا من الكرامة، والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، بل القدرة على الجمع بين قوة الموقف ونبل الأخلاق.

ولعل أعمق ما تعلمنا إياه تجارب الشعوب وحكمة التاريخ أن السلام الكبير يبدأ من العلاقات الصغيرة، وأن المجتمعات التي تعجز عن إدارة خلافاتها اليومية يصعب عليها بناء الثقة في دوائرها الأوسع. فما بين الجار وجاره من مصالح مشتركة ومصائر متشابكة يشبه، في جوهره، ما بين الشعوب والدول من روابط تفرضها الجغرافيا وتختبرها السياسة.

فالجار قبل الدار، وحسن الجوار قبل اتساع المكان، والعدل قبل الخصام، والصلح قبل استفحال العداوة. ذلك أن البيوت لا تحمي ساكنيها بجدرانها وحدها، بل تحميهم أيضًا الطمأنينة والثقة والاحترام المتبادل. وليس أعظم انتصار يحققه الإنسان فردا أو جماعة أو مؤسسة أن يُخضع جاره أو يكسر إرادته، بل أن يحفظ حقه وكرامته دون أن يصنع عدوًا، وأن يجعل من الاختلاف جسرًا للتفاهم، لا خندقًا للعداء..

***

د. قاسم المحبشي

 

لماذا ليست الحياة مصممة لتلبية كل الرغبات؟

يمتد طموح الإنسان إلى عنان السماء، وتتسع مخيلته لأمنيات لا تحدها حدود؛ غير أن هذه الرغبات الجارفة غالباً ما تصطدم بجدار الواقع الصلب. بين طموح جامح وواقع معقد، يجد الكثيرون أنفسهم في شباك إحباط ممتد، يتساءلون معه إن كانت المشكلة تكمن في طبيعة أمنياتهم أم في تركيبة عالمهم. ولم يكن التمني يوماً مجرد ترف فكري، بل هو حاجة نفسية ملحة تُصاغ داخل الوعي كآلية دفاعية للهروب من ضغوط الحياة اليومية، أو للتعويض عن إخفاقات حقيقية يعيشها المرء في حاضره. يضاف إلى ذلك فخ "سقف الطموح العالي" الذي تغذيه ثقافة النجاح السريع السائدة في العصر الرقمي، واعدة بالثراء الفوري والنجومية بلا جهد، مما يدفع الأفراد إلى رفع توقعاتهم بشكل يتجاوز قدراتهم الطبيعية، مدفوعين بعقدة "الكمال المطلق" التي ترفض النقص، وتظل تبحث عن توليفة مستحيلة تجمع بين المتناقضات كالثراء الفاحش مع الراحة التامة. غير أن هذا الإبحار في عالم الأخيلة لا يطول؛ فسرعان ما تخرج الرغبة من مهدها النفسي لتواجه شروط الأرض الصارمة، حيث تتحطم أكثر الأحلام بريقاً على صخرة عوائق أساسية تحكم حركة الحياة.

يبرز في مقدمة هذه العوائق الفجوة المالية وغياب التمويل اللازم لتحويل الأفكار الكبرى إلى مشاريع ملموسة، بالتوازي مع أزمة الوقت والطاقة الناتجة عن استهلاك المسؤوليات والالتزامات الأسرية والمهنية لجهد المرء. ولا تتوقف المعوقات عند حدود المادة، بل تتقاطع مع القيود الاجتماعية والثقافية الصارمة التي تحارب كل ما هو غير مألوف، لتنضم إليها فجوة التأهيل العلمي والتحصيل الدراسي؛ حيث يرغب الكثيرون في بلوغ مراتب مهنية رفيعة مع تكاسلهم عن العودة لمقاعد الدراسة وتطوير معارفهم. وهنا يظهر عائق أعمق يرتبط بضعف الشخصية وهشاشة الإرادة، وما يصاحبها من تردد دائم واتكالية تجعل الشخص عاجزاً عن قيادة خططه، بالتزامن مع نقص المهارات العملية والتنفيذية اللازمة لترجمة الطموح كإدارة الوقت والتخطيط. وتكتمل هذه المنظومة المعقدة بالتغيرات الاقتصادية والسياسية المفاجئة، وغياب عامل الحظ أو الفرص المتكافئة، وينتهي الأمر بالشلل الفكري الناجم عن الخوف من الفشل، والذي يمنع الإنسان من اتخاذ خطوته الأولى خشية ألا تكون النتيجة مثالية.

هذه العوائق المتشابكة يختصرها يوسف (38 عاماً) في حكايته الهادئة قائلاً إن حلمه الأكبر لأكثر من عشر سنوات كان تأسيس مركز تكنولوجي يطور برمجيات ذكية تخدم قطاع التعليم. ويضيف أنه كان يملك الفكرة والشغف، لكنه كان يفتقر للتأهيل الأكاديمي المتخصص في هذا المجال الدقيق، ويمنعه التردد من اتخاذ أي قرار مصيري، ومع غياب الدعم المالي وتراكم المسؤوليات التي تلتهم طاقته، تحول الحلم بمرور السنين إلى مجرد فكرة دافئة يهرب إليها قبل النوم لتعوضه عن روتين وظيفته البسيطة، معترفاً بأنه تمنى كثيراً لكنه لم يتحرك خطوة واحدة لبناء الأدوات.

إن قصة يوسف تقودنا إلى حقيقة أن النضج الإنساني لا يعني التخلي عن الأحلام، بل إعادة هندستها لتبدأ من حيث ينتهي الوهم، وذلك عبر الوعي بحدود الممكن وإدراك أن الحياة ليست مصممة لتلبية كل الرغبات. ويتطلب هذا النضج اعتماد تقنية التفكيك، أي تحويل الأمنية الضخمة والعائمة إلى أهداف ذكية، صغيرة ومحددة وقابلة للقياس، مع تحلي الذات بالمرونة النفسية لتقبل السيناريوهات البديلة؛ فإذا استعصت غاية كبرى، وجب فتح مسارات جديدة أصغر ولكنها حقيقية. وهو تماماً ما يصفه يوسف عند حديثه عن لحظة استيقاظه، مؤكداً أن التغيير بدأ عندما توقف عن تمني المستحيل دفعة واحدة وقام بتفتيت الحلم، فتعلم أساسيات البرمجة ذاتياً عبر الإنترنت، وصمّم تطبيقاً بسيطاً لمساعدة طلاب الحي في تنظيم أوقاتهم، مبيناً أن المركز الضخم لم يولد بعد، لكنه على الأقل غادر مقاعد الانتظار وأصبح يسير على الأرض بقدمين حقيقيتين.

في نهاية المطاف، ليست المشكلة في كثرة الطموحات ولا في صعوبة بلغها، بل في ذلك الاستسلام الهادئ الذي يجعلنا نعتاد التمني كبديل مريح عن السعي، حتى تمضي بنا قطارات العمر ونحن واقفون على أرصفة الترقب. وتذكر دائماً أن الرغبات المتروكة في العقول دون عمل هي مجرد ديون مؤجلة تدفع النفس ثمنها إحباطاً متراكماً عند خريف العمر. لا تسمح لروتين الأيام أو الهجس أن ينسيك أحلامك، وفي الوقت ذاته، لا تبقَ أسيراً لسراب وردي بعيد، بل افتح دفاترك القديمة الآن، وشذّب تطلعاتك لتلائم واقعك، وجزّئها إلى خطوات صغيرة، وابدأ اليوم بجهد حقيقي؛ فأن تخطو خطوة واحدة ملموسة نحو هدف متواضع، خير لك ألف مرة من أن تعيش عمراً كاملاً تتمنى فيه المستحيل، فالإرادة الحقة ليست في أن تتمنى، بل في أن تملك الشجاعة لتبدأ.

***

بقلم: صبيح الكعبي

أن القيم تتشكل من التجارب الفردية، نشأة وتربية، فضلاً عن الثقافة والتعليم، فتجد من يعود من رحلة ابتعاث إلى أكثر البلدان تطوراً، يعتنق قيماً مثل احترام الوقت، والحرية، والمسؤولية، والمثابرة. وتبدأ الأزمة حينما يعتنق قيماً تناقض القيم السائدة في مجتمعه التقليدي في تصادم معه، حسب فهمي واعتقادي ان عند كل الديانات والمعتقدات  — تجد الاخلاق الحسنة في اول مبادئها و أسس عقيدتها. ولكن يخونهم التطبيق سواء كان مسلماً او غير مسلم،وقال تعالى يخاطب الرسول (ص) {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4، الخلق لغة: هو السَّجيَّة والطَّبع والدِّين، وهو صورة الإنسان الباطنية وهي عبارة عن هيئة في النفس راسخةٍ تصدُرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ ويُسرٍ، من غير حاجة إلى فكرٍ ولا رويَّة أما صورة الإنسان الظاهرة فهي الخُلق، جعله النبيُّ صلى الله عليه واله وسلم أساسَ الخيريَّة والتفاضل يوم القيامة، فقال: «إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا، أحسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون» (السلسلة الصحيحة: 2/379).

.فديننا دين الأخلاق والتسامح، ونبيّنا القدوة والمثل الأعلى الذي يُحتذى به بالأخلاق، فالأخلاق ثمرة من ثمرات الإيمان لأنّها تنبع من عقيدة وقلب سليم، وهي أساس التعامل بين الناس. قال تعالى: «وقل لعبادي يقولوا التي هى أحسن» الإسراء 53 وقال: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا»،الاحزاب 70 وفى الحديث الشريف: ». قال: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ)… وهكذا ان كان يهودياً، اومسيحياً او كان هندوسياً، أو سيخاً…الخ، كجزء منه و غريزة لا يمكن التخلي عنها حتى وان كانت تبهت شموعها في بعض الأحيان. وقد تتصدع ما بين مختلف الدول التي تتنازع بشأن مصالحها الخاصة. يقول  “ابن خلدون” على القائد السياسي أن يكون القدوة للآخرين، بأن يحترم الأخلاق الفاضلة ويدافع عن الحق، وعليه أن يتعامل بحكمة واعتدال مع غيره.

واذاً تعتبر القيم والمبادئ والأخلاق ضرورية لأي مجتمع يطمح إلى البناء والرقي والتطوير، لأنه اذا فقدت القيم والمبادئ والاخلاق تفكك المجتمع وانهار بناؤه، هنا يجب أن نعرف أن الدعوة للتمسك بالأخلاق والقيم والمبادئ لايعني التخلي عن العمل الجاد الذي يساهم في تقدم البلاد وتطويره وهما الاساس لأي مشروع ناهض، فلا تقوم اي نهضة حقيقية بدون اسس ومبادئ أخلاقية قيمية، واذا كانت هناك اى مشاكل او رياح مسمومة ومختلطة بالحقد السياسي فانها تضرب وتنعكس على أصحابها، وتكشف زيفهم . إذا كانت السياسة في تعريفها البسيط طريق لقيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شؤونها لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها إلا ان افتقارها للاخلاق “كمنهج علمي و يقوم على مبدأي الالتزام والجزاء ويستمد وجوده من حرية الإنسان ، وإرادته في الاختيار، وتحمل المسؤولية، لان الفرد مسؤول عن عمله وعليه الربط بين مفهوم الأخلاق , وبين التطبيق العملي”، تصبح السياسة وسيلة غير نافعة بل هدامة والتي يعتقدها البعض بانها غلبت على العلاقات، كذلك الدولية منها التي اصبحت  تحكمها المصالح السياسية والتحالفات الاستراتيجية ولا تحكمها الأخلاق، فالأخلاق والقيم هما يجب ان تكون غطاء للمصالح الاقتصادية والثقافية والاصطفافات العسكرية، وأن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق و لان الأخلاق يجب ان تتجسد في العلاقات بصورة شفافة وتجد تعبيراً لها في السلوك البشري ضمن نطاق الأسرة و الجماعة و تجاه المجتمع و أجهزة السلطة…والذي يجمع بين الأخلاق و السياسة هو انهما كانتا من اولى  ألادوات في تنظيم الحياة الأجتماعية  ومجال الأختيار السوسيولوجي، ومن هنا قد خرج الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانت” في اعتبار أن الحروب تندلع فقط عندما لا يتوصل الناس إلى تحقيق مجتمع مدني قائم على الأهداف الأخلاقية، الأمر نفسه بالنسبة للإمام الغزالي الذي اعتبر السياسة أشرف العلوم ووظيفتها استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة، لذا فأنهما تتسمان بالديناميكية والتغير وتنظم سلوك المجتمع اذا ما توحدت اهدافهما .

الغالب في سياسة الدول في الزمن الحالي هي المصالح وليس الأخلاق، وذلك على الرغم من ادعاء الدول المتقدمة على التمسك بالمبادئ والأخلاق، باعتبارها الحصن الذي يحمي الدول والحضارات من الوقوع في براثن التدهور والانهيار وهي على ما يبدو ان الحديث عن الأخلاق عموماً والأخلاق في السياسية اليوم مجرد نزلة نوستالجيا اخترقت شرفات الحلبة المشتعلة التي تأوي مايُفترض أن يكون أسرة سياسية واعية بدورها وأسباب وجودها ؛ ولأن الإحتقان العلائقي الذي يعيشه أفراد الأسرة السياسية المنكوبة يوشك أن يُفجر الفعل السياسي ويبدو من المفيد والضروري استدعاء الأخلاق في السياسة لإنقاذها من بين طواحين أفراد اسرهم الذين يتمادون في التنكيل بها فالأخلاق والسياسة ماهيتان مختلفتان بطبيعتها عندهم ومن المحال احتواء إحداهما للأخرى ، نظرياً قد يكون ثمة «معايير أخلاقية» للعمل السياسي، لكن إسقاط ذلك على الواقع يبدو أقرب للخيال، فالعلاقة معقدة بين قيم الأخلاق المعروفة، مثل «الصدق والنزاهة والوفاء..الخ «، والوسائل اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية، التي تعتمد غالباً على ممارسة الكذب والخداع، لكون السياسة تشكل بيئة خصبة لتحقيق المكاسب المادية وصفقات الكواليس والامتيازات المعنوية والوجاهة والألقاب، وقد ساهم في تعزيز هذا السلوك طغيان وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة. ويمكن التمييز بين بلدان الخضوع والخنوع التي تحكم بالنار والحديد و الدول الديمقراطية المستقرة سياسيا، التي تشكل صناديق الاقتراع وتكريس مبدأ تداول السلطة من خلال الأحزاب السياسية، مخرجا للرد على كذب السياسيين واستبدالهم، عندما يفشلون في تحقيق برامجهم ويكتشف الجمهور خداعهم، وهذه ميزة مفقودة في الدول التي تحكمها أنظمة بوليسية وأبوية،أو تصل الى الحكم عبر الانقلابات العسكرية . إن سر نجاح الدول المتقدمة كان في تبني قيم ومبادئ أخلاقية أصبحت راسخة لدى شعوب هذه الدول، إلا أن هذه الدول أو معظمها خرجت عن هذه الضوابط والقواعد الأخلاقية في سياساتها الخارجية، فكانت معاييرها مزدوجة وفق مصالحها التي تدعيها، والتي لا تخدم بالتأكيد مصالح الشعوب الاخرى .مع وجود التناقض الشديد ما بين المبادئ والقيم الداخلية التي ترعاها وتحافظ عليها، وبين سياساتها الخارجية التي تعتمد مبدأ المصلحة كمبدأ في التعامل مع العالم الخارجي، خاصة مع العالم الإسلامي و بالرغم من أضراره الخطيرة على علاقاتهم ومصالحهم.

رغم ذلك يمكن دمجها في زوايا محددة (اي السياسة والاخلاق) في تفاعل متبادل ترعاه أجواء الحرية والاعتدال، لأن الفضيلة السياسية أو الأخلاق في السياسة لا يمكن أن تنمو عيانياً في مناخات التطرف والعنف والغلو ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة. وقد ميز المفكرون والفلاسفة منذ أفلاطون الفارق الكبير في البنية الأخلاقية بين الفرد الذليل والمدفوع وراء أهوائه ونزواته عن الذي يتمتع بكامل حقوقه الطبيعية، المدنية والسياسية ويصبو لقيم الخير والحق والجمال والعدل، فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضاً أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر، وكلاهما، السياسة والأخلاق، تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفاً ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعياً عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكيافيللي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه ” الأمير”، ليظهر السلوك الميكافيللي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية!!.. أن ممارسة الفرد لاي عمل وفي جميع المجالات يتحتم عليه الالتزام بالمعايير الأخلاقية الثابتة، وأن تلتزم الدول والمؤسسات بالالتزامات الأخلاقية. سوف يُستنتج من أن المعايير والضوابط تلك لها دور مهم في إرساء قواعد الممارسة المهنية والروابط السياسية والاجتماعية الفاضلة .

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

حين تبلغ الخمسين، وتكون كهذه الشجرة التي امتدت جذورها في باطن الأرض، رغم كل عوامل التعرية التي حفرت أخاديدها عليك، تكتشف أنك ما زلت قادرًا على أن تورق أغصانًا جديدة.

في هذا العمر، حين يصبح الزمن أمامك، وتلتفت إلى ما خلفك، تدرك كم جُرت على جانب من حياتك لحساب جانب آخر، وتكتشف أنك وحدة متكاملة، وأن ما يصيب جزءًا منك تتداعى له بقية أجزائك.

حين يتألم جسدك، تهرول به إلى طبيب حاذق، وتظن أنك الإنسان الحكيم الذي يولي حياته اهتمامًا، ويحرص على ما يضمن توازنها وقدرتها على الاحتمال في هذا الزمن الأغبر.

وما إن ترى كتابًا أو بحثًا إلا وتسارع إلى اقتنائه، في محاولة يائسة للإفلات من آفة النسيان التي تنتظرك، وفي خضم كل هذا، تنسى أن تأخذ شهيقًا طويلًا، لتزفر معه أوجاع الروح وآلام النفس.

في وسط هذا اللهاث المحموم بين وظيفة لها متطلباتها، ومنزل تحاول إحكام سيطرتك عليه، وأطفال تتوهم أنك تصنع منهم نسخًا منك، تحمل أحلامك وطموحاتك، تتراكم القرارات المؤجلة، وتقبع المشكلات تحت الوسادة في انتظارك، وربما تتكدس في أعماقك دموع كثيرة لم تجد وقتًا لتذرفها.

وفي لحظة يتسرّب فيها الزمن من بين يديك، حين تقف عاريًا في خريف عمرك، كهذه الشجرة، تبدأ في إدراك كم أهملت نفسك، وكم غابت عن ثقافتنا أهمية الصحة النفسية، وغاب عنا امتداد آثارها إلى أجسادنا وأفكارنا، بل إلى تفاصيل حياتنا كلها.

تدرك أن العناية بنفسك ليست أنانية، وأن الاقتراب منها ليس ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الفراغ من مسؤولياتك، بل هو بداية الطريق الحق لفك شفرة الوجود. فكيف لنا أن نفهم العالم من حولنا، ونحن لم نتعلم بعد كيف نصغي إلى ما يحدث في أعماقنا؟ وكيف نعتني بمن نحب، ونحن نغفل عن ذلك الإنسان الذي يسكننا ويحتاج إلينا؟

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في خريف العمر، أن نعود إلى أنفسنا قبل أن يفوت الأوان، وأن نمنح أرواحنا ما تستحقه من الإصغاء والرعاية؛ فحتى الأشجار التي أثقلتها السنون، تستطيع أن تورق من جديد.

تحية في اليوم العالمي للصحة النفسية لكل العاملين في هذا المجال، من أطباء وأخصائيين، ولكل الجهود العظيمة التي يبذلونها في الأخذ بأيدي المتعبين، ومساندة الذين أثقلتهم الحياة، ونشر ثقافة الوعي بالصحة النفسية.

تحية لكل يد تمتد لتنتشل إنسانًا من عتمته، ولكل من يذكّرنا بأن النفس، مثل الجسد، تحتاج إلى الرعاية، وأن الاعتراف بالألم ليس ضعفًا، وأن طلب المساعدة ليس انكسارًا، بل شجاعة تستحق التقدير.

***

منى الصالح

 

لا يوجد أبٌ يتمنّى أن يرى ابنَه ضائعًا أو هاربًا من البيت، لكنَّ الواقع يُثبت أنَّ بعض الأبناء لا يهربون من البيت بقدر ما يهربون من القسوة التي يعيشونها داخله!

في كثيرٍ من البيوت، يظنُّ الأب أنَّ الحزم يعني التسلّط والقسوة، وأنَّ التربية تعني السيطرة الكاملة بالصراخ والضرب والتوبيخ المستمر.

فيتحوّل الأب من قدوةٍ إلى جلّاد، ومن مُربٍّ إلى مصدر خوفٍ ورفض. والأب المتسلّط غالبًا ما يُنظر إليه كإنسانٍ بلا عاطفة، فينمو الكُره في قلوب الأبناء، ويُولد لديهم شعورٌ بالقهر، ورغبةٌ في الهروب من بيئةٍ لا تمنحهم الحب، بل تُشعرهم بالدونية والمهانة.

إنَّ الهروب من البيت ليس دائمًا علامةً على فساد الولد، بل يكون أحيانًا ألمًا مكتومًا في قلب ولدٍ مظلوم، يبحث عن الأمان في مكانٍ آخر، وقد يترتّب على ذلك ضياع الطريق، والانحراف عن جادّة الصواب.

يروي أحد المرشدين التربويين قصةَ مراهقٍ هرب من منزل أسرته ثلاث مرات خلال عامٍ واحد، بسبب الأسلوب العنيف الذي كان والده يعامله به. كان يتلقّى الضرب على أقلّ خطأ، ويُقابَل بالكلمات الجارحة بدلًا من الحوار.

وخلال إحدى الجلسات الإرشادية، قال المراهق

«كنتُ أتمنّى أن يعاملني كإنسان، لا كخصمٍ أو قاضٍ. كنتُ أشعر أنني سجينٌ لا ابن».

هذه الكلمات ليست سوى مثالٍ واحد من مئات الأمثلة التي تؤكّد أنَّ العنف لا يُربّي، بل يكسر، ولا يُصلح، بل يترك في النفس جروحًا قد يصعب اندمالها.

وكثيرٌ من الأبناء الذين يُربَّون بالعنف يُصبحون عدوانيين خارج البيت، أو ضعفاءَ منكسري الشخصية، يحملون في داخلهم آثارًا نفسيةً عميقةً قد لا تزول بسهولة.

إنَّ التربية لا تعني فرض السيطرة، بل تعني بناء علاقةٍ تقوم على الاحترام والحب والاحتواء. ومن أهم ما يجب أن يتعلّمه الآباء اليوم فنُّ التأديب الإيجابي؛ أن يتعرّف الأب على الخطأ، ويسأل عن أسبابه، ويشرح لابنه أثره، ويمنحه فرصةً للتصحيح.

وإن لم يستجب، فليكن العقاب بأسلوبٍ تربويٍّ هادئ، كتنظيم وقت استخدام الأجهزة، أو تقليل بعض الامتيازات، أو تنظيم وقت الخروج، بدلًا من أن يُفرغ الأب غضبه في ضربٍ أو صراخٍ يهدم ولا يبني.

فالأب ليس شرطيًّا في بيته، ولا القاضي الذي يصدر الأحكام، وإنما هو السند والقدوة والملاذ الآمن. وكلمةٌ طيّبة من الأب قد تُعيد إلى قلب ابنه ثقته بنفسه، وحضنٌ صادق قد يختصر سنواتٍ من الألم.

واليوم، تتوفّر برامج ودورات تساعد الآباء على تطوير مهاراتهم التربوية، فكلّما ارتفع وعي الأب، ارتفعت جودة التربية، وقلّت أخطاء الأبناء. فالتربية علمٌ وفنٌّ ومسؤولية، وليست مجرد أوامر ونواهٍ وعقوبات.

فلنُعِد النظر في علاقتنا مع أبنائنا قبل أن نخسرهم إلى الأبد، ولنتذكّر أنَّ الابن الذي يجد في أبيه حنانًا وأمانًا، لن يبحث عنهما في الطرق المجهولة.

فالأبوة ليست سلطةً تُمارَس، بل أمانةٌ تُحمَل، ورحمةٌ تُمنَح، وحبٌّ يبقى أثرُه في القلب ما بقي الإنسان.

ومن وحي المقال

يا أبَاهُ، إنَّ الفؤادَ أمانةٌ

فاحفظْهُ بالحبِّ الجميلِ وصُنْهُ

لا تجعلِ التأديبَ نارَ قسوةٍ

فالحبُّ أبلغُ ما يكونُ بفنِّه

وابنُكْ إذا وجدَ الحنانَ بأبِهِ

مَضَى إلى دربِ الحياةِ بأمنِهِ

***

بقلم صبيح الكعبي

لكي لا يُساء فهم المقال، فهو إقتراب سلوكي نفسي بحت من التأريخ بمتوالياته المأساوية، ومحاولة للفهم!!

ولا بد من العودة إلى الأساسيات التي إنطلق منها، فالمقال ليس معنيا بالإنجازات، ويركز على نظام الحكم الذي بقي متأرجحا حتى اليوم، وبسبب إنعدام الرؤية الواضحة الراسخة تمكنت الفردية والإجتهادات الشخصية من مسيرة الحكم في بلاد المسلمين.

فالخلفاء الراشدون الذين هم الأعرف بالشرائع وجوهر الدين، لرفقتهم لنبيه وأخذهم الدين من منبعه، لم يضعوا دستور حكم تمضي عليه الأجيال، ولم يجدوا حلا لعلاقة الدين بالدولة، أو كيف يكون الحكم في دولة الدين.

فلم يأتوا بصيغة عملية لمعنى "وأمرهم شورى بينهم "، "وإذا حكمتم فاحكموا بالعدل"، وغيرها من أمّهات الأفكار التي بموجبها يكون الحكم ، واعتبروا القرآن هو الدستور، وتركوا الأمور لإجتهادات فردية وتأويلات وتفسيرات أدّت إلى تداعيات مأساوية دامية.

هذا  الإخفاق تسبب بقتل ثلاثة منهم، ولو إستمر حكم الخليفة الأول أطول لربما كان مصيره القتل أيضا، لكنه توفى مبكرا وحكم أقل من ثلاث سنوات.

وعند وفاة النبي لم يكن للمسلمين دستور حكم مدني واضح، فنهضت القبلية والإجتهادات الشخصية والتأويلات المتضاربة، وبرزت إنشقاقات وتناحرات قاسية بينهم، بل بين الصحابة أنفسهم الذين صاروا يتقاتلون.

وفي زمنهم إزدحمت المدينة بأولاد الصحابة وما عرفوا حلا لها، مما تسبب بتصارعات حامية بينهم، لطلب السيادة والحكم والرئاسة أيا كان نوعها.

وتوسع دولة الإسلام أيقظ نوازع الرغبات الدفينة ومنطلقات الغنيمة، فهم يريدون الإغتنام والقيادة والإقتحام، لكنهم في المدينة مقيمون، ومع بعضهم يتجادلون ويتخاصمون .

وهذه الحالة أدّت إلى تداعيات تواصلت بعد إنتهاء فترة حكمهم، وكانت مروعة ولا علاقة لها بالدين، وإنما حروب متوحشة إنتهكت فيها جميع الحُرمات.

ووفقا للإجتهاد ولما هو متعارف عليه آنذاك، بدأت فكرة التوريث، التي كانت سائدة في أنظمة الحكم من حولهم، وأضافوا إليها البيعة، وإنطلقت عندما تولى الخلافة الحسن بعد مقتل أبيه في الكوفة، ولو أنها أعتبرت بيعة، ولا دخل لعلي بها، لكنها ظهرت بثياب التوريث، ومضى على نهجها معاوية وفقا للمنطق القبلي التناحري بين الأمويين والهاشميين، فأرادها توريثا.

ومنذ إنطلاق نظام الحكم بالوراثة وحتى اليوم، والعرب في مضطربات الحكم الفردي الخالي من الثوابت الدستورية والقوانين التي تحمي الدولة وحقوق المواطنين، فكلٌّ يحكم على هواه ومنطواه، وبسبب ذلك تأكد الضعف وما تمكنت الأمة من الإرتقاء إلى جوهر ما فيها من الطاقات والقدرات.

فتراكمت الأخطاء والخطايا في مسيرة دولة الدين، وما أعقبها من دول وحكومات معاصرة، إدّعت الدين.

ولا يزالون عاجزين عن كتابة عقد إجتماعي يصون كرامتهم وعزتهم، ويحافظ على وجودهم القوي الأبي المكين.

وبموجب ما تكرر وترسخ في الوعي الجمعي، صار الحاكم أو السلطان يمثل الزمان، ولهذا قالوا " إذا تغير السلطان تغير الزمان"، مما يشير إلى عدم وضوح نظام الحكم، وفقدانه للثوابت والأسس والمنطلقات الراسخة.

 ترى لماذا لم يتقدم أي من الخلفاء الراشدين برؤية واضحة، ولا بصورة دستورية وشرعية، لبيان أسس ومنطلقات الحكم وثوابته التي على المسلمين إتباعها؟

لماذا تقيّدوا بالبيعة وبإجتهادات لم تفلح في المنظور البعيد؟

الخلفاء الراشدون، لو نظرنا إلى نظام حكمهم لتبين أنه فردي يرتكز على مفهوم الخليفة صاحب الصلاحيات المطلقة، والإجتهادات التي تدعو لطاعتها وتمثلها.

وفكرة الخليفة من الخطايا التي لا تزال فاعلة فينا، لأنها تطورت وإكتسبت معان وتوجهات ما كانت تقصدها في بدايتها، لكنها صارت تعني نواب الله أو الحاكمين بأمره، فتعدت معنى النبوة، فالخليفة طاعته واجبة، وإن كان بلا إيمان ولا فهم بسيط لمعنى الدين.

ويبقى المسلمون يتصارعون في دوامة مفرغة مبهمة، لا توجد فيها صورة واضحة لمعنى الخليفة، ولا يترتب عليها دستور حكم ذو قيمة إنسانية معاصرة، وما تعنيه في جوهر ترجمتها هو الفردية المقدسة والطغيان والإستبداد والقول بالسمع والطاعة، وهو ديدن الكراسي التي سفكت دماء المسلمين، وربما يكون المسلمون هم الذين قتلوا من المسلمين أكثر مما قتله منهم أعداؤهم مئات المرات، فمسيرتهم مفعمة بقتلهم لبعضهم، ولا يزال المسلمون أعداء المسلمين، وتلك مصيبة أمة بدين.

فهل من قدرة على الخروج من هذا المستنقع، والتمعن بالمقال لا رميه بألف حجر ؟!!

بدستورٍ يُجمِّعُنا نكونُ

بأفرادٍ كما تَهوى نهونُ

إذا انْفلتتْ عِقالُ الفعلِ فينا

بصائرُنا سَتُعْمى أو نَخونُ

قِوانا في تَلاحُمِها اقْتدارٌ

بعُصْمَتها لوَحْدَتِنا نَصونُ

***

د. صادق السامرائي

أمس، الخميس الموافق الثامن من أكتوبر عام ٢٠٢٦، سعدت للمرة الثانية بمرافقة صديقي الدكتور إريك مولدر، كبير الباحثين في متحف التاريخ الطبيعي، إلى مدينة أوتومارسوم الهولندية الجميلة، والاستماع إلى محاضرته في إحدى قاعات دار الرعاية المخصصة لكبار السن. كانت المرة الأولى قبل نحو ثلاثة أشهر، وتحديدًا في الثامن من يوليو، إذا لم تخني الذاكرة، حين استمعت إليه يتحدث عن التنوع البيولوجي وأهميته في حماية البيئة. أما محاضرته الثانية، فقد اختار لها موضوعًا لا يقل إثارة عن الموضوع الأول: الطيور وتطورها.

لم أكن أعرف، قبل هذه التجربة، أن محاضرة علمية عن الطيور يمكن أن تتحول إلى ذلك اللقاء الإنساني البهيج، الذي تتداخل فيه المعرفة بالذاكرة، والعلم بالمتعة، والدهشة بفضول الإنسان الذي لا يشيخ بالضرورة حين يشيخ جسده. كانت القاعة مرتبة، والحاضرون من النساء والرجال، ومعظمهم تجاوزوا الثمانين من العمر، يجلسون في أماكنهم بانتظار المحاضر. وما إن بدأ إريك حديثه حتى وجدت نفسي أمام مشهد يستحق التأمل، ليس بسبب المعلومات العلمية التي قدمها فحسب، وإنما بسبب الطريقة التي استطاع بها أن يستحوذ على انتباه الحاضرين، ويستثير حماستهم، ويحافظ على تفاعلهم طوال ساعة كاملة.

تجربة تستحق أن تُسجل. فقد اعتدت أن أقف في قاعات الجامعة أمام طلاب تقل أعمار معظمهم عن الخامسة والعشرين، وأن أبذل جهدي لاستدراج انتباههم إلى أسئلة الفلسفة والتاريخ والحضارة، لكنني كثيرًا ما كنت أجد بعضهم شارد الذهن، وبعضهم الآخر يقاوم النعاس، فيما يبدو أن أفكار المحاضر تسير في اتجاه، وأذهان بعض المستمعين في اتجاه آخر. أما هنا، في قاعة دار الرعاية، فقد كان المشهد مختلفًا تمامًا. رجال ونساء تقدم بهم العمر، ومع ذلك كانوا ينصتون بشغف، ويتفاعلون بحيوية، ويشاركون في الحوار، وكأنهم يستعيدون شيئًا من شبابهم أمام موضوع يوقظ فيهم ذكريات الطبيعة وأسئلة الحياة.

والسؤال هو: كيف يستطيع إنسان أن يجعل المعرفة حدثًا حيًا، فيما تتحول المعرفة ذاتها، في بعض المؤسسات التعليمية، إلى عبء ثقيل على عقول المتلقين؟ وما الذي يجعل محاضرة علمية في قاعة صغيرة بدار رعاية أكثر حيوية من بعض المحاضرات الجامعية التي يفترض أنها موجهة إلى شباب يتقدون فضولًا وطاقة؟

أظن أن جزءًا من الإجابة يكمن في شخصية إريك مولدر، وفي خبرته الطويلة، وفي قدرته على تحويل العلم من معلومات تُلقى إلى تجربة تُعاش.

إذ يُعدّ الدكتور إريك مولدر عالم أحياء وحفريات هولنديًا، كرّس أكثر من أربعين عامًا من حياته المهنية للعمل في متحف ناتورا دوشيت (Natura Docet) بمدينة دينيكامب، منذ عام 1983 حتى تقاعده رسميًا في أكتوبر 2022. عمل قيّمًا للمتحف ومحاضرًا ومصممًا للمعارض، وأسهم في نشر المعرفة العلمية وتقريب علوم الطبيعة والحفريات من الجمهور. وتتركز أبحاثه في حفريات الفقاريات وجيولوجيا العصر الطباشيري، وله عشرات المنشورات والكتب العلمية. كما شغل منصب قيّم شرفي في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة ماستريخت، وألقى محاضرات ضيفًا في جامعة تفينتي، وشارك خبيرًا في برامج تلفزيونية، منها برنامج الأطفال الهولندي الشهير Het Klokhuis. وتقديرًا لمسيرته العلمية والثقافية، مُنح عام 2022 وسام أورانج-ناسا الملكي برتبة فارس، وأُقيم معرض تكريمي بعنوان «خزانة غرائب إيريك»، احتفاءً بإسهاماته الممتدة في خدمة العلم والثقافة.

لم يدخل إريك القاعة محملًا بالأوراق والجداول والمصطلحات العلمية التي قد تفصل العالم عن جمهوره، وإنما اصطحب معه مجموعة من العينات المحنطة لطيور مختلفة، صغيرة وكبيرة، وضعها أمام الحاضرين لتكون جزءًا من المحاضرة، لا مجرد وسائل إيضاح هامشية. كانت الطيور حاضرة بأجسادها وألوانها وأشكالها، وأصبحت كل عينة مدخلًا إلى سؤال، وكل سؤال فرصة لاستثارة فضول الحاضرين بمثابة دعوة مفتوحة للمشاركة. كان يمنح الحاضرين فرصة للتخمين والتعليق وإبداء الرأي، ويستقبل إجاباتهم باهتمام، ويستثمرها في الانتقال إلى معلومة جديدة. وبهذه الطريقة، لم يعد المستمع متلقيًا سلبيًا ينتظر انتهاء المحاضرة، بل أصبح شريكًا في بنائها.

وهنا تتجلى براعة المحاضر الحقيقي. فليس المهم أن يعرف العالم أكثر مما يعرفه جمهوره، وإنما أن يعرف كيف يفتح أمامهم أبواب المعرفة، وكيف يجعلهم يشعرون بأن أسئلتهم جديرة بالاهتمام، وأن مشاركتهم جزء من قيمة اللقاء. العلم الذي لا يستطيع مغادرة لغته المتخصصة يظل حبيس المختبر والكتاب، أما العلم الذي يتحدث بلغة الناس، ويحترم خبراتهم وذاكرتهم، فإنه يصبح جزءًا من حياتهم اليومية.

وقد بدا لي أن إريك يمتلك هذه الموهبة عن جدارة. فهو لا يختصر المعرفة إلى حد الإخلال بها، ولا يعرضها في صورة أكاديمية جافة، بل يمارس ما يمكن أن نسميه فن التبسيط العميق؛ أي القدرة على تقديم الفكرة العلمية بلغة سهلة من دون التضحية بجوهرها. وهذا، في تقديري، من أصعب فنون التعليم والتواصل العلمي.

تجربة امس أيقظت في الذاكرة فكرة طالما وشغلتني طويلًا، وهي أن الاهتمام مفتاح المعرفة والفهم، وأنه ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل قوة دافعة تتصل بأصل الحياة نفسها. فالجوع يدفع الكائن الحي إلى البحث عن الطعام، والعطش إلى البحث عن الماء، والحاجة إلى الحب تدفع الإنسان إلى البحث عن حبيب، والحاجة إلى الاعتراف وتأكيد الذات تحفزه على الإنجاز والإبداع. وحين تموت الدافعية، تتراجع الحركة وتضعف المبادرة؛ فالأسد الذي لا يغادر عرينه بحثًا عن الغذاء يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج

كانت البومة من أكثر الطيور التي استوقفتني في محاضرته. فقد عرض منها ثلاثة أشكال مختلفة، فبدت لي فرصة مناسبة للانتقال من علم الأحياء إلى تاريخ الفلسفة، ومن جسد الطائر إلى المعاني الرمزية التي حملها في الذاكرة الإنسانية. وانا استمع اليه واشاهد البومة التي يتحدث عنها تذكرت مقال نشرته قبل أيام بعنوان «وداعًا بومة منيرفا الهيجلية»، ولفتت نظره إلى رمزية البومة في الميثولوجيا اليونانية، وارتباطها بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والمعرفة، التي عُرفت في الميثولوجيا الرومانية باسم مينيرفا.

تقول العبارة المنسوبة إلى هيجل إن بومة مينيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق؛ أي إن الفلسفة تفهم التاريخ غالبًا بعد اكتمال تجاربه وانكشاف تناقضاته. لكن فهم الواقع لا يعني الاكتفاء بتأمله، بل قد يمهّد لتغييره. وقد وجدت في البومة التي عرضها الدكتور إريك مولدر جسرًا بين عالم الطبيعة وعالم المعنى، وفرصة لاستكشاف جذور ارتباطها بأثينا ومينيرفا. هكذا أضافت المحاضرة بُعدًا جديدًا إلى تأملي الفلسفي، وأكدت أن المعرفة لا تعرف حدودًا فاصلة بين العلم والفلسفة؛ فقد تفتح عينة طائر محنط أبوابًا واسعة للتفكير في الحكمة والإنسان والطبيعة.

اصطحب المحاضر معه أنوع مختلفة من أزواج الطيور الأثرية في متحف التاريخ الطبيعي؛ قرابة عشرة أنواع من الطيور الصغيرة والكبيرة، غير أن المحاضرة لم تتوقف عند الأشكال الخارجية للطيور أو عند الفروق بين الذكور والإناث، بل قادتنا إلى السؤال الأوسع المتعلق بتاريخها التطوري. فالطيور التي نراها اليوم تحلق في السماء، أو تقف على أغصان الأشجار، أو تبحث عن غذائها في الحدائق والمروج، تحمل في أجسادها قصة تمتد ملايين السنين إلى الماضي السحيق.

وحين نفكر في أن أكثر من أحد عشر ألف نوع من الطيور يعيش اليوم في بيئات مختلفة حول العالم، ندرك حجم التنوع الذي أنتجته هذه المسيرة التطورية للكائنات الطايرة . تتباين الطيور في أحجامها وألوانها ومناقيرها وأصواتها وأساليب تغذيتها، لأن كل نوع يواجه شروطًا بيئية خاصة، ويطور ما يساعده على البقاء والتكاثر. ويكشف اختلاف المناقير، مثلًا، كيف ترتبط البنية الجسدية بوظيفة الكائن وبنوع الغذاء الذي يعتمد عليه ففي أنواع كثيرة، يمتلك الذكر ريشًا أكثر بريقًا، بينما تكون ألوان الأنثى أكثر هدوءًا، بما يساعدها على التمويه خلال حضانة البيض. لكن هذه القاعدة ليست عامة، فأنواع الطيور تختلف في أنماطها السلوكية والتكاثرية، وقد تتشابه الذكور والإناث في المظهر أو تنعكس بعض الفروق بينهما. وهنا تتيح ملاحظة الطيور نافذة لفهم العلاقة بين الشكل والوظيفة، وبين التكيف والبيئة، وبين البقاء والتكاثر.

وبينما كنت أتابع تفاعل الحاضرين مع هذه المعلومات، وجدت نفسي أعود إلى السؤال الذي رافقني منذ بداية المحاضرة: ما سر هذا الحضور الذهني الذي أبداه كبار السن؟ لقد كان بعضهم يبتسم، وبعضهم يجيب عن الأسئلة، وبعضهم يتأمل العينات بتركيز، وكأن كل طائر يعيد إليه ذكرى أو يوقظ لديه سؤالًا قديمًا. ولم تكن حماستهم مجرد استجابة لموضوع محبب، بل كانت أيضًا ثمرة أسلوب المحاضر الذي عرف كيف يحترم عقولهم، ويخاطب خبراتهم، ويمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة فالتعلم ليس حكرًا على مرحلة عمرية، كما أن الفضول ليس امتيازًا للشباب. وقد يكون الإنسان، في الثمانين أو التسعين، أكثر استعدادًا للإنصات إلى المعرفة من شاب لم يتعلم بعد كيف يصغي.

خرجت من محاضرة إريك مولدر وأنا أشعر بأنني لم أستمع إلى درس عن الطيور وحدها، بل شهدت درسًا في فن التواصل الإنساني، وفي معنى أن تظل المعرفة قادرة على جمع الناس وإثارة دهشتهم، مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم وتجاربهم. كان إريك عالمًا حين تحدث عن تطور الطيور، ومحاضرًا بارعًا حين استدرج الحاضرين إلى الحوار، وإنسانًا يعرف أن المعلومة تصبح أكثر رسوخًا حين تصل إلى القلب عبر باب العقل.

أشكر صديقي الدكتور إريك مولدر على هذه المحاضرة الممتعة، وعلى الدرس الإنساني العميق الذي قدمه، بقصد أو من دونه، في كيفية تحويل العلم إلى حوار، والمعرفة إلى بهجة، والتخصص إلى جسر يصل العالم بالناس. ففي ساعة واحدة بدار الرعاية، أدركت من جديد أن التعليم ليس حشدًا للمعلومات في العقول، وإنما إيقاظ لفضولها، وتحرير لأسئلتها، وفتح لنوافذ الدهشة أمامها. فالمحاضر الحقيقي ليس من ينتهي دوره بانتهاء حديثه، بل من يترك في نفوس مستمعيه أسئلة تواصل الحياة بعد مغادرته القاعة. وحين غادرنا، بقيت الطيور صامتة، وظلت البومة في مكانها، لكن نظرتي إليها لم تعد كما كانت؛ فقد رأيت فيها كائنًا من تاريخ الطبيعة، ورمزًا من تاريخ الفلسفة، وشاهدًا على قدرة المعرفة على وصل الأزمنة والعقول. وتلك أجمل هدايا اللقاء: أن نظل، مهما تقدم بنا العمر، قادرين على الدهشة، متعطشين للتعلم، رافعين رؤوسنا نحو العالم، نسأل ونكتشف ونبحث عن المعنى.

***

د. قاسم المحبشي

 

مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026.

ترجمة: د.محمد عبد الحليم غنيم

***

نشر موقع الجائزة نص المكالمة الهاتية اليون الجمة 9 من أكتوبر 2026. وفيما يلي نص المقابلة التي أجرتها لجنة نوبل أمس بالفائزة بنوبل فى الأدب آن كارسون :

جيني ريدين: مرحباً، أنا جيني ريدين من جائزة نوبل.

آن كارسون: أوه، جيد. حسناً، وصلنا. تفضلي.

جيني ريدين: حسناً، شكراً جزيلاً. أولاً وقبل كل شيء، تهانينا الحارة!

آن كارسون: شكراً. الأمر جنوني نوعاً ما.

جيني ريدين: كيف تشعرين الآن وكيف تلقيتِ الخبر؟ هل يمكنك أن تصفي لنا المشهد، من فضلك؟

آن كارسون: أنا فقط آكل بسكويتاً وأشرب كوب شاي. لا شيء دراماتيكي حقاً بعد. ما زالنا فى فترة الصباح. لذا لا أفعل سوى مجرد الجلوس في المطبخ أقرأ لندن ريفيو للكتب وأشرب الشاي. لاحظت أن الأرضية تحتاج إلى كنس، ، فقفزت لأقوم بذلك. ثم انهالت تلك المكالمات الهاتفية، وكنت أواصل إغلاقها لأني دائماً أغلق الهاتف عندما يرن.

روبرت كوري: أنا الزوج، وأنتِ مدينة لي لأنني من جعلها تتصل فعلاً برقمكم.

آن كارسون: أجل، هو يرد على الهاتف. عادةً أطفئ الهاتف. هو يرد ثم يجعلني أعاود الاتصال. يبدو الأمر جنونياً قليلاً. أعتقد أنكم جميعاً مجانين.

جيني ريدين: لماذا يبدو الأمر جنونياً ومجنوناً؟ ألم تتوقعي هذا؟

آن كارسون: حسناً، من سيتوقع ذلك بحق السماء؟

جيني ريدين: قلتِ إنك في منزلك، وأين ذلك؟

آن كارسون: في ريكيافيك، على البحر. لذا يطل على القطب الشمالي. آسفة أنني لست دراماتيكية جداً معك. مجرد يوم عادي هنا.

جيني ريدين: هل فكرتِ في ما تعنيه لك جائزة نوبل هذه؟

آن كارسون: لا، لم أفكر. نحن فقط نفكر في طرق للتبرع بالمال. لدينا صديق يحتاج منزلاً، ونحن دائماً نتبرع كثيراً لأطباء بلا حدود. أجل، أشياء من هذا القبيل.

جيني ريدين: كيف ستحتفلين بهذا الخبر غير المتوقع؟

آن كارسون: سنخرج ونسير في الغابة حتى لا نضطر للرد على الهاتف، بصراحة. ثم سنستمع إلى الهدوء.

جيني ريدين: جميل. بالحديث عنك ككاتبة وعن عملك؛ لشخص ربما لا يعرفك جيداً، كيف تصفين كتابتك؟

آن كارسون: غير مقصودة، هكذا أصفها. دائماً أحاول أن أفعل شيئاً آخر.

جيني ريدين: إذا كان شخص لا يعرفك جيداً ويرغب في معرفة المزيد عن كتبك وعملك، من أين تقترحين أن يبدأ؟

آن كارسون: لا أعرف. الأمر في أي مكان. معظم الناس يقرأون السيرة الذاتية. لقد قرأتها، تبدو سهلة الاستيعاب. لكن لا أعرف. ابدأ من الوسط، أقول دائماً.

جيني ريدين: بالحديث عن البداية؛ عندما تبدأين مشروع كتاب جديد، كيف تبدأين وكيف تبدو عملية كتابتك؟

آن كارسون: ابدأ من الوسط. إنها القاعدة الوحيدة لدي.

جيني ريدين: كيف ذلك؟

آن كارسون: حسناً، أياً كان ما تأخذينه من ذلك، اعثري على الوسط، ابدئي هناك.

جيني ريدين: هل لديك أي مصادر إلهام تعودين إليها؟

آن كارسون: هومر.

جيني ريدين: إذن أنتِ معلمة في الكلاسيكيات واستخدمتِ الكثير من هذه القصص لوضعها في سياق أكثر حداثة. لماذا تعتقدين أن لهذا علاقة بالناس اليوم؟

آن كارسون: إنه ليس كذلك. لا أعتقد أنني مهتمة بالعلاقة أو الصلة. أنا مهتمة بأن نكون ذوي صلة بهم.

جيني ريدين: قرأت أنك قلتِ إنه من المهم بالنسبة لك تجنب الشعور بالملل، الملل. لماذا ذلك؟

آن كارسون: حسناً، لا أحد يحب الشعور بالملل، أليس كذلك؟ ألا تتجنبينه؟

جيني ريدين: لماذا هو مهم جداً بالنسبة لك، في اعتقادك؟

آن كارسون: حسناً، ليس مهماً جداً. إنه مجرد معيار لما أفعله بعد ذلك في اليوم، كما تعلمين، أكنس الأرضية، أقرأ هومر. إنها مسألة تجنب الملل في كثير من الأوقات. الحياة مملة.

جيني ريدين: أتعتقدين ذلك؟

آن كارسون: افعلي شيئاً بها.

جيني ريدين: هذه نصيحة جيدة. وإذا كان شخص ما يطمح لأن يكون كاتباً، هل لديك رسالة له؟

آن كارسون: لا، نفس الرسالة، ابدأ من الوسط.

جيني ريدين: أستطيع سماع هواتفك ترن في الخلفية. شكراً جزيلاً لك على وقتك. تهانينا مرة أخرى.

آن كارسون: شكراً جزيلاً لك.

جيني ريدين: إلى اللقاء الآن.

آن كارسون: إلى اللقاء.

(انتهت المكالمة)

ليس كل من تعرض للظلم ضحية، وليس كل من مر بظروف قاسية وصعبة محكوماً عليه أن يعيش بقية حياته أسيراً لها وضعيفاً. فالإنسان قد يتعرض للفشل أو الخيانة أو الإهمال والتقصير وفقدان شخص عزيز أو  يعيش تجربة مؤلمة لم يخترها أو يكون سبباً فيها، وقد يكون بالفعل قد تعرض للظلم والجور أحياناً، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ما حدث له من تجربة مؤلمة وصادمة إلى طريقة دائمة في النظر إلى الحياة على أنها مظلومية، فيرى نفسه دائماً مجني عليه أو مظلوماً، وأن الآخرين دائماً مسؤولين عن ذلك، والظروف دائماً ضده وتعانده وتعاكسه، ويصبح لديه القناعة بأنه لا يستطيع تغيير شيء. هنا تبدأ ما يمكن أن نسميه عقلية الضحية الذي يظن نفسه مستهدف ويتعرض للعقاب والنيل منه.

عقلية الضحية ليست مجرد شعور عابر بالحزن أو الإحباط، وإنما نمط عام من التفكير يجعل الإنسان يفسر معظم ما يحدث في حياته من خلال فكرة واحدة: "أنا لا أستطيع، لأن الآخرين أو الظروف منعوني وقيدوا حركتي". فإذا فشل في عمله، قال إن المدير لم ينصفه وأنه ظلمه ومايز زملائه عليه، وإذا لم يحقق هدفاً أو إنجازاً. قال إن الظروف لم تساعده وتقف في جانبه، وإذا اختلف مع شخص، رأى نفسه الطرف المظلوم والمعتدى عليه، وإذا ضاعت منه فرصة، انشغل بالحديث عن حرمانه منها بدل أن يسأل نفسه عن سبب ذلك وأنه قد يتحمل جزءاً كبيراً من ضياعها، وأن الخير في القادم من الفرص وكيف يمكن الاستعداد لها. ومع تكرار هذا النمط يصبح الإنسان أكثر تعلقاً بدور وعقلية الضحية، ليس لأنه يحب الألم بالضرورة، وإنما لأن هذا الدور يمنحه هامشاً من الهروب من مسؤوليته ويعفيه أحياناً من مسؤولية التغيير والسعي.

والإنسان عندما يعتاد أن يرى نفسه ضحية يبدأ تدريجياً بفقدان الإحساس بقدرته على التأثير وصناعة المواقف والأحداث. فهو لا يبحث عن الحل بقدر ما يبحث عن الشخص الذي يحمله المسؤولية. ويضع عاتق ما يحصل له على رقبة غيره ومسؤوليته، ولا يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل؟ بل يسأل: لماذا يفعلون بي هذا؟ ولماذا أنا على وجه الخصوص دون غيري من الناس؟ ولماذا لا يساعدني أحد ويقفون في جانبي؟ وهنا تتحول المشكلة من حدث خارجي إلى مشكلة داخلية الشكوى والتذمر وإتهام الآخرين، لأن الإنسان لا يعود يتعامل مع الواقع كما هو، وإنما يتعامل معه من خلال عدسة عقلية ونفسية تجعله يرى العجز أكثر مما يرى الإمكانات المتاحة والفرص السانحة.

والأخطر أن عقلية الضحية قد تصبح مريحة بطريقة خفية؛ دون ان يدري ويعلم تأثيرها السلبي عليه، لأنها تمنح الإنسان مبرراً ومسوغاً لعدم المحاولة والتجريب مرة أخرى. فإذا كان الآخرون هم السبب في كل شيء، فلماذا أتعب نفسي أو اشقى بها؟ وإذا كانت الظروف هي التي تمنعني، فلماذا أبدأ وأكرر المحاولة؟ وإذا كان الجميع ضدي، فلماذا أثق بأحد أو أشعر بالراحة والطمأنينة منه؟ وهكذا يصبح اللوم ورمي الحمل على الغير وسيلة للهروب من المسؤولية والتنصل منها، وتصبح الشكوى بديلاً عن الفعل والعمل التصحيحي، ويصبح انتظار إنصاف الآخرين أهم من صناعة الإنسان لخياراته بنفسه وتطويرها والسعي الجاد للبحث عن سبل الحياة وطرق النجاح والتميز فيها.

لكن تحمل المسؤولية لا يعني أن ننكر الظلم أو نتجاهله أو نحمل الإنسان مسؤولية كل ما حدث له. هناك أشياء تقع خارج إرادتنا يرتكب منها الناس بالأخطاء، وهناك أشخاص قد يؤذوننا فعلاً، وهناك ظروف قد تكون أقوى من قدرتنا على التحكم فيها وقيادتها. إلا أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون الإنسان ضحية لحدث وبين أن يجعل من الضحية هوية يعيش بها ويعتاش منها. قد لا أكون مسؤولاً عما حدث لي، لكنني مسؤول بدرجة كبيرة عن الطريقة التي سأتعامل بها مع ما حدث ومع من أتعامل معه ويسهم في الحدث نفسه، وعن الخطوة التي سأخذها بعد ذلك، وعن الطريقة التي سأبني بها حياتي من جديد حتى أتجاوز الأخطاء.

وهنا تظهر القوة الحقيقية في الإنسان وقدرته على التغيير وصناعة الفرص. فالقوي ليس هو الذي لم يتعرض للألم أو الفشل، وإنما هو الذي استطاع أن يمنع الألم من أن يصبح مفهوماً وتعريفاً كاملاً لشخصيته. قد تفشل، لكن الفشل لا يعني أنك فاشل أو عديم النفع والفائدة. وقد تتعرض للخيانة، أو تعمد الاخرين من حولك عدم مساعدتك أو الوقوف إلى جانبك، لكن ذلك لا يعني أن جميع الناس خائنون ويتعمدون الإيذاء لك والنيل منك. وقد تخسر فرصة، لكن ذلك لا يعني أن فرص الحياة انتهت وأن الحياة مليئة بالمحطات التي يتمكن منها المرء من النجاح. وقد تتعرض للظلم، لكن ذلك لا يعني أن مستقبلك أصبح ملكاً ورهناً لمن ظلمك. أو تجاوز حده معك. فالإنسان أكبر من التجربة التي مر بها، والماضي جزء من قصته، لكنه ليس بالضرورة خاتمة قصته، فهو قادر على تجاوز معاناته والعبور منها إلى نفق أكثر إشراقاً وضوءاً.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس دائماً: "لماذا حدث هذا لي؟"، وإنما: "ماذا أستطيع أن أفعل الآن حيال ما حدث معي؟". السؤال الأول قد يعيدنا إلى الماضي ويستنزف طاقتنا ويضعفنا في البحث عن تفسير أو مذنب، أما السؤال الثاني فيعيدنا إلى الحاضر ويضع أمامنا إمكانية الفعل والتعديل والتبديل للأحسن والأفضل. قد لا أستطيع تغيير ما حدث، لكنني أستطيع أن أتعلم منه. وأخرج فوائد جمة لكي أقف من جديد وأحاول لكي أتمكن من الوصول والسير نحو الطريق الموصلة للخير والنفع. قد لا أستطيع تغيير الآخرين، لكنني أستطيع أن أضع حدوداً واضحة معهم. وأستطيع أن أقود حياتي بشكل أفضل وأتحكم في الظروف كلها، لكنني أستطيع أن أبحث عن الخيارات المتاحة داخل هذه الظروف. وأصنع منها واجهة سليمة وموفقة.

ولعل من أكثر الأمور التي تساعد الإنسان على الخروج من عقلية الضحية أن يتعلم التفريق بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع قيادته والسيطرة عليه. فلا يهدر طاقته في محاولة تغيير الناس أو الماضي أو الظروف الخارجة عن إرادته، وإنما يوجه اهتمامه إلى أفكاره وقراراته وسلوكه ومهاراته وعلاقاته وحدوده وأهدافه. عندما يفعل ذلك يبدأ باستعادة شيء مهم جداً فقده أثناء شعوره بالعجز، وهو الإحساس بالقدرة والقوة على الفكرة الإيجابية والفعل والممارسة الفضلى.

وهذه الفكرة ينبغي أن تبدأ منذ الطفولة. فالطفل الذي يتربى ويتنشأ ويتعود أن يحل والداه كل مشكلة نيابة عنه قد يكبر وهو ينتظر من الآخرين إنقاذه ومساعدته، بينما الطفل الذي يجد من والديه دعماً وتشجيعاً مع مساحة للمحاولة والخطأ والتجريب يتعلم تدريجياً علأى الصبر ويعتقد أنه قادر على مواجهة المشكلات. والأزمات. لذلك لا ينبغي أن تكون التربية مجرد حماية الطفل من الصعوبات، وإنما يجب أن تكون كذلك تدريباً له على التعامل مع ظروف الحياة وتعاملاته مع غيره. ليس المطلوب أن نقول له دائماً: "لا تقلق، سأحل المشكلة"، وإنما أن نقول له: " أنا إلى معك وإلى جانبك، وسأساعدك عندما تعجز عن حل مشاكلك وتحدياتك حتى تتعلم كيف تحل المشكلة بنفسك وتتعود على مواجهة المواقف والأشخاص في حياتك.

إن التخلص من عقلية الضحية لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن الظلم أو الجور الذي يحدثه الآخر، ولا أن نبرر أخطاء الناس وأفعالهم، ولا أن نطلب من الإنسان أن يتقبل الإساءة أو يسكت عن حقوقه ويضعف أمام جشع وعنجهية غيره. بل يعني أن ندرك أن المطالبة بالحق شيء، والعيش الدائم في دور المظلوم شيء آخر. يمكن للإنسان أن يطالب بحقه وفي الوقت نفسه يواصل بناء حياته. يمكنه أن يعترف بألمه دون أن يسمح للألم إضعافه أو قيادة ظروفه  ومستقبله. ويمكنه أن يقول: "لقد تأذيت"، دون أن يقول: "لقد انتهيت أو تآمر علي فلان وسبب لي هذه الأفعال".

في النهاية، قد لا نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك مساحة من الاختيار في كيفية الاستجابة له والتعامل معه. وبين الإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولذلك لا أستطيع"، والإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولكن ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟"، يكمن فرق كبير في طريقة النظر إلى الحياة والتعامل معها. الأول يبقى أسيراً لما حدث، أما الثاني فيبدأ في استعادة زمام حياته وقيادتها.

لذلك لا تجعل جرحك هويتك، ولا تجعل ماضيك سجناً لمستقبلك، ولا تمنح الآخرين سلطة أكبر مما يستحقون على حياتك. قد تكون قد تعرضت للظلم، لكنك لست الظلم. وقد تكون قد فشلت، لكنك لست الفشل. وقد تكون قد خسرت، لكنك لست الخسارة. أنت الإنسان الذي يستطيع أن يتعلم، ويتغير، ويبدأ من جديد. فالحياة لا تسألنا دائما عما حدث لنا، بقدر ما تسألنا عما سنفعله بما حدث لنا كيف نعبره ونتجاوزه.

***

د. اكرم عثمان

9-10-2026

ليس أمراً عسيراً على من اعتاد التنقيب في أروقة الأدب العربي الحديث أن يتبين أن ساحة الإبداع السردي في مصر، على ما لها من سعة وامتداد وتنوع، تخضع لمنطق لا صلة له بالضرورة بجودة النص. منطق السوق، وشبكات العلاقات، وأضواء الإعلام، ومنظومة الجوائز. وفي ظل هذا المنطق، يبرز عدد من الكتاب اختاروا، أو فُرض عليهم، أن يكتبوا بعيداً عن الضجيج، مكتفين بالنص وحده شاهداً على تجربتهم. ومن هؤلاء الكاتب البارع خالد إسماعيل، الذي ينتمي جيلياً وجمالياً إلى ما اصطلح على تسميته «جيل التسعينيات»، وإن اتخذ منه موقفاً نقدياً صارماً، فلم يجد في انتمائه الجيلي ما يعفيه من مساءلة التجربة ذاتها.

السياق التاريخي والثقافي

تتشكل التجارب الأدبية الكبرى، في الأغلب، في سياقات تاريخية محددة تترك بصماتها في الرؤية واللغة والاختيار السردي. وجيل التسعينيات في مصر ليس استثناء من هذه القاعدة؛ إذ نشأ وتربى في ظل انفتاح اقتصادي وثقافي أفرز تحولات عميقة في بنية المجتمع المصري. أنتج هذا الجيل عدداً من الأصوات السردية المهمة، لكنه تفكك ولم يقدم مشروعاً جماعياً متماسكاً. وملاحظة كهذه، تصدر عن كاتب ينتمي إلى الجيل ذاته، تكشف عن وعي نقدي نادر، لأن الانتماء الجيلي في الثقافة العربية كثيراً ما يتحول إلى امتياز غير قابل للمساءلة، لا إلى موضوع للتحليل.

النشأة والتكوين

وُلد خالد إسماعيل في قرية «كوم العرب» قرب طما بمحافظة سوهاج. وهذه المنطقة ذات دلالة خاصة في التاريخ الثقافي المصري؛ فهي تقع في نطاق تجاورت فيه الحضارات المصرية القديمة والقبطية والعربية الإسلامية. ولم يكن هذا التجاور تعايشاً سطحياً، بل كان تفاعلاً عميقاً أنتج أشكالاً ثقافية مركبة، من بينها السيرة الهلالية، التي لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي في الجنوب، والتي سيستلهم منها خالد إسماعيل لاحقاً بعض أعماله.

جاء خالد إسماعيل إلى القاهرة عام 1992، وهو عام شهد تصاعداً وتحولاً في المزاج الثقافي العام، وبداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمثقفين. عمل في الصحافة، أولاً في «الأهالي»، ثم في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، حيث انتهى نائباً لرئيس التحرير. وهنا تبرز مسألة جوهرية في تجربته، وهي تعريفه لنفسه بأنه «كاتب يعمل في الصحافة»، لا «صحفي يهوى الأدب». وهذا التعريف، على بساطته اللغوية الظاهرة، ذو دلالة عميقة في تاريخ العلاقة بين الصحافة والأدب في مصر، تلك العلاقة التي أنتجت ظواهر أدبية مهمة منذ عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى جيل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، حيث كانت الصحافة غالباً الميدان الاقتصادي للكاتب، لا مقياسه الجمالي.

الكتابة والالتزام

ما يميز خالد إسماعيل في هذا السياق أنه يتعامل مع الصحافة بوصفها تجربة معرفية تثري الكتابة، حيث يرى أن الصحافة علمته أن يسأل عند كل جملة هل يفهمها القارئ؟ وهذا السؤال، البسيط في ظاهره، عميق في مضامينه، لأنه يشير إلى مفهوم متأصل للكتابة يقوم على التواصل لا على الاستعراض اللغوي؛ وهو المفهوم الذي يميز أهم الساردين المصريين، من محفوظ إلى يوسف إدريس إلى خيري شلبي. كما أن هذا المفهوم هو ما يميز السرد المصري في أفضل حالاته عن كثير من السرد العربي المعاصر الذي يميل إلى الانغلاق والغموض.

غير أن الملمح الأكثر إثارة في تجربة خالد إسماعيل هو موقفه من «الوسط الثقافي». فقد انسحب منه منذ عام 2005، وتوقف عن حضور اللقاءات والندوات والمهرجانات، منتقداً ما سماه حفلات «تجميل المشاهير» في وسائل الإعلام، ورأى أن الجوائز الأدبية في مصر ليست سوى شبكة علاقات عامة. وهو موقف نقدي صريح يستحق التوقف، لأنه يصدر عن كاتب عاش داخل المؤسسة الثقافية، ومن ثم يعرف آلياتها الداخلية معرفة مباشرة.

الجانب الأكثر دلالة في هذا الموقف هو ما يتعلق بمسألة النشر. فقد نشر خالد إسماعيل ستة كتب في دار «ميريت»، التي أسسها الراحل محمد هاشم، والتي تعد من أهم دور النشر الخاصة في مصر والعالم العربي، إذ انطلق منها عدد كبير من الأسماء التي تشكل اليوم خريطة السرد المصري. ومع ذلك، لم يوقع إسماعيل عقداً واحداً مع هاشم. وهذه المسألة، التي تبدو إدارية أو قانونية في ظاهرها، ذات دلالة ثقافية عميقة؛ لأنها تكشف عن مفهوم مختلف لعلاقة الكاتب بالناشر، لا يقوم على الالتزام التعاقدي بل على الثقة المتبادلة، أو ربما على رفض الانضواء في «شبكة» النشر التي تحكم سوق الكتاب في العالم العربي.

من القرية إلى النص

على المستوى الأدبي، تشكل القرية الصعيدية المتن السردي الأساسي في أعمال إسماعيل. بدأ نشر أعماله في أواخر التسعينيات مع «درب النصارى» (1997) و«غرب النيل» (2002)، ثم توالت أعماله: «عقد الحزون»، و«قهوة الصحافة»، و«زهرة البستان»، و«العباية السوداء»، و«حكايات عائلية». وكل هذه الأعمال تشترك في كونها تستكشف الصعيد كفضاء اجتماعي وثقافي معقد، تتشابك فيه العلاقات الطبقية بعلاقات القرابة، وتتصادم فيه الحداثة بالتقاليد، وينتج عنهما معاً أشكال من الوعي واللاوعي الجماعي.

في «عرق الصبا»، على سبيل المثال، يعود خالد إسماعيل إلى ثورة الفلاحين في «قاو الشرق» في عهد الخديوي إسماعيل، وهي ثورة نسيها أو تناساها التاريخ الرسمي، لكنها ظلت حية في الذاكرة الشعبية على شكل مواويل وأحاجي. وهذا النبش في التاريخ غير المكتوب هو ما يمنح كتابة خالد إسماعيل ثقلاً خاصاً، ويضعها في تقليد أدبي عربي مهم، هو تقليد الرواية التاريخية الشعبية الذي يمتد من «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي إلى أعمال أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وخيري شلبي.

وفي «قهوة الصحافة»، يتناول خالد إسماعيل المهنة التي يعرفها جيداً، لكنه لا يكتب «فضيحة»، بل يكتب نماذج بشرية من الصحفيين: من قهر فقهر، ومن خرّب مهنة نبيلة. وهذه المقاربة، التي تتجنب الفضيحة لصالح التحليل، تشير إلى نضج سردي مهم، وإلى رفض للكتابة الاستعراضية التي تبحث عن الإثارة السريعة.

أما آخر أعماله في «ميريت»، فهي المجموعة القصصية «مقتل بخيتة القصاصة» (2022)، وتضم سبع قصص ورواية قصيرة بعنوان «مذكرات رفيق سلاح»، وتمتد أحداثها من أربعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته. وفي هذه المجموعة، يظهر إسماعيل متمكناً من تقنيات القصة القصيرة، قادراً على اختزال عقود من التاريخ الاجتماعي في مشهد واحد. ففي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يلتقي عائد من المدينة في المحطة بامرأة كانت تبيع الفطائر أمام المدرسة في طفولته، فصارت تبيع المناديل والكبريت. هذا المشهد الصغير، الذي لا يشكل حدثاً بالمعنى التقليدي، يحمل في طياته نصف قرن من التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، من دون شرح أو تعليق، تاركاً للقارئ مهمة إكمال المعنى.

وفي عام 2024، صدرت روايته «أبو القمصان»، وهي مستوحاة من السيرة الهلالية، إذ إن «أبو القمصان» هو العبد الذي ولد في اليوم نفسه الذي ولد فيه الفارس أبو زيد الهلالي، وظل الثنائي حاضراً في المخيلة الشعبية الجنوبية. وهنا يظهر إسماعيل مرة أخرى ككاتب يعرف أن التراث ليس ديكوراً يمكن استعارته لتزيين النص، بل هو مادة بناء حية يمكن أن تنتج سرداً معاصراً.

على الرغم من هذه التجربة الأدبية الممتدة لأكثر من ربع قرن، وأن نقاداً بارزين مثل محمد سليم شوشة ومصطفى الضبع ومجدي توفيق ويسري عبدالله وشريف الجيار كتبوا عنه، وأن أعيان الثقافة المصرية مثل عبد الوهاب الأسواني وعبد الرحمن الأبنودي وفاروق عبد القادر قدّموا تجربته، فإن خالد إسماعيل لا يزال في هامش المشهد الثقافي المصري. وهذا الهامش، الذي اختاره الكاتب جزئياً، وفرض عليه جزئياً، يستحق التأمل؛ لأنه يكشف عن آليات الاعتراف في الثقافة العربية، حيث لا يكفي النص الجيد وحده لضمان المكانة، بل لا بد من «الشبكة» و«الظهور» و«الجائزة».

في المحصلة، تجربة خالد إسماعيل تستحق أن تقرأ بوصفها شهادة على لحظة تاريخية في الثقافة المصرية، وعلى آليات الاعتراف والتهميش فيها، وعلى إمكانية الكتابة الجادة خارج «الشبكة» و«الأضواء» و«العقود». وهذا كله يجعل من هذا الكاتب الصعيدي نموذجاً يحتاج إلى دراسة أعمق، وإلى قراءة أكثر إنصافاً.

***

د. عبد السلام فاروق

الهند والصين نفوسهم تقترب من ثلاثة مليارات، ولديهم أربابا تقارب المئتين وعقائد متنوعة قد تصل الألف ويعيشون بسلام، والمسلمون رب واحد ودين واحد وكتاب واحد ودماؤهم تسيل وصراعاتهم في أجيج طويل، فأين العلة؟

الدولتان المذكورتان محكومتان بدستور وقانون، ويتمسك الجميع براية الوطن، وتكون المواطنة هي القيمة العليا، والوطن الوعاء الذي على الجميع المحافظة عليه وصيانة كيانه، فهل تستطيع قوة أن تمزق مجتمعاتهما، مهما بلغت من بطش وعتو؟

دول الأمة أبناؤها أرقام، وراياتها تداس بالأقدام، والمواطن مظلوم مضام، يتبع ويقبع ويُلام، والسراة مع الأعداء في وئام.

من الشطارة في مجتمعاتنا أن تدوس على رأس القانون، وتتبجح بالمحسوبية والمعرفة الشخصية لصاحب القرار، لأنك ستحصل منه على ما تريد بشتى الأساليب، فهو من الذين يريدون تنمية منافعهم الشخصية، ولن تجد مَن يضع مصلحة البلاد والعباد أولا، إلا فيما ندر.

في مجتمعاتنا الدينة أمضى سلاح لتمزيقنا وتدمير وجودنا، وعزلنا عن حاضرنا وقطعنا عن مستقبلنا.

وأدعياء الدين (رجال الدين) معظمهم و يتاجرون بما يسمونه دين، ويضحكون على عقول المساكين، من أبناء البلاد المُجَهَّلين بالدين، والذين تمرغت رؤوسهم بأوحال الخرافات والأساطير المتكررة، التي تحولت إلى دين يدر أرباحا وغنائمَ على سادته المبجلين.

وفيما تقدم يكون بعض الجواب على سؤال: "لماذا يتنعم الأشرار بينما يتعذب الصالحون الأبرياء"

أمّةُ الدين بدينٍ أحْرِقَتْ

وبأفكارِ عَدوٍّ أجْهِضَتْ

إنّها عانتْ وخابَ ظنُّها

وتوارتْ بحَضيضٍ وانْزوَتْ

كلّما جاءَتْ لنَبْعٍ دافقٍ

يَتَولاّها سَقيمٌ فانْتَهَتْ

***

د. صادق السامرائي

من نحن؟ وأين يكمن الإنسان فينا؟

سؤال خرجتُ به من مسرحية "الجدار" للمخرج سنان العزاوي، الحاصلة على جائزة قرطاج، بعد أن شاهدت العرض كاملًا، وتأملت في مشاهده ورموزه، وما أثاره في داخلي من أسئلة تتجاوز حدود المسرح إلى الإنسان والمجتمع وما آل إليه.

لطالما قيل: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة". لكنني وأنا أشاهد هذا العرض فكرت في إمكانية قلب المقولة، فربما يكون الفن الجيد الهادف نفسه هو "العملة الجيدة" التي تستطيع أن تطرد شيئًا من الرداءة، أو على الأقل تكشفها وتضعها أمام أعيننا عارية من الأقنعة.

من أول ما وقعت عليه عيني في العرض ذلك الجدار، جدار له أبواب مغلقة، وثقوب، وعليه شخابيط وآثار تشبه ذاكرة مكان أنهكته السنوات. وبين حين وآخر يُفتح باب، فيخرج منه شيء من المسخ، والتشوه، والقبح، والزيف.

هنا بدا لي أن الجدار ليس مجرد جزء من الديكور، وإنما هو بطل آخر من أبطال العرض.

إنه ما نخفيه، وما نسكت عنه، وما نحاول ألا نراه.

سنوات الحروب والطائفية والإرهاب والخوف والانقسام لم تعبر فوق المجتمع من دون أثر، لقد خلخلت منظومته القيمية، وأنهكت الإنسان، وشوهت بعض المفاهيم، وجعلت كثيرًا مما كان مستورًا يطلب لنفسه منفذًا إلى الخارج.

ولعل الجدار في هذه القراءة هو تلك المساحة التي تُحجز خلفها الأشياء التي لا نريد مواجهتها، غرائز الانحطاط، والتسافل، والزيف، والقبح، وكل ما يخشى الإنسان أن يراه في نفسه أو في مجتمعه.

وكان لافتًا أن يخرج هذا التشوه من خلف الجدار عبر عدد من الشخصيات النسائية.

لا أقرأ حضور المرأة هنا بوصفه إدانة للمرأة، بل أراه في سياق العرض ورمزيته صورة للحياة حين تُصاب بالتشوه، فالمرأة واهبة الحياة، وما يقوم على صلاحها من أسرة، ثم مجتمع، يمكن أن يصبح هو الآخر ضحية حين تتسلل إليه غرائز الانحطاط والتسافل، وتُشوّه معاني الحب والجمال والحياة نفسها.

وهنا استعاد العرض بالنسبة لي سؤالًا كنت قد كتبت عنه قبل مدة: من نحن عندما تقودنا غرائز الانحطاط والتسافل؟

وأظن أن "الجدار" قدّم إجابته بطريقته الخاصة.

نصبح ذلك المسخ الذي رأيناه يخرج من خلف الجدار.

نصبح تشوهًا لمعانينا حين نفقد البوصلة التي تجعل الإنسان إنسانًا، حين تنقلب المفاهيم، ويُشوّه الحب، ويُبتذل الجمال، وتتحول الغرائز إلى قائد، وتصبح الأخلاق شيئًا يمكن التنازل عنه كلما اقتضت المصلحة أو اللذة أو الخوف.

ولم أشعر أن الجدار يفصل ما وراءه عن المجتمع بقدر ما شعرت أنه يكشف العلاقة بينهما، فالأبواب التي تُفتح بين حين وآخر تقول إن ما نخفيه لا يبقى مخفيًا إلى الأبد. ما وراء الجدار يجد طريقه إلى الخارج، ويتحول من شيء مستور إلى سلوك، ومن سلوك إلى ظاهرة، ومن ظاهرة إلى واقع يعيشه الجميع.

وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار إيلامًا في العرض بالنسبة لي: أن الانهيار الأخلاقي لا يبدأ دائمًا من مظاهره الخارجية، وإنما قد تكون له جذور أعمق، مختبئة خلف جدار من الصمت والتبرير والتطبيع مع القبح.

وكلما فُتح باب، خرج شيء مما أخفيناه.

حتى يصبح السؤال أكبر من المسرحية نفسها:

هل نحن الذين بنينا الجدار، أم أن الجدار هو الذي بنانا؟

وربما هنا يكتسب الفن وظيفته الحقيقية، ليس أن يعظنا، ولا أن يمنحنا إجابات جاهزة، وإنما أن يضع مرآة أمام ما نحاول ألا نراه، وأن يجعلنا نتساءل: ماذا فعلت بنا كل هذه السنوات؟ وأين بقي الإنسان فينا؟

ولعل أقسى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يفقد إنسانيته وهو ما يزال يمشي على الأرض، أن يصبح أسير غرائزه، وأن يتراجع العقل والقيم والضمير، حتى يصدق فيه المعنى القرآني:

"أولئك كالأنعام، بل هم أضل سبيلا".

خرجتُ من "الجدار" وأنا لا أفكر فقط بما كان خلفه، وإنما بما قد يكون مختبئًا خلف جدران كثيرة داخلنا.

وربما لهذا كان العنوان ذكيًا إلى هذا الحد، لأن الجدار الحقيقي ليس دائمًا ذلك الذي نراه أمامنا، وإنما ذلك الذي نبنيه في داخلنا كي لا نرى ما وراءه.

وحين يسقط الجدار، قد تكون الصدمة مؤلمة، لكنها قد تكون أيضًا بداية الرؤية.

وربما تكون الرؤية بداية اليقظة.

***

د. حميدة القحطاني - أستاذة جامعية

 

رغم شهرته في تونس وخارجها ما يزال في حاجة إلى القراءة والدراسة فأنا إلى حد اليوم لا أعلم بشهادة دكتوراة واحدة حول الشابي برغم عديد كليات الآداب في تونس!

فهل التونسيون من نقاد وجامعيين على اِختلاف درجاتهم وأجيالهم أوفوا الشابي حقه!

إلا إذا استثنينا الأديب - أبا القاسم كرو - وقلة قليلة كتبوا عنه ما كتبوا عرضا وبمناسبة من المناسبات.

الشابي وغير الشابي كثيرون...!

- 2 -

مسائل عديدة مازالت لم تدرس في مدونة الشابي من بينها رسائله وشعره النثري وجانب التصوف الضارب في أعماق شخصيته ذات الأصول الشابية وهي الحركة التي قامت على أسس دينية ضد الغزو الإسباني والتركي لتونس

- 3 -

 أضيف أيضا هذه المعلومة المؤسفة أن ديوانه لم يُنشر إلا بعد أكثر من عشرين سنة وإلى اليوم لم يُطبع - أغاني الحياة - ولم يظهر بالصفة التي أرادها الشابي من حيث عدد القصائد وترتيبها .

وبكل اِعتزاز أنا جمعت ونشرت له في بيت الحكمة بتونس سنة 2009 قصائده النثرية تحت العنوان الذي اِختاره وهو - صفحات من كتاب الوجود - ونشرت له في كتابي - الضفة الثالثة - سنة 2019 قصيدا غير معروف نشرته له مجلة الرسالة المصرية على إثر وفاته .

- 4 -

طالما لا تهتم مؤسساتنا التعليمية مدرسية وجامعية ووسائل إعلامنا بمختلف مجالات ثقافتنا الوطنية وبممثليها ورموزها فإن النسيان سيمحوها من الذاكرة الجماعية بل سيطمع غيرنا في نسبته إليه مثلما يعملون الآن على تسجيل ابن خلدون باِسمهم...!

- 5 -

ختاما أقول هذه الطرفة الكئيبة:

 عندما لقيت في معرض الكتاب أمام رفوف - بيت الحكمة - وفي يدي كتاب قصائد الشابي النثرية قال لي في نبرة عتاب ولوم:

يكفينا من الشابي يا سُوف...!

***

سُوف عبيد

 

يُعد مؤيد الراوي أحد أبرز الشعراء العراقيين في ستينيات القرن الماضي، وانتمى إلى ما عُرف بـ"جماعة كركوك". عمل في مجال الصحافة، وكان أحد رموز التجديد في الشعر العراقي الحديث. صدرت له مجموعات شعرية عدة، منها "احتمالات الوضوح" و"الممالك"، وآخرها "سرد المفرد" التي صدرت عن دارالجمل" قبل يومين فقط من رحيله."

لم يكن بيت مؤيد الراوي يبتعد عن بيتنا في حي "عرفة" بكركوك سوى خطوات معدودة. كانت تلك الأزقة الحجرية والأرصفة المرتبة بإعتناء تختزن في مسامّها روائح الفحم والخبز والدهشة. وكان مؤيد، بشعره الكثيف القاتم السواد ونظارته الداكنة، يمرّ من أمام بيتنا بخطواتٍ متأنية، كأنه يمشي في حقل من الأفكار لا في شارع ضيّق من شوارع المدينة.

كنت صغيراً يومها، لكن صورته ما زالت معلّقة في الذاكرة كلوحةٍ عتيقةٍ في صدر غرفةٍ لا يزورها الضوء إلا نادراً. كان يدخل بيتنا أحياناً، فيتحدث مع أخي الكبير "ناصر" بلغة عربية فصيحة، ممزوجة بنبرةٍ بغدادية رخيمة، بينما كان يخاطب والدتي بالتركية أو بالتركمانية الدارجة، لغة الحياة اليومية في كركوك، وأحياناً بالآشورية. كان يجيد الانتقال بين اللغات كما ينتقل الشاعر بين الصور، بلا تكلّف ولا ارتباك.

وفي بعض الأحيان، كان يلتحق به "جان دمو"، ذلك الكائن المتمرّد الذي لا يعرف معنى للنظام. كان بيته ملاصقاً لبيتنا، لا يفصل بينهما سوى جدار من الطابوق الأحمر. أتذكّره وهو يطرق بابنا في أوقاتٍ غير متوقعة، وكان كثيراً ما يبصق على الأرض أو في الهواء، أينما كان وبلا تردد. وهذا ما كان يغيض والدتي فتثور لتوبخه. لكنه كان يبتسم ابتسامة جانبية غامضة، ويقول لي بصوته الخفيض:

"هلو جورج، خلصت السكائر.. روح جيبلي علبة من الكانتين".

 وكانت الكانتين مجمعاً تجارياً نظيفاً، تتوفر فيه حاجات الناس المختلفة.

كنت أركض بحماس لأشتري له السجائر، كأنني أشارك، من حيث لا أدري، في طقس سري من طقوس أولئك الشعراء الكبار الذين كانوا يسكنون بيننا، ولم نكن نعرف، ونحن أطفال، كم كانوا استثنائيين.3334 george

كنت أدرك، وأنا ما زلت طفلاً، أن مؤيد الراوي ليس رجلاً عادياً. كان شاعراً وصحفياً وخطاطاً ورسّاماً؛ مواهب عدة اجتمعت فيه.

أذكر أنني زرت بيته ذات مرة برفقة شقيقه الأصغر "فؤاد". وما إن فتح باب غرفته حتى داهمني غبار الدخان. كان كثيفاً كالضباب، إلى درجة أنني شعرت بالغثيان. وما إن خطوت إلى الداخل حتى أحاطت بي الألوان من كل صوب: لوحات تملأ الجدران، وخطوط عربية تمتد كأنها أنهار من حبر أسود.

وسط تلك الفوضى الجميلة من الكتب واللوحات والرماد، كانت هناك لوحة «بورتريه» لفتاة آشورية جميلة تسكن بالقرب منه. قيل لنا إنه كان يحبها بصمت، وأنه رسمها مرات عديدة، كأنه يريد أن يحفظ وجهها من شبح النسيان.

كان مؤيد يدخّن سيجارته بشراهة تأملية؛ يشعلها كما يشعل قصيدة، ثم يدخنها حتى منتصفها فقط، كأنه لا يريد أن يستهلك جمرها تماماً. بعدها يطفئها، ويلويها بين أصابعه، ويرميها جانباً. كنت أراقب هذه الحركة فأشعر أنها لم تكن عابرة، بل جزءاً من طقس يومي لمصالحة نفسه مع عالم لا يرحم.

مضت سنوات طويلة لم أره فيها، حتى جاء اللقاء في برلين ليكسر تلك الحلقة. هناك، في بيته ـ مرسمه، وجدت عالمه ماثلاً أمامي: جدران تحمل لوحات تتنفس فناً، وألوان تعانق بساطة الأثاث في أرجاء الغرفة. إلى جانبه كانت تقف زوجته، الصحفية فخرية صالح، شريكة دربه.

كان الزمن قد نال من جسده النحيل حتى أوشك على الانحناء، لكن عينيه ظلّتا المعجزة؛ بقيتا كنجمين متألقين، تشعان ذكاءً قديماً وحنيناً لا يعرف الزوال.

تحدثنا طويلاً عن كركوك، وعن الشعر، وعن الرحيل الذي لا ينتهي. وبعد فترة قصيرة، تسلل المرض إليه، وشلّ حركته شيئاً فشيئاً، ثم خمد صوته، كما كانت تخمد سيجارته في آخر الليل.

اليوم، في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر)، تحل الذكرى الحادية عشرة لرحيل مؤيد الراوي في برلين. لكن روحه ما تزال معلّقة في تلك الأزقة القديمة في كركوك، عالقة بين دخان سجائره، وألوان لوحاته، وصدى لغاته المتعددة.

اتسمت لغته الشعرية بغموض ظاهر، غير أن بناءه اللغوي تميز بالشفافية والاعتماد على الرمزية والصور البلاغية. وفي ديوانه "سرد المفرد" نقرأ:

الأشياءُ كثيرةٌ

تولدُ الأشياءُ

دوامةٌ يديرُها طبعُ إلهٍ

مَنْسوخةٌ تَمضغُ الأشياءَ

تَغزِلُ من الغيابِ شباكَ

تَضيعُ فيها وتُسجَن

تحرسُها الكواسجُ

لا مقصَّ تُقطَعُ به الخُيوطُ

فتمضي بنا نحو القاعِ

تنحني الكتفُ وتصنعُ الألغازَ

ننشغلُ بها وتَطرُقُنا كَثْرَةُ الرموزِ

سلامٌ لروحك، أيها الراوي، ولأيام كنا نعبرها ببطء، كأنها هي نفسها تخاف من أن تنتهي.

***

جورج منصور

أعلنت الأكاديمية السويدية في ستوكهولم، اليوم الخميس، منح جائزة نوبل للآداب لعام 2026 للكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون، تكريماً لأعمالها الجريئة والمبتكرة التي تدمج البحث الأكاديمي بالتجريب الشعري، وتسهم في إعادة ابتكار أشكال الأدب المعاصر عبر حوار خلاق مع التراث الكلاسيكي الإغريقي.

وذكرت اللجنة المنظمة أن كارسون استحققت الجائزة، البالغ قدرها 12 مليون كرونة سويدية (نحو 1.2 مليون دولار أمريكي)، بفضل قدرتها الفريدة على تحطيم الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر والمقال والترجمة. وُلدت الكاتبة في تورونتو عام 1950، ونالت درجة الدكتوراه في الأدب الكلاسيكي من جامعة تورونتو عام 1981، لتجمع في مسيرتها الأكاديمية والإبداعية بين تدريس اللغة اليونانية القديمة وترجمة نصوص كبار شعراء الإغريق مثل يوربيديس وسافو، معيداً تقديمها بروح عصرية تتسم بالعمق والتهكم والتجريب الهيكلي.

ويعكس تتويج كارسون انتصاراً للمدرسة الأدبية المركبة التي تتجاوز السرد التقليدي نحو فضاءات بصرية وفلسفية مفتوحة، تعيد تقييم علاقة الإنسان المعاصر بالذاكرة والأسطورة.

تُعدّ الشاعرة والكاتبة والمترجمة الكندية آن كارسون واحدة من أكثر الأصوات الأدبية تفردًا في الأدب المعاصر. وارتبط تكوينها الفكري منذ وقت مبكر بدراسة الأدب اليوناني واللاتيني القديم، وهو المجال الذي سيصبح لاحقًا أحد أهم منابع تجربتها الشعرية. درست في جامعة تورنتو، ثم واصلت مسيرتها الأكاديمية في مجال الدراسات الكلاسيكية، وعملت أستاذة في جامعات من بينها مكغيل وجامعة ميشيغان.

غير أن كارسون لم تتعامل مع التراث الكلاسيكي بوصفه مادة متحفية جامدة، بل جعلته جزءًا حيًا من أسئلتها عن الحب والرغبة والفقد والذاكرة واللغة.  وهذه القدرة على الجمع بين المعرفة الأكاديمية العميقة والحس الشعري الحديث هي إحدى أبرز سمات مشروعها الأدبي. وقد أشارت الأكاديمية السويدية إلى أن معظم إنتاجها يقع عند نقطة التقاء شغف عالم اللغة بأصول الكلمات ورغبة الشاعر في اكتشاف معانٍ جديدة.

بدأ اسم كارسون يلفت الأنظار بصورة واسعة منذ كتابها (إيروس المرير-  (Eros the Bittersweet، الذي بحث في مفهوم الرغبة من خلال الأدب اليوناني القديم. ثم رسخت مكانتها مع (السيرة الذاتية للحمرة- (Autobiography of Red  الصادر عام 1998، وهو عمل شعري روائي يعيد تخيل أسطورة جيريون، الوحش ذي الأجنحة الحمراء، في قصة حديثة عن الحب واكتشاف الذات والرفض. وتمثل هذه الرواية الشعرية نموذجًا واضحًا لطريقتها في مزج الأسطورة القديمة بالتجربة الإنسانية المعاصرة.

وفي (جمال الزوج -  (The Beauty of the Husband، الصادر عام 2001، واصلت كارسون تحدي الحدود التقليدية بين الشعر والنثر والسيرة والتأمل، بينما قدّمت في (نوكس - (Nox ، عملًا شديد الخصوصية عن الذاكرة والفقد، مستعينة بالصور والرسائل والترجمة والنصوص المتفرقة. كما ترجمت أعمالًا من اليونانية القديمة، من بينها نصوص مرتبطة بسافو وسوفوكليس ويوربيديس، لتصبح الترجمة عندها امتدادًا للإبداع لا مجرد نقل لغوي.

حصلت كارسون خلال مسيرتها على جوائز أدبية بارزة، من بينها جائزة تي. إس. إليوت، وجائزتا غريفين للشعر، وجائزة أميرة أستورياس، وجائزة PEN/Nabokov، كما حصلت على زمالتي غوغنهايم وماك آرثر، وعُيّنت عضوًا في وسام كندا عام 2005.

ويأتي نوبل 2026 تتويجًا لمسيرة أدبية يصعب وضعها في خانة واحدة؛ فهي شاعرة وكاتبة مقالات ومترجمة وباحثة في الأدب الكلاسيكي، وتتنقل بين الشعر والنثر والمسرح والفن البصري. ومن هنا تكمن أهمية تجربتها: إنها لا تكتفي بكتابة قصائد جديدة، بل تسأل باستمرار ما الذي يمكن أن تكونه القصيدة أصلًا؟

لقد كرّمت الأكاديمية السويدية في آن كارسون كاتبة استطاعت أن تجعل الماضي يحاور الحاضر، وأن تحول الأسطورة واللغة القديمة إلى أدوات لفهم الإنسان الحديث. وبفوزها بنوبل للآداب، تُتوَّج تجربة أدبية استثنائية أثبتت أن الشعر يستطيع أن يكون في آن واحد فكرًا، وحكاية، وترجمة، وذاكرة، وتجريبًا فنيًا مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.  

***

رمزي ميركاني

بين الاهتمام بالآثار ومسؤولية البحث العلمي

عرفنا السيد عامر عبد الرزاق من خلال اهتمامه بالآثار العراقية ومحاولاته في تعريف الجمهور بتاريخ العراق ومواقعه الحضارية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن نقدر هذا الاهتمام ونحترم كل جهد يسهم في ابراز عظمة العراق وتراثه وحضارته، خصوصا عندما يقدم المحتوى بصورة هادفة ويصل الى جمهور واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، فان ملاحظاتنا لا تأتي من موقف شخصي تجاه السيد عامر عبد الرزاق، ولا تهدف الى التقليل من جهوده، وانما تنطلق من الحرص على دقة المعلومات واحترام تاريخ المدن العراقية وهوياتها وتراثها.

القوش ليست مجرد موقع أثري او محطة سياحية، وانما مدينة تاريخية حية، لها اهلها وذاكرتها وكنائسها واديرتها وتراثها الديني والثقافي والاجتماعي. وهي مدينة كلدانية عريقة تمثل جزءا اصيلا من تاريخ وتراث المسيحيين في العراق وسهل نينوى. ولهذا فان الحديث عن القوش وهويتها لا يمكن ان يعالج من خلال معلومات مختصرة او انطباعات عامة، بل يحتاج الى الرجوع الى المصادر التاريخية والوثائق، والاستماع الى ابناء المدينة والمؤسسات الدينية والثقافية فيها، والى الباحثين والأكاديميين المختصين.

وبحسب المعلومات المتاحة لنا، فان السيد عامر عبد الرزاق يحمل شهادة البكالوريوس في الاثار من كلية الآداب في جامعة بغداد، ونحن لا ننتقص من قيمة هذه الشهادة، فهي شهادة جامعية محترمة وتمثل مرحلة مهمة في دراسة الاثار. لكن من الضروري التفريق بين الشهادة الجامعية وبين صفة الباحث الأكاديمي المتخصص، لان البحث العلمي يعتمد على التخصص الدقيق والدراسات المتقدمة والمنهج العلمي والرجوع الى المصادر والوثائق والدراسات المتخصصة. ولذلك فان الحديث عن موقع أثرى يختلف عن الحديث عن هوية مدينة او شعب او تراث ديني وقومي وهو لايزال يسكن في القوش وخارج القوش ، وهي موضوعات تحتاج الى قدر اكبر من التوثيق والتحقيق والمقارنة بين المصادر.

ومن هنا جاءت ملاحظاتنا حول ما طرحه السيد عامر عبد الرزاق خلال زيارته الى القوش. فقد كنا نتمنى ان تكون الزيارة فرصة للتعريف بهذه المدينة الكلدانية العريقة، والحديث عن تاريخها وكنائسها واديرتها وشخصياتها وتراثها الثقافي والديني، بدلا من الدخول في قضايا يمكن ان تثير الخلاف حول هوية المدينة. فنحن نرى ان القوش لها هوية واضحة في وجدان ابنائها وتراثهم، وان من واجب من يتحدث عن تاريخها ان يأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، وان يقدم المعلومات بصورة موثقة ومتوازنة.

ونحن لا نريد تحويل الموضوع الى خلاف شخصي او الى سجال بين مكونات المجتمع العراقي، كما لا نرغب في الدخول في امور قد تخلق حساسيات او تزيد من الانقسام. فالعراق بلد متنوع، وتاريخه غني ومعقد، وتداخلت فيه الحضارات واللغات والاديان والمكونات عبر قرون طويلة. ولذلك فان تناول هوية المدن وتاريخها يحتاج الى الهدوء والموضوعية واحترام جميع الآراء، مع الاعتماد على الوثائق والمصادر وليس على الاستنتاجات السريعة.

ومن المهم هنا التأكيد على ان المرجع الاساسي فيما يتعلق بتاريخ الكنائس والاديرة والتراث الكنسي هو الكنيسة ومصادرها ووثائقها، الى جانب الدراسات التاريخية والاكاديمية الموثوقة. وعندما يتعلق الامر بتاريخ القوش وتراثها الكنسي، فمن الطبيعي الرجوع الى ابرشية القوش الكلدانية ورجال الدين والمؤسسات الكنسية وخاصة البطريركية الكلدانية في بغداد ، والاستماع ايضا الى المؤرخين والباحثين والأكاديميين وابناء المدينة الذين حافظوا على هذا التراث ونقلوه عبر الاجيال. وهذا لا يعني رفض الآراء المختلفة، بل يعني اعتماد منهج علمي يتيح معرفة المصادر ومناقشة المعلومات بصورة مسؤولة.

كما اننا لا نطلب من السيد عامر عبد الرزاق ان يتبنى رأيا لمجرد انه يختلف مع رأي اخر، وانما نطلب منه الالتزام بالموضوعية وتقديم المصادر التي يعتمد عليها، والتفريق بين المعلومة التاريخية الموثقة وبين الرأي او التفسير المختلف عليه. فامتلاك جمهور واسع مسؤولية كبيرة، لان المعلومة عندما تصل الى اعداد كبيرة من الناس يمكن ان تترسخ باعتبارها حقيقة، حتى لو كانت بحاجة الى مزيد من البحث والتوثيق.

ان احترام الهوية الكلدانية للقوش لا يعني الانتقاص من اي مكون اخر، كما ان الدفاع عن تاريخ المدينة لا ينبغي ان يتحول الى خصومة او صراع. بل ان الاعتراف بتنوع العراق واحترام خصوصية كل مدينة ومكون هو جزء من احترام تاريخ العراق نفسه. والقوش تستحق ان يعرفها الجمهور بتاريخها وتراثها الحقيقي، وبكنائسها واديرتها وشخصياتها وما قدمته من اسهامات دينية وثقافية وعلمية.

وفي النهاية، نحن نحترم جهود السيد عامر عبد الرزاق في التعريف باثار العراق، ونأمل ان تستمر هذه الجهود بصورة تخدم تاريخ العراق وتراثه. ونتمنى في الموضوعات التي تتعلق بالقوش وهويتها ان يكون الاعتماد اكبر على المصادر الكنسية والتاريخية، وعلى الأكاديميين والباحثين المختصين، وان يتم الاستماع الى ابناء المدينة ومؤسساتها الدينية والثقافية.

فالقوش مدينة كلدانية عريقة، وتراثها جزء من تراث العراق، والحفاظ على هذا التراث مسؤولية مشتركة. ومن يتحدث عن تاريخ العراق يتحمل مسؤولية نقل المعلومات بدقة واحترام، والابتعاد عن كل ما يمكن ان يخلق خلافات غير ضرورية. فالتاريخ امانة، والوثيقة اساس البحث، واحترام هوية المدن واهلها هو الطريق الافضل لتقديم تاريخ العراق بصورة تليق بعراق الحضارات وتنوعه العريق.

***

د. عامر ملوكا

لماذا لم تأت نوبل بعد محفوظ؟

مفارقة مؤلمة في علاقتنا بالأدب العالمي، كيف ونحن الذين عرفنا العالم من خلال مترجمين عرب برعوا في أن يجعلوا دوستويفسكي وكافكا وتولستوي وماركيز يتكلمون العربية، بينما مازال العالم لا يعرف عن أدبنا القدر نفسه. نحن الذين قرأنا الرواية الروسية والألمانية والأمريكية واللاتينية، واستمتعنا بها كما لو أنها كُتبت بلغتنا. لم نشعر، في أفضل الترجمات، أنّنا أمام نصوص غريبة عن العربية، والحقّ أنّ الفضل يعود للمترجم الذي لم ينقل الكلمات فقط، بل نقل الإيقاع والروح والصورة والمناخ، وجعل النص يولد من جديد داخل لغتنا العربية. لكن وبالمقابل وما إن عبرت ــــ هذا إن عبرت ـــــ الرواية العربية إلى الضفة الأخرى، يحدث ما لا ينتبه له جلّ المهتمّين بمجال الأدب والنّقد، فما يحدث مؤلم حقّا، إذ تصل الحكاية، وتصل الفكرة، لكن شيئا من الصوت يبقى معلّقا في الطريق.

عند هذا المنعطف يكمن جزء من الإجابة عن سؤال ظل يطارد الثقافة العربية منذ حصول نجيب محفوظ على نوبل للآداب عام 1988، لماذا لم يحصل روائي أو شاعر عربي آخر على الجائزة منذ ذلك الحين؟

والسبب في الحقيقة، ليس لأنّ العالم خلا من الأدباء العرب الكبار، ولا لأنّ نوبل يمكن اختزالها في مؤامرة على الأدب العربي. المسألة أكثر تعقيدا، وأقرب إلى أزمة عبور، ربّما تفوق أزمة معبر رفح أو مضيق هرمز، بل أراها تدنو من أن تصير معضلة تُسائِل : كيف ينتقل نص وُلد بكل أسرار العربية إلى لغة أخرى دون أن يفقد روحه؟ لكنّني ورغم ذلك، لا أحمّل الترجمة وحدها مسؤولية فشل الرواية العربية الى العالمية وحصد جائزة نوبل .

دعوني أكون معكم أكثر صراحة وجرأة في أن أسأل السؤال الذي يسأله كلّ كاتب مبدع منا سرّا، لكنّه لا يجاهر به لغاية في نفسه، سؤال ينبغي أن نطرحه على الرواية العربية نفسها: هل نكتب دائما ما يستحق أن يَعْبُرَ؟

عقب هذا السؤال، كان لزاما علينا أن نكشف الحجاب عن نصوصنا، وأن نرفع الحصانة النقدية عن بعض النصوص التي تبوّأت منزلة التقديس، بإيعاز من أصحابها أو من هيآت ما، لنكتشف أنّ من بين هاته النصوص ما تجعل اللّغة غايتها، فتغرق في البلاغة والشاعرية حتّى تضيع الرواية خلف جمال عباراتها، ونصوص أخرى تحمل أفكارا عميقة وأسئلة كبرى، لكنّ سطحية وبساطة لغتها لا ترقى إلى مستوى الفكرة ولا تستطيع أن تمنحها حياة أدبية، بينما تجمع نصوص ثالثة بين اللغة والفكرة، لكنّها تفتقر إلى البنية والحياة التي تجعل الرواية ترسخ في الذاكرة. ومن هذا المنطق أرى أنّ المشكلة لا تنحصر في اللّغة وحدها، ولا في الفكرة وحدها، ولا في المترجم وحده،لكنّها تعاني تقدير المسافة التي تفصل النص بين هيأته كما كُتِب، وكيف يصل إلى العالم .

ومن هنا يبدأ السؤال الأعمق: لماذا نجح نجيب محفوظ في عبور هذه المسافة؟ ولماذا لم يتكرر العبور بالقدر نفسه بعده؟ وهل تحتاج الرواية العربية إلى مزيد من الروايات على اختلافها؟ روايات تمتلك فكرة تستحق أن تُقال، ولغة تستحق أن تُقرأ، وحياة إنسانية تستطيع أن تجعل قارئا في أقصى العالم يرى نفسه في مرآة عربية، كما رأى العربي نفسه في مرآة كافكا وكونديرا وكامو وغيرهم؟.

***

ليلى تبّاني ــــ الجزائر

المرأة في أكثر المجتمعات هي التي تستطيع خلق المجتمع، صاحبة رسالة توارثتها جيلاً بعد جيل وتنسج خيوطاً من التضحية وعهداً من الوفاء، موثوق بعهود من الأصالة وان تغيّر جيلاً بأكمله إن هي أرادت ذلك وتوفرت،  المرأة هي الأخت الحنونة والرفيقة والصديقة، هي السيدة والعقل والضمير والمربية والمعلمة، لاتوازيها كلمة وفاء وتقدير لكل انسانة هو قياس  في حقها كانت او لازالت تعيش بيننا،هي الأم التي أعدت أجيال جاهزاً لحمل الرايات وهي جامعة الحياة في البدايات والنهايات وعبق الذكريات وهي الأساس لكل مجتمع... المرأة هي الجدة التي زرعت التضحيات ليكون عنواناً من عناوين الوجود التاريخي والحضاري لأجيال تناقلته عبر العصور ونبراساً تستأنس به من حكايات الماضي الجميل.

 إن اعطاء الحق للمرأة يدل على ما يُمنح في مختلف أديانها وانتسابها من حقوق وحريات في العالم القديم والمعاصر الى ان امتدت الى عالمنا الحالي العالم الحديث، والتي لا يمكن أن يتم تجاهلها من قبل اي تشريع او قانون أياً كانت هذه التشريعات والقوانين في جميع بقاع الأرض وحقها في الحرية والكرامة والمساواة ولتحقيق هذه الحقوق قانونيا

إنّ استمرار وتصاعد العنف الموجّه ضدّ النساء على الصعيدين الشخصيّ والمؤسسّي على السّواء، يمكن أن يعزى بشكل كبير إلى الحرمان التقليديّ للنساء من المشاركة فى عمليات التنمية واتخاذ القرار. هنالك حاجة إلى إجراء تعديل جذري في النظرة الجماعية للبشرية بهديٍ من القيم العالميّة والمبادئ الروحانيّة. كما أنّ هناك حاجة إلى سنّ تشريعات توفر تعبيرًا عمليًّا لمبدأ تساوي الجنسين وذلك بتناول المظالم الخاصة التي تواجهها النساء. لقد ساهمت و تشكّلت العديد من المؤسسات والتحركات من قبل النساء والرجال في الكثير من دول العالم للدفاع والوقوف مع المرأة،معتبرة  قضايا المرأة  في العصر الحالي من أهم الأمور والقضايا التي ينشغل بها العالم ككل منذ القرن الماضي بصورة عامة والعالم الإسلامي بصورة خاصة ويكتسب حيوية متزايدة مع مراعاة الفروق الطبيعية كما خلقها الله بينها وبين الرجل لتحقيق التكامل الأسري والاجتماعي، وأعطاها الإسلام حقوقًا مدنية وسياسية، كحق التعلم، والعمل، والتملك، والمشاركة في الحياة العامة، وهي قضية تستحق العناية لأنها تتعلق بنصف المجتمع الذي إن تخلف فقد تخلف المجتمع بأسره، وإن تطور فقد تطور المجتمع كله . وخاصة قضية المشاركة السياسية للمرأة نالت عناية أكبر، بل إثارة أكثر، واختلف حولها الناس بين مُفْرِط، ومُفرّط، وبين مجحف بحق المرأة، ومضيع للثوابت.المرأة تعد النصف الآخر في المجتمع , والنساء شقائق الرجال» وللمرأة كانسانة مشاركة للرجل في مجالات الحياة التي تتفق وطبيعتها وقد منحها الإسلام حرية التعامل والتعاقد في البيع والشراء، وسائر المعاملات الاقتصادية، ولها حق التملك، ولها حق التعلم وحق الميراث « قال الله تعالى: «وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا» (النساء: 4). وقال «وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا . وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا» (النساء:21 – 22).

المرأة قد أكرمها ربها ورفع منزلتها وصانها ووفاها حقوقها على الوجه الأكمل والأحكم، وإذا كان الإسلام قد جعل القوامة بيد الرجل، وسمح له بتأديب زوجته إن هي نشزت وخرجت عن الطاعة، فليس معنى ذلك إهانتها أو سلبها شيئاً من حقوقها، أن الله تعالى إنما جعل لها الوضع المناسب لأنوثتها، وكرمها أيما تكريم، فيجب ان نرفض تلك الشكوك والوساوس فإنها من الشيطان، والاستعاذة من الشيطان والاتكاء على الله والاستعانة منه، فالشيطان هو عدو للإنسان كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا {فاطر: 6} .

حتى ان القوانين الوضعية أعطت أهمية خاصة لحق المرأة في المشاركة والمناصفة في الحقل السياسي، باعتباره من الأسس الدستورية لسياسات مناهضة التمييز بين الرجال والنساء وعلى ضرورة مناهضة الصور النمطية للمرأة والقطع مع مظاهر التهميش وتفكيك الخطاب التمييزي، وتشجيع ولوج المرأة للمشاركة في الانتخابات، وتحقيق توازن تمثيلية الجنسين في الهيئات المنتخبة والمراكز القيادية ومواقع صنع القرار، إضافة إلى تمكين نصف المجتمع من فرص المساهمة في الاعلام. ومع الأسف الشديد ان حرمان المرأة من حقوقها الجنسيّة والإنجابيّة جعلت المرأة تتعرض للنظرة الدونيّة من المجتمع والديماغوجية وفوضوية الكتل الإرادية المهانة في رغبات المرأة وذلك باعتبار خطاءا أنّها عار على الدين والمجتمع والشرف والعائلة والعشيرة والبناء المجتمعي بشكل كامل.

***

عبد الخالق الفلاح باحث واعلامي

 

كلامٌ لابد منه: نحن نؤمن بالفكرة مهما كان صاحبها، نكتب بموضوعية، نكنّ الإحترام والحب للجميع ولا يوجد في قلبنا حقد لأيّ كان، نناقش بعفوية من أجل تنوير الآخر، السؤال الذي نطرحه: متى تنظم مديرية الثقافة بولاية قسنطينة ندوة تتناول فيها المسار الفكري لفيلسوف الحضارة مالك بن نبي نبي ابن قسنطينة؟.

عن الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، نقول: في ندوة حول سيرته احتضنتها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية مصطفى نطور  بعاصمة الشرق الجزائري في اختتام تظاهرتها الثقافية حول الكتاب المقروء تأسفتُ (كمتابعة وملاحظة) لتجاهل الأكاديميين "مذكرات" الأمير عبد القادر فلا أحد منهم تطرق إليها ولو من باب الإشارة، فكان لابد من أن أتدخل وأطرح سؤالي حول سبب تجاهل "مذكرات" الأمير عبد القادر الجزائري أو القفز عنها في هذه الندوة؟، كانت مذكرات الأمير سيرة ذاتية كتبها وهو في السجن، ولأهميتها صدرت منها سبع طبعات، حيث صدرت الطبعة السابعة سنة 2010 عن شركة دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، وربما هناك طبعات أخرى، وقد كتب المؤرخ الدكتور أبو القاسم سعد الله تصدير من الصفحة السابعة إلى الصفحة الحادي عشر،

 وكتب التقديم الدكتور عبد المجيد مزيان (مفكر وسياسي ووالي ووزير سابق) كما كتب محمد الصغير بناني، مقدمة طويلة جدا، المقدمة وحدها تحتاج إلى قراءة، فما بالك بما جاء به الأمير المظلوم، الذي ألصقت به تهمة الإنتماء إلى "الماسونية"، وأمور أخرى قد تُحدث زوبعة، لأنه دافع عن المسيحيين بقوة، وبكل موضوعية كان من المفروض على الأكاديميين وهم يحاضرون عن المسار العسكري والسياسي للأمير عبد القادر أن يقدموا ولو التفاتة لمذكراته التي كتبها في السجن، وتحليلها من كل جوانبها التاريخية، العسكرية، الفقهية، والفكرية والفلسفية، والسياسية، لتقديم صورة حقيقية شاملة عن قائد عسكري ورجل سياسة، يعتبر شخصية "كاريزماتية" تعرف كيف تدار الأمور مع المخالفين، خاصة في وقت الحرب،و رفع كل الإلتباسات، التي لا تزال "طابو " عن رجل الصقت به تهمة الماسونية

و حسبما جاء في الصفحة رقم 09 من هذه المذكرات وحسب شهادة المؤرخ الجزائري الدكتور أبو القاسم سعد الله، فقد ذكر المحققون أن النسخة الأصلية للكتاب ما تزال ضائعة ولذلك كان اعتمادهم في التحقيق على النسخة المطبوعة تصويرا سنة 1983، وكان هو (أي سعد الله) بصدد تحضير كتابه "بداية الإستقلال" حيث اطلع شخصيا على النسخة المطبوعة، المهداة إلى المكتبة الوطنية في 1970، وكان المخطوط بدون عنوان وأنه منسوب إلى مصطفى بن التهامي و..و....و.. الخ

و جاء في هامش الصفحة رقم 09 من الكتاب أن القصة الكاملة لإكتشاف المخطوط تعود إلى سنة 1967 كما يرويها الدكتور بوعلام بن حمودة شخصيا للناشر حين كان وزيرا للمجاهدين، خلاصتها أن أحد أفراد عائلة جاك شوفالييه وهو فيلسوف فرنسي قد عثر على المخطوطة بالصدفة أثناء البحث عن بعض الحطب في قبو المنزل ( للتدفئة) ولما اطلع رب العائلة عليها وتأكد من أهميته التاريخية البالغة للوطن اتصل على الفور بوزير المجاهدين وسلمه المخطوط وقام الوزير بدوره بتسليم المخطوط إلى مدير المكتبة الوطنية في حفل رسمي، ولا أحد الايوم اين اختفت مذكرات الأمير عبد القادر الأصلية

 طبعا الحديث عن الرجال والقادة في وزن الأمير عبد القادر وأبطال المقاومات الشعبية في الجزائر والعلماء (ابن باديس ورفاقه فيجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمفكرين الجزائريين، (مالك بن نبي، محمد أركون) والمؤرخين (أحمد توفيق المدني) وأسماء عديدة كان لها دور في رفع راية الجزائر، فالحديث عنها ذو شجون، لقد آمن الأمير عبد القادر بكل القيم الإنسانية والإسلامية التي تدعو إلى التسامح، والتآخي والتضامن والتعايش السلمي، والعدالة والسلام

 فكل نشاط هذا المقاوم كان نابع من وعي كامل بهموم الأمة وقضايا الشعوب، فحبذا لو تخصص مادة خاصة في المقررات التربوية توثق مسار القادة التاريخيين في إطار السير الذاتية بدءًا من الأمير عبد القادر ومذكراته، نشير هنا أن ما يؤسف له كذلك أن المؤسسات الثقافية في كل نشاط تنظمه واختيارها شخصية ما لتكون موضع تعريف ومناقشة لمسارها النضالي الفكري، كانت تتجاهل شخصية فكرية معروفة عالميا، وهو المفكر الجزائري فيلسوف الحضارة مالك بن نبي ابن قسنطينة، لقد كان ولا يزال مالك بن نبي نسيا منسيا، حيث عاش منبوذا وهو بين قومه وفي مسقط رأسه لولا الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية الذي أنئ منذ سنة ويسعى إلى التعريف بفكر هذا الرجل ويغرس فكره في أذهان الشباب، وقد أنشأ منتدى شباب الكرسي العلمي مالك بن نبي، وهو الآن يشق الطريق نحو الوعي الفكري.

من أقوال الأمير عبد القادر الجزائري:

 يُقال أربعة يُرتقى بها إلى أربعةٍ: العقل إلى الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم إلى التصدير والحِلْمُ إلى التوقير، وأربعةٌ تُؤدّي إلى أربعةٍ: الصحة إلى السّلامة، وتابِرُّ إلى الكرامة، والجودُ إلى السّيادة ز الشكر إلى الزيادة، وأربعة تُزالُ بأربعة: النعمة بالكفران والقوّة بالعدوان والدولة بالإغفال والحضرة بالإدلال، وأربعة تدل على وفور العقل، ى حب العلم وحسن الحلم وصحة الجواب وكثرة الصواب وأربعة تدل على نقصان العقل: الجهل بالأحباب والإهانة بالأصحاب والجفوة للإخوان والجرأة على السلطان، وأربعة لا تتم إلأا بأربعة: العلم بالحجا والدين بالتقى والأعمال بالنيات والموالاة بإخلاص الطويات.

***

علجية عيش

(مجرد وجهة نظر وبدون خلفيات)

في قلب كل مهاجر عربي تسكن غصة خفية، وسؤال وجودي مؤرق يُطرح كلما التفت وراءه لينظر إلى الجغرافيا التي تبرأ منها أو تبرأت منه، سؤال يختزل حيرة الروح بين واقع يدفعه للخلف وأرض تشده للعمق: "وطني.. هل طردتني أم تناشدني للبقاء؟!". نحن نعيش في زمن التغريبة الكبرى، حيث تحولت الهجرة من مجرد سعي وراء الرزق إلى هروب جماعي للوعي والعقل. لكن المفارقة الأكثر مرارة في هذا المشهد تكمن في تلك الدائرة المفرغة من اللوم والهروب: نحن نترك أوطاننا ضائعة في تيهها، نوسعها عتباً ونقداً، ونلومها بكرة وأصيلاً لأنها لم تمنحنا حقوقنا، ثم نمضي بكامل إرادتنا وطاقتنا لنقدم أقدس واجباتنا لبلدان أخرى وبنى حضارية غريبة عنا.

أليس من الإجحاف الوجودي أن نحرم الأرض التي نبتنا فيها من ثمار عقولنا، بحجة أنها لم تسقنا بماء الحقوق؟ إننا نقف أمام مرآة الحقيقة لنتساءل بجرأة: هل العيب منا أم من المنظومة التي جبرتنا على الرحيل؟ هل نحن ضحايا واقع طارد، أم صانعو اغترابنا الخاص الذي يدفن نداء الوطن الخفي؟

حين نفكك المسألة فلسفياً، نجد أن الذنب مشطور بين قسوة "الجبر" وخطيئة "الاستسلام". لا يمكن إنكار أن أنظمة التتفيه والفساد التعليمي والمؤسسي في عالمنا العربي قد مارست طرداً ممنهجاً للعقول. لقد ضيقت الخناق على الفكر الحر، وحاصرت المبدع في لقمة عيشه، وسلبت الإنسان كرامته حتى صار البقاء داخل حدود الوطن يشبه الانتحار البطيء في هاوية العدم. هذا الجبر الخارجي حقيقة ملموسة، والبيئة الطاردة ليست وهماً، وهي التي تجعل الشاب يصرخ مجروحاً: "لقد طردتني البيروقراطية وقهرني الفساد!".

ولكن، خلف قناع القسوة الظاهر هذا، ثمة صوت خفي للأرض لا يسمعه إلا أصحاب الوعي الخالص. الوطن ككينونة، كتراب، كأمة، لا يطرد أحداً، بل يقف في عمق التاريخ مناشداً عقولنا وسواعدنا ألا تتركه وحيداً في مواجهة العبث. وهنا يقع عيبنا نحن؛ العيب يبدأ حين نرتضي دور الضحية المطلقة ونسقط كل تقاعسنا على شماعة الوطن المحطم، فنصم آذاننا عن مناشدته. نحن نقدم أثمن ما نملك—وعينا، وسواعدنا، ووقتنا—لبناء بلادٍ أخرى تمنحنا الحقوق المادية لكنها لن تمنحنا الانتماء الروحي لـ "الأرض العارية" الأولى. إننا نهرب بالواجبات إلى الخارج لأن مواجهة الواقع بالداخل تتطلب شجاعة ومقاومة فكرية حقيقية آثرنا السلامة منها، متناسين أن الوطن الذي نلومه ما زال يتشبث بنا وينادينا للبقاء والترميم.

يا شبابنا المهاجر، ويا من تقفون على أعتاب الرحيل؛ إن الوطن ليس فندقاً نغادره كلما ساءت الخدمات، بل هو وجود نحن من يصنع ملامحه ويسترد حقوقه. قبل أن نلوم الأوطان على سلب الحقوق، دعونا نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا من واجبات لبيتٍ يستغيث؟ إن العيب ليس في رغبتنا بالعيش الكريم، بل في ترك الساحة للأقنعة المزيفة والتافهين ليعبثوا بمصير الأمة، بينما نبني نحن حضارات الآخرين. التغيير يبدأ من الداخل، والنهضة الحقيقية تقتضي ألا نمنح وعينا لمن لا يشبهنا؛ فالوطن لم يطردنا بملء إرادته، بل هو يقف هناك وسط ركام التحديات، يمد يده بكل حنين، ومناشدته لنا بالبقاء هي طوق النجاة الأخير لوعينا المهاجر.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

هُناك لحظات في عُمر كلّ منّا، يتوقّف فيها الزمن عن الجريان في نهره الخالد، كما نتوقف نحن متأملين مُندهشين، فاذا كنّا مِن أولئك المتأملين المحظوظين، أمسكنا بتلك اللحظة، وقُمنا بوضعها في إطارها الخاص بها، وإذا كنّا رحّالةً، نبحثُ عن الاماكن المجهولة، ونتجوّل في العالم، علّنا نُضيف إليه جديدًا، سجّلنا اكتشافًا عظيمًا لمِنطقة، ما زالت بكرًا ولم تطأها قدم إنسان، وإذا كنّا مُوسيقيين، توقّفنا مُترنّمين، مع تلك الايقاعات الصاخبة، ذات النغمة العسكرية، وقمنا بالمُسارعة إلى دفاتر النوتة الموسيقية، وسجّلنا النشيد الفرنسي العسكري المارسليز. مثل هذا ما يحدث معنا في مثل تلك اللحظات، أما السرّ في هذا كلّه، فإنه يعود إلى أن الفنّان منّا، لا يعيش أربعًا وعشرين ساعة مُنغمسًا في عمله الفنّي، وإنما هو ينشغل أيضًا، في همومه اليومية.

ساعات القدر.. في تاريخ البشرية، هو عُنوان كتاب فريد مِن نوعه، وضعه الكاتب النمساوي الألماني ستيفان تسفايح، وتناول فيه بالعرض العديد مِن الساعات، أو اللحظات الفريدة في الحياة، لعدد وفير مِن الشخصيات البارزة في التاريخ البشري، منها ليو تولستوي وفيودور دوستويقسكي، شيشرون، وغيرهم كثير ممّن عاشوا مثل تلك اللحظات، وأثّروا، بتوقّفهم عندها البشرية.

تسفايج يتطرّق في كتابه إلى تلك اللحظات التي يُطلق عليها اللحظات الحاسمة، التي عادة ما تترك أثرًا عميقًا على المسيرة البشرية، في صناعتها لتاريخها المبدع، وتحدّث عن تلك اللحظات التي تساوي أعمارًا، مُتعمّقًا في تفاصيلها وكأنما هو كان في صُحبة أصحابها، وأعلامها الخالدين، فهو يروي مثلًا ما وقع يوم 21 من آب عام 1741، للفنّان الموسيقى الإنجليزي جورج فريدريش هيندل، وكأنما هو مُرافق له، في عمله المُفاجئ العظيم، وكأنما كان معه وإلى جانبه. إنه يرسم له صورةً تُمسك بك، فلا تتركك، إلا وقد أُترعت بالنشوة والحماس، لكلّ ما هو مُفاجئ، مدهش وجميل في الحياة، يقول مثلًا: ومال هيندل برأسه فوق الأوراق كأنما يحني رأسه لعاصفة كبيرة، كانت كلّ مظاهر التعب قد ولّت وأدبرت، ولم يسبق له قط، أن شعر بطاقته على هذا النحو، ولم يسبق له قط، ولم يسبق له بعد أن أحسّ أنه مُشبع بكلّ مُتعة الابداع، وكانت الكلمات تنهال عليه كأنها دفقات مِن الضوء الدافئ، الذي يُحرّر ويُخلّص، وكلّ منها مُوجّه إلى قلبه، يُناشده، ويُحرره، " فتقر عينًا"، بينما كان غناء هذه الجوقة، ينفتح كأنما هو يخرج مِن صدع جدار، رائعًا، ورفع رأسه على غير إرادة منه، وتوتّر الذراعان، بعيدة كلّ منهما عن الأخرى، " إنه المُعين الحقيقي"، أجل هذا ما أراد أن يشهد به، كما لم يسبق لواحد من أهل الأرض أن فعل ذلك، وهمّ أن يرفع شهادته لتكون لوحة تشرق بنورها على العالم.

بمثل هكذا دقة ومُرافقة، استنبطها تسفايج مِن الكثير، مِن الوثائق، الرسائل والشهادات الحيّة، يواصل وصفه لساعات القدر، لأربع عشرة شخصية مِن أبرز الشخصيات في العالم، وللحظات فريدة، مِن البديهي أنها لو ولّت، دون الإمساك بها واقتناصها، ما كانت تعود بنفس الحدّة وبذات الغنى والثراء، وها هو تسفايج، يُرافق كريستوفر كولمبوس، في اكتشافه المُحيط الهادي، بتاريخ 25 أيلول من عام 1513، كما يرافق محمّد الفاتح في فتحه القسطنطينية في 29 أيار من عام 1453، بل ها هو يُرافق الكابتن سكوت في كفاحه مِن أجل القطب الجنوبي، بتاريخ 16 كانون الثاني مِن عام 1912، وغيرهم من المذكورين آنفًا.

إنه يُتابع بأسلوبه الروائي، الحيّ الرشيق، العديدَ مِن التفاصيل، التي عاشها مَن تعرّض لهم مِن الشخصيات التاريخية التي أثرت بمغامراتها، البعيدة عن الكسل والخُمول، والقريبة مِن الاقدام والشجاعة، العديد.. العديد مِن القصص التاريخية الطريفة، بالضبط كما فعل في كتابه الآسر عن بُناة العالم، عندما كتب عن ديكنز، ستندال، هولديرلن، ستندال، كلايست وأمثالهم. ومِن أحسن القِصص التي يرويها، بكلّ ما حفلت به من تفاصيل، طالما تاق لمعرفتها والاطلاع على دقائقها، شُداة الادب ومحبوه، قصة شاعر المانيا العظيم، كما يُجمع النقّاد، جيته، الذي يضعونه جنبًا إلى جنب مع شكسبير الانجليز، ويرون فيه شكسبير المانيا. قصّتُه هذه تروي واحدةً مِن أجمل الحكايات الغرامية في العالم، فهي تروي قصة جيته بعد أن تجاوز الرابعة والسبعين من عمره، يصطحب دوقًا كبيرًا ويتوجّه، مِن كالرسباد إلى ايجر، متنقّلًا بين كارلسباد وفايمار، يوم 5 أيلول من عام 1823، ليخطب ودّ ويد الصبية اولريكة ليفستوف، ابنة التاسعة عشرة، وليرتدّ مع قُبلة خجول، ورفض مهول، وليشرع في كتابة قصيدة الخالدة، التي يعتبرها الكثيرون من أهم ما كُتب في الادب الألماني على الاطلاق، وهي قصيدة مرثية مارينباد. واستمع إليه يقول فيها:

أو ما بقي العالم يا ترى؟ وما عادت الجدران الصخرية؟

متوّجة بالظلّ المُقدس؟

والمحصول، الا ينضج؟ والأرض الخضراء

الا تمتدّ على النهر، عبر الاحراش والمراعي؟

ثم، او لا ينتصب منحنى العظيم المتعالي على العالم،

العني بالصور، الذي لا يلبث ان يعدو عديم الصور؟

لقد سبق لجيتيه، صاحب آلام فيرتر، أن وقع في محبّة والدة اولريكة هذه، وعاد في الحالتين الغراميتين بالخيبة، وربّما بقصيدتين، إحداهما أحدّ مِن الأخرى، وأشدّ التهابًا. خلال السنوات التالية، حتى الواحد والثمانين، كان جيتيه قد فرغ مِن العمل في وضع مسرحيته فاوست، التي تُعتبر دُرّة الادب الألماني، ليقدّم الاثبات الخالد، على أن ساعات القدر ليست وقفًا على عُمر، وإنما هي وقفٌ على قوة خفيّة، تُشبه الوقوع على حافة نهر الحياة.. دائم التدفّق.. ودائم الابداع.

***

ناجي ظاهر

ما إن تبدأ أولى زخات المطر بالهطول حتى نشعر أن شيئًا غائبا قد عاد ليتحرك في أعماق الوجدان. تتغير رائحة الأرض، وتتبدل ملامح المكان، ويصبح للهواء نفحة آخرى، كأن المطر لا يهطل على الأرض وحدها، بل يهطل أيضًا على الذاكرة، فيوقظ فيها صورا من استذكارات بعيدة، ظلت ساكنة خلف تداعيات الزمن.

رائحة الأرض المبتلة بالمطر، تأخذنا إلى قرية هادئة، كانت تستقبل المطر بفرح يشبه فرح العيد، وإلى طرق ترابية، تتشكل فوقها البرك الصغيرة، وأطفال يخرجون بلهفة، يركضون بين الأزقة، ويتسابقون مع الماء المتدفق من أسطح البيوت الطينية، غير عابئين ببلل الثياب، ولا ببرودة الطقس.

كان المطر يومذاك، حدثًا يستحق الانتظار. ففي ذلك الزمن البسيط، كانت البيوت القديمة، تبدو في أيام المطر، أكثر ألفة ودفئًا، حيث تجتمع الأسرة حول الموقد طلبًا للدفء، فتبدأ الأحاديث، وتتعاقب الحكايات، وتمتد الأمسية في هدوء، يمنح البيت دفئًا يتجاوز دفء النار.

وكان للأم والجدات حضورهن الخاص في تلك الأمسيات، إذ يتحركن بين أفراد الأسرة، لتهيئة ما يحتاجونه، والاطمئنان إلى دفء البيت، بينما يجلس الأب قريبًا من الموقد، يصغي إلى حديث الآخرين، ويضيف بين حين وآخر، حكاية من حكايات الحياة.

وتظل الذاكرة تحتفظ بتلك التفاصيل الصغيرة، المطر وهو يطرق الأبواب والنوافذ، ورائحة الحطب حين يشتعل، وصوت قوري الشاي، ودفء الموقد، وملامح الوجوه، التي كانت تملأ البيت حياةً وحضورًا وسرورًا.

وهكذا ندرك أن الذاكرة لا تحفظ الأحداث الكبيرة وحدها، فحسب، بل تحفظ أيضا تلك التفاصيل، التي لم نكن نمنحها اهتمامًا في حينها، تحفظ رائحة الأرض بعد المطر، ودفء الموقد، وارتعاش النوافذ أمام الريح، ونداء الأم، وضحكة طفل، وحكاية جد، وفنجان شاي، كان يجمع أهل الدار بطمانينة في تلك اللحظات.

وهكذا تصبح كل قطرة مطر، رسالة صغيرة من الماضي؛ رسالة تقول إن الزمن يمضي، لكن بعض الأشياء لا تمضي معه. فالأمكنة قد تتغير، والوجوه قد تغيب، لكن رائحة المطر، تظل قادرة، على أن تعيد إلينا، ولو للحظة واحدة، دفء الأمس، ووجوه الذين أحببناهم، وألفة الأيام التي لا تعود.

***

نايف عَبوش

تذمّر: غضب وتعصب وعبّر عن إستيائه وسخطه وعدم رضاه.

"نعيبُ زماننا والعيب فينا.. وما لزماننا عيبٌ سوانا"

التذمرية سلوك يتكرر في حياتنا عبر الأجيال، فلا يوجد زمان بلا متذمرين، وتجدنا نتداول هذا التفاعل وننغمس فيه، كأنه واقع حتمي، وما فينا ينعكس حولنا.

كتاباتنا بأنواعها وعلى مرّ العصور لا تخلو من التذمر والإستياء الشديد، فلكل عصر متذمروه.

نضع عدسات التذمر أمام أعيننا ونقرأ الأيام بتساخطية ذات غلوٍّ حارق.

الإطلاع على تأريخ المجتمعات الأخرى يكشف ذبول هذه الظاهرة وإنتفائها، فالأمم تتجاوز ما مضى وتتعلم منه الدروس وحسب، وتجتهد في بناء حاضرها وصناعة مستقبلها، وتحاول بإخلاص ووفاء أن ترفع راية عزيزة مشرقة، تتداولها الأجيال المتوافدة على مسرح وجودها المتجدد العطاء.

كتاباتنا، خطاباتنا، أشعارنا، كلها تتذمر، وتمعن بالرثاء وإستحضار الحزين وتطلق الآهات والحسرات، ولا تجد مَن يصرخ بوجهها ويُصمِتها ويشجعها للنظر بعيون الإرادة الصالحة لبناء الحياة الرائعة الصروح.

ألا يكفينا البكاء على الأطلال ؟!!

ألا يحق لنا أن نمارس الحياة الحرة الكريمة؟!!

خلاصة ما نجود به من إبداع لخصه إمرؤ القيس (501 - 540) ميلادية، بمطلع معلقته بكلمتي "قفا نبكي..."!!

فهل يصح في الأفهام الإنطمار في حفرة زمنية، والأرض تدور، وتتبدل العصور، والأمة تخور، وتحفر القبور، وترفض الحضور، فبعضها يجور، وقولها جَهور، بآهة الصدور، وفعلها يبور، في زمنٍ يفور، وعالمٍ مبهور، بخارقٍ سَجور؟!!

تذمُّرنا يوافينا بقهرِ

وإمْلاقٍ وإذلالٍ بجَورِ

فهلْ ننسى زماناً من وجيعٍ

ونِبني حاضراً برؤى لفكرِ

تواصلَ جهلُنا الناسُ حارتْ

تُخمِّدها أساطينٌ بذِكرِ

***

د. صادق السامرائي

 

أنا أقرأ الرسائل التي وصلتني من المثقفين والمثقفات، والأصدقاء والصديقات، الذين يعيشون اليوم في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، فأشعر أنني لا أقرأ مجرد رسائل شخصية، وإنما أستمع إلى أصوات كثيرة تتحدث من خلف جدار الصمت. يعبر أصحابها عن سعادتهم بما أكتبه عن واقعهم، ويطلبون مني المزيد من الكتابة عن الحرية والعدالة والحقيقة، وكأنهم يقولون لي، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: اكتب ما لا نستطيع قوله، وتحدث عن الأشياء التي نراها كل يوم ولا نستطيع أن نسميها بأسمائها.

تلك الرسائل والاتصالات المباشرة ذكرتني بتلك الأيام البعيدة، والشباب الذين كناهم، وتذكرت الأحلام التي كانت تبدو لنا يومها ممكنة، بل قريبة، وتذكرت أولئك الذين كانوا معنا في تأسيس أول جمعية فلسفية في عدن، وفي اليمن عمومًا، في العشرين من سبتمبر 1988م.

ثمانية وثلاثون عامًا ليست مجرد مسافة زمنية؛ إنها عمر كامل من التحولات والانكسارات والحروب والهجرات والصمت والانتظار. وحين أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة، أشعر أننا كنا نملك شيئًا لا يُقدّر بثمن: كنا نملك القدرة على الحلم.

كنا مجموعة من الشباب نحمل أحلامًا أكبر من أعمارنا، وآمالًا أوسع من إمكاناتنا، ونعتقد أن المعرفة يمكن أن تكون طريقًا إلى مستقبل أفضل. لم نكن نملك كثيرًا من الأشياء، لكننا كنا نملك شيئًا بدا لنا أهم من كل شيء: الإيمان بأن العقل يستطيع أن يفتح نافذة في جدار الواقع.

كانت الفلسفة بالنسبة إلينا أكثر من مادة دراسية أو تخصص جامعي. كانت طريقة في النظر إلى العالم، وطريقة في مساءلة المسلمات، ومحاولة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والدولة والحرية والعدالة.

كنا نقرأ أفلاطون وابن خلدون وكانط وماركس وميكافيللي وهيدجر وسارتر وماركيز، ونختلف ونتحاور ونتجادل، ونظن أن الاختلاف جزء من الحياة الفكرية، وأن السؤال لا يمثل خطرًا على المجتمع، بل يمثل إحدى وسائل إنقاذه.

لم نكن ندرك حينها أن مجرد طرح السؤال قد يتحول إلى جريمة وعار.إنها حقيقة مريرة إن الجماعات المهيمنة لا يرعبها ضلال الإجابات الخاطئة ولا يهدد ركودها شيء، بقدر ما يزلزل أركانها ويقضّ مضجعها صوت السؤال الصحيح حين يبحث عن الحقيقة الضائعة.

وحين أتذكر الجمعية، لا أتذكر اسمها فقط، ولا تاريخ تأسيسها، ولا الاجتماعات والندوات التي عقدناها؛ أتذكر الأشخاص الذين كانوا جزءًا من ذلك الحلم.

أتساءل: أين صاروا؟

ماذا جرى لهم بعد كل الذي جرى لعدن واليمن؟

أين أولئك الذين كانوا مشاريع كتّاب ومفكرين وباحثين وأساتذة؟

أين الذين كانوا يكتبون مقالات الرأي؟

أين الذين كانوا يفكرون في استكمال دراساتهم العليا؟

أين الذين كانوا منشغلين بالفلسفة الهيجلية؟

وأين الذين كانوا يحاولون نقد الماركسية وإعادة التفكير فيها؟

لقد تفرقت بنا السبل.

لكننا لم نتفرق صدفة.

بعد حرب صيف 1994م تغيرت البيئة التي كانت تسمح لنا بالحلم. تبدلت ملامح عدن، وتراجع حضور الفكر، وضاقت المساحات العامة، واتسعت مساحات الخطابات المتطرفة، وحل الخوف في النفس والمجتمع.

بعضهم هاجر.

بعضهم صمت.

بعضهم غيّر خطابه.

بعضهم حاول التكيف مع الواقع الجديد.

وبعضهم لم يستطع التكيف أصلًا، فانهار تحت وطأة الحياة، وأصيب بعضهم بالمرض النفسي، وانتهى بعضهم إلى الانتحار.

وهنا بدأت أفهم شيئًا من طبيعة الإرهاب الفكري.

إنه لا يحتاج إلى قتل الجميع كي ينتصر.

يكفيه أن يجعل الجميع يخافون.

فالخوف أكثر كفاءة من الرصاصة أحيانًا.

الرصاصة تقتل إنسانًا واحدًا، أما الخوف فيستطيع أن يجعل مجتمعًا كاملًا يراقب نفسه بنفسه. يجعل الإنسان يحذف الجملة قبل نشرها، ويغير الكلمة قبل أن يقولها، ويتراجع عن الفكرة قبل أن يكتبها، ويتعلم أن الصمت قد يكون أقل تكلفة من الحقيقة.

وهكذا يتحول الخوف من حالة نفسية إلى مؤسسة اجتماعية غير مرئية وبهذا المعنى نفهم العنف الرمزي عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو؛ أخطر ما يمكن أن يحدث للناس وللفكر والثقافة فحين يخاف الناس من التفكير، لا تحتاج السلطة أو الجماعة أو المليشيا إلى مراقبة الجميع؛ لأن الناس يبدأون بمراقبة أنفسهم بأنفسهم.

وهنا لا يعود القمع مجرد بندقية في يد مسلح، بل يصبح صوتًا داخل الرأس.

ولذلك ظل سؤال الجمعية الفلسفية يعود إليّ كلما قرأت أو كتبت عن اليمن: ماذا حدث لذلك الجيل؟

أين ذهبت الأحلام؟

وأين ذهبت الندوات؟

وأين ذهبت الفلسفة من الجامعة؟

وأين ذهبت عدن التي كانت تفتح نوافذها على البحر والعالم؟

لقد أدركت مع مرور السنوات أن المسألة لم تكن خسارة جمعية أو قسم جامعي أو مجموعة من الندوات.

كانت خسارة جزء من رأس المال الثقافي والعقلي للمجتمع.

فالمجتمع حين يخسر مفكريه لا يخسر أشخاصًا فقط، وإنما يخسر جزءًا من قدرته على فهم ذاته، ونقد ماضيه، وقراءة حاضره، وتصور مستقبله.

وحين يجف المجال العام من المثقفين المستقلين، تصبح الرواية الواحدة أقوى، ويصبح الصوت الواحد أكثر قدرة على احتلال المجال العام، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للتعبئة والخوف والتطرف.

ومن هنا أتذكر حديثًا قديمًا مع أستاذي وصديقي الدكتور أحمد نسيم برقاوي.

كان ذلك ذات مساء على شاطئ بحر العرب، في كورنيش خور مكسر. كنا نصطاد السمك، ننتظر أن تستجيب السنارة لسمكة تأخرت كثيرًا عن موعدها، بينما أخذنا الحديث بعيدًا عن البحر والسنارة والسمكة.

فجأة قال لي:

«قاسم، بدي أسألك: أين اختفت النخبة التكنوقراطية الحديثة التي خلفتها الإدارة البريطانية لمدينة عدن؟»

فاجأني السؤال، لا لأنني لم أكن أعرف أن عدن امتلكت نخبة مدنية متعلمة، وإنما لأنني لم أفكر من قبل في اختفائها بوصفه سؤالًا تاريخيًا.

سألته: ماذا تقصد بالنخبة العدنية الحديثة؟

فبدأ يسمي: التجار والمستثمرين، المهندسين والمقاولين، الأطباء والمحامين، الإداريين والمحاسبين، المعلمين والصحفيين والكتاب والمثقفين والفنانين، والنساء المتعلمات، وأصحاب الشركات والمؤسسات والصحف والأحزاب والمهن الحديثة؛ تلك الطبقة المدنية التي راكمت خلال عقود طويلة خبرة في إدارة المدينة ومؤسساتها.

كان سؤاله الحقيقي: ماذا حدث لهذه النخبة بعد الاستقلال؟ ولماذا لم تصبح جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الوطنية الحديثة؟

أدركت يومها أن السؤال أكبر من عدن؛ إنه سؤال عن علاقة الثورة بالنخبة، والدولة بالخبرة، والمجتمع بذاكرته المؤسسية.

فقد جرى النظر إلى قطاعات من تلك النخب من خلال تصنيفات أيديولوجية جاهزة، مثل البرجوازية والكومبرادور والقوى الرجعية. وبدل استثمار خبراتها، أُقصيت قطاعات منها، وحلت محلها قوى جديدة لم تكن تمتلك دائمًا الخبرة اللازمة لإدارة دولة حديثة.

ومنذ ذلك المساء أصبحت أرى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمعرفة والخبرة والمؤسسات والقانون.

وحين تُقصى النخب أو تُهجّر أو تُخيف، لا يخسر المجتمع أشخاصًا فقط، بل يخسر جزءًا من ذاكرته وقدرته على بناء المستقبل.

وهنا تكمن إحدى مآسي اليمن اليوم: أنه لا يخسر مدنه ومؤسساته فقط، بل يخسر أيضًا المجال الذي يستطيع فيه العقل المستقل أن يعيش ويبدع ويشارك في بناء الدولة.

ذاك الحوار البحري مع البرقاوي فتح نظري على اهمية النخب في المجتمعات والبحث في الحالة العربية وقد كتبت دراسة بعنوان (مقومات تشكيل النخب في المجتمع العربي) أوضحت فيه أن النُّخب ليست وضعية عارضة في طبيعة المجتمعات الإنسانية، بل حالة جوهرية أساسية راسخة في صلب التكوين الفطري للمجتمعات الإنسانية منذ بدء الحياة الإنسانية حتى اللحظة الراهنة، إذ لا يمكن للحياة الاجتماعية في أي مجتمع كان، أن تتم من غير نخب اجتماعية سياسية وثقافية قادرة على توجيه مساراتها وتحريك دفتها في الاتجاهات المرغوبة والمطلوبة" وتتعدد النخب وتتنوع بقدر تعدد وتنوع مجالات الفاعلية والعلاقة الاجتماعية (سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية ودينية وعلمية وفنية وإعلامية وتعليمية .الخ. في ضوء ذلك يمكننا، استخلاص تعريف النخبة بالآتي: النُّخبة جماعة من الأفراد يمتلكون خصائص مميزة تجعلهم أكثر قدرة على التميز في أداء أدوار شديدة الأهمية في حياة مجتمعاتهم ولاسيما مجال توجيه المجتمع واتخاذ القرارات السيادية المهمة في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.وهي فئة أو شريحة اجتماعية صغيرة وفاعلة ومهيمنة في مجال فعلها ونشاطها بقدرة على استحواذ عناصر قوة المجال والتحكم في قواعد لعبته الخاصة.

في ذلك السياق اشرت إلى كلمة الرئيس الفرنسي شارل ديغول في أول اجتماع له في جامعة باريس عام 1960م، إذ قال:

"كل ما يهمني اليوم هو معرفة كم بقى لفرنسا من نخبها العلمية في مختلف مجالات العلوم، فإذا فقدنا السياسيين والعسكريين فيمكن تعويضهم في بضعة سنوات، أما العلماء والأكاديميين فخسارتهم لا تعوض أبدًا، إذ هم عقل الأمة وقلبها النابض، فإذا مات العقل وأنطفى النبض مات الجسد وتحلل واندثر".

وهكذا تكون مسؤولية من يعرف ويفهم في كتابة الحقيقة كما هي في الواقع لا كما يتصورها

فلماذا أكتب؟

هذا السؤال أصبح يلاحقني أكثر من أي وقت مضى.

وأنا لا أكتب لأنني أعتقد أن المقال قادر وحده على تغيير الواقع.

فالكتابة لا توقف دبابة، ولا تمنع رصاصة، ولا تبني دولة في يوم واحد.

لكنها تستطيع شيئًا آخر ربما يكون أكثر بقاءً.

إنها تستطيع أن تمنع الكذبة من أن تصبح الرواية الوحيدة.

تستطيع أن تحفظ ذاكرة الذين جرى إسكاتهم.

تستطيع أن تسجل ما حدث قبل أن تبتلعه الذاكرة.

تستطيع أن تقول للذين يعيشون في الخوف: لستم وحدكم.

وتستطيع أن تقول لمن يملك القوة: إن ما تفعله اليوم لن يختفي لمجرد أن البنادق ستصمت يومًا.

لهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليّ أكثر من فعل أدبي أو أكاديمي.

إنها شهادة.

والشهادة مسؤولية.

أن أكتب يعني أن أقاوم النسيان.

أن أقول ما أستطيع قوله.

أن أكشف ما أستطيع كشفه.

أن أترك للأجيال القادمة سجلًا آخر غير السجل الذي تصنعه السلطات والحروب والدعاية.

لقد خرجت من ذلك السجن اليمني الكبير، المسكون بالحرب والخوف والتكفير والظلام، لكنني لم أخرج من اليمن.

حملت اليمن معي.

حملت عدن.

حملت الجامعة والطلاب والكتب.

حملت الجمعية الفلسفية.

حملت وجوه الأصدقاء الذين تفرقوا.

حملت أصوات الذين صمتوا.

وحملت أسئلة الذين بقوا.

ولهذا أكتب عن اليمن من الخارج، لكنني لا أكتب بعيدًا عنه.

أكتب من موقع من نجا من الخوف، لا من موقع من نجا من المسؤولية.

وأعتقد أن الفرق بين الاثنين كبير.

فالخروج من دائرة الخطر قد ينقذ الجسد، لكنه لا يعفي الضمير.

ومن استطاع أن يخرج من دائرة الخوف، فإن خروجه ينبغي ألا يتحول إلى امتياز للصمت، بل إلى فرصة للكلام.

وهنا أفهم الرسائل التي تصلني من صنعاء وعدن والمكلا بطريقة مختلفة.

إنهم لا يريدون مني أن أكتب عنهم من موقع الشفقة.

ولا يريدون صورة رومانسية عن اليمن.

ولا يريدون مني أن أختزل المأساة في طرف واحد.

إنهم يريدون أن يُقال ما لا يستطيعون قوله.

وهذه، في حد ذاتها، مسؤولية ثقيلة.

فالكاتب الذي يستطيع أن يرى ثم يصمت ليس مثل الذي لا يستطيع أن يرى.

ومن استطاع أن يتكلم حين يعجز الآخرون عن الكلام، يصبح مطالبًا بأن يستخدم هذه القدرة بمسؤولية.

لا أن يتحول إلى بوق.

ولا إلى محرض.

ولا إلى ممثل لجماعة.

بل إلى شاهد.

والشاهد الحقيقي لا يكتب ما يرضي الناس، وإنما يحاول أن يكتب ما يراه حقًا، حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة لأصدقائه قبل خصومه.

إن مسؤولية الكتابة في زمن الانهيار هي أن تضع الحقيقة في مواجهة القوة، وأن تجعل من الكلمة مساحة للحرية، ومن الذاكرة مقاومة للنسيان، ومن السؤال بداية لاستعادة العقل.

ولهذا أكتب عن عدن.

لأن عدن بالنسبة إليّ ليست شوارع ومباني وميناءً وبحرًا.

عدن ذاكرة مدنية.

عدن تجربة في التحديث.

عدن فضاء للتنوع.

عدن مدينة كانت تفتح نوافذها على العالم.

وأكتب عن الفلسفة لأن مجتمعًا يخاف من السؤال سينتهي، عاجلًا أو آجلًا، إلى الخوف من الإنسان نفسه.

وأكتب عن النخب لأنني تعلمت أن تدمير النخبة لا يعني التخلص من أفراد، وإنما يعني تجفيف منابع المعرفة والخبرة والقدرة على بناء المستقبل.

وأكتب عن الذين صمتوا لأنني أعرف أن وراء كل صمت قصة.

وأكتب عن الذين هاجروا لأن الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن حياة أفضل؛ قد تكون أحيانًا نجاة من حياة لم تعد ممكنة.

وأكتب عن الذين بقوا لأن البقاء في بعض الظروف شكل آخر من أشكال المقاومة.

وربما لا أستطيع أن أعيد الجمعية التي تأسست في سبتمبر 1988م.

ولا أستطيع أن أعيد عدن التي عرفناها.

ولا أستطيع أن أسترد السنوات التي ابتلعها التاريخ.

ولا أستطيع أن أعيد الذين رحلوا.

لكنني أستطيع أن أتذكر.

وأستطيع أن أكتب.

وهذا، في زمن كهذا، ليس قليلًا.

فالكتابة في زمن الخوف ليست ترفًا.

إنها إحدى صور الحرية.

والكشف عن الحقيقة ليس انتقامًا من الماضي، بل دفاع عن المستقبل.

ومن استطاع إلى ذلك سبيلًا، فليكتب.

ليكتب عن اليمن كما رآه، لا كما تريد له الدعاية أن يكون.

ليكتب عن الذين دفعوا ثمن الحرب.

عن الذين عاشوا الخوف.

عن الذين هُجّروا.

عن الذين صمتوا.

عن الذين قاوموا بالصبر.

عن الذين حاولوا أن يحفظوا للمعرفة مكانًا وسط الخراب.

ليكتب عن المدارس والجامعات التي فقدت معناها.

عن المؤسسات التي تآكلت.

عن المدن التي تغيرت.

عن الذاكرة التي تتعرض للمحو.

ليكتب حتى لا يصبح النسيان هو المنتصر الأخير.

ولعل أعظم ما تستطيع الكلمة أن تفعله في زمن كهذا أن تقول للإنسان اليمني، وللإنسان عمومًا: إن الوطن ليس أرضًا فقط، والدولة ليست سلطة فقط، والثورة ليست عنفًا فقط، والحرية ليست شعارًا، والعلم ليس شهادة، والفلسفة ليست ترفًا، والذاكرة ليست ماضيًا.

كل ذلك شروط للحياة الإنسانية نفسها.

وحين أتذكر أولئك الشباب الذين اجتمعوا في عدن في سبتمبر 1988م، وهم يحلمون بجمعية للفلسفة وعلم الاجتماع، لا أشعر بالحزن فقط على ما ضاع.

أشعر أيضًا بأن شيئًا من ذلك الحلم ما يزال حيًا.

فالأحلام الفكرية قد تتعثر.

وقد تُحاصر.

وقد يهاجر أصحابها.

وقد تُغلق الجمعيات.

وقد تُفرغ الجامعات من معناها.

لكن السؤال الذي يولده العقل لا يموت بسهولة.

الرصاصة تستطيع أن تقتل صاحب الفكرة، لكنها لا تستطيع دائمًا قتل الفكرة نفسها.

أما الخوف، فإنه يحاول أن يجعل الإنسان يقتل الفكرة داخل نفسه.

ولهذا فإن مقاومة الخوف تبدأ أحيانًا بثلاث جمل بسيطة:

أنا أرى.

أنا أتذكر.

وأنا أكتب.

أكتب لأنني لا أريد أن يصبح الصمت شهادة زور على ما حدث.

وأكتب لأن الذين لا يستطيعون الكلام يحتاجون إلى من يحمل بعض أصواتهم إلى الفضاء العام.

وأكتب لأن الذاكرة، إذا لم يكتبها أصحابها، سيكتبها الآخرون نيابة عنهم.

وأكتب لأن التاريخ لا يحفظ كل شيء، ولأن السلطة لا تروي كل شيء، ولأن الضحية كثيرًا ما تفقد القدرة على رواية قصتها.

إنني لا أدّعي امتلاك الحقيقة كاملة.

لكنني أملك حق الشهادة على ما رأيت، وحق السؤال عما لم أفهمه، وحق نقد ما أعتقد أنه أضر بالإنسان والدولة والمجتمع.

وهذا هو معنى الاستجابة في نظري.

أن تصلني رسالة من إنسان خائف في صنعاء أو عدن أو المكلا، ثم لا أتعامل معها بوصفها مجاملة شخصية، وإنما بوصفها نداءً أخلاقيًا.

أن أفهم أن وراء عبارة «اكتب» إنسانًا يريد أن يتنفس.

وراء عبارة «قل الحقيقة» مجتمعًا يريد أن يرى نفسه في مرآة غير مزيفة.

وراء عبارة «واصل الكتابة» أملًا صغيرًا في ألا يكون الظلام هو الكلمة الأخيرة.

ولهذا سأكتب.

ليس لأنني أملك خلاص اليمن.

ولا لأنني أعتقد أن الكاتب أهم من الناس.

بل لأنني واحد من الذين حملوا هذا البلد في ذاكرتهم، وعاشوا بعض مراحله، وخسروا بعض أشيائه، وما زالوا يؤمنون بأن الإنسان يستحق حياة أفضل.

سأكتب ما أستطيع، لا ادّعاءً لامتلاك الحقيقة كاملة، ولا رغبةً في احتكار رواية الماضي، وإنما وفاءً لمسؤولية الشهادة، وأترك للتاريخ، بما له من مسافة عن الانفعال والمصلحة، مهمة الحكم النهائي.

فالكتابة، في جوهرها، ليست مجرد استعادة لما حدث، ولا تسجيلًا باردًا للوقائع، وإنما محاولة إنسانية لفهم المأساة: لماذا انكسرت الرؤوس؟ وكيف انكسر المجتمع معها؟ وكيف تحولت الخلافات إلى خصومات، والخصومات إلى عنف، والعنف إلى خرابٍ طال الإنسان والمكان والذاكرة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما حدث؟ والأهم من ذلك كله: ماذا نستطيع أن نتعلم من هذه التجربة حتى لا تتحول المأساة إلى قدرٍ يتكرر؟

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للذكرى: أن نتذكر لا لكي نبقى أسرى للحزن، وإنما لكي نفهم؛ وأن نفهم لا لكي نبحث عن الثأر، وإنما لكي نمنع تكرار المأساة؛ وأن نكتب لا لكي ننتصر على أحد، وإنما لكي نمنح الحقيقة فرصةً للبقاء حين يحاول النسيان أن يطويها.

لهذا أكتب.

أكتب لأن ما حدث لا ينبغي أن يُدفن مع الذين رحلوا، ولا أن يتحول إلى حكاية منسية في ذاكرة الأجيال. أكتب لأن الذاكرة مسؤولية، والحقيقة مسؤولية، والكلمة حين تصدر عن ضمير حي يمكن أن تكون شكلًا من أشكال مقاومة النسيان.

تذكّرٌ حتى لا يضيع الماضي،

واستجابةٌ حتى لا يبقى الحاضر بلا صوت،

وكتابةٌ حتى لا يُترك المستقبل رهينةً للنسيان.

وسأظل أكتب ما استطعت؛ فليس في وسع الإنسان أن يغيّر ما حدث، لكنه يستطيع أن يمنع أن يمرّ ما حدث بلا معنى.

***

عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري

لا تقف الأكسيولوجيا، علمُ القيم، عند حدود التأمل الفلسفي في الخير والجمال. هي في جوهرها محاولة لنقل الأخلاق من مقام التنظير إلى حياة تُعاش في الوعي والسلوك. فالقيمة لا تكتمل بتعريفها ولا بالدفاع عنها، وإنما بتحوّلها إلى ممارسة وطريقة في النظر والتعامل، تعيد وصل الإنسان بفطرته ووجدانه وعالمه.

ومن هنا تنطلق من فكرة أساسية: الجمال والأخلاق ليسا مجالين منفصلين. فما يظهر في السلوك من رقيّ وتهذيب واتزان ليس قشرة خارجية، بل انعكاس لما استقر في الداخل من وعي وقيم. وبهذا يصبح فنُّ التعامل فعلًا ثقافيًا رفيعًا، يكشف جوهر الإنسان الروحي ويمنح القيم قدرة على التجسّد والتأثير.

وحين يلتقي الذوق الفني بالنسق الأخلاقي يتجاوز الجمال كونه صورة حسية أو هيئة مرئية. يغدو لغةً تتجسد بها الأفكار والقيم، وتنتظم بها الألوان والأصوات والحركات في انسجام يلتقي فيه المعنى بالجمال، والوعي بالسلوك، والحرية بالمسؤولية. والحياة من هذا المنظور ليست لوحة جامدة تحكمها قوانين الشكل واللون، بل فضاء حيّ تتجلى فيه المعاني الإنسانية والروحية. وبذلك لا يكون الإنسان متلقيًا للجمال فقط، بل شريكًا في صنعه، حين يحوّل قيمه إلى سلوك، ووعيه إلى مسؤولية، وذوقه إلى طريقة في الوجود.

وليست إعادة تأسيس هذا العلم إحياءً لخطاب نظري مغلق، بل تطويرٌ لمعالم قابلة للتطبيق. فالمطلوب ألا تبقى القيم محفوظة في المفاهيم، بل أن تصير قوة تربوية وثقافية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم.

وتشتد هذه الحاجة في زمن التحولات الرقمية المتسارعة، التي غيّرت طرائق التواصل والإدراك وتكوين المواقف. هنا تبرز الأكسيولوجيا ضرورة ثقافية وأخلاقية، لا ترفًا مثاليًا بعيدًا عن الواقع. إنها بوصلة عملية تواجه خطاب الكراهية بجمال التسامح، والانحدار الأخلاقي بسمو القيم، واضطراب المعنى بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مشروعًا متجددًا في الوعي والسلوك.

وعندما يتناغم الذوق الجمالي مع الوعي الأخلاقي والروحي، لا يعود الجمال زينةً للمعنى، ولا تعود الأخلاق قيدًا على الحياة. يلتقيان في صيغة أصيلة متزنة: جمالٌ يستمد عمقه من الأخلاق، وأخلاقٌ تستمد إنسانيتها من قدرتها على إنتاج الجمال.

وهكذا تتحدد الغاية الأبعد: أن نرى في القيمة حياةً لا شعارًا، وفي الجمال مسؤوليةً لا مظهرًا، وفي الأخلاق فعلًا يوميًا يترجم ما نؤمن به إلى ما نفعله. إنها دعوة إلى بناء إنسان لا يكتفي بمعرفة الخير بل يجسّده، ولا يكتفي بتأمل الجمال بل يتركه أثرًا في العالم، فيستعيد بذلك معنى وجوده وانسجامه مع فطرته.

***

بقلم زينب طارق العراق

 

لا سيادة للعقل على المقدس ولا مسلمات دينية تلغيه، والمُوفِّقون بينهما بالتوازي والتوافق مخطئون أيضا، حتى الذين بدافع متعة المبارزة الفلسفية لمقاربة علم الروحانيات بعلم المادة ليسوا على صواب.

الحقيقة البسيطة أن العقل مخلوق، ومهما بلغت درجة ذكائه وعبقريته فلا يستطيع أن يثبت أنه خلق نفسه، أو ما يعبر بعضهم عن الظاهرة بأنه مجرد صدفة وجودية، ومن جهة أخرى لا يمكن أن يخلق الله ما يمكن يفوقه في تقدير الغيب وعالم الروح، بدليل قوله تعالى في وصف الجنة: (لا عين رأت ولا أذن سمعت وما خطرت ببال بشر)، اتفاقا على أن كلّا من العين والأذن والخيال مجرد أدوات للعقل، إذ لا يمكنه استعمالها إلّا في مدارات ما يستوعبه الإنسان في الواقع والطبيعة، حيث تتوفر معطيات المسائل المعقدة وغير المعقدة والسطحي منها والعميق، أين تتم دراسة ظواهر حسية مما يبذله الإنسان من مشاعر اتجاه الآخرين والعكس خلال مواقف مختلفة، أو ظواهر مرئية مما يقابله من مواضيع مادية ذات صلة بالمنفعة العامة.

كون العقل مخلوق بكل ما يحوزه من قدرات نظرية تزعج كلّا من الملحد والساحر والكاهن، لأن لدى كل منهم رغبة في تأليه عقله، معتبرا أن العقل كفيل بتوفير الحكمة وصناعة المواقف المثالية، ومعرفة ما يمكن أن يحصل غدا أو العام أو القرن القادم، دون حاجة إلى قوة يعتبرونها طفيلية على العقل حتى ولو كانت دينا مُكلّلا بالخوارق والمعجزات، فهم يعتبرون الدين مجرد ذريعة يتذرع بها المؤمنون للتغطية على عقولهم الغبية الإمعة التي ليست لديها قدرة على التفكير.

في الجهة الأخرى يصف المستجيبون للنص المقدس هؤلاء بالملحدين، فالملحد هو الذي ينفي وجود الله باعتبار أنه منح عقله قدرة خارقة لا تحتاج إلى سند مقدس لتوجيهه وكبحه، أو يطالبه بالخضوع والامتثال، وقد يصل به غروره إلى اعتبار نفسه يساوي أو يفوق الصفات الإلهية في تقدير الغيب ومصائر البشر، وقد يلزمهم بالركوع له كما فعل فرعون ومن على شاكلته من الملوك المعاصرين، فيفعلون ظنّا أنه يفوق الله في سرعة عقابه وشدته، وأنه ليس غفورا رحيما كخاصية يعتبرها تميّزا على الله، فهو يعتقد أنه - تعالى عن ذلك - متخاذلا حين يقبل توبة البشر ويعفو عنهم.

هؤلاء هم الذين وقفوا ضد الأنبياء والرسل ووصفوهم بالمجانين، وعندما استجابت لهم البشرية لم يجنحوا إلى الإيمان استجابة إلى ما أوحي إليهم، بل عندما تمكن الرسل  - صلوات الله عليه عليهم - من التأثير على واقع الحياة و وصفوهم بالسحرة والكهنة، مع أنهم هم البادئون بصناعة السحر والتكهّن، أو بما أبدعه الملحدون المعاصرون من مصطلحات، كما وصف الروائي الجزائري رشيد بوجدرة الرسول محمد ﷺ بالرجل الثوري ونفى أن يكون رسولا، وصفَه بذلك لسببين، أولا ليجعل نفسه شبيها به، وثانيا  ليظن المؤمنون به أن المسألة لا تتعلق سوى بالشجاعة والجرأة، وسحر الخطاب النضالي كالمعمول به في الخطابات السياسية، وضمنيا نفى أن يكون العقل هو الذي استجاب لإعجاز النص المقدس، الفكرة نفسها تصب دلالة في نفس سياق أطروحات كل من الباحث المغربي أحمد عصيد، والسعيد بن جبلي، والروائية المصرية نوال السعداوي، وبوعلام صلصال وغيرهم الكثير ممّن ينتمون إلى دول عربية وغير عربية.

الغريب أن بعضهم قضوا نحبهم في الحياة اللّادينية متشابهين مع الأنعام، وبعضهم أنهوا حياتهم بأيدهم ليثبتوا أنهم أرحم من الله على أنفسهم حين لا يتركون أنفسهم يتألمون، وبعضهم تعجلوا وأنهوا حياتهم وهم بصحة جيدة خوفا من أن يُرجِع الآخرون موتَهم إلى القضاء والقدر، مثل ما فعل الباحث السوري ديفيد المعروف بـ: (ديفيد رجل كهف) ثم سار على خطاه المغربي السعيد بن جبلي وانتحر مثله، وربما هناك الكثيرون من أتباعهم ماتوا على هذا النحو ولم يعلم بهم أحد، أو ربما صنفتهم التقارير الأمنية بالمنتحرين وكفى.

ورغم هذا المصير المشين لرواد هذه الفلسفة، لا يزال كثير من المفكرين الذين هرب بهم جموح تفكيره يناهضون لتحرير العقل من هيمنة الدين، وبالرغم من أنهم يدعون نباهة الفكر ويقدمون سلطة العقل على المقدس لم يتصالحوا مع أنفسهم ليضبطوا وضعهم النفسي، ليتساءلوا هل هم فعلا مقتنعين بأن النص المقدس لا يصلح لتنظيم شؤون المخلوقات في الحياة، أم فقط لأنه حرم عليهم ما تشتهي أنفسهم، وبالتالي يعترفون بأن الحياة الأخرى حقيقة، وأنهم قالوا بأنها خرافة فقط لأن هناك عقاب ينتظرهم مع إصرارهم على ارتكاب ما يحرمه النص المقدس، حيث يعتبرون ذلك تجنيا على حرية الإنسان في ما يفعله اتجاه نفسه وروحه وجسده.

في منوال آخر لم ينتبه هؤلاء إلى أنهم أثبتوا بأنهم شركاء مع سائر البهائم سلوكيا بتناول كل شيء تشتهيه النفس في الحياة، فالتيس مثلا عندما تكبر ابنته الجدية يمتطيها لتُنجب منه، فهذه فطرة قدّرها الله للمخلوقات غير العاقلة رحمة بالإنسان وحرصا على تأمين غذائه، لكن عندما يمتطي الأب ابنته بمبرر حرية الجسد فهل هناك خلفية نفعية من وراء هذا التزاوج؟ إلّا إذا أراد أن يبرر ذلك بتأمين مستقبله المعيشي أو الجنسي، فيُعدنا بذلك إلى النقطة الأولى التي انطلقت منها نشأة الخلق الآدمي حيث آدم وحواء، في هذه الحالة تكون الفلسفة أداة للتلاعب بأذهان البشر وليست أداة لتنويرهم، فلو أن للعقل سيادة فعليا كما يقولون لاعتبروا آدم وحواء أخُوة خَلقية وليست أُخُوة عائلية ناتجة عن تزاوج بين رجل وامرأة، كما أن أمومة السيدة مريم العذراء أمومة خَلقية وليست أمومة نتجت عن تزاوجها من طرف آخر كما تعتقد بعض الأديان، ولله القُدرة أن يخلق ما يشاء حتى من العدم. 

فلو نقترِح على أحد من المنادين بحرية الجسد إنشاء مخبر، بيت – مثلا - يجمع داخله أسرته المتكونة منه وأمه وأبيه وزوجته وابنته وأبنه، وأطلب منه أن يظل هذا المخبر مغلقا لمدة 20 سنة يتزاوجون خلالها فيما بينهم وينجبون من بعضهم، لنجدهم بعد هذه المدة قد تكاثروا وفق نظرية حرية الجسد، أكيد سنكتشف أن كثيرا من المفاهيم الأسرية قد تلاشت: (الأب، الأم، الجد، الجدة، الخال، الخالة، العم، العمة، الأخ، الأخت، الابن، الابنة، الحفيد..)، يعني القضاء على مصطلح النّسب فيصبحون سواسية كأجساد الأنعام، ثم لا تجد الدولة بعد ذلك ضرورة للاهتمام بالحالة المدنية كنظام اجتماعي، بعد ذلك هل نستطيع أن نفرق بينهم وبين القردة؟ ربما نتبيّن أنهم بشر فقط من خلال الشكل واللغة، هذا إن نجوا من الاضطرابات والأمراض الوراثية، وربما ينتج عن الظاهرة مسخٌ يتسبب في فساد الذوق العام.

العقل لا يجني على نفسه بتجاوز المقدس والعلم والمنطق، إنما ارتباطنا بما تشتهيه النفس هو الذي يبرر ما نريده من حرية مطلقة، فنتمرد بذلك على سمو العقل كأداة تتقدم وعيا على كل الانفعالات، به يمكننا التباهي بسيادة عقولنا على الحيوانات كونها غير واعية بما تفعل، وأن الله خلقها فيما هي عليه لأسباب نفعية ذات صلة باستمرار وجود الإنسان، فهل من المنطق أن نجنح إلى سلوكها بحجة ازدهار الفكر وتجدد المعرفة؟

***

عبد الباقي قربوعه – كاتب جزائري

شهدت البشرية عبر العصور قفزات علمية متسارعة صاغت مجرى التاريخ وغيرت وجه الحياة. فمن العصر الذهبي للعلوم، حيث وضع علماء أفذاذ مثل الرازي وابن سينا أسساً مهمة للطب والعلوم القائمة على الملاحظة والتجربة، وصولاً إلى عصرنا الحالي بما يشهده من تقنيات متقدمة وذكاء اصطناعي، استمر الشغف الإنساني بالاكتشاف والتطوير، ليربط حاضرنا العلمي والتقني المذهل بجذور تاريخية عريقة أسهمت في بناء الحضارة.

ولعل الطب هو أحد أبرز المجالات التي تجسدت فيها هذه القفزات العلمية. فلم يتقدم الطب في تاريخ البشرية كما تقدم في عصرنا الحاضر؛ فأصبح الطبيب قادراً على تشخيص أمراض كانت في الماضي لغزاً محيراً، وإجراء عمليات دقيقة ومعقدة، ودخل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى ساحة العمل الطبي، وأصبح بالإمكان السيطرة على أمراض كانت تعني في الماضي الموت، بل وتحسين نوعية الحياة وإطالة عمر الإنسان في حالات لم يكن علاجها ممكناً قبل عقود قليلة، فضلاً عن التطور الكبير في وسائل تخفيف الألم ومعاناة المرضى.

ومن الطبيعي أن يكون وراء هذا التقدم منظومة هائلة تعمل من أجل المريض، تضم آلاف العلماء والباحثين والأطباء، والجامعات ومراكز البحوث، وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، والمختبرات والمستشفيات. وتُنفق مليارات الدولارات سنوياً على الأبحاث التي تقود إلى اكتشاف أدوية جديدة وتطوير الأجهزة والتقنيات الطبية. ويؤدي كل طرف من هذه الأطراف دوراً مهماً في منظومة الطب الحديث، بهدف الوصول إلى تشخيص أدق وعلاج أفضل وحياة أطول للإنسان.

غير أن هذه المنظومة العلمية والتقنية الضخمة لها كلفتها. فالبحث العلمي يحتاج إلى تمويل كبير، وتطوير الدواء أو الجهاز الطبي يمر بمراحل طويلة ومكلفة من البحث والتجارب والتطوير والإنتاج، كما تحتاج المستشفيات إلى أجهزة متقدمة ومختبرات متخصصة وكوادر مؤهلة. وتدخل هذه التكاليف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في كلفة الخدمات الطبية التي يحصل عليها المريض. كما أن الشركات التي تستثمر في هذا المجال تعمل، في معظم الحالات، ضمن منظومة اقتصادية تسعى إلى استرداد تكاليفها وتحقيق عائد على استثماراتها، وهو أمر يسهم في استمرار البحث والتطوير، لكنه ينعكس في الوقت نفسه على كلفة العلاج.

ولم يعد استيعاب هذا التطور ممكناً في المستشفيات القديمة التي صُممت لمتطلبات عصر مختلف. فقد أصبحت المستشفيات الحديثة مؤسسات ضخمة تحتاج إلى مساحات واسعة للأجهزة والمختبرات وغرف العمليات والعناية المركزة، فضلاً عن أماكن إقامة المرضى والخدمات المساندة. وتطورت كذلك وسائل الراحة والإقامة، حتى أصبح بعضها يضاهي في مبانيه وتجهيزاته وخدماته أرقى الفنادق.

وتطورت الأجهزة الطبية بصورة مذهلة، وأصبحت الفحوصات المختبرية والشعاعية المتقدمة جزءاً أساسياً من عملية التشخيص. وفي كثير من الحالات، لا يستطيع الطبيب الوصول إلى تشخيص دقيق من دون الاستعانة بسلسلة من الفحوصات والتحاليل والصور المتطورة، التي قد تكون كلفتها مرتفعة إلى درجة تتجاوز قدرة كثير من الناس.

حتى المدن تغيرت ملامحها؛ فظهرت شوارع ومراكز تكتظ بالعيادات الطبية والصيدليات والمختبرات ومراكز الأشعة والمراكز الصحية، وكلها تقدم خدمات يحتاج إليها الإنسان في مراحل مختلفة من رحلته مع المرض. وهذا كله إنجاز علمي وحضاري عظيم لا يمكن إلا تقديره. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً إنسانياً لا يمكن تجاهله: هل يستطيع كل إنسان أن يتحمل كلفة الاستفادة منه؟

وفي الوقت نفسه، أصبح القطاع الصحي منظومة اقتصادية واسعة، تتداخل فيها المعرفة العلمية مع الصناعة، والاستثمار، والتجارة، والخدمات. واتسع سوق التعليم الطبي، فتزايد عدد الجامعات والمعاهد التي تخرّج سنوياً أعداداً كبيرة من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وسائر الاختصاصات الطبية والصحية، كما اتسع سوق الخدمات الصحية عاماً بعد آخر.

ولا يعني ذلك أن الجانب الاقتصادي ينتقص بالضرورة من الجانب الإنساني للطب. فالعاملون في القطاع الصحي، في نهاية المطاف، بشر مثل سائر الناس؛ فيهم من اختار المهنة بدافع إنساني عميق، وفيهم من يراها رسالة ومسؤولية قبل أن تكون وسيلة للعيش، كما أن فيهم من ينظر إليها بوصفها مهنة ومصدراً للدخل. وهذا أمر موجود في معظم المهن. غير أن خصوصية الطب تكمن في أن الإنسان يلجأ إلى الطبيب وهو في أضعف حالاته، وقد يكون محتاجاً إلى العلاج بصورة لا تسمح له بالتأجيل أو الاستغناء عنه.

وهنا تظهر المفارقة: كلما ازداد الطب قدرةً على إنقاذ الإنسان، ازدادت في بعض الحالات كلفة الوصول إلى هذا الإنجاز العلمي. والمشكلة ليست في تقدم الطب، ولا في تطور المستشفيات والأجهزة والأدوية؛ فكل ذلك مكسب للبشرية. وإنما المشكلة أن يصبح هذا التقدم بعيداً عن متناول الإنسان الذي يحتاج إليه، بسبب عجزه عن دفع ثمنه.

وتزداد هذه المشكلة وضوحاً بعد التقاعد. فالمتقاعد، الذي أمضى سنوات طويلة في العمل، يجد نفسه في مرحلة يحتاج فيها إلى الرعاية الصحية أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي تنخفض فيه قدرته على تحمل تكاليفها. فالأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر تحتاج إلى أدوية وفحوصات ومراجعات طبية منتظمة، فضلاً عن الحالات الطارئة والعمليات الجراحية التي قد تصبح جزءاً من حياة الإنسان في هذه المرحلة. وهكذا قد يتحول المرض من حالة استثنائية إلى عبء مالي مستمر، فيجد المتقاعد نفسه أمام معادلة صعبة: دخل محدود من جهة، واحتياجات صحية متزايدة من جهة أخرى.

من هنا أرى أن من الضروري أن تفكر الدولة ومؤسساتها في بناء نظام ضمان صحي متكامل يبدأ مع الموظف منذ سنوات عمله الاولى، بحيث يُستقطع جزء من دخله بصورة منتظمة لهذا الغرض، سواء كان يعمل في القطاع العام أو الخاص، ليكون له ولأسرته رصيد من الحماية الصحية عند الحاجة. فكما يُقتطع من دخل الموظف ضماناً لمستقبله التقاعدي، أليس من المنطقي أن يكون له أيضاً ضمان صحي يحميه عندما يتقدم به العمر ويصبح أكثر حاجة إلى العلاج؟

إن مثل هذا النظام لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً إضافياً على الموظف، بل استثماراً في أمنه الصحي ومستقبله. فقد يمضي الإنسان سنوات طويلة وهو يدفع اشتراكاته من دون أن يحتاج إلى علاج مكلف، ثم يأتي يوم يصبح فيه هذا الضمان هو الحائط الذي يحميه من الوقوع في العجز المالي بسبب المرض.

ولا تقتصر المسؤولية على الدولة وحدها؛ فالمجتمع أيضاً يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المجال. ومن الحلول الإنسانية التي يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء أن تخصص المستشفيات، ولا سيما الكبيرة منها، برامج لإعفاء المرضى غير القادرين مادياً، كلياً أو جزئياً، من تكاليف العلاج، وفق معايير واضحة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها. ويمكن أن تحظى الحالات الأكثر ضعفاً، وبخاصة الأطفال، بأولوية في هذه البرامج.

كما يمكن أن تنشئ المستشفيات صناديق للتكافل الصحي، يساهم فيها القادرون ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية، لتغطية تكاليف علاج المرضى الذين لا يستطيعون تحملها. فالتكافل هنا لا يعني إيقاف عجلة التطور الطبي، وإنما يعني أن نساعد الإنسان على الوصول إلى ثماره.

وفي هذا السياق، يحضر أمامي نموذج أتمنى أن يحتذي به الميسورون والشركات ورجال الأعمال، هو رجل الأعمال والبر العراقي الراحل المهندس نزار النقيب رحمه الله، الذي قدم دعماً سخياً لمؤسسة ومركز الحسين للسرطان في الأردن، وكان من أبرز إسهاماته تأسيس وتمويل «مبنى نزار النقيب للعيادات الخارجية» داخل حرم المركز في عمّان عام 2001.

ولم تتوقف مساهماته عند هذا الحد، بل استمرت رعايته للمركز وتبرعاته للمساهمة في تغطية تكاليف علاج المرضى غير القادرين، ولا سيما الأطفال والفقراء واللاجئين من العراق ومن مختلف الجنسيات العربية، بما أسهم في تخفيف المعاناة عن عدد كبير من العائلات.

ومن المبادرات الجميلة التي شاهدتها في أحد مطاعم العاصمة عمّان لوحة صغيرة موضوعة على الطاولة تقول: «شكراً لدعمكم، أضيف إلى فاتورتكم تبرع بقيمة عشرة قروش لمؤسسة الحسين للسرطان لدعم مرضى السرطان غير المقتدرين».

قد تبدو مساهمة الفرد بسيطة، لكن قيمة مثل هذه المبادرات تكمن في اجتماع أعداد كبيرة من المساهمات الصغيرة لتصنع أثراً كبيراً. فالتكافل الصحي يمكن أن يكون مسؤولية الدولة، والمؤسسات الطبية، والشركات، ورجال الأعمال، والمؤسسات الخيرية، وكذلك الأفراد القادرين على المساهمة ولو بالقليل.

لقد أصبح الطب قادراً على فعل أشياء كانت تبدو قبل عقود ضرباً من الخيال. لكن لا ينبغي أن نقيس نجاح هذا التقدم بعدد الأمراض التي أصبحنا قادرين على علاجها، أو بعدد العمليات التي أصبح الأطباء قادرين على إجرائها فحسب، بل أيضاً بمدى قدرة الإنسان العادي على الوصول إلى هذا التقدم.

فالطب في النهاية وُجد من أجل الإنسان، وليس من أجل فاتورة العلاج. ومن حق كل إنسان أن يأمل في أن يكون التقدم الطبي الذي صنعه العقل البشري متاحاً، بقدر الإمكان، لكل من يحتاج إليه، وألا يكون المال هو الحاجز الذي يحول بين المريض والعلاج.

وفي الختام، أسأل الله أن يمنّ على الجميع بالصحة والعافية، وأن يحفظنا وأهلنا وأحبتنا من المرض، وأن يجعل ما وصل إليه الطب من علم وتقدم سبباً في تخفيف آلام الناس وإنقاذ حياتهم.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم