شهدت البشرية عبر العصور قفزات علمية متسارعة صاغت مجرى التاريخ وغيرت وجه الحياة. فمن العصر الذهبي للعلوم، حيث وضع علماء أفذاذ مثل الرازي وابن سينا أسساً مهمة للطب والعلوم القائمة على الملاحظة والتجربة، وصولاً إلى عصرنا الحالي بما يشهده من تقنيات متقدمة وذكاء اصطناعي، استمر الشغف الإنساني بالاكتشاف والتطوير، ليربط حاضرنا العلمي والتقني المذهل بجذور تاريخية عريقة أسهمت في بناء الحضارة.
ولعل الطب هو أحد أبرز المجالات التي تجسدت فيها هذه القفزات العلمية. فلم يتقدم الطب في تاريخ البشرية كما تقدم في عصرنا الحاضر؛ فأصبح الطبيب قادراً على تشخيص أمراض كانت في الماضي لغزاً محيراً، وإجراء عمليات دقيقة ومعقدة، ودخل الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى ساحة العمل الطبي، وأصبح بالإمكان السيطرة على أمراض كانت تعني في الماضي الموت، بل وتحسين نوعية الحياة وإطالة عمر الإنسان في حالات لم يكن علاجها ممكناً قبل عقود قليلة، فضلاً عن التطور الكبير في وسائل تخفيف الألم ومعاناة المرضى.
ومن الطبيعي أن يكون وراء هذا التقدم منظومة هائلة تعمل من أجل المريض، تضم آلاف العلماء والباحثين والأطباء، والجامعات ومراكز البحوث، وشركات الأدوية والأجهزة الطبية، والمختبرات والمستشفيات. وتُنفق مليارات الدولارات سنوياً على الأبحاث التي تقود إلى اكتشاف أدوية جديدة وتطوير الأجهزة والتقنيات الطبية. ويؤدي كل طرف من هذه الأطراف دوراً مهماً في منظومة الطب الحديث، بهدف الوصول إلى تشخيص أدق وعلاج أفضل وحياة أطول للإنسان.
غير أن هذه المنظومة العلمية والتقنية الضخمة لها كلفتها. فالبحث العلمي يحتاج إلى تمويل كبير، وتطوير الدواء أو الجهاز الطبي يمر بمراحل طويلة ومكلفة من البحث والتجارب والتطوير والإنتاج، كما تحتاج المستشفيات إلى أجهزة متقدمة ومختبرات متخصصة وكوادر مؤهلة. وتدخل هذه التكاليف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في كلفة الخدمات الطبية التي يحصل عليها المريض. كما أن الشركات التي تستثمر في هذا المجال تعمل، في معظم الحالات، ضمن منظومة اقتصادية تسعى إلى استرداد تكاليفها وتحقيق عائد على استثماراتها، وهو أمر يسهم في استمرار البحث والتطوير، لكنه ينعكس في الوقت نفسه على كلفة العلاج.
ولم يعد استيعاب هذا التطور ممكناً في المستشفيات القديمة التي صُممت لمتطلبات عصر مختلف. فقد أصبحت المستشفيات الحديثة مؤسسات ضخمة تحتاج إلى مساحات واسعة للأجهزة والمختبرات وغرف العمليات والعناية المركزة، فضلاً عن أماكن إقامة المرضى والخدمات المساندة. وتطورت كذلك وسائل الراحة والإقامة، حتى أصبح بعضها يضاهي في مبانيه وتجهيزاته وخدماته أرقى الفنادق.
وتطورت الأجهزة الطبية بصورة مذهلة، وأصبحت الفحوصات المختبرية والشعاعية المتقدمة جزءاً أساسياً من عملية التشخيص. وفي كثير من الحالات، لا يستطيع الطبيب الوصول إلى تشخيص دقيق من دون الاستعانة بسلسلة من الفحوصات والتحاليل والصور المتطورة، التي قد تكون كلفتها مرتفعة إلى درجة تتجاوز قدرة كثير من الناس.
حتى المدن تغيرت ملامحها؛ فظهرت شوارع ومراكز تكتظ بالعيادات الطبية والصيدليات والمختبرات ومراكز الأشعة والمراكز الصحية، وكلها تقدم خدمات يحتاج إليها الإنسان في مراحل مختلفة من رحلته مع المرض. وهذا كله إنجاز علمي وحضاري عظيم لا يمكن إلا تقديره. لكن هذا التقدم يطرح سؤالاً إنسانياً لا يمكن تجاهله: هل يستطيع كل إنسان أن يتحمل كلفة الاستفادة منه؟
وفي الوقت نفسه، أصبح القطاع الصحي منظومة اقتصادية واسعة، تتداخل فيها المعرفة العلمية مع الصناعة، والاستثمار، والتجارة، والخدمات. واتسع سوق التعليم الطبي، فتزايد عدد الجامعات والمعاهد التي تخرّج سنوياً أعداداً كبيرة من الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وسائر الاختصاصات الطبية والصحية، كما اتسع سوق الخدمات الصحية عاماً بعد آخر.
ولا يعني ذلك أن الجانب الاقتصادي ينتقص بالضرورة من الجانب الإنساني للطب. فالعاملون في القطاع الصحي، في نهاية المطاف، بشر مثل سائر الناس؛ فيهم من اختار المهنة بدافع إنساني عميق، وفيهم من يراها رسالة ومسؤولية قبل أن تكون وسيلة للعيش، كما أن فيهم من ينظر إليها بوصفها مهنة ومصدراً للدخل. وهذا أمر موجود في معظم المهن. غير أن خصوصية الطب تكمن في أن الإنسان يلجأ إلى الطبيب وهو في أضعف حالاته، وقد يكون محتاجاً إلى العلاج بصورة لا تسمح له بالتأجيل أو الاستغناء عنه.
وهنا تظهر المفارقة: كلما ازداد الطب قدرةً على إنقاذ الإنسان، ازدادت في بعض الحالات كلفة الوصول إلى هذا الإنجاز العلمي. والمشكلة ليست في تقدم الطب، ولا في تطور المستشفيات والأجهزة والأدوية؛ فكل ذلك مكسب للبشرية. وإنما المشكلة أن يصبح هذا التقدم بعيداً عن متناول الإنسان الذي يحتاج إليه، بسبب عجزه عن دفع ثمنه.
وتزداد هذه المشكلة وضوحاً بعد التقاعد. فالمتقاعد، الذي أمضى سنوات طويلة في العمل، يجد نفسه في مرحلة يحتاج فيها إلى الرعاية الصحية أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي تنخفض فيه قدرته على تحمل تكاليفها. فالأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في العمر تحتاج إلى أدوية وفحوصات ومراجعات طبية منتظمة، فضلاً عن الحالات الطارئة والعمليات الجراحية التي قد تصبح جزءاً من حياة الإنسان في هذه المرحلة. وهكذا قد يتحول المرض من حالة استثنائية إلى عبء مالي مستمر، فيجد المتقاعد نفسه أمام معادلة صعبة: دخل محدود من جهة، واحتياجات صحية متزايدة من جهة أخرى.
من هنا أرى أن من الضروري أن تفكر الدولة ومؤسساتها في بناء نظام ضمان صحي متكامل يبدأ مع الموظف منذ سنوات عمله الاولى، بحيث يُستقطع جزء من دخله بصورة منتظمة لهذا الغرض، سواء كان يعمل في القطاع العام أو الخاص، ليكون له ولأسرته رصيد من الحماية الصحية عند الحاجة. فكما يُقتطع من دخل الموظف ضماناً لمستقبله التقاعدي، أليس من المنطقي أن يكون له أيضاً ضمان صحي يحميه عندما يتقدم به العمر ويصبح أكثر حاجة إلى العلاج؟
إن مثل هذا النظام لا ينبغي النظر إليه باعتباره عبئاً إضافياً على الموظف، بل استثماراً في أمنه الصحي ومستقبله. فقد يمضي الإنسان سنوات طويلة وهو يدفع اشتراكاته من دون أن يحتاج إلى علاج مكلف، ثم يأتي يوم يصبح فيه هذا الضمان هو الحائط الذي يحميه من الوقوع في العجز المالي بسبب المرض.
ولا تقتصر المسؤولية على الدولة وحدها؛ فالمجتمع أيضاً يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في هذا المجال. ومن الحلول الإنسانية التي يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء أن تخصص المستشفيات، ولا سيما الكبيرة منها، برامج لإعفاء المرضى غير القادرين مادياً، كلياً أو جزئياً، من تكاليف العلاج، وفق معايير واضحة تضمن وصول المساعدة إلى مستحقيها. ويمكن أن تحظى الحالات الأكثر ضعفاً، وبخاصة الأطفال، بأولوية في هذه البرامج.
كما يمكن أن تنشئ المستشفيات صناديق للتكافل الصحي، يساهم فيها القادرون ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية، لتغطية تكاليف علاج المرضى الذين لا يستطيعون تحملها. فالتكافل هنا لا يعني إيقاف عجلة التطور الطبي، وإنما يعني أن نساعد الإنسان على الوصول إلى ثماره.
وفي هذا السياق، يحضر أمامي نموذج أتمنى أن يحتذي به الميسورون والشركات ورجال الأعمال، هو رجل الأعمال والبر العراقي الراحل المهندس نزار النقيب رحمه الله، الذي قدم دعماً سخياً لمؤسسة ومركز الحسين للسرطان في الأردن، وكان من أبرز إسهاماته تأسيس وتمويل «مبنى نزار النقيب للعيادات الخارجية» داخل حرم المركز في عمّان عام 2001.
ولم تتوقف مساهماته عند هذا الحد، بل استمرت رعايته للمركز وتبرعاته للمساهمة في تغطية تكاليف علاج المرضى غير القادرين، ولا سيما الأطفال والفقراء واللاجئين من العراق ومن مختلف الجنسيات العربية، بما أسهم في تخفيف المعاناة عن عدد كبير من العائلات.
ومن المبادرات الجميلة التي شاهدتها في أحد مطاعم العاصمة عمّان لوحة صغيرة موضوعة على الطاولة تقول: «شكراً لدعمكم، أضيف إلى فاتورتكم تبرع بقيمة عشرة قروش لمؤسسة الحسين للسرطان لدعم مرضى السرطان غير المقتدرين».
قد تبدو مساهمة الفرد بسيطة، لكن قيمة مثل هذه المبادرات تكمن في اجتماع أعداد كبيرة من المساهمات الصغيرة لتصنع أثراً كبيراً. فالتكافل الصحي يمكن أن يكون مسؤولية الدولة، والمؤسسات الطبية، والشركات، ورجال الأعمال، والمؤسسات الخيرية، وكذلك الأفراد القادرين على المساهمة ولو بالقليل.
لقد أصبح الطب قادراً على فعل أشياء كانت تبدو قبل عقود ضرباً من الخيال. لكن لا ينبغي أن نقيس نجاح هذا التقدم بعدد الأمراض التي أصبحنا قادرين على علاجها، أو بعدد العمليات التي أصبح الأطباء قادرين على إجرائها فحسب، بل أيضاً بمدى قدرة الإنسان العادي على الوصول إلى هذا التقدم.
فالطب في النهاية وُجد من أجل الإنسان، وليس من أجل فاتورة العلاج. ومن حق كل إنسان أن يأمل في أن يكون التقدم الطبي الذي صنعه العقل البشري متاحاً، بقدر الإمكان، لكل من يحتاج إليه، وألا يكون المال هو الحاجز الذي يحول بين المريض والعلاج.
وفي الختام، أسأل الله أن يمنّ على الجميع بالصحة والعافية، وأن يحفظنا وأهلنا وأحبتنا من المرض، وأن يجعل ما وصل إليه الطب من علم وتقدم سبباً في تخفيف آلام الناس وإنقاذ حياتهم.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








