لا يوجد أبٌ يتمنّى أن يرى ابنَه ضائعًا أو هاربًا من البيت، لكنَّ الواقع يُثبت أنَّ بعض الأبناء لا يهربون من البيت بقدر ما يهربون من القسوة التي يعيشونها داخله!
في كثيرٍ من البيوت، يظنُّ الأب أنَّ الحزم يعني التسلّط والقسوة، وأنَّ التربية تعني السيطرة الكاملة بالصراخ والضرب والتوبيخ المستمر.
فيتحوّل الأب من قدوةٍ إلى جلّاد، ومن مُربٍّ إلى مصدر خوفٍ ورفض. والأب المتسلّط غالبًا ما يُنظر إليه كإنسانٍ بلا عاطفة، فينمو الكُره في قلوب الأبناء، ويُولد لديهم شعورٌ بالقهر، ورغبةٌ في الهروب من بيئةٍ لا تمنحهم الحب، بل تُشعرهم بالدونية والمهانة.
إنَّ الهروب من البيت ليس دائمًا علامةً على فساد الولد، بل يكون أحيانًا ألمًا مكتومًا في قلب ولدٍ مظلوم، يبحث عن الأمان في مكانٍ آخر، وقد يترتّب على ذلك ضياع الطريق، والانحراف عن جادّة الصواب.
يروي أحد المرشدين التربويين قصةَ مراهقٍ هرب من منزل أسرته ثلاث مرات خلال عامٍ واحد، بسبب الأسلوب العنيف الذي كان والده يعامله به. كان يتلقّى الضرب على أقلّ خطأ، ويُقابَل بالكلمات الجارحة بدلًا من الحوار.
وخلال إحدى الجلسات الإرشادية، قال المراهق
«كنتُ أتمنّى أن يعاملني كإنسان، لا كخصمٍ أو قاضٍ. كنتُ أشعر أنني سجينٌ لا ابن».
هذه الكلمات ليست سوى مثالٍ واحد من مئات الأمثلة التي تؤكّد أنَّ العنف لا يُربّي، بل يكسر، ولا يُصلح، بل يترك في النفس جروحًا قد يصعب اندمالها.
وكثيرٌ من الأبناء الذين يُربَّون بالعنف يُصبحون عدوانيين خارج البيت، أو ضعفاءَ منكسري الشخصية، يحملون في داخلهم آثارًا نفسيةً عميقةً قد لا تزول بسهولة.
إنَّ التربية لا تعني فرض السيطرة، بل تعني بناء علاقةٍ تقوم على الاحترام والحب والاحتواء. ومن أهم ما يجب أن يتعلّمه الآباء اليوم فنُّ التأديب الإيجابي؛ أن يتعرّف الأب على الخطأ، ويسأل عن أسبابه، ويشرح لابنه أثره، ويمنحه فرصةً للتصحيح.
وإن لم يستجب، فليكن العقاب بأسلوبٍ تربويٍّ هادئ، كتنظيم وقت استخدام الأجهزة، أو تقليل بعض الامتيازات، أو تنظيم وقت الخروج، بدلًا من أن يُفرغ الأب غضبه في ضربٍ أو صراخٍ يهدم ولا يبني.
فالأب ليس شرطيًّا في بيته، ولا القاضي الذي يصدر الأحكام، وإنما هو السند والقدوة والملاذ الآمن. وكلمةٌ طيّبة من الأب قد تُعيد إلى قلب ابنه ثقته بنفسه، وحضنٌ صادق قد يختصر سنواتٍ من الألم.
واليوم، تتوفّر برامج ودورات تساعد الآباء على تطوير مهاراتهم التربوية، فكلّما ارتفع وعي الأب، ارتفعت جودة التربية، وقلّت أخطاء الأبناء. فالتربية علمٌ وفنٌّ ومسؤولية، وليست مجرد أوامر ونواهٍ وعقوبات.
فلنُعِد النظر في علاقتنا مع أبنائنا قبل أن نخسرهم إلى الأبد، ولنتذكّر أنَّ الابن الذي يجد في أبيه حنانًا وأمانًا، لن يبحث عنهما في الطرق المجهولة.
فالأبوة ليست سلطةً تُمارَس، بل أمانةٌ تُحمَل، ورحمةٌ تُمنَح، وحبٌّ يبقى أثرُه في القلب ما بقي الإنسان.
ومن وحي المقال
يا أبَاهُ، إنَّ الفؤادَ أمانةٌ
فاحفظْهُ بالحبِّ الجميلِ وصُنْهُ
لا تجعلِ التأديبَ نارَ قسوةٍ
فالحبُّ أبلغُ ما يكونُ بفنِّه
وابنُكْ إذا وجدَ الحنانَ بأبِهِ
مَضَى إلى دربِ الحياةِ بأمنِهِ
***
بقلم صبيح الكعبي








