حين تبلغ الخمسين، وتكون كهذه الشجرة التي امتدت جذورها في باطن الأرض، رغم كل عوامل التعرية التي حفرت أخاديدها عليك، تكتشف أنك ما زلت قادرًا على أن تورق أغصانًا جديدة.
في هذا العمر، حين يصبح الزمن أمامك، وتلتفت إلى ما خلفك، تدرك كم جُرت على جانب من حياتك لحساب جانب آخر، وتكتشف أنك وحدة متكاملة، وأن ما يصيب جزءًا منك تتداعى له بقية أجزائك.
حين يتألم جسدك، تهرول به إلى طبيب حاذق، وتظن أنك الإنسان الحكيم الذي يولي حياته اهتمامًا، ويحرص على ما يضمن توازنها وقدرتها على الاحتمال في هذا الزمن الأغبر.
وما إن ترى كتابًا أو بحثًا إلا وتسارع إلى اقتنائه، في محاولة يائسة للإفلات من آفة النسيان التي تنتظرك، وفي خضم كل هذا، تنسى أن تأخذ شهيقًا طويلًا، لتزفر معه أوجاع الروح وآلام النفس.
في وسط هذا اللهاث المحموم بين وظيفة لها متطلباتها، ومنزل تحاول إحكام سيطرتك عليه، وأطفال تتوهم أنك تصنع منهم نسخًا منك، تحمل أحلامك وطموحاتك، تتراكم القرارات المؤجلة، وتقبع المشكلات تحت الوسادة في انتظارك، وربما تتكدس في أعماقك دموع كثيرة لم تجد وقتًا لتذرفها.
وفي لحظة يتسرّب فيها الزمن من بين يديك، حين تقف عاريًا في خريف عمرك، كهذه الشجرة، تبدأ في إدراك كم أهملت نفسك، وكم غابت عن ثقافتنا أهمية الصحة النفسية، وغاب عنا امتداد آثارها إلى أجسادنا وأفكارنا، بل إلى تفاصيل حياتنا كلها.
تدرك أن العناية بنفسك ليست أنانية، وأن الاقتراب منها ليس ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الفراغ من مسؤولياتك، بل هو بداية الطريق الحق لفك شفرة الوجود. فكيف لنا أن نفهم العالم من حولنا، ونحن لم نتعلم بعد كيف نصغي إلى ما يحدث في أعماقنا؟ وكيف نعتني بمن نحب، ونحن نغفل عن ذلك الإنسان الذي يسكننا ويحتاج إلينا؟
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في خريف العمر، أن نعود إلى أنفسنا قبل أن يفوت الأوان، وأن نمنح أرواحنا ما تستحقه من الإصغاء والرعاية؛ فحتى الأشجار التي أثقلتها السنون، تستطيع أن تورق من جديد.
تحية في اليوم العالمي للصحة النفسية لكل العاملين في هذا المجال، من أطباء وأخصائيين، ولكل الجهود العظيمة التي يبذلونها في الأخذ بأيدي المتعبين، ومساندة الذين أثقلتهم الحياة، ونشر ثقافة الوعي بالصحة النفسية.
تحية لكل يد تمتد لتنتشل إنسانًا من عتمته، ولكل من يذكّرنا بأن النفس، مثل الجسد، تحتاج إلى الرعاية، وأن الاعتراف بالألم ليس ضعفًا، وأن طلب المساعدة ليس انكسارًا، بل شجاعة تستحق التقدير.
***
منى الصالح








