عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

اكرم عثمان: من دور عقلية الضحية إلى صناعة الحياة

ليس كل من تعرض للظلم ضحية، وليس كل من مر بظروف قاسية وصعبة محكوماً عليه أن يعيش بقية حياته أسيراً لها وضعيفاً. فالإنسان قد يتعرض للفشل أو الخيانة أو الإهمال والتقصير وفقدان شخص عزيز أو  يعيش تجربة مؤلمة لم يخترها أو يكون سبباً فيها، وقد يكون بالفعل قد تعرض للظلم والجور أحياناً، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ما حدث له من تجربة مؤلمة وصادمة إلى طريقة دائمة في النظر إلى الحياة على أنها مظلومية، فيرى نفسه دائماً مجني عليه أو مظلوماً، وأن الآخرين دائماً مسؤولين عن ذلك، والظروف دائماً ضده وتعانده وتعاكسه، ويصبح لديه القناعة بأنه لا يستطيع تغيير شيء. هنا تبدأ ما يمكن أن نسميه عقلية الضحية الذي يظن نفسه مستهدف ويتعرض للعقاب والنيل منه.

عقلية الضحية ليست مجرد شعور عابر بالحزن أو الإحباط، وإنما نمط عام من التفكير يجعل الإنسان يفسر معظم ما يحدث في حياته من خلال فكرة واحدة: "أنا لا أستطيع، لأن الآخرين أو الظروف منعوني وقيدوا حركتي". فإذا فشل في عمله، قال إن المدير لم ينصفه وأنه ظلمه ومايز زملائه عليه، وإذا لم يحقق هدفاً أو إنجازاً. قال إن الظروف لم تساعده وتقف في جانبه، وإذا اختلف مع شخص، رأى نفسه الطرف المظلوم والمعتدى عليه، وإذا ضاعت منه فرصة، انشغل بالحديث عن حرمانه منها بدل أن يسأل نفسه عن سبب ذلك وأنه قد يتحمل جزءاً كبيراً من ضياعها، وأن الخير في القادم من الفرص وكيف يمكن الاستعداد لها. ومع تكرار هذا النمط يصبح الإنسان أكثر تعلقاً بدور وعقلية الضحية، ليس لأنه يحب الألم بالضرورة، وإنما لأن هذا الدور يمنحه هامشاً من الهروب من مسؤوليته ويعفيه أحياناً من مسؤولية التغيير والسعي.

والإنسان عندما يعتاد أن يرى نفسه ضحية يبدأ تدريجياً بفقدان الإحساس بقدرته على التأثير وصناعة المواقف والأحداث. فهو لا يبحث عن الحل بقدر ما يبحث عن الشخص الذي يحمله المسؤولية. ويضع عاتق ما يحصل له على رقبة غيره ومسؤوليته، ولا يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل؟ بل يسأل: لماذا يفعلون بي هذا؟ ولماذا أنا على وجه الخصوص دون غيري من الناس؟ ولماذا لا يساعدني أحد ويقفون في جانبي؟ وهنا تتحول المشكلة من حدث خارجي إلى مشكلة داخلية الشكوى والتذمر وإتهام الآخرين، لأن الإنسان لا يعود يتعامل مع الواقع كما هو، وإنما يتعامل معه من خلال عدسة عقلية ونفسية تجعله يرى العجز أكثر مما يرى الإمكانات المتاحة والفرص السانحة.

والأخطر أن عقلية الضحية قد تصبح مريحة بطريقة خفية؛ دون ان يدري ويعلم تأثيرها السلبي عليه، لأنها تمنح الإنسان مبرراً ومسوغاً لعدم المحاولة والتجريب مرة أخرى. فإذا كان الآخرون هم السبب في كل شيء، فلماذا أتعب نفسي أو اشقى بها؟ وإذا كانت الظروف هي التي تمنعني، فلماذا أبدأ وأكرر المحاولة؟ وإذا كان الجميع ضدي، فلماذا أثق بأحد أو أشعر بالراحة والطمأنينة منه؟ وهكذا يصبح اللوم ورمي الحمل على الغير وسيلة للهروب من المسؤولية والتنصل منها، وتصبح الشكوى بديلاً عن الفعل والعمل التصحيحي، ويصبح انتظار إنصاف الآخرين أهم من صناعة الإنسان لخياراته بنفسه وتطويرها والسعي الجاد للبحث عن سبل الحياة وطرق النجاح والتميز فيها.

لكن تحمل المسؤولية لا يعني أن ننكر الظلم أو نتجاهله أو نحمل الإنسان مسؤولية كل ما حدث له. هناك أشياء تقع خارج إرادتنا يرتكب منها الناس بالأخطاء، وهناك أشخاص قد يؤذوننا فعلاً، وهناك ظروف قد تكون أقوى من قدرتنا على التحكم فيها وقيادتها. إلا أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون الإنسان ضحية لحدث وبين أن يجعل من الضحية هوية يعيش بها ويعتاش منها. قد لا أكون مسؤولاً عما حدث لي، لكنني مسؤول بدرجة كبيرة عن الطريقة التي سأتعامل بها مع ما حدث ومع من أتعامل معه ويسهم في الحدث نفسه، وعن الخطوة التي سأخذها بعد ذلك، وعن الطريقة التي سأبني بها حياتي من جديد حتى أتجاوز الأخطاء.

وهنا تظهر القوة الحقيقية في الإنسان وقدرته على التغيير وصناعة الفرص. فالقوي ليس هو الذي لم يتعرض للألم أو الفشل، وإنما هو الذي استطاع أن يمنع الألم من أن يصبح مفهوماً وتعريفاً كاملاً لشخصيته. قد تفشل، لكن الفشل لا يعني أنك فاشل أو عديم النفع والفائدة. وقد تتعرض للخيانة، أو تعمد الاخرين من حولك عدم مساعدتك أو الوقوف إلى جانبك، لكن ذلك لا يعني أن جميع الناس خائنون ويتعمدون الإيذاء لك والنيل منك. وقد تخسر فرصة، لكن ذلك لا يعني أن فرص الحياة انتهت وأن الحياة مليئة بالمحطات التي يتمكن منها المرء من النجاح. وقد تتعرض للظلم، لكن ذلك لا يعني أن مستقبلك أصبح ملكاً ورهناً لمن ظلمك. أو تجاوز حده معك. فالإنسان أكبر من التجربة التي مر بها، والماضي جزء من قصته، لكنه ليس بالضرورة خاتمة قصته، فهو قادر على تجاوز معاناته والعبور منها إلى نفق أكثر إشراقاً وضوءاً.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس دائماً: "لماذا حدث هذا لي؟"، وإنما: "ماذا أستطيع أن أفعل الآن حيال ما حدث معي؟". السؤال الأول قد يعيدنا إلى الماضي ويستنزف طاقتنا ويضعفنا في البحث عن تفسير أو مذنب، أما السؤال الثاني فيعيدنا إلى الحاضر ويضع أمامنا إمكانية الفعل والتعديل والتبديل للأحسن والأفضل. قد لا أستطيع تغيير ما حدث، لكنني أستطيع أن أتعلم منه. وأخرج فوائد جمة لكي أقف من جديد وأحاول لكي أتمكن من الوصول والسير نحو الطريق الموصلة للخير والنفع. قد لا أستطيع تغيير الآخرين، لكنني أستطيع أن أضع حدوداً واضحة معهم. وأستطيع أن أقود حياتي بشكل أفضل وأتحكم في الظروف كلها، لكنني أستطيع أن أبحث عن الخيارات المتاحة داخل هذه الظروف. وأصنع منها واجهة سليمة وموفقة.

ولعل من أكثر الأمور التي تساعد الإنسان على الخروج من عقلية الضحية أن يتعلم التفريق بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع قيادته والسيطرة عليه. فلا يهدر طاقته في محاولة تغيير الناس أو الماضي أو الظروف الخارجة عن إرادته، وإنما يوجه اهتمامه إلى أفكاره وقراراته وسلوكه ومهاراته وعلاقاته وحدوده وأهدافه. عندما يفعل ذلك يبدأ باستعادة شيء مهم جداً فقده أثناء شعوره بالعجز، وهو الإحساس بالقدرة والقوة على الفكرة الإيجابية والفعل والممارسة الفضلى.

وهذه الفكرة ينبغي أن تبدأ منذ الطفولة. فالطفل الذي يتربى ويتنشأ ويتعود أن يحل والداه كل مشكلة نيابة عنه قد يكبر وهو ينتظر من الآخرين إنقاذه ومساعدته، بينما الطفل الذي يجد من والديه دعماً وتشجيعاً مع مساحة للمحاولة والخطأ والتجريب يتعلم تدريجياً علأى الصبر ويعتقد أنه قادر على مواجهة المشكلات. والأزمات. لذلك لا ينبغي أن تكون التربية مجرد حماية الطفل من الصعوبات، وإنما يجب أن تكون كذلك تدريباً له على التعامل مع ظروف الحياة وتعاملاته مع غيره. ليس المطلوب أن نقول له دائماً: "لا تقلق، سأحل المشكلة"، وإنما أن نقول له: " أنا إلى معك وإلى جانبك، وسأساعدك عندما تعجز عن حل مشاكلك وتحدياتك حتى تتعلم كيف تحل المشكلة بنفسك وتتعود على مواجهة المواقف والأشخاص في حياتك.

إن التخلص من عقلية الضحية لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن الظلم أو الجور الذي يحدثه الآخر، ولا أن نبرر أخطاء الناس وأفعالهم، ولا أن نطلب من الإنسان أن يتقبل الإساءة أو يسكت عن حقوقه ويضعف أمام جشع وعنجهية غيره. بل يعني أن ندرك أن المطالبة بالحق شيء، والعيش الدائم في دور المظلوم شيء آخر. يمكن للإنسان أن يطالب بحقه وفي الوقت نفسه يواصل بناء حياته. يمكنه أن يعترف بألمه دون أن يسمح للألم إضعافه أو قيادة ظروفه  ومستقبله. ويمكنه أن يقول: "لقد تأذيت"، دون أن يقول: "لقد انتهيت أو تآمر علي فلان وسبب لي هذه الأفعال".

في النهاية، قد لا نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك مساحة من الاختيار في كيفية الاستجابة له والتعامل معه. وبين الإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولذلك لا أستطيع"، والإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولكن ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟"، يكمن فرق كبير في طريقة النظر إلى الحياة والتعامل معها. الأول يبقى أسيراً لما حدث، أما الثاني فيبدأ في استعادة زمام حياته وقيادتها.

لذلك لا تجعل جرحك هويتك، ولا تجعل ماضيك سجناً لمستقبلك، ولا تمنح الآخرين سلطة أكبر مما يستحقون على حياتك. قد تكون قد تعرضت للظلم، لكنك لست الظلم. وقد تكون قد فشلت، لكنك لست الفشل. وقد تكون قد خسرت، لكنك لست الخسارة. أنت الإنسان الذي يستطيع أن يتعلم، ويتغير، ويبدأ من جديد. فالحياة لا تسألنا دائما عما حدث لنا، بقدر ما تسألنا عما سنفعله بما حدث لنا كيف نعبره ونتجاوزه.

***

د. اكرم عثمان

9-10-2026

في المثقف اليوم