عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: وهم المعرفة

منذ أن تقاعدتُ عن العمل قبل أعوام قليلة، آثرتُ حياةً أكثر هدوءاً، ففضّلت البقاء في المنزل إلا للضرورة، ووجدتُ في القراءة والكتابة خيرَ رفيقين أقضي بهما وقتي كلما أسعفني بصري، إلى جانب بعض الأعمال البسيطة في الحديقة.

وكان من أهم ما سعيت إليه أن أبتعد عن كل ما يجرّ إلى الجدل العقيم والمهاترات التي لا طائل منها، ولا سيما بعد أن أصبحت أجد كثيراً من المجالس لا تدور إلا حول السياسة أو الدين؛ وهما موضوعان يتحدث فيهما الجميع بثقة لافتة، يفسرون الأحداث ويؤوّلونها، ويبدون آراءهم وكأنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة. بل إن بعضهم لا يتردد في الخوض في أي مجال آخر، مدعياً الإحاطة بكل جوانبه.

وكنت، كلما استمعت إلى تلك الثقة المطلقة، أتساءل عن قصور معرفتي وهل أنا المقصّر في ذلك؟ وهل مضى هذا العمر الطويل دون أن أكتسب من المعرفة مثلما اكتسبه غيري؟ أم أنني ببساطة أكثر إدراكاً لحدود ما أعرف؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات، شرعت أبحث في ظاهرة تُعرف في الفلسفة وعلم النفس باسم “وهم المعرفة”، محاولاً أن أفهم لماذا نشك أحياناً في قدراتنا المعرفية، "رغم وعينا بمحدوديتها"، بينما يُظهر آخرون ثقةً لا تتناسب مع ما نعرفه عنهم من علم أو اطلاع. فتتبعت آراء الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع، قديماً وحديثاً، فوجدت فيها ما يستحق أن أشاركه معكم؛ لعلنا نتأمل معاً هذه الظاهرة التي باتت أكثر حضوراً في حياتنا، في زمنٍ كثر فيه مدّعو المعرفة، وقلّ فيه الاعتراف بحدودها.

وكان اول من استوقفتني آراؤه هو المفكر وعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، لأنه كان الأعرف بطبيعة المجتمع العراقي وتناقضاته، ولعل أفكاره تختصر عليَّ الطريق إلى فهم هذه الظاهرة، وتمنحني تقييماً أكثر إنصافاً لنفسي، بعيداً عن الشعور بالقصور.

لم يستخدم الدكتور علي الوردي مصطلح “وهم المعرفة” بصيغته الحديثة، إلا أن كثيراً من أفكاره تتوافق معه بوضوح. فقد رأى أن من أخطر أمراض الفكر أن يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة كاملة، وأن يزداد يقينه بنفسه كلما ضاقت معارفه. وكان يؤكد أن محدودية المعرفة كثيراً ما تقترن بالثقة المفرطة، في حين أن اتساع المعرفة يولّد التواضع والشك المنهجي. كما انتقد الوردي هيمنة التفكير القائم على الحق المطلق والباطل المطلق، وعدّه سبباً في التعصب الفكري ورفض الآراء المخالفة. فالإنسان الذي يتوهم امتلاك الحقيقة لا يسعى إلى الحوار أو البحث، بل إلى الانتصار لرأيه وإدانة الآخرين. وفي كتاباته، ولا سيما في نقده للوعظ التقليدي، بيّن أن أخطر صور الجهل أن يجهل الإنسان حدود معرفته، فيظن نفسه مفسراً للناس وللمجتمع، وهو في الحقيقة بعيد عن فهم الواقع وتعقيداته. لقد صاغ الوردي معادلة بليغة تختصر هذه الآفة النفسية والاجتماعية في قوله: "كلّما ازداد الإنسان غباءً، ازداد يقيناً بأنه أفضل من غيره في كل شيء".

ومن هنا دعا الوردي إلى التواضع المعرفي، وإلى الاعتراف بنسبية الفهم، وإخضاع الأفكار للمراجعة والنقد المستمر، لأن بداية الحكمة، في نظره، هي إدراك الإنسان أن معرفته، مهما اتسعت، ستظل ناقصة وقابلة للتصويب.

ولم يكن هذا المعنى غائباً عن تراثنا العربي والإسلامي، فقد لخّص الحكماء هذه الحقيقة بقولهم:

الناس أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عالم فاتبعوه. ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافل فنبهوه. ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك مسترشد فأرشدوه. ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق فاحذروه.

كما عبّر الإمام الشافعي عن هذه الحقيقة بأبلغ عبارة حين قال: “كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي، وإذا ما ازددت علماً زادني علماً بجهلي.” وهذه الكلمات تختصر حقيقة عميقة، وهي أن الجهل بطبيعته مخدّر؛ يمنح صاحبه شعوراً زائفاً باليقين والثقة، لأنه لا يرى التعقيدات التي تكشفها المعرفة. أما العلم الحقيقي، فيولد التواضع، ويجعل صاحبه أكثر وعياً بما يجهل.

وأذكر في هذا المقام موقفاً لا يزال عالقاً في ذاكرتي منذ أيام الدراسة للدكتوراه. فقد أوصاني أستاذي المشرف، رحمه الله، قبل دخولي الامتحان الشفهي قائلاً: “إذا سُئلت عن أمر لا تعرفه، فلا تتردد في أن تقول: لا أعرف. فهذا الجواب خيرٌ من أن تجيب بما لا تعلم فتقع في الخطأ.” ولم أدرك آنذاك عمق هذه النصيحة كما أدركه اليوم؛ فقد كانت درساً مبكراً في التواضع المعرفي، وتعليماً بأن الاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، وهو من صفات الباحث الحقيقي، وأن قول “لا أعلم” قد يكون أصدق جواب، يمكن ان يقدمه الباحث.

وقد جاءت الدراسات العلمية الحديثة لتؤكد هذه الحقيقة. ففي عام 1999 نشر عالما النفس الامريكيان ديفيد دانيج وجاستن كروجر دراسة أصبحت من أشهر الدراسات في علم النفس، وصاغا ما يعرف اليوم بـ “تأثير دانيج-كروجر”. وتبين هذه النظرية أن الأشخاص ذوي المعرفة أو المهارة المحدودة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم، لأنهم يفتقرون إلى المهارات التي تمكّنهم أصلاً من اكتشاف أخطائهم أو إدراك حجم جهلهم. فهم لا يخطئون فحسب، بل يعجزون عن معرفة أنهم مخطئون.

ومن هنا ظهر ما يعرف بـ “منحنى المعرفة”. ففي بداية تعلم أي مجال يصل الإنسان إلى مرحلة من الثقة المفرطة، تُعرف مجازاً بـ “قمة جبل الغباء”، إذ يظن أنه أصبح خبيراً. ثم، كلما تعمق في التعلم، يكتشف اتساع ما يجهله، فتنخفض ثقته بنفسه فيما يسمى “وادي اليأس”. وبعد سنوات من التعلم والخبرة، تبدأ ثقته بالارتفاع من جديد، ولكنها تصبح ثقةً قائمة على الفهم والتواضع، لا على الوهم.

ولم تكن هذه الظاهرة غائبة عن كبار الفلاسفة عبر التاريخ. فسقراط، رائد التواضع المعرفي، عندما أعلنت كاهنة معبد دلفي أنه أحكم أهل أثينا، أخذ يحاور من يظنهم الناس حكماء، فاكتشف أنهم يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء، بينما هم يجهلون كثيراً. أما سقراط، فكان يدرك حدود معرفته، فخرج بمقولته الخالدة: “كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً.”

أما تشارلز داروين فقد لخّص هذه الظاهرة بقوله: “الجهل يولد الثقة أكثر مما تفعل المعرفة.”

وقال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل: “المشكلة الأساسية في العالم هي أن الحمقى واثقون تماماً من أنفسهم، بينما يملأ الشكُّ الأذكياء.”

ويُنسب إلى الفيلسوف الصيني كونفوشيوس قوله: “المعرفة الحقيقية هي أن تعرف حدود جهلك.”

وهكذا، يتبين أن ما يسميه علماء النفس اليوم “وهم المعرفة” هو حقيقة أدركها الفلاسفة والحكماء والمفكرون منذ قرون، كلٌّ بلغته وأسلوبه. فقد التقى سقراط وكونفوشيوس والإمام الشافعي وعلي الوردي، ثم جاءت أبحاث دانيج وكروجر، على رسالة واحدة: كلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد إدراكه لما يجهله، وازداد تواضعاً في أحكامه.

ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص المعرفة، وإنما وهم امتلاكها؛ ذلك الوهم الذي يغلق باب التعلم، ويحول الحوار إلى صراع، والرأي إلى عقيدة لا تقبل النقاش. أما الاعتراف بحدود المعرفة، فلا ينتقص من الإنسان، بل هو أول الطريق إلى الحكمة، وأصدق دليل على نضج العقل ورقي الفكر. فالمعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نظن أننا وصلنا إلى النهاية، بل حين ندرك أن أمامنا دائماً ما نتعلمه، وأن اتساع الأفق يبدأ بالاعتراف بحدود ما نعرف.

فليس العاقل من يملك جواباً لكل سؤال، وإنما من يعرف متى يقول بثقة: «لا أعلم»؛ فهذه العبارة، على بساطتها، ليست اعترافا بالجهل فقد تكون بداية كل معرفة حقيقية.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم