أقلام حرة
رافد القاضي: المرأة.. ذلك القلب الذي لم يتوقف عن النبض
ليست المرأة سؤالًا اجتماعيًا ولا ملفًا حقوقيًا ولا رقمًا في إحصاءات التنمية كما اعتاد الخطاب السائد أن يضعها والمرأة في جوهرها كائن يربك التعريفات الجاهزة لأنها لا تُختصر في وظيفة ولا تُحبس في دور ولا تستقر في صورة واحدة وكل محاولة لتعريف المرأة تعريفًا نهائيًا تنتهي بالفشل لأن المرأة ليست “ماهية” ثابتة بل حركة دائمة لصناعة المعنى داخل عالم متحوّل فالمرأة بوصفها ذاكرة حيّةالرجل غالبًا يحمل التاريخ أما المرأة فتحمله بطريقة أخرى تحفظه لا كوقائع بل كخبرة إنسانية.
المرأة لا تتعامل مع الماضي كأرشيف بل كامتداد حيّ يتسلل إلى الحاضر عبر التفاصيل: الحكايات العادات نبرة الصوت والطقوس الصغيرة ففي المجتمعات التي انهارت لم تكن القوانين ولا الشعارات هي ما حفظ الروح بل النساء اللواتي حافظن على المعنى وسط الخراب.
المرأة لا تكتب التاريخ في الغالب لكنها تمنع التاريخ من أن يتحول إلى قسوة خالصة ومن أعمق ما يميّز المرأة قدرتها على التعايش مع التناقض دون أن تنكسر حيث تستطيع أن تكون قوية دون أن تتخلى عن حساسيتها حازمة دون أن تفقد رحمتها واقعية دون أن تطفئ حلمها بينما يسعى العقل الحاد إلى الحسم والانقسام تتحرك المرأة في المساحات الرمادية بثقة نادرة.
هذه القدرة ليست ضعفًا بل ذكاء وجودي والعالم لا يُدار بالصرامة وحدها بل بالمرونة التي تمنع التصدّع والمرأة عبر التاريخ كانت الجدار المرن الذي امتصّ الصدمات حين عجزت البنى الصلبة والعظمة الذكورية غالبًا ما تُقاس بالمنجزات الكبرى : الحروب والسلطة والسيطرة أما المرأة فتعرف بالفطرة والخبرة أن الحياة تُصنع في اليوميّ البسيط وفي إعداد الطعام في ترتيب المكان في تهدئة الخوف في الإصغاء الطويل الذي لا يطلب مقابلًا وهذه الأفعال الصغيرة ليست هامشية كما تبدو هي ما يمنح العالم قابلية الاستمرار والحضارات لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا بل حين تفقد قدرتها على إنتاج حياة يومية محتملة والمرأة كانت دائمًا المهندسة الخفية لهذا الاحتمال.
تم اختزال المرأة عبر العصور في جسدها: إما بالتقديس المفرط أو بالقمع القاسي ولكن جسد المرأة ليس ساحة صراع بل لغة هي لغة تعبّر عن الحياة، الألم اللذة، الحدود والعطاء وطريقة تعامل المجتمع مع جسد المرأة تكشف عمق علاقته بالإنسان نفسه في حين يُهان جسد المرأة فذلك إعلان فشل حضاري وحين يُحترم يكون المجتمع قد قطع خطوة حقيقية نحو النضج الأخلاقي.
وليست كل سلطة منصبًا أو قرارًا والمرأة تمتلك سلطة أخرى: سلطة التأثير البطيء والعميق وتغيّر دون ضجيج وتعيد تشكيل الوعي دون شعارات وكثير من العقول التي صنعت التاريخ تشكّلت في حضن نساء لم يذكرهن أحد وهذه السلطة لا تُقاس بالقوة المباشرة بل بقدرتها على الاستمرار والتجذّر.
حين تُخذل المرأة لا ينهار العالم فجأة لكنه يبدأ بالتآكل فالمرأة المكسورة لا تصرخ بل تنسحب إلى الداخل وحين تنسحب يفقد المجتمع مصدرًا أساسيًا للتوازن فالمرأة حين تُقمع لا تنتقم لكنها تعلّم أبناءها الخوف بدل الأمل والصمت بدل السؤال وهنا تكون الخسارة جماعية لا فردية.
في النهاية لا يمكن الحديث عن المرأة بوصفها “موضوعًا” يُغلق بخاتمة لأن المرأة نفسها لا تُغلق ولا تُختصر فالمرأة ليست سطرًا أخيرًا في مقال بل المساحة التي تمنح النص كله معناه وكل حضارة حاولت أن تحاصر المرأة اكتشفت متأخرة أنها كانت تحاصر إنسانيتها هي.
حين تُستعاد المرأة في وعي الأمم لا تُستعاد الحقوق فقط بل يُستعاد التوازن الأخلاقي للإنسان فالمرأة لا تحتاج إلى أن تثبت جدارتها وجودها الكامل هو البرهان وحين يُطلب منها أن تكون أقل مما هي فإن الخسارة لا تقع عليها وحدها بل على مفهوم القوة ذاته، الذي يتحول من قدرة على البناء إلى أداة قهر والمرأة هي الامتحان الأخلاقي الأكثر صدقًا لأي مجتمع زليست الشعارات ولا المؤتمرات هي المعيارزبل الطريقة التي يُعامل بها الأضعف، الصامت، المختلف وهناك عند المرأة تحديدًا يسقط الادعاء أو ينجح.
إن أخطر ما يهدد المرأة ليس القمع وحده بل الاعتياد عليه وحين يتحول الظلم إلى أمر مألوف وحين يُقنع الصمت بأنه فضيلة والتنازل بأنه حكمة وعندها لا نخسر امرأة واحدة بل نخسر أجيالًا كاملة تتربّى على الشك في ذاتها ونهضة المرأة لا تعني صراعًا مع الرجل بل تحريرًا مشتركًا من أنماط قاسية أرهقت الطرفين وحين تنهض المرأة تفعل ذلك بالوعي، لا بالضجيج وعي يعيد ترتيب المعنى ويكشف الزيف ويمنح الإنسان فرصة أخرى ليكون أفضل.
العالم اليوم في ذروة قسوته وتسارعه بحاجة إلى المرأة لا كدور ثانوي، بل كبوصلة وبحاجة إلى الإصغاء والاحتواء والحكمة العاطفية التي تربط العقل بالقلب دون خجل وبحاجة إلى أن تعود المرأة شريكة في صناعة المعنى لا ضحية له ولا تابعًا وحين يُدرك الإنسان أن المرأة ليست “الآخر” بل امتداده الإنساني الأعمق يبدأ التحول الحقيقي.
هناك فقط يتصالح العقل مع الرحمة والقوة مع الأخلاق والحرية مع المسؤولية ولهذا فإن إنصاف المرأة ليس موقفًا فكريًا عابرًا بل ضرورة وجودية وكل تأجيل لهذا الفهم هو تأجيل لشفاء العالم من علله القديمة فالمرأة ليست من تنتظر الخلاص بل هي من تصنعه حين يُسمح لها أن تكون كاملة وحين يحدث ذلك لا تبتسم المرأة وحدها بل يتنفس العالم أخيرًا وكأنه وجد نفسه بعد طول ضياع.
***
د. رافد حميد فرج القاضي







