أقلام فكرية
زهير الخويلدي: الفلسفة العربية الإسلامية بين المشائية والاشراقية
مقاربة حضارية
في الحضارة الإسلامية، التي امتدت من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر الميلادي وما بعده، برزت الفلسفة العربية كجسر حضاري بين التراث اليوناني القديم والعصر الحديث، محملة بطابع إسلامي يجمع بين العقل والوحي. هذه الفلسفة لم تكن مجرد استيراد أفكار، بل إعادة صياغة حضارية تعكس تفاعل الثقافات في بغداد ودمشق وقرطبة، حيث اختلطت اللغة العربية بالحكمة اليونانية والإيمان الإسلامي. في هذا السياق، يبرز التنافس والتكامل بين تيارين فلسفيين رئيسيين: المشاية، التي تمثل المنهج العقلاني التحليلي المستمد من أرسطو، والإشراقية، التي تعتمد على الإشراق الروحي والحدس الإلهي. من منظور حضاري، يمكن القول إن هذين التيارين لم يكونا مجرد مدارس فكرية، بل عمادا حضاريا ساهما في بناء مجتمع إسلامي يجمع بين العلم والروحانية، مما أثر على العلوم الطبيعية، الفنون، والأخلاق الاجتماعية. هذه المقاربة الحضارية تكشف كيف أن الفلسفة العربية الإسلامية لم تكن نخبوية، بل جزءاً من نسيج حضاري أوسع، يربط بين الشرق والغرب، ويوفق بين المنطق والإلهام، مما جعل الحضارة الإسلامية مصدر إشعاع عالمي. بدءاً من المشاية، التي سميت كذلك نسبة إلى "المشاء" أرسطو الذي كان يدرس طلابه أثناء المشي، تمثل هذه المدرسة الجانب العقلاني المنهجي في الفلسفة العربية الإسلامية. نشأت المشاية في سياق الترجمات العباسية، حيث نقل الفلاسفة العرب مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد أعمال أفلاطون وأرسطو إلى العربية، لكنهم لم يكتفوا بالترجمة، بل طوروها لتتناسب مع الإطار الإسلامي. حضارياً، ساهمت المشاية في بناء نظام تعليمي متكامل، حيث أصبحت المنطق الأرسطي أداة أساسية في المدارس الإسلامية، مما أدى إلى تطور العلوم مثل الطب والرياضيات. على سبيل المثال، اعتمد ابن سينا في "القانون في الطب" على المنهج المشائي التحليلي، الذي يقسم الظواهر إلى أسباب ونتائج، مما جعل الطب الإسلامي نموذجاً حضارياً ينتقل إلى أوروبا عبر ترجمات قرطبة. من الناحية المنهجية، تركز المشاية على العقل كأداة للمعرفة، حيث يرى الفارابي أن الفلسفة هي "الفن الأعلى" الذي يوفق بين الشريعة والحكمة، مما يعكس دورها الحضاري في دمج الدين مع العلم. هذا النهج العقلاني ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل الغزوات المغولية، إذ قدم إطاراً منطقياً لفهم الكون ككل مترابط، حيث يصبح الإنسان جزءاً من نظام كوني يعتمد على القوانين الطبيعية. ومع ذلك، لم تكن المشاية خالية من التحديات، إذ واجهت انتقادات من المتكلمين مثل الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، الذي رأى في اعتمادها المفرط على العقل تهديداً للوحي، مما يبرز التوتر الحضاري بين العقلانية والروحانية في المجتمع الإسلامي. في مقابل ذلك، برزت الإشراقية كتيار فلسفي يعتمد على الإشراق الإلهي، أي الإلهام الروحي الذي يتجاوز الحدود العقلية. مؤسسها الرئيسي شهاب الدين السهروردي، الذي عاش في القرن الثاني عشر، جمع في فلسفته بين التراث اليوناني والفارسي القديم والإسلامي، مما جعلها تعبيراً حضارياً عن التعدد الثقافي في العالم الإسلامي. الإشراقية ليست مجرد فلسفة، بل حكمة إلهية تعتمد على "الذوق" أو الحدس الروحي، حيث يرى السهروردي أن النور الإلهي هو أساس الوجود، مستمداً من مفهوم النور في القرآن. حضارياً، ساهمت هذه المدرسة في تعزيز الجانب الروحي والفني في الحضارة الإسلامية، إذ أثرت على التصوف والفنون مثل الرسم والشعر، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في المساجد والمخطوطات. على سبيل المثال، في "حكمة الإشراق"، يصف السهروردي العالم كتدرج من الأنوار، بدءاً من النور الأعلى (الله) إلى الأنوار الأرضية، مما يوفر إطاراً حضارياً لفهم التنوع الثقافي كانعكاس للوحدة الإلهية. هذا النهج الإشراقي ساعد في مواجهة التحديات الحضارية مثل التصادم مع الثقافات الأخرى، إذ يرى في الإلهام طريقاً للوصول إلى الحقيقة دون الحاجة إلى البراهين العقلية المعقدة، مما جعله أكثر جاذبية للعامة والصوفيين. ومع ذلك، لم تكن الإشراقية معزولة عن العقل، بل تكملها، إذ يؤكد السهروردي على أهمية المنطق كمقدمة للإشراق، مما يعكس قدرتها على التوفيق بين العلم والروح في سياق حضاري يجمع بين المشرق والمغرب الإسلامي.
عند مقارنة المشاية والإشراقية من منظور حضاري، يبرز التباين الأساسي في المنهج: المشاية تعتمد على البرهان العقلي التحليلي، الذي يرى الكون كآلية منطقية، بينما الإشراقية تركز على الإلهام الروحي، الذي يرى الكون كنور إلهي متدفق. هذا التباين لم يكن سلبياً، بل ساهم في غنى الحضارة الإسلامية، إذ أدى إلى تكامل حضاري يجمع بين العلوم الطبيعية (التي ازدهرت تحت المشاية) والفنون الروحية (التي غذتها الإشراقية). على سبيل المثال، في عصر النهضة الإسلامية، ساعدت المشاية في تطوير الرياضيات والفلك، كما في أعمال ابن الهيثم، بينما أثرت الإشراقية على التصوف كما عند ابن عربي، الذي طور أفكار سهروردي ليصبح الوجود وحدة نورانية. حضارياً، يعكس هذا التكامل قدرة الحضارة الإسلامية على التوفيق بين الشرق والغرب، إذ استمدت المشاية من أرسطو لتطور العلوم، بينما اعتمدت الإشراقية على التراث الفارسي والإسلامي لتعزيز الروحانية، مما جعل بغداد مركزاً حضارياً يجذب العلماء من كل الأقاليم. كما أن هذا التنافس أدى إلى تحولات حضارية، مثل انتقال الفلسفة إلى أوروبا عبر ابن رشد، الذي دافع عن المشاية ضد الغزالي، مما أثر على توما الأكويني، بينما انتقلت الإشراقية إلى الفلسفة الشرقية الحديثة كما عند ملا صدرا، الذي جمع بين التيارين في فلسفة متعالية. هذا التداخل يبرز دور الفلسفة العربية في بناء حضارة عالمية، حيث أصبحت جسر انتقال المعرفة من اليونان إلى أوروبا، مع إضافة طابع إسلامي يجمع بين العقل والقلب.
في سياق الفلسفة العربية الإسلامية، يبرز ابن سينا (980-1037 م) كواحد من أبرز رموز المشاية، التي تمثل النهج العقلاني التحليلي المستمد من فلسفة أرسطو، مع إعادة صياغة إسلامية تعكس تفاعل الحضارة الإسلامية مع التراث اليوناني. ابن سينا، المعروف أيضاً باسم أفيسينا في الغرب، لم يكن مجرد شارح لأرسطو، بل مطوراً للمشائية، حيث جمع بين المنطق التحليلي والميتافيزيقا الإسلامية، مما جعله جسر حضاري بين الشرق والغرب. دوره في هذه المدرسة لم يقتصر على الجانب النظري، بل امتد إلى التأثير العملي في العلوم والأخلاق، حيث أصبحت أعماله مرجعاً أساسياً في الجامعات الإسلامية والأوروبية لقرون. من خلال مقاربة فلسفية وتاريخية، يمكننا استكشاف كيف شكل ابن سينا المشاية كمنهج شامل يوفق بين العقل والوحي، مما ساهم في ازدهار الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، وأثر على تطور الفكر البشري بشكل عام. بدءاً من الخلفية التاريخية، نشأت المشاية في العالم الإسلامي كنتيجة للحركة الترجمية العباسية في بغداد، حيث نقل الفلاسفة مثل الكندي والفارابي أعمال أرسطو إلى العربية، محاولين دمجها مع الإسلام. المشاية، في جوهرها، تعتمد على المنطق الأرسطي كأداة للبرهان، حيث يقسم العالم إلى أجناس وأنواع، ويدرس الأسباب الأربعة (المادي، الصوري، الفاعل، الغائي) لفهم الوجود. في هذا السياق، جاء ابن سينا كوريث للفارابي، لكنه تجاوزه بتوسيع المشاية لتشمل مجالات أوسع، مستفيداً من تجاربه كطبيب ووزير في البلاط الإسلامي. نشأ ابن سينا في بخارى، وتعلم الفلسفة ذاتياً، مما مكنه من قراءة أرسطو بعمق، وصياغة رؤية شخصية تجمع بين التراث اليوناني والفارسي والإسلامي. دوره التاريخي يظهر في قدرته على مواجهة التحديات الفكرية، مثل انتقادات المتكلمين الأشاعرة الذين رفضوا العقل المجرد، إذ أكد ابن سينا أن الفلسفة ليست معارضة للدين، بل مكملة له، كما في قوله إن "الحقيقة واحدة، سواء جاءت من الشريعة أو الفلسفة". في تفصيل دوره الفلسفي، يبرز ابن سينا كمطور رئيسي للمنهج المشائي من خلال أعماله الرئيسية مثل "الشفاء" و"الإشارات والتنبيهات" و"النجاة". في "الشفاء"، الذي هو موسوعة فلسفية شاملة، يعيد ابن سينا صياغة فلسفة أرسطو بشكل منهجي، مقسماً إياها إلى المنطق، الطبيعيات، الرياضيات، والإلهيات. هنا، يطور مفهوم "الوجود الواجب"، الذي يميز بين الوجود الواجب بالذات (الله) والوجود الممكن (المخلوقات)، مما يجعل المشاية أكثر توافقاً مع التوحيد الإسلامي. هذا التطور لم يكن مجرد إضافة، بل تحول جوهري، إذ يرى ابن سينا أن العقل يمكن أن يصل إلى معرفة الله من خلال البرهان، مستخدماً المنطق الأرسطي ليثبت أن الكون ليس أزلياً بالفعل، بل مخلوقاً من عدم، مع الحفاظ على حركة الكون كسلسلة من الأسباب المتسلسلة تنتهي إلى السبب الأول. في المنطق، يوسع ابن سينا التصنيف الأرسطي بإضافة "القياس الشرطي"، الذي يتعامل مع الافتراضات، مما يجعل المشاية أداة أكثر مرونة للعلوم التجريبية. أما في الفيزياء، فيطور نظرية الحركة الأرسطية بإدخال مفهوم "المايل الطبيعي"، الذي يفسر سقوط الأجسام كميل داخلي، ممهداً لأفكار نيوتن لاحقاً. هذا الدور المنهجي يعكس كيف جعل ابن سينا المشاية فلسفة عملية، لا مجرد تأمل، إذ طبقها في الطب كما في "القانون"، حيث يقسم الأمراض إلى أسباب وأعراض بطريقة تحليلية، مما ساهم في تقدم الطب الإسلامي كعلم مشائي. بالإضافة إلى ذلك، يمتد دور ابن سينا في المشاية إلى البعد الأخلاقي والسياسي، حيث يرى في "الشفاء" أن السعادة هي تحقيق الكمال العقلي، مستمداً من أرسطو لكنه يضيف بعداً إسلامياً بجعل التقوى جزءاً من الفضيلة. في كتابه "السياسة"، يصف المدينة الفاضلة كمجتمع يحكمه العقل، مشابهاً لفكرة الفارابي، لكنه يؤكد على دور النبوة كإشراق عقلي، مما يوفق بين المشاية والإسلام. هذا التوفيق كان حاسماً في مواجهة النقد، إذ رد ابن سينا على الغزالي لاحقاً من خلال تلاميذه، مؤكداً أن العقل لا يتعارض مع الوحي، بل يفسره. حضارياً، أدى دور ابن سينا إلى انتشار المشاية في الأندلس، حيث أثر على ابن رشد، الذي دافع عنها في "تهافت التهافت"، مما جعل الفلسفة الإسلامية مصدراً للنهضة الأوروبية في العصور الوسطى. كما أن أعماله ترجمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، مما أثر على توما الأكويني وديكارت، حيث أصبح ابن سينا رمزاً للعقلانية في الغرب.
مع ذلك، لم يكن دور ابن سينا خالياً من التناقضات الداخلية، إذ أدخل عناصر إشراقية في أعماله المتأخرة مثل "الإشارات والتنبيهات"، حيث يتحدث عن "العلم اللدني" كحدس روحي يتجاوز البرهان، مما يجعله جسراً بين المشاية والإشراقية. هذا الدمج يعكس عمق دوره كمفكر شامل، إذ لم يلتزم بالمشائية بشكل دوغماتي، بل طورها لتتناسب مع السياق الإسلامي، مما ساعد في بقاء الفلسفة حية رغم الهجمات الدينية. في النهاية، يمثل ابن سينا قمة المشاية في الفلسفة الإسلامية، حيث جعلها منهجاً يجمع بين التحليل والتأمل، مساهماً في بناء حضارة تعتمد على العقل كأداة لفهم الكون والإنسان.
في سياق تطور الفكر الإسلامي، يمثل التيار الإشراقي، الذي أسسه شهاب الدين يحيى السهروردي (ت. 587 هـ/1191 م)، نقطة تحول حاسمة في علاقة الفلسفة بالتصوف. الإشراقية ليست مجرد فلسفة نظرية، بل هي حكمة تجمع بين البرهان العقلي والكشف الروحي، حيث يصبح النور الإلهي محور الوجود والمعرفة. هذا التيار أثر بعمق على التصوف الإسلامي، محولاً إياه من تجربة روحية عفوية إلى نظام فلسفي متكامل يعتمد على الإشراق كطريق للوصول إلى الحقيقة. من منظور حضاري، ساهم هذا التأثير في تعزيز الجانب الغنوصي (العرفاني) داخل التصوف، مما جعل التصوف أكثر شمولاً وتأثيراً في الفكر الإسلامي اللاحق، خاصة في المشرق الإسلامي، حيث اندمجت أفكار السهروردي مع مدارس التصوف الكبرى مثل مدرسة ابن عربي، مساهمة في تشكيل ما يُعرف بالحكمة المتعالية.
بدءاً من أساس الإشراقية، يرى السهروردي أن النور هو أصل الوجود، وأن المعرفة الحقيقية لا تتحقق بالبرهان العقلي وحده، بل بالإشراق الإلهي الذي يفيض على النفس المتجردة. في كتابه الرئيسي "حكمة الإشراق"، يقسم المعرفة إلى نوعين: العلم الحضوري (الذي يتحقق بالتجربة المباشرة) والعلم الحصولي (الذي يعتمد على البراهين). هذا التمييز يعكس تأثيراً صوفياً واضحاً، إذ يؤكد أن الطريق إلى الحقيقة يمر عبر التجرد والتطهير الروحي، مما يجعل الإشراق امتداداً للتجربة الصوفية الكلاسيكية مثل الكشف والمشاهدة. السهروردي نفسه كان يمارس الزهد الشديد والرياضات الروحية، ويصف نفسه كـ"حكيم متأله"، أي فيلسوف يجمع بين الحكمة العقلية والتأله الصوفي. هذا الاندماج جعل الإشراقية جسراً بين الفلسفة المشائية (التي ينتقدها في بعض جوانبها) والتصوف، حيث يصبح الإشراق برهان التجربة الصوفية في أعلى درجاتها، إذ يظهر الأنوار الإلهية في قلب العارف بعد تجرده من الشهوات والماديات.
التأثير الأبرز للإشراقية على التصوف يظهر في تطوير مفهوم النور كرمز أساسي للوجود والمعرفة. قبل السهروردي، كان التصوف يعتمد على مفاهيم مثل الفناء والبقاء والمحبة الإلهية، لكن الإشراقية أدخلت نظاماً أنطولوجياً يرى الكون تدرجاً من الأنوار العلوية إلى الأنوار الأرضية، مع الله كنور الأنوار. هذا النموذج أثر على الصوفية اللاحقين، حيث أصبح النور رمزاً للكشف والفيض الإلهي. على سبيل المثال، في التصوف بعد السهروردي، نجد تكرار فكرة "الأنوار الإلهية" التي تفيض على النفس، وهي فكرة تتجاوز الوصف الشعري إلى بناء فلسفي يفسر التجربة الصوفية. كما أن السهروردي ربط بين الإشراق والحكمة القديمة (الفارسية، اليونانية، والمصرية)، معتبراً أن الحكماء مثل أفلاطون وزرادشت وهرمس شاركوا في هذه الحكمة، وورثها الصوفية مثل ذو النون المصري وبيازيد البسطامي والحلاج. هذا الربط أعطى التصوف شرعية فلسفية تاريخية، محولاً إياه من تجربة فردية إلى تقليد حكمي متصل بالأصول القديمة، مما ساعد في مواجهة الانتقادات الفقهية التي كانت تتهم التصوف بالبدعة.أما التأثير على ابن عربي (ت. 638 هـ/1240 م)، الذي عاصر السهروردي تقريباً، فيظهر في تكامل مدرستيهما رغم الاختلافات. ابن عربي طور مفهوم وحدة الوجود، الذي يرى الوجود واحداً يتجلى في مراتب متعددة، وهو يشبه تدرج الأنوار عند السهروردي. بعض الباحثين يرون أن ابن عربي امتداد للإشراقية في المغرب الإسلامي، إذ يجمع بين الكشف والعقل، ويستخدم رموز النور في وصف التجليات الإلهية. على الرغم من أن ابن عربي لم يذكر السهروردي صراحة، إلا أن أفكار الإشراق تسربت إلى أعماله من خلال التأثير الثقافي في العصر، خاصة في مفهوم الخيال الإبداعي والتجليات النورانية. هذا التكامل بلغ ذروته في الحكمة المتعالية عند ملا صدرا (ت. 1050 هـ/1640 م)، الذي جمع بين الإشراقية والتصوف الأكبري والمشائية، معتبراً الإشراق طريقاً لتحقيق الوجود المتعالي. من الناحية الحضارية، أدى تأثير الإشراقية إلى تعزيز التصوف كحكمة عملية، لا مجرد زهد فردي، بل نظام يشمل العقل والقلب معاً. هذا ساعد في انتشار التصوف في المدارس الفلسفية الشرقية، وأثر على الشعر والفنون الإسلامية، حيث أصبح النور رمزاً للجمال الإلهي في الشعر الصوفي والعمارة. كما أن الإشراقية قدمت دفاعاً فلسفياً عن التصوف ضد النقاد، مؤكدة أن الكشف ليس وهماً، بل معرفة حضورية تتجاوز الحدود العقلية. هذا التأثير استمر حتى العصور الحديثة، حيث يُستلهم في الفكر الروحي المعاصر لربط التصوف بالبيئة والتوازن الكوني، معتبراً النور مصدراً للانسجام بين الإنسان والكون.
في الختام، تكشف المقاربة الحضارية للفلسفة العربية الإسلامية بين المشائية والإشراقية عن حضارة ديناميكية تجمع بين التناقضات لتبني كلاً متكاملاً. المشائية قدمت الأساس العقلي لبناء العلوم والمجتمعات المنظمة، بينما الإشراقية غذت الروح والفنون، مما جعل الحضارة الإسلامية نموذجاً للتعدد والتوازن. هذا التكامل لم يكن مصادفة، بل نتيجة لتفاعل حضاري مستمر، يعكس قدرة الإسلام على استيعاب التراثات المتنوعة ليخلق حضارة تشع بالمعرفة والجمال، مما يظل مصدر إلهام للعصور اللاحقة في سعيها للوفاق بين العلم والروح. لذلك يظهر تفصيل دور ابن سينا في المشائية كيف أصبح هذا الفيلسوف ركيزة أساسية في تطور الفكر الإنساني، حيث لم يقتصر على شرح أرسطو، بل أعاد بناء المشائية كفلسفة إسلامية شاملة، تؤثر على العلوم والأخلاق والسياسة. هذا الدور لم يكن فردياً، بل جزءاً من حركة حضارية أوسع، جعلت العالم الإسلامي مركزاً للمعرفة، وأثرت على العصور اللاحقة، مؤكدة أن الفلسفة الحقيقية هي تلك التي تتجاوز الحدود الثقافية لتصبح إرثاً مشتركاً للبشرية. هكذا يمثل تأثير الإشراقية على التصوف تحولاً نوعياً جعل التصوف أكثر عمقاً فلسفياً وشمولاً روحياً. من خلال مفهوم النور والإشراق، أصبح التصوف ليس تجربة عاطفية فحسب، بل طريق معرفي يجمع بين البرهان والذوق، مما أثرى الحضارة الإسلامية بتيار عرفاني يربط بين العقل والقلب، ويظل مصدر إلهام لمن يسعى إلى الحقيقة في عصر يغلب فيه التقسيم بين العلم والروح. هذا التأثير يؤكد أن الإشراقية لم تكن مجرد مدرسة فلسفية، بل حركة روحية أعادت صياغة التصوف كحكمة شاملة للوجود البشري.
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي






