أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: العمل الشاق في الأخلاق البروتستانتية

حاليا، يُعد العمل المرهق من بين الطرق القليلة المحايدة سياسيا لبيان الفضيلة. نحن لا نعمل فقط لنعيش، بل نعمل لنثبت اننا نستحق ذلك. هذه القيم لم تُكتب في النجوم او في جيناتنا، او في منطق التاريخ. اذاً لماذا يستمر الوزن الأخلاقي لهذه القيم؟ لماذا يُعامل العمل بغرابة كما لو كان الأقرب الى التقوى؟ أحد الأجوبة الحادة جاءت من عالِم الاجتماع الألماني ماكس ويبر. كتابه (الاخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية،1905) اصبح كلاسيكيا مع اننا نحتاج لنكون حذرين حول ما تعنيه هنا مفردة كلاسيك . كما في الانجيل او كتاب ستيفن هاوكنك (تاريخ مختصر للزمن)، نال كتاب الاخلاق البروتستانتية اقبالا واسعا، واستُدعي بانتظام، ونادرا ما قرئ.

جادل ويبر ان نوعا معينا من البروتستانتية لم يغير فقط ما اعتقد به الناس، انه غيّر شخصيتهم. البروتستانت القلقين حول أملهم في الخلاص، بحثوا عن علامات اللطف الإلهي في النجاحات الدنيوية. ذلك القلق، اعتقد ويبر انه ساعد في خلق و تعزيز العمل المنضبط وتوجيه الفرد الحديث الذي تعتمد عليه الرأسمالية. الكتاب لم يكن رثاءً ولا احتفالا، حتى عندما نجد في نهاية الكتاب جوا من اليأس يتسلل الى النص. كانت واحدة من بين أفكار ويبر الأساسية، وليست فقط في هذا الكتاب، هي ان الحداثة فقدت الإحساس بالمعنى الروحي للعصور السابقة، وتركت خلفها مجرد قشرة – الإكراه القاسي للعمل.

الروح ذهبت طبقا لويبر حتى لو استمرت الاخلاق وحتى لو خاطر العالم الحديث ليصبح على مأ اسماه ويبر "القفص الحديدي".

ما هو جدال ويبر الحقيقي؟

ظل ويبر يدور حول نفس السؤال المخادع: لماذا ضربت الرأسمالية الحديثة جذورها في الغرب بدلا من أي مكان آخر؟ هناك طرق مختلفة للإجابة على مثل هذه الأسئلة. في هذه الأيام، مفكرون مثل المؤرخ جاريد دايموند ربما يحاول توضيح هذه الأشياء طبقا للجغرافية او موقع الموارد. الماركسيون يوضحون نفس الشيء طبقا للصراع الطبقي والتحول في وسائل الإنتاج. ويبر لم ينكر الدور الذي لعبته تلك العوامل لكنه كان مهتما بدور الثقافة، خاصة تلك العادات الأخلاقية والسايكولوجية التي نمت من حركة الإصلاح الديني. هو جادل انها لم تتلائم فقط مع الرأسمالية في معنى مجرد، بل ساعدت بالضبط في تشكيل نوع الشخص الذي اعتمدت عليه الرأسمالية. أولاً، من المفيد فهم ما قصده ويبر بروح الرأسمالية. لكن مفيد أيضا نعرف ما لا يقصده. هو لم يشر الى ظهور الأسواق او السعي للربح لأن تلك موجودة منذ قرون. ما كان جديدا، حسب ويبر، كان الموقف الأخلاقي: ان العمل الشاق، العيش البسيط ،وتراكم الثروة لم تكن فقط مهارة عملية للنجاح وانما بطبيعتها أشكال فاضلة للسلوك. الربح، بالنسبة للبعض، كان اكثر من مجرد محصلة شخصية مرغوبة، انه كان واجبا.

تعقّب ويبر هذه الروح"Geist" الى فرع معين من البروتستانتية، نشأت في عمل الثيولوجي جون كالفن (1509-1564). اعتقد الكالفينيون في القدرية . هذه هي فكرة ان الله قرر سلفا منْ الذي يُنقذ ومن لا يُنقذ، قبل وقت طويل من إمكانية الفعل البشري في تعديل هذه المحصلة. بعض المؤرخين وكالفن ذاته اعتقد ان الهدف من العقيدة هو لتأكيد عجز الانسان. عمليا، انها ولّدت قلقا عميقا. لأنه اذا لم يتحقق الخلاص هنا على الأرض، كيف يمكن لأي شخص ان يتأكد من مصيره؟ النتيجة كانت نوعا من السلوك التعويضي. المؤمنون بدأوا البحث عن علامات اللطف الإلهي. النجاح في "مهنة"Beruf  ، وهي كلمة تعني كل من "وظيفة بأجر" و "مهنة" تنطوي على إحساس عميق بالهدف أصبح مثالا لتلك العلامة. العمل الشاق، وتجنب الرفاهية، إعادة استثمار الأرباح، هذه لم تكن فقط عادات سليمة. انها دليل على ان المرء كان من بين الذين وقع عليهم الاختيار.

أطلق ويبر على هذا اسم "زهد باطني": الطاقة الدينية تم توجيهها ليس الى الاديرة او العزلة وانما الى الحياة العادية. انت لا تنسحب من العالم لتجد الله. انت أظهرت قيمتك من خلال انضباط دنيوي. بمرور الزمن، هذه السلوكيات انفصلت عن أصولها الدينية. انت لا تحتاج للايمان بالقدر لتشعر بالدافع للعمل اللامتناهي، او لتثبت قيمتك من خلال النجاح. فكرة "الوظيفة" استمرت لكنها أصبحت جوفاء. بالنهاية، بدت أقرب الى الالتزام منه الى العمل بعاطفة ، لذا فان فكرة ويبر لم تكن ان البروتستانت اخترعوا الرأسمالية. كانت تلك الأفكار البروتستانتية هي التي ساعدت في تشكيل نوع معين من الشخصية – منضبطة، قلقة،موجّهة جيدا- اندمجت بشكل تام مع النظام الاقتصادي الجديد.

هو أيضا اعتقد ان العالم كان مجردا من التسامي. لكن كما يرى الثيولوجي وليم كافانو ان الحياة الحديثة ليست خالية من المعنى بل هي احتفظت بالمعنى والدهشة في ظل الاشكال الجديدة. الرأسمالية لم تمحو العبادة، انها أعادت توجيهها. طقوسنا الآن تستلزم استخدام بطاقات الدفع الالكتروني السريع، الخوارزميات والطقوس اليومية لتفاني السوق. ان الوزن الأخلاقي الذي رآه ويبر في الوظيفة البروتستانتية لم يختف،انه وُلد مرة أخرى: الان هو يستجيب لهرمون الدوبامين وولاء المستهلك. نحن لم نعد نبرر أعمالنا في ضوء مجد الله،لكننا لانزال نعمل كما لو ان شيئا ابديا يعتمد عليها.

الشيء المثير

في البدء، تبدو الاخلاق البروتستانتية يُقرأ كقصة أصلية للرأسمالية. ومع الاستمرار في القراءة، يبدأ يعطي شعورا أشبه بقصة شبحية. بالتأكيد ويبر لم يكن محتفلا بما وصف. بدلا من ذلك، هو كان يحاول توثيق اللحظة التي  تكلّس فيها المشروع الروحي او الثيولوجي الى شيء اكثر ميكانيكية، قهري ولامفر منه. في هذا النص، تتحول المهنة ذات العاطفة والمعنى الى مجرد وظيفة وواجب مقدس. انها بمرور الزمن تصبح من غير الممكن تمييزها عن الضرورة الاقتصادية الأساسية. أشهر السطور في الكتاب تأتي في النهاية عندما يصرح ويبر ان الرأسمالية الحديثة تترك لنا غلافا صلبا كالفولاذ، وهو ما تُرجم من جانب تالكوت بارسون بالقفص الحديدي(iron cage).(1)

فكرة ويبر كانت ان الطاقة الأخلاقية التي قادت في يوم ما الاخلاق البروتستانتية قد استُنزفت. ما بقي هو مجرد أنماط سلوكية أصبحت ردود أفعال فطرية. الناس لايزالون يعملون بقلق شديد، يلاحقون النجاح كما لو كان معنى نهائيا. الفرق هو انهم الان غير متأكدين لماذا. الفيلسوف الأسترالي مايكل سيموندز جادل بان هذا منطق مأساوي، حيث رعب الاقدار يقود المؤمنين الى أخلاق قهرية للعمل، تنتج عالما يصبح فيه المعنى ذاته صعب الفهم. النتيجة هي ليس فقط ما يسميه السوسيولوجيون "خيبة أمل" وانما فراغ عميق. انه عالم لم تعد فيه المعاناة تدعو اوتوماتيكيا للتعاطف حيث يبدو الحب يشبه عدم الكفاءة.

العمل اصبح الطمأنينة الموثوقة الوحيدة لنا. يكتب ويبر ان "مضيعة الوقت"هي أول وأخطر الخطايا". في هذا العالم، الترفيه مذنب حتى يثبت برائته. هذه احدى اهم أفكار ويبر المقلقة: نظام صُمم لإثبات قيمة روحية ينتهي ببناء عالم  يبدو منطقه ينكر وجود أية قيمة. في ملاحقة هذا النوع الخاص للمعنى، نحن بنينا هياكلا تُضعف قدرتنا للايمان بأي شيء ذو معنى. الرأسمالية الحديثة هي نتيجة للبروتستانتية وأيضا خيانة لها.

لماذا لايزال مهماً؟

من الواضح، لايحتاج المرء ان يعرف حول الكالفينية ليسكن العالم الذي وصفه ويبر. ومع ذلك، ان كان هناك شيء، فهو ان الأنماط التي تعقّبها ويبر تعمقت فقط. صحيح ان هذا ينطبق على الكثير من الطرق التي تعمل بها الثقافة بشكل عام – البصمات الدينية لاتزال هناك مع اننا نادرا ما نلاحظها. نحتاج لحظة واحدة  لإدراك ان كلمة "علماني" هي ذاتها مشتقة من اللاهوت المسيحي. في النهاية، اقترح ويبر ان الرأسمالية لم تقتل الدين، انها فقط حنّطته. انها حافظت على قشرة الاخلاق وجردت الدين من التسامي. خذ مثلا التركيز على التحسين الذاتي المستمر self-optimisation. لغة "الوظيفة ذات معنى" vocation هي في كل مكان، لكن تم تسطيحها الى نوع من أسلوب الحياة. العمل ليس فقط عمل، انه يُفترض ان يكون عاطفة، غرض، هوية. انت ليس فقط موظف، انت "تعمل ما تحب". هذه الفكرة مغرية، لكنها بسرعة تتحول الى فخ، لأنه اذا كان للعمل معنى، عندئذ سيبدو الفشل او الاستنزاف عيوبا أخلاقية. هذا المنطق – إضفاء الطابع الأخلاقي، تشخيص الراحة كمرض – يبدو بروتستانتيا بعمق، حتى لو لم يضعه احد بتلك الطريقة. انت تسمع ذلك في التدريب المهني وفي اصلاح التعليم وفي نقاشات الصحة الوقائية. كل شخص يُشجع للتصرف  كشركة مصغرة: تبني سلعتك، تستثمر في "رأس المال البشري"، تعتصر المردود من كل ساعة عمل.

لكن القلق قد تغير. بالنسبة للبروتسانتيين الأوائل، كان العمل طريقة لتطمين نفسك انك نلت الخلاص . بالنسبة للعديد منهم اليوم، العمل طريقة لإثبات انك لا يمكن نبذك والتخلص منك. الرعب لم يذهب، لكن المخاطر تغيرت. انها ليست الجنة او النار، انها شيء أصغر، أقل الحاحا: الملائمة. والأخلاق تستمر بالعمل لنا. نحن نشعر بجاذبية ان نكون مفيدين، منتجين، نبقى مشغولين حتى عندما تكون المكافأة غير مؤكدة او تختفي كليا. انت تستطيع ان تراها في الناس الذين يعملون ساعات طويلة في أعمال محفوفة بالمخاطر، او يشعرون بالذنب عندما يأخذون إجازة، او يصارعون لتوضيح ما "يعملون" ان لم يكن منتجا بوضوح. ذلك تقريبا كان تحذير ويبر. هو لم يقل فقط  قصة حول الدين والاقتصاد. هو كان يتعقب كيف صاغت الأفكار العادات، وكيف جرى مأسسة العادات واستمرت تعمل طويلا بعد اختفاء الأفكار ذاتها.

الإيداع في القفص

لذا حتى عندما تبدو الاخلاق البروتستانتية كتابا قديما حول الثيولوجي والرأسمالية المبكرة، انه لايزال يؤثر على الحياة الحديثة بقوة مدهشة. انه يوضح لماذا حفلات المبيت في ارضيات مصنع ايلون ماسك تثير الاعجاب بدلا من الشفقة، لماذا يُعامل "الإرهاق" كطقوس احتفالات المولد. وانه يذكّرنا ان أنظمة لا تحتاج عقيدة لتستمر بالعمل. في الأساس، انها تحتاج فقط الامتثال.

 فكرة ويبر لم تقتصر فقط في ذلك، في وقت ما، شكّل الدين الاقتصاد. كان ذلك النوع المعين من الثيولوجي، والقلق الديني الذي أثاره خصيصا، قد ولّد نظاما تجاوز لاهوته وتحول الى شيء آخر تماما. الطاقة الدينية التي قادت يوما ما العمل المنتج والتي سعت لتمجيد الله قد جُردت من التسامي، حين عمل الناس في السابق ليلمحوا علامات الخلاص. نحن الان نعمل لنثبت مازلنا مهمين. العالم خاب أمله لكن الطلبات التي سبقت خيبة الامل لازالت باقية.

هنا مفارقة واضحة. الاخلاق التي قُصد بها كشف لطف الله انتهت وفق ويبر بالقضاء على فكرة ان العالم ذو معنى. العالم حتى لو لم يعد يتكلم، لايزال يعمل. لغة ويبر في النهاية ليست توجيهية او ثورية وانما مأساوية الى حد ما. هو لم يقدم علاجا ولا دعوة لحمل السلاح. هو يسأل فقط ان نرى كيف وصلنا الى ما نحن فيه الان – كيف ساعد دين معين وتقاليد في بناء ماكنة تعمل الان بجهدنا بدون عقيدتنا. في وصفه الكيفية التي برزت بها الرأسمالية، ويبر أيضا يحقق في الطريقة التي اصبحنا بها مستعدين وراغبين لنعيش في داخلها. رغم ان لهجته مأساوية، يبقى شيئا واحدا واضحا: العالم الذي يصفه لم يتقرر بواسطة النجوم او "طبيعة الانسان". ورغم انه عادة يعارض الإصلاحيين مثل ماركس، لكن الماركسيين يمكنهم الاستفادة منه أيضا، لأن ويبر كان يرغب ان يسأل كيف جئنا لنرى قفصا ليس فقط كشيء مرخص به وانما كشيء نضع استثمارنا فيه.

***

حاتم حميد محسن

.................................

الهوامش

(1) في القفص الحديدي، يصف ويبر كيف ان العقلانية الحديثة والبيروقراطية والضغط الاقتصادي حشر الافراد في نظام يركز على الفاعلية والنجاح المادي وقواعد صارمة لاشخصية تخنق الحرية الإنسانية والمعاني الروحية.  

 

في المثقف اليوم