عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: العصرنة.. إيجابيات متوالية وتداعيات صاخبة

يشهد عالمنا المعاصر حالياً، تسارعاً غير مسبوق، في وتيرة حركة العصرنة، التي طالت كل المجالات، حيث أنها باتت تستهدف تحديث أنماط الحياة، ومواكبة التطورات العلمية، والتقنية، والفكرية، التي يشهدها العصر الراهن، فقد أصبحت العصرنة سمة ملازمة لمجتمعات اليوم، في التنمية، والتقدم، وبالتالي فإنه لم بعد بامكان مجتمع ما، أن يبقى بمعزل عن تداعيات التحولات المتلاحقة، التي تفرضها العصرنة مع متغيرات الزمن.

 وتجدر الإشارة إلى أنه رغم من كل ما افرزته العصرنة من إيجابيات متوالية، فانها افرزت في نفس الوقت، تداعيات سلبية صاخبة، تثير الكثير من التساؤلات، والجدل.

ولا شك ان العصرنة أسهمت في إحداث نقلة نوعية في مختلف مجالات الحياة. ففي الجانب العلمي، والتقني، وفرت وسائل متقدمة للاتصال، والتواصل، واختصرت المسافات، وسهلت الوصول إلى المعرفة والمعلومات. كما ساعدت على تطوير الخدمات الصحية، والتعليمية، والإدارية، ورفعت من مستويات الإنتاج، وكفاءة الاداء في العديد من النشاطات الاقتصادية، والصناعية، حيث أصبحت التكنولوجيا الحديثة، عاملاً مؤثراً في تحسين جودة الحياة، وتوسيع فرص العمل، والإبداع، والابتكار.

وفي المجال الاجتماعي، عززت العصرنة، قيم الانفتاح، والتفاعل بين الثقافات، والشعوب، وأسهمت في نشر الوعي بحقوق الإنسان، وترسيخ مفاهيم المشاركة المجتمعية.كما أتاحت للأفراد فرصاً أوسع للتعبير عن آرائهم، ومواهبهم، وأوجدت فضاءات جديدة للتعلم، والتواصل، وتبادل الخبرات.

ولابد من الإشارة إلى أن العصرنة، من جهة أخرى، افرزت تداعيات سلبية صاخبة، لا يمكن تجاهلها. فالتداعيات المتسارعة التي افرزتها، والتغيرات التي فرضتها في أنماط الحياة الحديثة، أدت إلى إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية، وتراجع مظاهر التفاعل الإنساني المباشر، لصالح التواصل الافتراضي.

كما أن الانفتاح الواسع على الثقافات المختلفة، قد افرز تحديات تطال اصالة الهوية الثقافية، والقيم الأصيلة، في كثير من المجتمعات.

ولعل من التداعيات الأخرى الجديرة بالاهتمام، ظاهرة تصاعد النزعة الاستهلاكية، التي رافقت التقدم التقني، والاقتصادي، الذي افرزته العصرنة، حيث أصبح الكثير من مجتمعات اليوم، أسير سباق متواصل، نحو اقتناء المنتجات الحديثة، وهوس ملاحقة الصيحات الجديدة.

 كما أسهمت التقنية الرقمية، كاحد مخرجات العصرنة، في إفراز سلبيات جديدة، تتعلق بالانغماس التام في المنصات الإلكترونية، والإدمان على استخدامها، وتشتت الانتباه، وتراجع الخصوصية.

ولم يعد التحدي الحقيقي في التعامل مع ظاهرة العصرنة، يكمن في رفض العصرنة، أو القبول بها بصورة مطلقة، وانما يمكن في كيفية التفاعل البناء معها، وترشيد استخدامها، ومن ثم توظيف منجزاتها، بما يخدم الإنسان، ويحافظ في الوقت نفسه، على منظومة القيم، ويصون الثوابت الثقافية، والاجتماعية، من المسخ، والضياع، بتداعياتها الصاخبة، في جوانبها السلبية.

وتبقى العصرنة، ظاهرة إنسانية شاملة، تحمل في طياتها إيجابيات متوالية، فتحت آفاقاً واسعة للتقدم، والازدهار، لكنها في الوقت نفسه أفرزت تداعيات سلبية صاخبة، تتطلب قراءة واعية، ومراجعة مستمرة.

وبين تلك المكاسب، والتحديات، يتطلب الأمر، العمل على استغلال ظاهرة العصرنة بعقلاتية، وتوظيف ايجابياتها في تطوير المجتمع، وتحسين الخدمات، والحد من تحولها، إلى مصدر للاضطراب، والمسخ، والتشويه، وفقدان التوازن.

***

نايف عبوش