أقلام حرة
عبد الحسين الطائي: الدلالات التاريخية في استذكار تأسيس اتحاد الطلبة العام في العراق
جاء إنعقاد مؤتمر السباع، بعد سلسلة من اللقاءات التمهيدية في بدايات عام 1948، استجابةً لحاجة ملحّة لتوحيد الجهود الطلابية ضمن إطار منظم، بعد أن كانت أكثر النشاطات تتم بصورة متفرقة. وبجهود نخبة من بعض الطلاب المستقلين في بغداد انعقد المؤتمر في ساحة السباع، كخطوة تنظيمية مهمة مهّدت لتأسيس اتحاد الطلبة العام في 14 نيسان/ أبريل 1948، الذي يُعد محطة تاريخية مهمة ذات أبعاد وطنية وثقافية عميقة، عززت من تجليات الوعي الشبابي المنظم في تلك المرحلة.
لم يكن تأسيس الاتحاد بإشراف جهة حكومية رسمية، بل جاء نتيجة مبادرات طلابية من اتجاهات فكرية وسياسية متعددة. كان الطابع العام على الاتحاد هو الاستقلالية النسبية، رغم تأثره ببعض الأحزاب والتيارات السياسية السائدة في تلك الفترة. تأسس الاتحاد وسط أجواء معقدة مشحونة بالصراعات السياسية والاجتماعية المتزامنة مع أحداث وثبة كانون 1948، التي كان للطلبة الدور المميز فيها بين القوى الوطنية التي استشعرت بضرورة التنظيم والعمل الجماعي. لم تكن فكرة التأسيس حدثاً عابراً، بل جاءت تتويجاً لحراك فكري واجتماعي متواصل، اكتسب الاتحاد من خلاله الشرعية بعد مسار نضالي وثيق بقضايا المجتمع، بحيث أصبحت نشاطاته لم تنحصر داخل أسوار المؤسسات التعليمية، بل امتدت لتلامس هموم شرائح مجتمعية واسعة، بدءاً من الدفاع عن الحريات الأكاديمية، وصولاً إلى الإسهام في الحراك الوطني العام.
شهدت أربعينيات القرن الماضي، تصاعد نشاط الحركات الوطنية المناهضة للاستعمار، وتزايد المطالب بضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الوسط الطلابي، بوصفه أحد أكثر الأوساط حيوية وتأثراً بالتحولات، فانبثقت فكرة التأسيس من الحاجة إلى إطار موحّد يجمع الطلبة من مختلف المؤسسات التعليمية، وقد لعبت التجمعات الطلابية والأنشطة الثقافية، مثل الندوات والمنتديات الأدبية، دوراً كبيراً في تعزيز هذا المسار، ولا ننسى التأثير الخارجي من روافد الحركات الطلابية العربية والعالمية التي وطدت فكرة التنظيم المهني بين الأوساط الطلابية.
لم يكن الاتحاد مجرد إطار طلابي مهني يعنى بشؤون الطلبة فحسب، بل كان منذ نشأته، فضاءً حيوياً لتجسيد الهُوِية الوطنية وتعضيد روح المشاركة المدنية ومنبراً للتعبير عن تطلعات جيل كامل من الطلبة نحو مفاهيم عصرية ترتبط بالحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم العلمي. فقد ترك الاتحاد بصمات ملموسة على المستويين الثقافي والسياسي، من خلال اسهاماته المؤثرة في نشر الوعي الديمقراطي بين أوساط الطلبة، التي عززت من قيم الحوار والتفاهم بين مختلف توجهات الطلبة، وأتاح الاتحاد مساحة واسعة للتفاعل بين مختلف التيارات الفكرية، ولعب دوراً مؤثراً في إعداد شخصيات قيادية أسهمت لاحقاً في مجالات متعددة في كيان المجتمع العراقي.
كان الشاعر محمد مهدي الجواهري أحد أبرز الأصوات الأدبية التي ارتبطت بالحركة الوطنية والطلابية في العراق، الذي أسهم في دعم الحركة الطلابية معنوياً من خلال شعره ومواقفه، لأنه كان يرى في الطلبة طليعة التغيير وقوة فاعلة في المجتمع. وفي إطار مناسبة التأسيس، كتب الكثير من القصائد التي أشاد فيها بدور الشباب والطلبة، مجسداً في شعره روح التمرد على الظلم والدعوة إلى الحرية، بحيث تحولت بعض قصائده إلى ما يشبه الأناشيد التي يتداولها الطلبة في فعالياتهم، لما تحمله من حماسة وصدق تعبيري في مسيرة نضالهم.
تكمن أهمية استذكار تأسيس الاتحاد في البعد الرمزي لما تحمله الذاكرة الجمعية من صور بطولية لنضالات وتضحيات شريحة واسعة من الطلبة، بل أعادت التأكيد على دور الشباب الطلبة بوصفهم قوة فاعلة في التغيير الاجتماعي. كما أنها فتحت المجال أمام مراجعة نقدية لتجربة العمل الطلابي، بما تحمله من نجاحات وإخفاقات، وهو ما يسهم في بلورة رؤى أكثر نضجاً لمستقبل الحركة الطلابية، وفي تجسيد الإرادة الجماعية التي وحّدت الطلبة حول أهداف مشتركة، في مقدمتها الدفاع عن الحقوق والحريات التي تصب في توطيد القيم الوطنية بإطار لحظات وعي تاريخي أدرك فيها الطلبة قدرتهم على الفعل والتأثير، لا بوصفهم أفراداً متفرقين، بل كقوة منظمة تمتلك صوتاً ومشروعاً وطنياً يتجاوز حدود التحصيل العلمي.
إن الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية لذكرى تأسيس الاتحاد تتجاوز الحدود الرمزية للماضي، بل تهدف إلى تشكيل أداة حيوية لفهم الحاضر واستشراف لمستقبل واعد، فهي مناسبة لإعادة التأكيد على أن الحركة الطلابية، إذا توفرت لها الظروف المناسبة، ليست هامشية بل أساسية في بناء وتطور المجتمع وبالتالي الإسهام القوي في بناء مرتكزات الدولة الحديثة.
فإحياء ذكرى التأسيس تحمل أبعاداً متشابكة، تعكس طبيعة الدور الذي لعبته الحركة الطلابية في تشكيل الوعي الجمعي المرتبط بقيم التضامن والتكافل بين الطلبة، لأن الاتحاد كان فضاءً جامعاً لمختلف الانتماءات المناطقية والطبقية التي أسهمت في تعزيز الإحساس بالهُوِية الوطنية العابرة للانقسامات، ورسّخت فكرة أن المؤسسات التعليمية ليست مجرد مؤسسات تعليمية، بل كانت بيئة تربوية مؤثرة في نشر الثقافة المدنية على مسارات التحول داخل المجتمع من خلال الأنشطة الثقافية والفنية والتطوعية التي كانت تُنظم باسم الاتحاد.
كان الاتحاد العام مدرسة سياسية خرّجت أجيالاً من الناشطين والقادة، وصوتاً معبراً عن تطلعات الطلبة نحو الإصلاح والتغيير، والمشاركة في تشكيل مواقف الرأي العام إزاء القضايا المصيرية، فالاستذكار يحمل دلالة سياسية مزدوجة تعكس تقديراً رفيعاً للطلبة في الدفاع عن الحريات والحقوق، وتفتح المجال أمام الكثير من التساؤلات حول واقع الحريات الأكاديمية اليوم، ومدى استقلالية العمل الطلابي في ظل المتغيرات السريعة والتحولات السياسية المتلاحقة في بيئة تمتاز بعدم الاستقرار.
لا تزال هذه الذكرى تُستقبل بمزيج من الاعتزاز والحنين، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات مشروعة حول الواقع المتردي للعمل الطلابي اليوم، ومدى قدرته على استعادة بريق الإرث التاريخي، فالتحديات الراهنة من المتغيرات الاجتماعية وتصدع القيم والتحولات السياسية وتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة والتقنيات المعاصرة، التي فرضت على الحركة الطلابية في إعادة تعريف أدواتها وأهدافها بما يتلاءم والمتغيرات المعاصرة.
كان دور اتحاد الطلبة العام محورياً في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، ليس فقط كتنظيم طلابي، بل كرافعة سياسية وثقافية واجتماعية مرتبطة بشكل وثيق بنشاط الحزب الشيوعي العراقي. كان نشاط الاتحاد يعكس عمق نفوذ الحزب داخل المجتمع كأداة تعبئة جماهيرية فعالة ومنصة لصقل الوعي الوطني والديمقراطي وحلقة وصل بين الأجيال الشابة والعمل السياسي. لذلك فإن تقييم قرار تجميده، خلال فترة ما يسمى بالجبهة الوطنية، كثيراً ما يأتي بنبرة نقدية حادة، ويُوصف عند الكثير من المحللين السياسيين وفي القراءات التاريخية والنقدية بأنه كان خطأً فادحاً لأنه قطع الشريان الحيوي للحزب، وأضعف الحزب والحركة الوطنية معاً وأدى إلى تراجع حضور التيار اليساري، حيث تم التضحية بأدوات القوة الذاتية مقابل مكاسب سياسية مؤقتة، وثبت لاحقاً أن هذه التنازلات لم تحمِ الحزب من المطاردة والاضطهاد السياسي.
ختاماً يمكن القول بأن تأسيس الاتحاد العام قد شكّل نقطة تحول في تاريخ الحركة الطلابية العراقية، بعد أن أصبح إطاراً تمثيلياً واسعاً للطلبة بمختلف توجهاتهم. وستبقى ذكرى تأسيسه أكثر من مجرد مناسبة احتفالية، بل إنها دعوة متجددة لاستلهام روح المبادرة والعمل الجماعي، وتأكيد على أن الطلبة، بوصفهم طليعة المجتمع، لديهم القدرة والإرادة على الإسهام في بناء مستقبل أكثر إشراقاً، متى ما توفرت لهم البيئة والرؤية وإدارة التنظيم الجيد.
***
د. عبد الحسين الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا







