عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

اسعد عبد الرزاق: حين يصبح الشعار بديلاً عن التفكير

مقاربة نقدية في فلسفة الشعار وحدود فاعليته الحضارية

لا توجد جماعة بشرية بلا رموز، ويندر أن يكون أي مشروع حضاري بلا لغة مكثفة تختزل أهدافه، وكانت ممارسة إطلاق (الشعار) أحد أقدم الأدوات التي استعانت بها الأمم في الحروب والثورات والدعوات الدينية والمشروعات السياسية، لأنه غالبا ما يختصر مجموعة أفكار في عبارة قصيرة، ويؤثر في الجمهور إلى درجة تحويل القناعات إلى حالات من الانفعال، ويعزز الشعور بالتماسك.

لكن على صعيد نقدي، لابد من اقتحام مظاهر ترديد الشعارات، وملاحظة السطحية على مستوى صياغة الشعار فضلا عن ترديده، وغالبا ما يحل الشعار بديلا عن التفكير، وربما يعمل ترديد الشعارات بنحو غير مباشر على تبديد المشروع الحضاري، لأن الشحنات التي تمنحها عبارات الشعار – من ناحية نفسية- تحل بديلاً عن المعرفة، والعمل على التخطيط لما ينبغي أن يكون عليه الفعل الحضاري.

وترديد الشعارات بنحو متكرر، وبصبغة احتفالية، يظهر في بادئ الأمر أن الشعار وسيلة للتعبئة، لكن سرعان ما يفقد تأثيره فيتحول إلى وسيلة للهروب من الواقع، فكل انتكاسة يمر بها المجتمع، يستعين بالشعارات للتهدئة والتعويض، من دون أي فاعلية ملموسة.

 وكثير من النكبات السياسية والثقافية والدينية كانت نتيجة كثرة الشعارات، حتى أصبحت المجتمعات تعيش داخل عالم لغوي رمزي منفصل عن العالم الحقيقي.

اللغة هنا تلعب دورا مركزيا، في الصياغة والتعبئة، لأنها من أنجع وسائل الحركات الدينية والسياسية، وقيادة وعي الجماهير، وتعد الشعارات ميدانا خصبا للغة في أن تصوغ الخطاب الذي يشكل أنماطا من الوعي الجاهز..

من الناحية الدينية الخالصة، لا توجد أصول شرعية محددة تدفع باتجاه ترديد الشعارات، بقدر ما تدفع النصوص الدينية إلى التفكر، والتأني في تشكيل القناعات والولاءات، وربما تضمن تاريخ الأديان مجموعة من ممارسات ترديد الشعارات، من منطلق التدين الاجتماعي، الذي يتحرك بدوافع عقل جمعي موجه ضمن مراحل ظرفية محددة، وبالأخص ضمن حركات دينية سياسية، تعمل على استقطاب وعي الجماهير من خلال الشعارات، والخطابات اللغوية التي تختزل أيديولوجية تلك الحركات، كما فعل العباسيون عندما رفعوا شعار الرضا من آل محمد لجلب قلوب محبي أهل البيت (ع).

والمهم أن تتم ملاحظة ترديد الشعار من ناحية اجتماعية بغض النظر عن توظيفه دينيا أو سياسيا، وكيف ينطوي على إقصاء غير مباشر لوعي المجتمع، من خلال استجلاب الوجدان الجمعي الاجتماعي، الذي يعد الوقود الأوفر لتحقيق المطامح بمختلف اشكالها. 

الشعار بين الوظيفة والبديل

للشعار وظيفة طبيعية لا يمكن إنكارها، فهو: يختزل الرؤية، ويصنع الهوية، ويرفع المعنويات، ويوحد الاتجاه، لكن هذه الوظيفة قد تتحول إلى مرض فكري، وذلك حين يكون ترديد الشعار هو المشروع نفسه، ومن المفارقات على ذلك، أن المشاريع الواقعية كلما ضعفت، ارتفع صوت الشعارات، ولهذا نجد أن أكثر البيئات الاجتماعية إنتاجا للشعارات ليست بالضرورة أكثرها إنجازا، بل قد تكون أكثرها عجزا عن الإنجاز، فاللغة والرمز غالبا ما يعوضان غياب الفعل.

والشعار يمثل ما يمكن تسميته بـ اقتصاد التفكير، لأن العقل بطبيعته يميل إلى الاختصار والاختزال، والجماهير تميل –وجدانا- إلى الجمل القصيرة، ولذا يمارس الشعار بعض الإغراء لأنه يعفي المجتمع من تحليل الواقع، وبدلاً من سعي المجتمع الى السؤال عن المشكلات المركبة، يكتفي بترديد عبارة واحدة، تختزل القضية كلها في كلمتين أو ثلاث، والشعار هنا يحقق نوعا من الراحة الذهنية، والاكتفاء النفسي من الحاجة الى السؤال، وتشخيص المشاكل الكبرى التي يعاني منها المجتمع، وربما نلاحظ انتشار الشعارات كلما انخفض مستوى التفكير النقدي.

طوباوية الشعار

كل شعار يحمل في داخله وعدا، ودلالة مستقبلية، ومن الطبيعي أن الوعود ليست كلها قابلة للتحقق، لذا تظهر سمة الطوباوية على أغلب الشعارات، لأنها في الغالب تتضمن موقفاً يتجاهل قوانين الواقع، وملابساته وتعقيداته، فكأن الشعار غالبا ما يَعد بنتائج لا تمر عبر السنن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإنما تتجاوز السنن لتتشكل في العقل الجمعي الاجتماعي فقط، بحيث يؤسس الشعار لوهم جماعي، ويساهم في صناعة لأمل كاذب، والأمل الكاذب أخطر من اليأس، لأنه يؤجل مواجهة الحقيقة أو يدفنها تحت ركام الفشل، وثمة مفارقة بين التفكير الواقعي وبين تكريس الشعار، والتفكير الواقعي يضعف بسبب:

1. اختزال الواقع في عبارة.

2. اختزال الإنسان في هوية واحدة.

3. اختزال الحلول في وسيلة واحدة.

4. اختزال المستقبل في وعد واحد.

وفرق بين أن يكون الواقع هو الذي ينتج أو يصيغ الشعارات، وبين أن تكون الشعارات هي من تعيد تفسير الواقع أو تحاول نزييفه، واختزال الانسان في هوية واحدة مرتبط باختزال الهوية في شعار محدد، كذلك الحلول، تختزل في التشفي اللفظي الخطابي، الذي لا يحل عقدة، ولا يوصل الى مخرج، وفي هذه الحالة، يختزل المستقبل في وعد واحد يستبطنه الشعار، وكلما استمر المجتمع بترديد الشعار، تضخمت صورة واهمة للوعد الذي يحمله الشعار.

للشعار قدرة هائلة على صياغة ملامح الهوية، لكن ذلك لن يكون إيجابيا دائما لأنه في الوقت نفسه يصنع حدود مغلقة للتفكير، لأن الشعار يصادر كثير من القضايا التي تحتاج إلى مرونة في التفكير، فكل شعار يحدد، (من نحن، ومن هم، وما الحق، وما الباطل..)، بمعنى أن الشعار يعمل كأدوات لاستقطاب الوعي، والجماعات في غالب سلوكها الجمعي لا تفكر بالمنطق، بل تتحرك بالعواطف، والشعار هو من يمنح شحنة العاطفة، لتحل بديلا عن التفكير والتخطيط، وملاحظة الواقع، بكل ما يتضمنه من نسيج معقد.

والتاريخ مليء بالأمثلة التي تغلب فيها الشعارات، بينما تضمحل الانجازات، فكم من ثورة رفعت شعارات الحرية وانتهت إلى الاستبداد، وكم من حركة رفعت شعارات العدالة وأنتجت أنظمة أكثر ظلما، وكم من مشاريع دينية رفعت شعارات الإصلاح ثم انتهت إلى الانغلاق، كما حدث في الحركة الاصلاحية التي بدأت إصلاحية وانتهت بولادة السلفيات المتشددة.

الفرق بين الرؤية والشعار

على صعيد التنظير المؤسسي أة الاستراتيجي، الرؤية ليست شعارا، بل هي تصور معرفي متكامل، بينما الشعار مجرد ترجمة لغوية مختصرة، والرؤية تجيب عن اسئلة مركزية، لماذا؟، وكيف؟، ومتى؟، وبأي أدوات؟، وما حدود الإمكان؟، أما الشعار فلا يجيب إلا عن: ماذا نريد؟، ولهذا لا يجوز أن يعمل الشعار على صياغة الرؤية، بل ينبغي أن تولد الشعارات من الرؤية، وحسب المجال الاستراتيجي توجد ثلاثة مستويات، (الرؤية، والرسالة، والقيم أو الأهداف)، وهذه جميعا تختلف عن الشعار، فالشعار مجرد أداة تسويقية أو تحفيزية، أما الرسالة فهي وظيفة المؤسسة، والرؤية هي المستقبل الذي تريد الوصول إليه.

ولسنا بحاجة إلى إلغاء الشعارات تماما، بل إلى إعادة ترتيب موقعها، فينبغي البدء من ملاحظة الواقع والإمكانات، والمشكلة هي أن المجتمعات تبدأ بالشعار وتنتهي بالشعار، في حين أن المجتمع لا ينهض بقوة الشعار فقط، وإنما بقوة الأفكار التي يستطيع الاستغناء بها عن الشعار.

إن أخطر ما يفعله الشعار هو تضليل المجتمع الذي أنتجه، فمع تكرار الشعار يتشكل يقين نفسي بحتمية الشعار، حتى يكون من الصعب نقده، بل يصبح نقد الشعار ضربا من الخيانة، بينما الواقع أمر مختلف، وقدسية بعض الشعارات تمنع اختبار الواقع، وعندئذٍ يفقد المجتمع قدرته على المراجعة، لأن الشعار يكتسب قداسة لا تسمح بقياس نتائجه أو مساءلة جدواه.

ويمكن القول أن المجتمع الذي يكثر فيه ترديد الشعارات، هو مجتمع يعوض عجزه عن الإنجاز بوفرة الخطابات، والمجتمعات الناضجة تقل فيها الشعارات بقدر ما تزداد فيها الخطط والمؤسسات والمؤشرات القابلة للقياس،والتمييز المنهجي بين الرؤية والرسالة والشعار ليس ترفا تنظيريا، بل هو شرط لحماية العقل من الانزلاق إلى الطوباوية، فالرؤية تعين على فهم الواقع، والرسالة تحدد الوظيفة، والخطة تترجم الإمكانات، أما الشعار فليس إلا التعبير اللغوي الأخير عن مشروع سبق أن اكتمل في الفكر والتنظيم، وكل شعار يسبق الرؤية أو يغني عنها، إنما يؤسس لواقعٍ تتم إدراته بالألفاظ أكثر مما تتم إدارته بالأفكار.

***

د. اسعد عبد الرزاق الأسدي

في المثقف اليوم